فيرمي الجمرة الأولى وتلي مسجد الخيف سبع حصيات ويجعلها عن يساره ويتأخر قليلا ويدعو طويلا ثم مثلها ثم جمرة العقبة ويجعلها عن يمينه ويستبطن الوادي ولا يقف عندها يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال مستقبل القبلة مرتبا
الشروح عليها
(فيرمي الجمرة الأولى وتلي مسجد الخيف سبع حصيات) متعاقبات يفعل ذلك كما تقدم في جمرة العقبة (ويجعلها) أي الجمرة (عن يساره ويتأخر قليلا) بحيث لا يصيبه الحصا (ويدعو طويلا) رافعا يديه، (ثم) يرمي (الوسطى مثلها) سبع حصيات [يرمي] ويتأخر قليلا ويدعو طويلا لكن يجعلها عن يمينه، (ثم) يرمي (جمرة العقبة) بسبع كذلك (ويجعلها عن يمينه ويستبطن الوادي ولا يقف عندها عندما يفعل هذا) الرمي للجمار الثلاث على الترتيب والكيفية المذكورة (في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال) فلا يجزئ قبله ولا ليلا لغير سقاة ورعاة، والأفضل الرمي قبل صلاة الظهر ويكون (مستقبل القبلة) في الكل، (مرتبا) أي يجب ترتيب الجمرات الثلاث على ما تقدم.
لا زيادة له على هذه المسألة.
. (فيرمي الجمرة الأولى (١) وتلي مسجد الخيف وهو المسجد المعروف، وأول من بناه المنصور العباسي، وهو محل خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بمنى وصلواته «والخيف» ما انحدر من غلظ الحبل وارتفع عن مسيل الماء.
يساره) . ويتأخر قليلاً) بحيث لا يصيبه الحصى وعبارة الموفق وغيره: ثم يتقدم قليلاً، كما في الصحيح وغيره، فإنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه تقدم أمامها، حتى أسهل فقام مستقبل القبلة.
بحيث لا يصيبه الحصى (ويدعو طويلاً) رافعا يديه بقدر سورة البقرة، وقاله الشيخ، وتلميذه وغيرهما، لما في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما: فيقوم مستقبل القبلة، قيامًا طويلاً ويدعو ويرفع يديه وقيده بعضهم بقدر سورة البقرة. فيكون مستقبل القبلة،
وعنه: يستقبلها لما ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم أنه كان يرميها من بطن الوادي، مستقبلاً لها، ويكون البيت عن يساره،
وقال الشيخ: هذا هو الذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وتقدم.
كذلك . (ويجعلها عن يمينه (١) ويستبطن الوادي لما تقدم من الأخبار، والعمل عليه عند أهل العلم، وبعضهم يرى وجوبه.
يجزئ قبله . ولا ليلاً لغير سقاة ورعاة فهم يرمون ليلاً ونهارًا «والسقاة» جمع ساق، اسم فاعل والسقاية: مصدر، كالحماية والرعاية، مضاف إلى المفعول: وليس المراد الذين يأتون بالماء للحاج، إنما الرخصة لسقاة زمزم خاصة، لأنها إنما وقعت للعباس، وهو صاحب زمزم، كما قاله المجد وغيره، والرعاة: هم رعاة الإبل خاصة، بضم الراء، جمع راع، ويجمع على رعيان.
لغير سقاة ورعاة والأفضل الرمي قبل صلاة الظهر لفعله صلى الله عليه وسلم.
«فيرمي الجمرة الأولى وتلي مسجد الخيف بسبع حصيات ويجعلها عن يساره». صفة الرمي على المذهب: أن يرمي الجمرة الأولى، وتلي مسجد الخيف، وتسمى الجمرة الصغرى، ويجعلها عن يساره حال الرمي بسبع حصيات متعاقبات ويستقبل القبلة، ولا يرمي تلقاء وجهه. «ويتأخر قليلاً ويدعو طويلاً»، أي: يبعد إلى موضع لا يناله فيه الحصا، ولا يتأذى بالزحام، ويدعو طويلاً مستقبل القبلة، وقد ورد عن النبي ﷺ، أنه بقدر ما يقرأ سورة البقرة ، رافعاً يديه. «ثم الوسطى مثلها» لكن يجعلها عن يمينه، والقبلة أمامه على كلام الأصحاب رحمهم الله فيرميها بسبع حصيات متعاقبات.
ثُمَّ جَمَرَةَ العَقَبَة، وَيَجْعَلُهَا عَن يَمِيِنِه، وَيَستَبْطِنُ الوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، .. «ثم جمرة العقبة، ويجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي»، أي: يرميها بسبع حصيات متعاقبات، ويستقبل القبلة، ويرمي من بطن الوادي، ويجعلها عن يمينه كالوسطى.
