كقتل الصائل عليه وكسر مزمار وصليب وآنية ذهب وفضة وآنية خمر " غير محترمة".
الشروح عليها
(كقتل الصائل عليه) من آدمي أو غيره إن لم يندفع إلا بالقتل،
فإذا قتله لم يضمنه؛ لأن قتله بدفع جائز؛ لما فيه من صيانة النفس. (و) كـ (كسر مزمار) أو غيره من آلات اللهو، (وصليب وآنية ذهب وفضة وآنية خمر غير محترمة) ؛ لما روى أحمد عن ابن عمر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمره أن يأخد مدية، ثم خرج إلى أسواق المدينة وفيها زقاق الخمر قد جلبت من الشام، فشقت بحضرته، وأمر أصحابه بذلك» ولا يضمن كتابا فيه أحاديث رديئة ولا حليا محرما على رجال إذا لم يصلح للنساء.
[
قتله بدفع جائز، لما فيه من صيانة النفس فلم يجب ضمانه،
فإن كانت البهيمة لغيره لم يضمنها عند الجمهور، وهو مذهب مالك والشافعي، قال الموفق: لم يقصد إتلافه فلم يضمنه، كالآدمي المكلف، ولأنه قتله لدفع شره فأشبه الصيد، وذلك أنه إذا قتله لدفع شره كان الصائل هو القاتل نفسه،
ولو حالت بهيمة بينه وبين ماله، قتلها ولا ضمان عليه، وصوبه في الإنصاف،
ومن طلب منه الفجور، فقال الشيخ: عليه أن يدفع الصائل عليه،
فإن لم يندفع إلا بالقتل كان له ذلك باتفاق الفقهاء،
فإن ادعى القاتل أنه صال عليه، وأنكر أولياء المقتول،
فإن كان المقتول معروفًا بالبر، وقتله في محل لا ريبة فيه، لم يقبل قول القائل،
وإن كان معروفًا بالفجور، والقاتل معروفًا بالبر، فالقول قول القاتل مع يمينه، لا سيما إذا كان معروفًا بالتعرض له قبل ذلك.
ومن رأى رجلاً يفجر بأهله، جاز له قتلهما فيما بينه وبين الله، سواء كان الفاجر محصنًا أو غير محصن، معروفًا بذلك أم لا، كما دل عليه كلام الأصحاب وفتاوى الصحابة، وليس هذا من باب دفع الصائل، كما ظنه بعضهم، بل هو من عقوبة المعتدين المؤذين،
وأما إذا دخل الرجل، ولم يفعل بعد فاحشة، ولكن دخل لأجل ذلك، فهذا فيه نزاع، والأحوط لهذا أن يتوب من القتل في هذه الصورة.
ذهب وفضة (٣) . وآنية خمر غير محترمة) أي وككسر آنية خمر،
ولو قدر على إراقتها بدونه، إذا كانت غير محترمة، كخمرة الخلال، وخمرة الذمي المستترة فلا تهدر.
جلبت من الشام، فشققت بحضرته، وأمر أصحابه بذلك أي وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بإهراق الخمر، وكسر الدنان، وللترمذي وغيره في خمرة أيتام أبي طلحة قال «أهرق الخمر، واكسر الدنان» فدلت هذه الأحاديث وغيرها على جواز إهراقها، وشق زقاقها،
وإن كان مالكها غير مكلف.
الرجال إذا لم يصلح للنساء . باب الشفعة أي باب ذكر أحكام الشفعة، وهي ثابتة بالسنة والإجماع - شرعها تعالى سدًا لذريعة المفسدة المتعلقة بالشركة،
قال ابن القيم: ومن محاسن الشريعة وعدلها، وقيامها بمصالح العباد، إتيانها بالشفعة،
فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين مهما أمكن،
ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب، رفع هذا الضرر بالقسمة تارة، وبالشفعة تارة،
فإذا أراد بيع نصيبه، وأخذ عوضه، كان شريكه أحق به من الأجنبي، ويزول عنه ضرر الشركة، ولا يتضرر البائع، لأنه يصل إلى حقه من الثمن، وكانت من أعظم العدل، وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطر، ومصالح العباد.
