إلا عند الضرورة إذا لم يمكن التسقيف إلا به
الشروح عليها
(إلا عند الضرورة) فيجوز (إذا لم يمكنه التسقيف إلا به) ولا ضرر؛ لحديث أبي هريرة يرفعه «لا يمنعن جار جاره أن يضع خشبة على جداره؛ ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم» متفق عليه.
لا زيادة له على هذه المسألة.
يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين أي ثم يقول أبو هريرة - وذلك أيام إمارته على المدينة زمن مروان - مالي أراكم عنها. أي عن وضع الخشب على جدار الجار، معرضين عن العمل بذلك الحكم الشرعي.
معرضين والله لأَرمين بها بين أكتافكم. متفق عليه أقسم على ذلك مبالغة في الحمل على وضعها، فدل على أنه لا يحل للجار أن يمنع جاره من وضع الخشب في جداره، ويجبره الحاكم إذا امتنع، لأنه حق ثابت لجاره، ما لم يحصل ضرر على الجار، وهو مذهب أحمد، وأهل الحديث وغيرهم،
وقال البيهقي: لم نجد في السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكم إلا عمومات لا يستنكر أن يخصها. وقضى به عمر في زمن وفور الصحابة، ولم يخالفه أحد، ولأنه انتفاع بحائط جاره، على وجه لا يضر به،
وقال الشيخ: إذا كان الجدار مختصًا بشخص، لم يكن له أن يمنع جاره من الانتفاع بما يحتاج إليه الجار، ولا يضر بصاحب الجدار. واختار الموفق وجمع: وضعها عند الحاجة، وظاهر الحديث عدم اعتبار تضرر الملك، وعلى من يريد الغرز أن يتوقى الضرر مهما أمكن،
ويجب عليه إصلاح ما يقع حال الغرز.
«إذا لم يمكنه التسقيف إلا به» هذه الضرورة مثل أن يكون الخشب قصيراً لو أنه سَقَّفَهُ على جداره هو لكانت المسافة بعيدة، فلا يمكن التسقيف به لقصر الخشب.
مثاله: حجرة طولها أربعة أمتار وعرضها متران، والعرض هو جدار الجار، والخشب الذي عنده طوله متران ونصف،
فلو أراد أن يجعل الخشب على الأمتار الأربعة لا يمكن، إذن لا بد أن يجعله على المترين، والمتران هما الجدار الذي لصاحبه، فنقول: لك أن تضع الخشب على جدار جارك سواء رضي أم لم يرض،
فإن قال هل لذلك شرط؟
قلنا: نعم، الشرط ألا يتضرر الجدار بذلك، مثل أن يكون الجدار رهيفاً والخشب ثقيلاً، ويتضرر الجدار، ويخشى عليه من الانهدام فحينئذٍ لا يحل له أن يضعه، لقول النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» ، لكن إذا كان لا يضره فإنه لا يمنعه ما دام محتاجاً إلى ذلك.
فإذا قال الجار: أخرج عمودين واجعل بينهما جسراً، وضع الخشبة عليهما من داخل بيتك فإنه لا يلزمه؛ لأننا إذا قلنا: يلزمه، لم يبق للحديث الذي ذكره النبي ﷺ معنى من المعاني أبداً، وهو قوله ﷺ :«لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه في جداره»، والنهي هنا للتحريم، وإنما حرم النبي ﷺ المنع؛ لأن في وضع الخشب مصلحة لصاحب الجدار ومصلحة للجار.
أما مصلحة الجار فظاهرة؛ لأنه يسلم من أن يقيم أعمدة وسقوفاً قوية تحمل الخشب،
وأما مصلحة ذلك لصاحب الجدار؛ فلأن الخشب يشد الجدار ويقويه، ويقيه الشمس، والمطر، ففيه مصلحة للطرفين، ولهذا نهى النبي ﷺ الجار أن يمنع جاره من وضع خشبه على جداره، قال أبو هريرة:«ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم»، قال ذلك حين كان أميراً على المدينة،
وكلامه رضي الله عنه يحتمل معنيين:
المعنى الأول:«ما لي أراكم عنها»، أي: عن هذه السنة «معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم»، وخص الأكتاف لأنها موضع التحمل. المعنى الثاني:«ما لي أراكم عنها معرضين»، أي: تمنعون من وضع الخشب، «والله لأرمين بها ـ أي بالخشب ـ بين أكتافكم»، يعني لو لم أجد ما أضعها عليه إلا أكتافكم لوضعتها على أكتافكم؛ لأنه كان أميراً، وهذا كقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمحمد بن مسلمة:«والله لأجرينه ولو على بطنك»؛
وذلك أن له مُلْكَين وبينهما ملك لجاره، فأراد أن يجري الماء من ملكه إلى ملكه الثاني مارّاً بملك جاره، فمنعه جاره وقال: لا يمكن أن تجري الماء على أرضي، فألزمه عمر رضي الله عنه بذلك، أي: بأن يجري الماء على أرضه؛ لأنه لم تكن هناك مصلحة من المنع، فصاحب الأرض ينتفع فيزرع ويغرس على هذا الساقي الذي يمشي، والجار ـ أيضاً ـ ينتفع، لكن لو فرض أن الجار الذي منع من جريان الماء يريد أن يقيم عليها بيتاً فحينئذٍ له الحق،
أما وهي بستان فجريان الماء ينفعها.
ولو قال صاحب الجدار: لا تضع الخشب حتى تسلم نصف قيمة الإيجار، فإنه لا يلزمه أن يسلمه؛ لأن الجدار ملك لبانيه، وهذا الجار إن رضي أن يكون شريكاً له في هذا الجدار ويشتريه منه فله،
وإن لم يرض فإنه لا يجبر، وبناء على ذلك فإن ما يعرف عند الناس بالمباناة لا تحل للجار، فبعض الناس إذا بنى بيته وجاء جاره وبنى قال له: أعطني نصف تكاليف الجدار، فهذا حرام عليه؛ لأنه إنما بنى الجدار على أنه ملكه، فما الذي يُحل له أن يأخذ نصف تكاليفه من هذا الجار؟! نعم تلزمه إن علمنا أن الجار تباطأ في البناء وتأخر من أجل أن يبني الجار.
فالشرط لوضع الخشب ألا يكون على الجدار ضرر، والشرط الذي أشار إليه المؤلف أن يكون الجار محتاجاً إلى وضع الخشب.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.