وهي أنواع: فشركة عنان: أن يشترك بدنان بماليهما "المعلوم ولو متفاوتا" ليعملا فيه ببدنيهما
الشروح عليها
(وهي) أي: شركة العقود وهي - المقصودة هنا - (أنواع)
خمسة:
فأحدها: (شركة عنان) سميت بذلك لتساوي الشريكين في المال والتصرف، كالفارسين إذا سويا بين فرسيهما وتساويا في السير، وهي (أن يشترك اثنان) أي: شخصان فأكثر، مسلمين أو أحدهما، ولا تكره مشاركة كتابي لا يلي التصرف (بماليهما المعلوم) كل منهما الحاضرين، (ولو) كان مال كل (متفاوتا) بأن لم يتساو المالان قدرا أو جنسا أو صفة، (ليعملا فيه ببدنيهما) أو يعمل فيه أحدهما، ويكون له من الربح أكثر من ربح ماله،
فإن كان بدونه لم يصح وبقدره إبضاع،
وإن اشتركا في مختلط بينهما شائعا صح إن علما قدر ما لكل منهما،
. وهي (أن يشترك بدنان) أَي شخصان فأَكثر جائزا التصرف، وعبارة الإقناع وغيره: أن يشترك اثنان فأكثر. فلذا صرف الشارح العبارة.
يشترك بدنان) أَي شخصان فأَكثر مسلمين، أَو أَحدهما يعني مسلمًا، والآخر كافرًا، مجوسيًا كان أو وثنيًا، وتصح شركتهما مع الكراهة.
منهما (متفاوتًا) . بأَن لم يتساو المالان قدرًا كما لو كان مع أحدهما مائة، ومع الآخر خمسون.
لم يتساو المالان قدرًا أو جنسا، أو صفة كما لو كان مع أحدهما دنانير، ومع الآخر دراهم، أو مع أحدهما دراهم ناصرية، ومع الآخر دراهم ظاهرية، وعند التراجع يرجعان بما أخرجاه، وما بقي فربح.
لا زيادة له على هذه المسألة.
بَابُ الشركة وَهِيَ اجتماعٌ فِي اسْتِحقَاقٍ أَوْ تَصَرُّفٍ ............... «الشركة» الشركة لفظها بوزن عَرَفَة ونَمِرَة وحِكْمة،
فإذا كان بوزن عَرَفَة نقول: شَرَكَة، وبوزن نَمِرَة نقول: شَرِكَة، وبوزن حِكْمة نقول: شِرْكَة، وكلها جائزة.
وهي في الأصل: الاختلاط، فالاختلاط يسمى شركة.
وتعريفها: يقول المؤلف:
«وهي اجتماع في استحقاق أو تصرف».
فقوله:«اجتماع في استحقاق» بمعنى أن يكون شيء بين شخصين فأكثر اشتركا فيه باستحقاق، وهذه تسمى شركة الأملاك.
مثاله: ورثة ورثوا من أبيهم عقاراً، فهؤلاء اجتمعوا في استحقاق ليس بينهم عقد،
وكذا اشتراك المجاهدين في الغنيمة،
وكذا لو وُهِبَ لرجلين كتاب، وقد تكون في المنافع لا في الأعيان كما لو منحت رجلين الانتفاع بهذا البيت.
ودليلها قول الله تبارك وتعالى : ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ ، هذا اجتماع في استحقاق، والاجتماع في الاستحقاق يسمى شركة أملاك.
وقوله:«أو تصرف» وتسمى شركة عقود، وهي التي قد قسمها المؤلف إلى الأقسام الخمسة الآتية، بمعنى أن يتعاقد شخصان في شيء يشتركان فيه، وهذه لا تثبت إلا بعقد بين المتعاقدين.
واعلم أن من رحمة الله عز وجل وتوسيعه على عباده أنه أباح عقود الشركة؛ وذلك أن الإنسان قد لا يستطيع الاستقلال باستغلال ملكه، فهذا رجل عنده أموال كثيرة لكنه مشلول أو زَمِنٌ أو أعمى، فيعطي غيره من هذا المال لينتفع به ويتجر به ويكون الربح بينهما.
وأما حكمها فهي جائزة وليست حراماً، وهنا نسأل هل نحتاج إلى دليل على الجواز أو لا؟
الجواب: لا نحتاج إلى دليل على الجواز،
فلو قال لنا قائل: ما دليلكم على جواز الشركة؟ قلنا: لا حاجة إلى دليل؛ لأن الأصل في المعاملات الحل، فنقول: دليلنا عدم الدليل على المنع؛ لأن الأصل في المعاملات هو الحل، وقد قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ ، فأضاف الوَرِق إليهم جميعاً، وهذا لا شك أنه اشتراك في تصرف؛ لأن الظاهر أنهم ليسوا ورثة ورثوا هذه الدراهم.