ومن هنا يعلم أن التحيل لإسقاطها مناقض لهذا المعنى الذي قصده الشارع، ومضاد له، وكانت معروفة عند العرب في الجاهلية، كان الرجل إذا أراد بيع منزل أو حائط، أتاه الجار والشريك والصاحب يشفع إليه فيما باعه، فيشفعه ويجعله أولى رجل به، فسميت الشفعة وسمي طالبها شافعا.
«كقتل الصائل عليه» قتل الصائل لا ضمان فيه، وهو يشمل الصائل على النفس، والصائل على العرض، والصائل على المال، فهذا يُدافَع بالأسهل فالأسهل،
فإن لم يندفع إلا بالقتل فقتله فلا ضمان، والدليل على هذا أن النبي ﷺ سأله رجل فقال: أرأيت إن جاءني رجل يريد أن يأخذ مالي؟ فقال:«قاتله»، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال:«أنت شهيد»، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال:«هو في النار» فقوله: «هو في النار» يدل على أنه معتدٍ ظالم والمعتدي الظالم لا ضمان فيه؛ ولأن العدوان حصل من الصائل فهو الذي قتل نفسه في الحقيقة فلا ضمان على القاتل، ولكن يجب أن يدافعه بالأسهل فالأسهل،
فإذا اندفع بالتهديد فلا يضربه،
وإذا اندفع بالضرب الخفيف فلا يضربه ضرباً شديداً،
وإذا اندفع بالضرب الشديد فلا يقتله،
وإذا لم يندفع إلا بالقتل فله قتله.
فإذا قال قائل: قد ورد فيمن وجد شخصاً على امرأته فقتله أنه لا ضمان فيه ،
وإن كان يمكن أن يندفع بما دون القتل، وأنتم تقولون: إن الصائل لا يجوز قتله إن أمكن دفعه بما دون القتل.
فالجواب: أن قتل من وجد شخصاً على امرأته أو محرمه ليس من دفع الصائل، ولكنه من باب عقوبة المعتدي، والعدوان حصل منه، فهو يقتل عقوبة لا لدفع عدوانه، ففرق بين هذا وهذا، ونظير ذلك أن النبي ﷺ أهدر عين من نظر من خصاص الباب فقام إنسان ففقأ عينه دون أن يحذره ،
فإن هذا من باب عقوبة المعتدي؛ لأنه قد حصل العدوان وليس من باب دفع الصائل،
فإن المدافعة عن شيء لم يقع،
أما شيء وقع ليس فيه إلا العقوبة.
فإذا كان المصول عليه لا يدري هل يبادره بالقتل؟ لأن الصائل ربما يكون معه سلاح، فهل للمصول عليه في هذه الحال أن يبادره بالقتل؟
الجواب: نعم، إذا غلب على ظنه غلبة قوية أنه إن دافعه بالأسهل فالأسهل قَتَلَهُ، فإنه يقتله ولا شيء عليه، وهذا فيما بينه وبين الله.
لكن لو ادعى فيما بعد أولياء المقتول أنه لم يصل على هذا الرجل،
وأن هذا الرجل هو الذي اعتدى عليه وقتله ثم ادعى أنه صائل، فيقال للقاتل: أثبت أن الرجل صالَ عليك، فقال: أثبت ذلك، إنه صال علي في بيتي، حيث إنه لم يقتله في الشارع بل قتله في بيته، قالوا: نعم، قتلته في بيتك؛ لأنك دعوته فأجاب الدعوة فاستغللت الفرصة وقتلته، وهذا يمكن، إذاً ماذا نصنع؟
المشهور في المذهب أنه يُقتل القاتل مع أنه مدافع إلا إذا أثبت أن هذا صائل عليه فلا يقتل.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يجب أن يُنظر للقرائن في القاتل والمقتول،
فإذا كان القاتل ممن عُرِف بالصلاح والاستقامة وأنه لا يمكن أن يعتدي على أحد بالقتل، وَعُرِف الصائل بالشر والفساد والهجوم على الناس، فالقول قول القاتل لكن بيمينه ولا حاجة لبينة، وما قاله شيخ الإسلام هو الذي لا يسع الناس العمل إلا به.