ولكن الصحيح خلاف ما ذكره المؤلف،
والصحيح أنه يرمي مستقبل القبلة في الأولى والوسطى، ويجعل الجمرة بين يديه، وما ذكره من الصفات مردود بأنه لا دليل عليه.
أما الثالثة فيرميها من بطن الوادي مستقبل الجمرة، وتكون الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه؛ لأن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه رماها كذلك وقال:«هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة»، يعني رسول الله ﷺ، وحينئذ يستثنى من استقبال القبلة في رمي الجمرات جمرة العقبة، وإنما كان الأمر كذلك؛ لأنه في عهد الرسول ﷺ لا يمكن أن تستقبل القبلة، وترمي جمرة العقبة بحيث تكون بين يديك، لأجل الجبل، لأنها ملاصقة للجبل،
وفي هذا دليل واضح على أن المقصود هو استقبال الجمرة، سواء استقبلت القبلة أم لم تستقبلها، لكن في الجمرة الأولى والوسطى يمكن أن تجمع بين استقبال القبلة واستقبال الجمرة،
أما في العقبة فلا يمكن أن تجمع بين استقبال القبلة واستقبال الجمرة، ولذلك فُضِّل استقبال الجمرة. «ولا يقف عندها»، أي: لا يقف عند جمرة العقبة فإذا رماها انصرف، وإنما يقف بعد الأولى والوسطى.
قال بعض العلماء: لأن المكان ضيق،
فلو وقف لحصل منه تضييق على الناس وتعب في نفسه.
وقال بعض العلماء: لأن الدعاء التابع للعبادة يكون في جوف العبادة ولا يكون بعدها، ولذلك دعا بعد الأولى ودعا بعد الوسطى وهذه انتهت بها العبادة؛ وهذا على قاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية واضح، ولهذا يرى أن الإنسان إذا أراد أن يدعو في الصلاة، فليدع قبل أن يسلم؛ لا بعد أن يسلم، لا في الفريضة، ولا في النافلة. وبه نعرف أيضاً أن الدعاء على الصفا والمروة يكون في ابتداء الأشواط لا في انتهائها،
وأن آخر شوط على المروة ليس فيه دعاء؛ لأنه انتهى السعي، وإنما يكون الدعاء في مقدمة الشوط كما كان التكبير أيضاً في الطواف في مقدمة الشوط، وعليه فإذا انتهى من السعي عند المروة ينصرف،
وإذا انتهى من الطواف عند الحجر ينصرف، ولا حاجة إلى التقبيل، أو الاستلام، أو الإشارة، والذي نعلل به دون أن يعترض معترض أن نقول هكذا فعل النبي ﷺ.
يَفْعَلُ هَذَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشرِيقِ بَعْدَ الزَّوَالِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ مُرَتِّباً فَإِن رَمَاهُ كُلَّهُ فِي الثَّالثِ أجْزَأه، وَيُرتِّبهُ بِنِيَّتِهِ فَإِن أخَّرَهُ عَنْهُ، أَوْ لَمْ يَبِتْ بِهَا، فَعَلَيهِ دَمٌ. «يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال» يفعل هذا، أي: رمي الجمرات الثلاث، على ما وصف في كل يوم من أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد العيد سميت أيام التشريق لأن الناس يشرقون فيها اللحم أي ينشرونه إذا طلعت الشمس، فتشرق عليه الشمس وييبس ولا يُعفِّن،
وقيل: إنها تسمَّى أيام التشريح أيضاً؛ لأن الناس يشرحون فيها اللحم. «بعد الزوال»، أي زوال الشمس ويكون الزوال عند منتصف النهار، وعليه يكون وقت الرمي من زوال الشمس إلى غروبها، فلا يجزئ الرمي قبل الزوال، ولا يجزئ بعد الغروب؛ لأن ذلك خارج عن اليوم،
والدليل على أنه لا يجزئ قبل الزوال ما يلي:
أولاً: أن النبي ﷺ: «رمى بعد الزوال»، وقال:«لتأخذوا عني مناسككم». ثانياً: ولأنه لو كان الرمي قبل الزوال جائزاً لفعله النبي ﷺ، لما فيه من فعل العبادة في أول وقتها من وجه،
ولما فيه من التيسير على العباد من وجه آخر، لأن الرمي في الصباح قبل الزوال أيسر على الأمة من الرمي بعد الزوال؛ لأنه بعد الزوال يشتد الحر ويشق على الناس أن يأتوا من مخيمهم إلى الجمرات، ومع شدة الحر يكون الغم مع الضيق والزحام، فلا يمكن أن يختار النبي ﷺ الأشد ويدع الأخف، فإنه ما خيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً ، فنعلم من هذا أنه لو رمى قبل الزوال صار ذلك إثماً، ولذلك تجنبه النبي ﷺ، ولعل هناك
فائدة وهي ابتلاء العباد هل يرمون مع المشقة أو يتقدمون خوف المشقة؟ وليس هذا ببعيد أن يبتلي الله عباده بمثل هذا،
ولما فيه من تطويل الوقت من وجه ثالث، فلما كان الرسول ﷺ يتعمد أن يؤخر حتى تزول الشمس مع أنه أشق على الناس، دل هذا على أنه قبل الزوال لا يجزئ.