إذاً هي اجتماع في استحقاق، أو تصرف، وهي جائزة حكماً تكليفيّاً، والدليل على الجواز عدم الدليل على المنع.
ثم لنا دليل من الشرع،
أما شركة الاستحقاق فقوله ـ تعالى ـ: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ ،
وأما شركة العقود فكما ذكرنا في قصة أصحاب الكهف ـ وأيضاً ـ قال الله ـ تعالى ـ: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ ، فدل على أن الشركة ممكنة.
أما حكمها من حيث الحكم الوضعي فإنها من العقود الجائزة وليست من العقود اللازمة، بمعنى أنه يجوز لكل واحد من المشتركين أن يفسخ الشركة.
مسألة: هل الأولى المشاركة أو الأولى الانفراد؟ يعني هل الأولى أن يتصرف الإنسان في ماله بنفسه ولا يجعل معه شريكاً، أو الأولى أن يشارك؟
الجواب: لا تستطيع أن تقول: هذا أولى أو غير أولى، لكن إذا تردد الإنسان فالانفراد أولى؛ لأن الإنسان يكون حرّاً في ماله لا أحد يحاسبه، وهو إن شاء تبرع وإن شاء منع،
وإن شاء تصدق وإن شاء جمع؛ ولأنه أسلم في الغالب، لكن قد يكون الإنسان لا يستطيع أن يتصرف في ماله بنفسه، فيحتاج إلى المشاركة، وعلى هذا فتجويز المشاركة من نعمة الله عز وجل ومن رحمته بالخلق، وإلا لو قيل: لا أحد يتصرف إلا في ماله الخاص، صار في هذا تضييق، فقد يكون الإنسان عنده مال كثير لكنه لا يحسن التصرف،
إما لعجز في بدنه أو لعجز في فكره أو لانشغاله في علمه أو ما أشبه ذلك، لكن المال كثير فيعطيه لإنسان حاذق في البيع والشراء، ويقول له: خذ بع واشتر في هذا المال، ولك نصف الربح أو ربع الربح أو ما أشبه ذلك.
وَهِيَ أَنْوَاعٌ فَشَرِكَةُ عِنَانٍ أَنْ يَشْتَرِكَ بَدَنَانِ بِمَاليْهِمَا المَعْلُومِ وَلَوْ مُتَفَاوِتاً لِيَعْمَلا فِيهِ بِبَدَنَيْهِمَا. «وهي أنواع» كأن الدليل على هذا التنويع هو التتبع والاستقراء، والتتبع والاستقراء طريق من طرق الأدلة، على أنه ربما تحدث أنواع من الشركات يصعب تنزيلها على ما قاله الفقهاء،
فإذا وجدنا نوعاً من الشركات حدث كما يحدث الآن في المعاملات الأخيرة، فلا نقول: إنه حرام؛ لأنه خارج عما قال الفقهاء؛ لأن الأصل الحل والإباحة.
وظاهر كلام المؤلف:«وهي أنواع» أنه يعود إلى الشركة بقسميها، أي شركة الأملاك وشركة العقود، ولكن هذا غير مراد وهو إنما يريد شركة العقود. «فشركة عِنان» من إضافة الشيء إلى نوعه؛ لأن الشركات أجناس، وأفرادها أنواع، قيل: إنها مشتقة من أعنة الخيل، فالشريكان كالمتسابقين كل منهما قد أمسك بعنان فرسه.
وقيل: إنها مشتقة من «عَنَّ له» إذا طرأ عليه، كأن كل واحد منهما طرأ عليه أن يشارك الآخر، لكن الاشتقاق الثاني لا يمنع دخول بقية الأنواع؛ لأن بقية الأنواع كلها إنما تحدث بما عَنَّ لكل واحد، أي: بما طرأ، فاشتقاقها من المعنى الأول أقرب إلى الصواب، فما هي شركة العنان؟
«بماليهما المعلوم ولو متفاوتاً ليعملا فيه ببدنيهما» إذاً هناك مال، وهناك بدن.
مثاله: زيد وعمرو أرادا أن يشتركا في المال والتصرف، كل واحد جاء بماله وقال للآخر: نحن شركاء، فهذه نسميها شركة عنان؛ لأنها جامعة بين المال والبدن.