وقوله:«الصائل» يشمل الصائل من بني آدم ومن غير بني آدم،
فلو صال عليه جمل فقتله دفعاً للصول، فهل يضمن لصاحب الجمل؟ لا؛ لأن الجمل أصبح لا قيمة له،
ولو قتل صيداً صال عليه وهو محرم فليس عليه الجزاء؛ لأنه صال عليه فهو معذور.
فإذا قال قائل: هل يجب قتل الصائل إذا صال؟ بمعنى هل يلزم الإنسان أن يدافع عن نفسه أو لا؟
الجواب: أما أهله وحرمته ونفسه فيجب أن يدافع،
وأما المال فمختلف فيه، والصحيح أنه يجب أن يدافع عن ماله؛ لأن المال وإن كان أهون من العرض ومن النفس، لكن الذل الذي يصيب الإنسان بتمكين هذا المجرم من إتلاف المال أو سرقته أو ما أشبه ذلك يقتضي وجوب المدافعة، وقد سأل النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال:«لا تعطه»، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال:«قاتله»، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال:«هو في النار»،
قال: وإن قتلني؟ قال:«فأنت شهيد». «وكسر مزمار» يعني كما لا يضمن كسر المزمار؛ لأن هذا من باب تغيير المنكر، وقد قال النبي ﷺ :«من رأى منكم منكراً فليغيره بيده»، ولأن هذه الآلة لا يجوز الإقرار عليها وكسرها وسيلة إلى ذلك، ولكن إتلافه يضمن؛ لأن إتلافه غير كسره؛ لأن كسره يمنع من استعماله في المحرم، ولكن تبقى مادة هذا المزمار ينتفع بها في إيقاد نار، إذا كان من خشب أو في صنع قدور وأوانٍ إذا كان من حديد،
أما إتلافه بالكلية فمعناه أنه أزال عين هذا الشيء، وإزالة عينه أكثر من إزالة وصفه الذي يصح أن يكون به مزماراً، ولذلك قال المؤلف:«وكسر مزمار».
وقوله:«مزمار» المزمار آلة من آلات العزف، وآلات العزف كلها حرام سواء اقترنت بالغناء أم لم تقترن وإن كان الغالب أنها تقترن، والدليل على تحريمها ما ثبت في صحيح البخاري عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:«ليكونَنَّ من أمتي أقوام يستحلُّون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف» هذه أربعة كلها تكاد تكون متلازمة.
فالمعازف يصحبها غناء في الغالب، والغناء يكون مع المعازف فيه الغزل والإغراء، فينبني عليه الزنا حيث قال:«يستحلُّون الحِرَ» أي: الزنا.
وقوله في الحديث:«والخمر والحرير» فالحرير سببه الترف،
وأن الإنسان يميل إلى أعلى ما يكون من الترف وحينئذٍ يشرب الخمر ليكمل ـ على ما يزعم ـ ترفُهُ، فهذا نص صريح في أن المعازف حرام؛ لأن قوله:«يستحلون» يدل على أنها حرام.
وهل الاستحلال هنا اعتقاد أنها حلال، أو ممارستها كممارسة الحلال؟!
الجواب: الثاني؛ لأن اعتقاد أنها حلال قد يُخرج من الإسلام، إذا اعتقد أن الخمر حلال وهو في أمة الإسلام قد عاش وفهم ذلك كان مرتداً، لكن المراد يستحلونها أي يفعلونها فعل المستحل لها فلا ينكرونها ولا يدعونها. والمعازف عامة تشمل كل آلات العزف، لكن هناك شيء مخصص للعموم وهو استعمال الدف في المناسبات،
فإن السنة جاءت بجوازه، كاستعمال الدف في الأعراس، واستعمال الدف في أيام الأعياد، واستعمال الدف في قدوم الغائب الكبير الذي له إمرة أو نحو ذلك، كل هذا جاءت به السنَّة.
أما الأول فظاهر فإن الرسول ﷺ قال:«أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالغِربال» وإن كان هذا الحديث فيه ما فيه لكنه له مؤيدات.
وأما الأعياد فلأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه رأى جاريتين تغنيان وتدفان عند النبي ﷺ فانتهرهما،
وقال: أمزمار الشيطان عند رسول الله ﷺ؟! فقال:«دعهما فإنها أيام عيد».
