فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الروض المربعالبهوتي

(ولا ينفذ تصرفه) أي: المحجور عليه لفلس (في ماله) الموجود والحادث بإرث أو غيره (بعد الحجر) بغير وصية أو تدبير،

لا زيادة له على هذه المسألة.

حاشية الروض المربعابن قاسم، حاشية على الروض المربع

ماله) الموجود، والحادث بإرث أو غيره (بعد الحجر) هذا أحد الأحكام الأربعة المتعلقة بالحجر على المفلس، وهو تعلق حق الغرماء بماله الموجود قبل الحجر، والحارث بإرث أو غيره، كأرش جناية، ووصية وصدقة، وهبة، ونحو ذلك بعد الحجر، فحكمه كالموجود حال الحجر، لا ينفذ تصرفه فيه تصرفًا مستأنفًا، كبيع وهبة، ووقف، وعتق، وإصداق، ونحوه، لأنه محجور عليه فيه، أشبه الراهن، فلم يصح تصرفه، وهو قول مالك، والشافعي.

أو غيره (بعد الحجر) بغير وصية أو تدبير لأنه لا تأثير لذلك إلا بعد الموت، وخروجه من الثلث بعد وفاء دينه، و "أو" هنا بمعنى الواو،

٤٬٩٣٧

ويصح أن يتصدق بالشيء اليسير، قال أحمد: وقضاء دينه أوجب. وصوبه في الإنصاف،

٤٬٩٣٨

وقال: يصح بما جرت العادة بمثله، ويتسامح به، بلا خلاف،

٤٬٩٣٩

ومن عليه نفقة واجبة فلا يملك التبرع بما يخل بالنفقة الواجبة وكلام أحمد يدل عليه.

الشرح الممتع على زاد المستقنعابن عثيمين

«ولا ينفذ تصرفه في ماله بعد الحجر» يعني بعد أن نحجر عليه لا ينفذ تصرفه في ماله، لا ببيع ولا شراء ولا تأجير ولا هبة ولا رهن ولا وقف، فأي تصرف في المال لا ينفذ؛ لأنه محجور عليه فأصبحت أمواله مشغولة بحقوق الغرماء، فصار كالراهن يبيع الرهن، وبيع الرهن ـ كما سبق ـ غير صحيح، وهذه

١٣٬٠٤١

فائدة الحجر، أن نمنعه من التصرف في ماله لحق الغرماء، فهذا محجور عليه لحق غيره.

مثال ذلك: رجل حجرنا عليه وعنده سيارة قد وضعها في المعرض قبل الحجر عليه، فهل يمكن أن يبيعها؟

الجواب: لا يمكن؛ لأنه إذا حجر عليه لا يمكن أن يتصرف.

وقوله:«في ماله» يؤخذ منه أنه يصح تصرفه في ذمته، بأن يشتري شيئاً بثمن مؤجل، وهو كذلك،

١٣٬٠٤٢

فلو اشترى المحجور عليه في ذمته لم نمنعه؛ لأن المال الذي حجر عليه لا يتضرر بذلك، ولكن البائع لا يدخل مع الغرماء فيما حجر عليه فيه هذا الشخص،

١٣٬٠٤٣

فإذا اشترى من شخص سيارة فنقول: الشراء صحيح، لكن لا ينقد ثمنها من المال الذي عنده، وتكون السيارة للمحجور عليه.

وصاحب السيارة لا يدخل مع الغرماء في ماله السابق؛ وذلك لأنه حجر عليه قبل هذا التصرف.

وقوله:«بعد الحجر» يؤخذ منه أن تصرفه قبل الحجر صحيح،

١٣٬٠٤٤

ولو أضر بالغرماء، فلو كان عليه دين وماله أقل من دينه، وتصرف فيه بالهبة بأن وهب من وجد من الناس، فتصرفه صحيح. مثاله: إنسان عليه عشرة آلاف، وليس عنده إلا ثمانية آلاف، فذهب يتبرع للناس، فكل من وجد تبرع له، فنقول: لا يصح التبرع، مع أنه بالغ عاقل رشيد؛ لأن المال الآن تعلق به حق الغرماء.

فظاهر كلام المؤلف أن تصرفه صحيح ولو أضر بالغرماء ولكنه آثم، وهذا هو المذهب.

