ينبغي أن يكون قويا من غير عنف لينا من غير ضعف حليما ذا أناة وفطنة
الشروح عليها
(ينبغي) أي يسن (أن يكون قويا من غير عنف) ، لئلا يطمع فيه الظالم، والعنف ضد الرفق، (لينا من غير ضعف) لئلا يهابه صاحب الحق، (حليما) لئلا يغضب من كلام الخصم، (ذا أناة) أي تؤدة وتأن، لئلا تؤدي عجلته إلى ما لا ينبغي، (و) ذا (فطنة) لئلا يخدعه بعض الأخصام.
ويسن أيضا أن يكون عفيفا بصيرا بأحكام من قبله، ويدخل يوم اثنين، أو خميس، أو سبت لابسا هو وأصحابه أجمل الثياب، ولا يتطير، وإن تفاءل فحسن،
والعنف ضد الرفق . (لينا من غير ضعف) فإذا كان ضعيفا قليل البضاعة، غير مضطلع بالعلم، أحجم عن الحق، في موضع ينبغي فيه الإقدام، لقلة علمه بمواضع الإقدام، والإحجام.
(لينا من غير ضعف) لئلا يهابه صاحب الحق لشدة عنفه، أو تنكره للخصوم، أو أحدهما، فتضعف حجته، خوفا من شراسته.
يخدعه بعض الأخصام . ويسن أن يكون عفيفا أي كافا نفسه عن الحرام، لئلا يطمع في ميله بإطماعه.
ويسن أن يكون عفيفا بصيرا بأحكام من قبله من القضاة يخاف الله ويراقبه، لا يؤتي من غفلة، ولا يخدع لغرة، لقول علي: لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضيا، حتى تكمل فيه خمس خصال، عفيف حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، لا يخاف في الله لومة لائم، ويسهل عليه الحكم، وتتضح له طريقته.
أجمل الثياب . ولا يتطير، وإن تفاءل فحسن أي: لا يتشاءم بشيء،
وإن تفاءل فحسن، لأنه صلى الله عليه وسلم يحب الفأل، وينهى عن الطيرة.
فحسن (وليكن مجلسه في وسط البلد) إذا أمكن أي ليكن مجلس القضاء في دار واسعة، وسط البلد إذا أمكن.
«ينبغي أن يكون قوياً من غير عنف» كلمة «ينبغي» إذا جاءت بصيغة النفي في كلام الله، أو في كلام الرسول ﷺ فمعناها الممتنع، مثاله قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَانِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ ، يعني أنه يمتنع غاية الامتناع،
وقال النبي ﷺ :«إن الله لا ينام ولا ينبغي أن ينام»، يعني يمتنع عليه النوم.
أما في كلام الفقهاء، فهي بمعنى يستحب فإذا قالوا: لا ينبغي، يعني لا يستحب،
وإذا قالوا ينبغي فمعناه: يستحب لكن هذا في اصطلاح الفقهاء على سبيل العموم،
أما الإمام أحمد رحمه الله فأصحابه يقولون: إذا قال: لا ينبغي، فهو للكراهة، وقد يكون للتحريم.
وقوله:«ينبغي أن يكون قوياً من غير عنف» هذان وصفان أحدهما: ثبوتي،
والثاني: سلبي، الثبوتي أن يكون قوياً، يعني له شخصية وله سلطان، فلا يكون ضعيفاً أمام الخصوم.
والسلبي «من غير عنف» يعني لا يكون بقوته عنيفاً؛ لأنه إذا كان ضعيفاً ضاعت الحقوق،
وإن كان عنيفاً هابه صاحب الحق، ولم يستطع أن يدلي بحجته،
ولهذا قال بعدها:
«ليناً من غير ضعف» فينبغي أن يكون ليناً؛ لأنه لو كان غليظ القلب فظاً لهابه صاحب الحق، وتلعثم وعجز عن إظهار حجته،
ولو كان ضعيفاً لضاعت الحقوق، ولعب عليه أهل الباطل، وصار الخصوم عنده يتناقرون كما تتناقر الديكة،
فإذا حضرت مجلسه، وإذا الصخب، واللغط، والشتم، والسب، وهو ساكت يتفرج، فهذا ضعيف، ولا ينبغي أن يكون القاضي على هذا الوجه،
وإذا كان عنيفاً فالأمر مشكل؛ لأن العنيف يهابه صاحب الحق، ولا يستطيع أن يتكلم، فيكون الإنسان بين بين، قوياً من غير عنف، وليناً من غير ضعف.
فإن قال قائل: هذه صفات يجبل الله العبد عليها، وليست أمراً مكتسباً، بل هي أمر غريزي، فكيف تطالبونه بأمر غريزي لا يستطيع أن يتخلق به؟!