وأما قدوم الغائب فلأن النبي ﷺ قدم من سفر فجاءت امرأة إليه فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردَّك الله سالماً أن أضرب بين يديك بالدف، فقال لها رسول الله ﷺ :«أوفي بنذرك». وما عدا الدف من آلات الزمر، فالأصل فيه التحريم؛ لأنه داخل في العموم، وما عدا ذلك ـ أيضاً ـ من الأحوال التي رُخص فيها فإنه حتى الدف يكون حراماً؛ لأن ما خصص بحال يجب أن يتخصص بها.
إذاً المزمار من آلات العزف التي لا تباح بحال، وعلى هذا فيجب إتلافه،
فإذا أتلفه متلف لم يكن عليه ضمان.
ولكن مَنْ الذي يُخاطَب في إتلافه؟
يخاطب في إتلافه من هو بيده، ويقال له: يجب عليك أن تكسر هذا.
فإن قال: أحرقه أو أكسره؟
قلنا: إن كانت مادته يمكن أن ينتفع بها في شيء مباح فلا تحرقه، يعني بحيث يحولها إلى صندوق من خشب أو ما أشبه ذلك فلا تتلفه؛ لأن هذا إنما حرم لا لأنه خشب لكن لكونه استعمل في حرام،
فإذا كان يمكن أن يُحَوَّل إلى حلال فإنه لا يجوز أن يُتلف؛ لأن في ذلك إتلاف مال،
وأما إذا كان لا يمكن الانتفاع به فإنه يحرق؛ لأن إحراقه أبلغ في التنفير عنه؛ ولئلا تدعوه نفسه فيما بعد إلى جمع المكسَّرات بعضها إلى بعض، حتى يُكوِّنَ منها مزماراً، ويدلنا على أن التحريق أبلغ وأنكى أن الرسول ﷺ حَرَّق نخل بني النضير ولم يقطعه، مع أنه يمكن أن تقطع وينتفع بجذوعها وينتفع بعُسْبها، لكنه حرَّقها؛ لأنه أبلغ في الإهانة.
إذاً يخاطب من هي بيده، ثم يجب على ولاة الأمور أن يكسروها ويتلفوها؛ لأنهم مسؤولون عن الأمة في هذا الشيء، وهم قادرون على أن يكسروها وليسوا عاجزين فيلزمهم أن يكسروها؛ لئلا يشيع المنكر في أمتهم، وهم إذا اتقوا الله ـ تعالى ـ في الأمة اتقت الأمة ربها فيهم،
وإذا كان الأمر بالعكس صار الأمر بالعكس؛ لأن من أذل الخلق في طاعة الله أعزه الله بهذه الطاعة، وهذا شيء مُسلَّم؛ لذلك يجب على ولاة الأمور أن يكسروا هذه الآلات؛ لأنها ضرر على المجتمع عامة، وعلى الأمن وعلى الولاة أيضاً؛ لأن النفوس إذا أبعدت عن الخالق لم ترحم المخلوق، وهذه الأشياء تبعد الخلق عن الخالق؛ لأنها تلهي وتصد عن سبيل الله وعن ذكر الله وعن الصلاة.
وهل يجب على الواحد من الناس أن يكسر هذه المزامير؟
الجواب: لا؛ لأنه ليس له السلطة.
وهل يجوز أن يكسرها؟
يُنظر، إن كان يترتب على ذلك ضرر أكبر فإنه لا يكسرها، كما لو حصلت فتنة في تكسيرها بأن يقوم صاحبها على هذا وينازعه ويخاصمه وربما يحصل بينهما شر، فهنا لا يكسرها ولكن إذا سمعها يهرب منها،
وإن لم يكن فتنة بحيث أتى على حين غفلة ووجدها وكسرها فلا بأس، لكن مع هذا إذا كان يخشى أنه يمكن أن يُتتبع حتى يُعرف ويحصل الشر والفتنة، فإنه لا يجوز له أن يكسرها فضلاً عن كونه يجب. «وصليب» يعني كذلك كسر الصليب، والصليب هو عبارة عن خطين أحدهما قائم والآخر معترض، ادعت النصارى أن المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام قُتل وصلب عليه، ولعل ذلك ـ والله أعلم ـ لقوة اليهود وظهورهم عليهم ذَلوا أمامهم، وإلا فمن المعلوم أن النصارى يعظمون عيسى عليه الصلاة والسلام، والذين ادعوا أنهم قتلوه وصلبوه هم اليهود كما قال الله ـ تعالى ـ عنهم: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً *﴾ [النساء] ولهذا يجب علينا نحن المسلمين أن نعتقد أن عيسى عليه الصلاة والسلام لم يقتل ولم يصلب،
ويجب علينا أن نعتقد أن اليهود باؤوا بإثم قتله وصلبه؛ لأنهم أقروا بأنهم قتلوه وصلبوه فباؤوا بالإثم لإقرارهم.