وإذا قال قائل: ما الفائدة؟
قلنا: فائدتها:
أولاً: أن كلًّا من الشريكين ينشط الآخر.
ثانياً: ربما يكون مال كل واحد منهما ليس كثيراً يُمَكِّنُهُمَا أن يستوردا البضائع الكثيرة التي بها الفائدة الكثيرة، وهذا واقع، فمثلاً شخص عنده مليون ريال، والآخر عنده مليون ريال، لكن مليوناً واحداً لا يكفي لشراء بضائع كبيرة، تكون فائدتها كثيرة، فيجتمعان ويشتريان البضائع.
ثالثاً: أنه قد لا يتمكن كل واحد منهما أن يتجر بماله، فيحتاج إلى ضم مال الآخر إليه، حتى تتسع التجارة.
لكن اشترط شروطاً:
أولاً: قوله: «بماليهما» وهذا يدل على أنه لا بد أن يكون مملوكاً لهما، ولكن هل هذا شرط؟ أو نقول: بماليهما أو مال لهما حق التصرف فيه؟
الثاني: يعني إما أن يكون مالاً لهما، أو يكون مالاً هما فيه وكلاء، أو فيه أولياء، أو ما أشبه ذلك، لكن بالنسبة للوكلاء، لا بد فيه من الإذن.
ثانياً: قوله: «المعلوم» وضده المجهول؛ وذلك لأنه لا بد أن نرجع عند فسخ الشركة إلى المال، فكل شخص منا يريد ماله،
فإذا كان لا بد من الرجوع إلى المال، فإنه لا يمكن الرجوع، إلا إذا كان مال كل واحد منهما معلوماً، حتى يعرف عند تنضيض المال، ما لكل واحد منهما. وقوله:«ولو متفاوتاً» يعني بعضه أكثر من بعض، فمثال ذلك: إنسان شارك بمليون ريال،
والثاني بخمسمائة ريال، فلا يشترط أن يكون المالان سواءً؛ بل يجوز أن يتفاوتا، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ كيفية توزيع الربح.
وقوله:«ليعملا فيه ببدنيهما» أي: بأبدانهما أو بأبدان من ينيبانه، كما لو كان أحدهما عنده عبد أو خادم أو ما أشبه ذلك يتصرف في ماله، فهذا كأنه هو الذي تصرف، فقوله:«بأبدانهما» بناءً على الغالب، وإلا فإنه يجوز أن يكون أحدهما شريكاً في المال، وببدن خادمه أو عمه أو ابن عمه أو ما أشبه ذلك.
فإن قال: يعمل فيه أحدنا فقط؟ يقول في الروض : إنه من العنان، وظاهر كلام الماتن أنه ليس من العِنان، والواضح أن هذا فيه شبه من العِنان، وفيه شبه من المضاربة، فبالنظر إلى أن هذا يعمل بماله وبدنه يكون شبيهاً بالعنان، وبالنظر إلى أن أحدهما لا يعمل ببدنه، وإنما العمل في ماله يشبه المضاربة، فيمكن أن نقول: إن هذا جامع بين المضاربة وبين العنان، ولكن يشترط في هذا النوع أن يكون لمن عمل ببدنه من الربح أكثر من ربح ماله؛
لأجل أن يشتمل على شيء من المضاربة، فمثلاً أتيت بعشرة آلاف ريال وأتى هو بعشرة آلاف، وقلت له: اعمل أنت
أما أنا فلا أستطيع العمل، ولك من الربح النصف فهذا لا يصح، لا بد أن يكون له أكثر من ربح ماله؛ لأن الذي دفع المال ولم يعمل أتاه ربح ماله كاملاً، والذي دفع وعمل لم يأته إلا ربح ماله فقط، فيكون عمله هباء لا ينتفع منه بشيء.
وعندي أنه لا مانع من هذا العمل، أن يكون له بمقدار ماله؛ لأن صاحب المال الذي لم يعمل إذا أعطي ربح ماله كاملاً فهو إحسان من العامل،
ومن يمنع الإحسان؟! أليس يجوز أن أعطيه مالي ليعمل فيه ويكون الربح كله لي؟! ويكون هو متبرعاً لي بالعمل.
فالصواب أنه يجوز أن يعطى من الربح بقدر ماله؛ وذلك لأنه يكون بهذا محسناً إلى صاحبه.
فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ كُلٍّ مِنْهُما فِيهِمَا، بِحُكْمِ المِلْكِ في نَصِيبِهِ وبِالوَكَالةِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.