فالجواب: أن جميع الأخلاق والصفات الغريزية يمكن أن تتغير بالاكتساب، فكثير من الناس يكون شديداً عنيفاً، ثم يصاحب رجلاً ليناً فيأخذ من أخلاقه ويلين، وكثير من الناس يكون ضعيف الشخصية، ولكنه يتمرن على تقوية شخصيته حتى تكون قوية، فالفقهاء لم يطلبوا شيئاً مستحيلاً، وإنما طلبوا أمراً، إن كان الإنسان قد جُبل عليه فذلك المطلوب،
وإن لم يكن قد جبل عليه فإنه يحاول اكتسابه، وعلى هذا يحمل قوله عليه الصلاة والسلام لمن قال له: أوصني، قال:«لا تغضب»، فهل الرسول عليه الصلاة والسلام نهاه عن أمر جِبِلِّي مطبوع عليه الإنسان؟
الجواب: لا؛ لأن النهي عما لا يمكن تنفيذه طلب محال، وتكليف بما لا يستطاع، ولكن معنى قوله:«لا تغضب» أي: لا تعوِّد نفسك الغضب، فأيضاً هذا القاضي الذي طلبنا منه أن يكون قوياً من غير عنف، ليناً من غير ضعف، إذا قال: هذه جبلَّتي، أنا غضوب وعنيف، نقول له: عَوِّدْ نفسك، والضعيف نقول له: عوِّد نفسك القوة، واجعل لك هيبة عند الخصم، حتى يكون مجلسك محترماً غير ملعوب فيه. «حليماً» أي: بعيد الغضب وبطيء الغضب، لقول النبي ﷺ :«لا تغضب» وأحق الناس بهذه الوصية القضاة؛
لأنه إذا كان سريع الغضب،
فإن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، فتنتفخ أوداجه وتحمر عيناه، ويقف شعره، فلا يستطيع أن يتصور المسألة، ولا تطبيق الأحكام الشرعية عليها، ولذلك قال النبي ﷺ :«لا يقضي القاضي وهو غضبان»، فالذي ينبغي أن يكون حليماً، ولكن يكون حليماً في موضع الحلم، ومعاقباً في موضع العقوبة؛ لأنه إذا قلنا: كن حليماً في كل شيء، فمعناه أنا قيدناه فلا يتحرك، فينبغي أن يكون حليماً في الموضع الذي يكون فيه الحلم من الحكمة.
فإذا كان الإنسان حليماً في موضع الحلم، وأخاذاً بالعقوبة في موضع الأخذ، فهذا هو الكمال، ولهذا قال ربنا عز وجل : ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . «ذا أناة» الأناة هي التؤدة وعدم التسرع، فيكون القاضي متأنياً فلا يتعجل في الحكم، بل يدرس القضية من جميع الجوانب وخصوصاً في القضايا المعقدة كالمواريث من زمن طويل ومسائل الدماء، وضد ذلك المتسرع في الحكم؛ لأن المقام يحتاج إلى تأنٍ وعدم تسرع ليتصور المسألة من كل الجوانب، ثم يطبقها على الأدلة الشرعية.
وهذه الصفة نقول فيها ما قلنا في الحلم: فإذا كان التأني يفوِّت الفرصة فلا ينبغي أن يتأنى في بعض الأحوال، لأنه سيضيع الحزم،
قال الشاعر:
وربما فات قوماً جُلُّ أمرهم مع التأني وكان الرأي لو عجلوا فقد يكون الحزم والرأي أن يبادر الإنسان. «وفطنة» فلا بد أن يكون ذا فطنة ونباهة، وفراسة، وهذه من الآداب المستحبة على ما قال المؤلف، وانظر إلى سليمان عليه الصلاة والسلام لما تحاكمت إليه المرأتان في ابن إحداهما وكان داود عليه الصلاة والسلام قضى به للكبرى، فدعا بالسكين لكي يشقه، فقالت الكبرى: نعم، يا نبي الله أرضى بهذا الحكم، وقالت الصغرى: لا، هو ولدها يا نبي الله، ولا تشقه!
فقضى به للصغرى ، وهذا من الانتباه والفطنة، وقد ذكر ابن القيم في كتابه «الطرق الحكمية» قضايا كثيرة من هذا النوع، تدل على فطنة بعض القضاة وذكائهم، ومنها أن رجلين اختصما في أرض، فقال أحدهما للقاضي: إنه قد أعطاني الأرض مزارعة بالنصف،
وقال صاحبه: ما أعطيتها إياه، فرأى القاضي بفراسته أن الصواب مع المدعي، فقال للمدعي: هل لك عليه بينة؟ قال: لا، فقال القاضي: ما دام ليس لك بينة فلا حقَّ لك عليه،
ثم إن الرجل حتى لو ثبت أنه قد عقد لك المزارعة فهذه الأرض وقف، والرجل اختار للوقف ما هو أنفع، فهو أعطاك إياها بالنصف، وجاء آخر وقال: أنا يكفيني الثلث، فالأحسن لصاحب الوقف الثلثان لأنه خير له من النصف، والرجل ناظر على الوقف فهو يحتاط له، فقال القاضي لصاحب الأرض: أليس الأمر كذلك؟ فقال الرجل: بلى، فقال القاضي: إذاً أعط الأرض للمزارع، فمثل هذه الأشياء من الفطنة التي ينبغي أن يكون القاضي متصفاً بها.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.