هذا الصليب تعظمه النصارى وتعلقه في أعناقها وترسمه على أبواب بيوتها وفي مجالسها وفي كل شيء، تعظمه بحجة أن المسيح عليه الصلاة والسلام قتل وصلب عليه، ونحن نرى أنه منكر عظيم؛ لأنه شعار كفر، وأنه مبني على كذب لا حقيقة له، والمبني على الكذب ـ والكذب باطل ـ يكون باطلاً.
فإذا كسر إنسان صليباً فإنه لا يضمنه؛ لأنه لا يجوز إقراره فإن النبي ﷺ كان لا يدع شيئاً فيه صليب إلا نقضه ، ولكن لو أتلفه ضمن، وهل يضمنه بقيمته صليباً أو بقيمته مكسراً؟ يضمنه بقيمته مكسراً؛ لأنه ليس له قيمة شرعاً.
ولكن هل للإنسان أن يكسر الصلبان التي ينصبها النصارى مثلاً؟ الجواب: لا؛ لأنه ليس له ولاية حتى يمكن من كسر هذه الصلبان، ثم لو فرض أن النصراني أظهر الصليب وأعلنه في لباسه أو غير ذلك، فهنا يجب على ولاة الأمر في البلاد الإسلامية أن يمنعوهم من إظهار الصليب؛ لأنه شعار كفر، وهم يعتقدون تعظيمه ديناً يدينون لله ـ تعالى ـ به. «وآنية ذهب وفضة» آنية الذهب والفضة إذا كسرها الإنسان فإنه لا ضمان عليه؛
لأن آنية الذهب والفضة ـ على المشهور من المذهب ـ حرام مطلقاً، سواء كان يستعملها صاحبها في الأكل والشرب أو للزينة أو لغير ذلك، بناءً على أن آنية الذهب والفضة يحرم استعمالها واتخاذها.
وهذه المسألة فيها خلاف، وظاهر السنة أن المحرم الأكل والشرب بها فقط دون بقية الاستعمالات ودون اتخاذها للزينة، اللهم إلا أن يكون هذا من باب السرف فينهى عن ذلك للإسراف لا لذاتها، ودليل هذا قول النبي ﷺ :«لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها» فلم يذكر إلا الأكل والشرب ولو كان المراد الأكل والشرب وغيرهما لقال: لا تستعملوا،
ولو كان الاتخاذ بدون الاستعمال حراماً لقال: لا تتخذوا، فلا يمكن أن يدع النبي ﷺ ما هو أعم، ويذكر ما هو أخص،
وإذا كان كذلك فلا يمكن أن نستدل بالأخص على الأعم؛ لأن الدليل لا بد أن يكون أعم من المدلول أو مساوياً له، حتى يمكن الاستدلال،
أما إذا كان الدليل أخص فالشارع قد وسع للأمة، ويدل لهذا أن أم سلمة ـ رضي الله تعالى عنها ـ وهي ممن روى النهي عن آنية الفضة خاصة، كان عندها جلجل من فضة ـ يعني مثل ما نسميه نحن (قارورة) حفظت فيه شعرات من شعر النبي ﷺ وكان الناس يستشفون بهذه الشعرات، إذا مرض المريض صبت في هذا الجلجل ماءً ورجته بالشعرات واستشفى به الناس .
بناءً على هذا القول ـ الذي هو ظاهر السنة وهو الراجح ـ نقول: لا يجوز كسر آنية الذهب والفضة إلا لمن يستعملها في الأكل والشرب؛ لأن الأصل في جواز كسر آنية الذهب والفضة وعدم ضمانها بالإتلاف أنها محرمة الاستعمال.