واختار شيخ الإسلام رحمه الله أن تصرفه قبل الحجر، إن كان مضراً بالغرماء فهو غير صحيح ولا نافذ،

١٣٬٠٤٥

وإن كان غير مضر فهو صحيح ونافذ، وهذا أصح؛ ووجهه أن تصرفه في ماله تصرفاً يضر الغرماء حرام ـ حتى على المذهب ـ والشيء الحرام لا يجوز أن ينفذ؛ لأن تنفيذ ما حرم الله مضادة لله عز وجل،

١٣٬٠٤٦

وقال النبي ﷺ :«كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط»، ولهذا سئل الإمام أحمد رحمه الله عن المدين، هل يتصدق أو لا؟ قال: بالشيء اليسير كالخبزة وشبهها،

١٣٬٠٤٧

وأما ما يضر بالغرماء فلا يجوز، على أننا نرى أنه لا يجوز أن يتصدق ولو بالقليل ما دام عليه دين أكثر مما عنده من المال؛ لأن القليل، مع القليل كثير،

١٣٬٠٤٨

فإذا قلنا تصدق ـ مثلاً ـ بدرهم على هذا الفقير، فجاء فقير آخر تصدق بدرهم وهلم جراً، فصار القليل كثيراً فالمنع أولى؛ ولأننا إذا منعناه من الصدقة، وقلنا: لا يمكن أن تتصدق، صار ذلك أشحذ لهمته في وفاء دينه؛ لأن الإنسان قد لا يحتمل أن يبقى لا يتصدق.

١٣٬٠٤٩

ولو أراد أن يعتمر وعليه دين أكثر من ماله، ومعه مال الآن يستطيع أن يعتمر به، فإننا نقول: لا تعتمر، وهذا حرام عليك، قال: ما أديت الفريضة، قلنا: لا فريضة عليك؛ لأن من شرط وجوب العمرة والحج ألا يكون على الإنسان دين، فليس عليك فريضة الآن، قال: زملائي يحجون،

١٣٬٠٥٠

قلنا: ولو كان، فلا يمكن حتى توفي الدَّين،

١٣٬٠٥١

فإذا قال: يريدون أن أذهب معهم مجاناً،

فهذا فيه تفصيل:

إن كان يمنعه من عمل يكسب به فلا يجوز،

١٣٬٠٥٢

وإن كان لا يمنعه وهو إنسان عاطل ليس عنده عمل، أو جاءت الإجازة ـ مثلاً ـ فلا حرج؛ لأنه هنا لا يضر بالغريم في شيء.

والعجب أن بعض الناس ـ نسأل الله لنا ولهم الهداية ـ تكون عليهم الديون ويقومون بإكرام الناس ودعوتهم كما يفعل الغني، هذا خطأ! وهو آثم في ذلك؛ لأن قضاء الدين واجب، ومثل هذه الأمور مستحبة وليست بواجبة؛ لكن أكثر الناس لا يعقلون هذا الأمر ويستهينون بأمر الدَّيْن، مع أن أمر الدَّيْن عظيم جدّاً، حتى إن الرسول ﷺ قبل أن يفتح الله عليه كان إذا قدمت إليه جنازة وعليها دين يمتنع من الصلاة عليها ، وهذا أمر عظيم، الرسول ﷺ لا يشفع له!

١٣٬٠٥٣

وكذلك ـ أيضاً ـ الرجل يقتل في سبيل الله، تكفر الشهادة كل شيء إلا الدَّين، ولهذا لما سئل النبي ﷺ عن الشهادة قال:«إنها تكفِّر كل شيء»، فانصرف الرجل فناداه فقال:«إلا الدَّين أخبرني بذلك جبريل آنفاً»، فالتهاون بالدين ليس من العقل ولا من الشرع أيضاً.

والخلاصة الآن: يحجر على المدين إذا كان ماله أقل من دينه، لكن بشرط سؤال الغرماء أو بعضهم،

١٣٬٠٥٤

فإن لم يسألوا فلا حرج إذا لم يحجر عليه، لكن الصحيح أنه محجور عليه شرعاً، لا حكماً، والدليل قول النبي ﷺ :«مطل الغني ظلم»، والتبرع بماله يؤدي إلى المطل، وعدم الوفاء، فيكون ذلك ظلماً، لكن يفترق عن المحجور عليه حكماً، بأن هذا يصح أن يتصرف في ماله بغير التبرع، فيجوز أن يتصرف لكن لا يتبرع فيبيع ويشتري ـ مثلاً ـ ولا حرج، فهذا هو الفرق.

ولهذا نقول للمدين الذي ماله أقل من دينه ولم يحجر عليه: بع واشتر ليس ثمة مانع، لكن لا تتصدق ولا تتبرع،

١٣٬٠٥٥

وإذا جاءه صاحب له وأراد أن يبيع عليه ما يساوي عشرة بثمانية فهذا لا يجوز؛ لأن هذا تبرع في الواقع.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.