ثالثاً: أن الرسول ﷺ كان يبادر بالرمي حين تزول الشمس فيرمي قبل أن يصلي الظهر ، وكأنه يترقب زوال الشمس ليرمي ثم ليصلي الظهر،
ولو جاز قبل الزوال لفعله ﷺ،
ولو مرة بياناً للجواز، أو فعله بعض الصحابة وأقره النبي ﷺ وهذا هو القول الراجح، أعني القول بمنع الرمي قبل الزوال. وقد رخص بعض العلماء في اليوم الثاني عشر لمن أراد أن يتعجل أن يرمي قبل الزوال، ولكن لا يتعجل إلا بعد الزوال وبعضهم أطلق جواز الرمي في اليوم الثاني عشر قبل الزوال، ولكن لا وجه لهذا إطلاقاً مع وجود السنة النبوية،
فلو قال قائل إن الله يقول: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ، والأيام تكون في أول النهار وآخر النهار؟
فالجواب: أن هذا المطلق في القرآن بينته السنة، وليس هذا أول مطلق تبينه السنة، فما دام النبي ﷺ ذكر الله برمي الجمرات في هذا الوقت فإنه لا يجزئ قبله.
وأما الرمي بعد غروب الشمس فلا يجزئ على المشهور من المذهب، لأنها عبادة نهارية فلا تجزئ في الليل كالصيام.
وذهب بعض العلماء إلى إجزاء الرمي ليلاً،
وقال: إنه لا دليل على التحديد بالغروب؛ لأن النبي ﷺ : حدد أوله بفعله ولم يحدد آخره.
وقد سئل الرسول ﷺ كما في صحيح البخاري فقيل:«رميت بعدما أمسيت، قال: «لا حرج» والمساء يكون آخر النهار، وأول الليل ، ولما لم يستفصل الرسول ﷺ ولم يقل بعدما أمسيت في آخر النهار، أو في أول الليل، علم أن الأمر واسع في هذا. ثم إنه لا مانع أن يكون الليل تابعاً للنهار، فالوقوف بعرفة ركن من أركان الحج، والليل فيه تابع للنهار، فإن وقت الوقوف يمتد إلى طلوع الفجر.
ولهذا نرى أنه إذا كان لا يتيسر للإنسان الرمي في النهار، فله أن يرمي في الليل، وإذا تيسر لكن مع الأذى والمشقة، وفي الليل يكون أيسر له وأكثر طمأنينة، فإنه يرمي في الليل؛ لأن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من المتعلق بزمن العبادة، وما دام أنه ليس هناك دليل صحيح صريح يحدد آخر وقت الرمي، فالأصل عدم ذلك. «مستقبل القبلة مرتباً»، سبق القول في قوله مستقبل القبلة، والمراد بالترتيب هنا الترتيب في الجمرات أن يرمي الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، ودليله قول النبي ﷺ :«لتأخذوا عني مناسككم»، فإن نكس ورمى العقبة، ثم الوسطى، ثم الأولى صحت الأولى فقط، ووجب عليه أن يرمي الثانية، والثالثة .
وقال بعض أهل العلم: إن الترتيب ليس بشرط، لكنه ندب وقال: إن هذا ليس أولى من عدم الترتيب في أنساك يوم العيد، وأنساك يوم العيد لا يشترط فيها الترتيب، وعورض هذا بأن الرمي عبادة واحدة فلا بد أن تفعل كما ورد عن النبي ﷺ، بخلاف أنساك يوم العيد، فإنها عبادات متنوعة، كل عبادة مستقلة عن الأخرى. ولكن نقول: ما دام الإنسان في سعة فيجب الترتيب، وأنه لو سألنا في أيام التشريق، فقال: إنه رمى منكساً لسهل علينا أن نقول: اذهب وارم مرتباً، لكن إذا كان الأمر قد فات بفوات أيام التشريق، وجاء وسأل فقال: إني رميت من غير أن أعلم فبدأت بجمرة العقبة، فلا بأس بإفتائه بأن رميه صحيح؛ لأنه ليس هناك قول عن الرسول ﷺ بوجوب الترتيب بينها، وليس هناك إلا مجرد الفعل، وعموم:«لتأخذوا عني مناسككم».
ولا سيما أن كثيراً من العلماء قالوا: يسقط الترتيب بين أعضاء الوضوء بالجهل والنسيان، وبين الفوائت بالجهل والنسيان، وبين الصلاتين المجموعتين بالجهل، فهذا يدل على أنه إذا اختل الترتيب لعذر من الأعذار، فإنه يسقط عن الإنسان؛ لأنه أتى بالعبادة لكن على وجه غير مرتب.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.