وعلى القول بجواز اتخاذها فإنه يضمنها إذا كسرها؛ لأنه حال بين صاحبها وبين أمر مباح له، ولكن هل يضمنها على أنها آنية تتخذ أو على أنها آنية تستعمل؟ يضمنها على أنها آنية مستعملة في غير الأكل والشرب. «وآنية خمر غير محترمة» آنية الخمر إذا كسرها الإنسان فلا ضمان عليه؛ لأن فيها ما لا يضمن وهو الخمر،
فإن الخمر لا يضمن، حتى لو كان يساوي آلافاً فأتلفه الإنسان فلا ضمان عليه؛ لأنه لا قيمة له شرعاً.
ولو قال قائل: ما شأن الآنية، الآنية تحفظ الخمر وغيره فهي تستعمل في الخمر وغيره؟ نقول: لأنه لما كان الخمر فيها ذهبت حرمتها لذهاب حرمة ما فيها فلا تضمن، ويثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، ويدل لذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حرّق حانوت الخمار ، وهذا أبعد من آنية الخمر،
وقال بعض العلماء: إنه إذا كسر آنية خمر فهو ضامن؛ لأن الآنية محترمة ويمكن إتلاف الخمر دون إتلافها، إلا إذا لم يمكن إتلاف الخمر إلا بإتلافها، بناء على أن الأمر الذي لا يتم الأمر إلا به داخل في الأمر الذي أبيح، وهذا هو الصحيح؛ لأن الأصل في مال المسلم أنه محترم.
وقوله:«غير محترمة» هذه صفة لخمر وليست صفة لآنية، وأفادنا رحمه الله أن الخمر المحترمة إذا كسر آنيتها فهو ضامن، فما هي الخمر المحترمة؟ هي خمر الذمي الذي يعيش في بلاد المسلمين بالجزية فخمره محترمة، بمعنى أنه لا يحل لنا أن نريق خمره التي يشربها لكن بدون إعلان،
فإذا كان ذمي في بيته يشرب الخمر فلا يجوز لنا أن ندخل بيته ونكسر أوانيه أو نريق خمره؛ لأنه يعتقد حله ولم يعلن به فيكون محترماً كاحترام دم الذمي وماله، والخمر عند الذمي مال يباع ويشترى.
والمعاهد والمستأمِن حكمهما حكم الذمي؛ لأن المعاهد والمستأمِن قد عاهدهما المسلمون على أن لا يتعدى عليهما أحد، لكن لو أن الذمي أظهر الخمر وخرج إلينا بكؤوسه يشرب في أسواقنا، فهنا انتقض عهده ولم يكن له عهد، وخمره غير محترمة.
وذكروا ـ أيضاً ـ أن من المحترم من الخمر خمر الخلاَّل الذي يبيع الخل،
فلو أنه في يوم من الأيام تخمر الخل
إما لشدة الحر أو لسبب آخر فإن خمره محترم؛ وعللوا ذلك بأنه لو كان غير محترم لزم على الخلاَّل ضرر عظيم؛ لأن هذا ماله فيتضرر بهذا.
وهذه المسألة تحتاج إلى نظر؛ لأن النبي ﷺ سئل عن الخمر تتخذ خلاًّ فقال: لا ، وهذا الخلاّل سوف يحبس الخمر حتى تتخلّل، وربما يخلّلها هو بنفسه، ففيما قاله الأصحاب رحمهم الله في هذه المسألة نظر، فالله أعلم.
وكسر هذه الأشياء ينظر فيه للمصلحة إن كان الإنسان يمكن أن يقوم بذلك بدون ضرر فليفعل، مثل أن يكون المكان خالياً ولا يشاهده أحد فإنه يجب أن يكسرها،
وإن كان يخشى ضرراً فلا يفعل، مثل أن تكون حكومة جائرة إذا كسرت هذه الأشياء
وقيل: إن الذي كسرها المسلمون سجنتهم ومنعت دعوتهم إلى الخير، فحينئذٍ نقول: لا يجوز أن تقدم على تكسيرها؛ لأن فيه ضرراً،
أما إذا كان ولاة الأمور يفرحون بذلك ولم يكن ذلك على سبيل المنابذة فإن هذا قد يجب لما فيه من إزالة الإثم والعدوان.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.