فإن رجع عن إقراره قبل الحدّ أو في وسطه خلّي سبيله
الشروح عليها
(: فَإِنْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ قَبْلَ الْحَدِّ أَوْ فِي وَسَطِهِ خُلِّيَ سَبِيلُهُ) ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ خَبَرٌ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ كَالْإِقْرَارِ وَلَيْسَ أَحَدٌ يُكَذِّبُهُ فِيهِ فَتَحَقُّقُ الشُّبْهَةِ بِالْإِقْرَارِ
بِخِلَافِ مَا فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ وَهُوَ الْقِصَاصُ وَحَدُّ الْقَذْفِ لِوُجُودِ مَنْ يُكَذِّبُهُ وَلَا كَذَلِكَ مَا هُوَ خَالِصُ حَقِّ الشَّرْعِ أَطْلَقَ فِي الرُّجُوعِ فَشَمِلَ الرُّجُوعَ بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْفِعْلِ كَمَا إذَا هَرَبَ كَمَا فِي الْحَاوِي وَقَيَّدَ بِالْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الزِّنَا بِالْبَيِّنَةِ فَهَرَبَ فِي حَالِ الرَّجْمِ اُتُّبِعَ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يُقْضَى عَلَيْهِ كَذَا فِي الْحَاوِي، وَإِنْكَارُ الْإِقْرَارِ رُجُوعٌ كَإِنْكَارِ الرِّدَّةِ تَوْبَةٌ
قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي بِالزِّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَأَمَرَ الْقَاضِي بِرَجْمِهِ فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا أَقْرَرْت بِشَيْءٍ يُدْرَأُ عِنْدَ الْحَدِّ اهـ.
وَكَذَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْإِحْصَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ شَرْطًا لِلْحَدِّ صَارَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فَصَحَّ الرُّجُوعُ عَنْهُ لِعَدَمِ الْمُكَذِّبِ كَذَا فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ مِنْ بَحْثِ الْعَلَّامَةِ، وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْحُدُودِ الْخَالِصَةِ كَحَدِّ الشُّرْبِ، وَالسَّرِقَةِ.
قَوْلُهُ
لا يتكلم على هذه المسألة.
(فإن رجع) المقر (عن إقراره قبل الحد) ومنه إنكار الإقرار كما في (الخانية) (أو في وسطه) ومنه ما إذا هرب كما في (الحاوي القدسي) (خلي سبيله) لأن الرجوع خبر يحتمل الصدق ولا مكذب له فيه فيتحقق به الشبهة في الإقرار السابق عليه فيندرئ بالشبهة لأنه أرجح من الإقرار السابق، وبهذا عرف أن الرجوع عن الإقرار بحد الشرب والسرقة صحيح أيضا
بخلاف حد القذف والقصاص، والفرق لا يخفى
(فَإِنْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ قَبْلَ الْحَدِّ أَوْ فِي وَسْطِهِ خُلِّي سَبِيلُهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى رَحِمَهُمَا اللَّهُ يُحَدُّ لِوُجُوبِهِ بِإِقْرَارِهِ فَلَا يَبْطُلُ بَعْدَ ذَلِكَ بِإِنْكَارِهِ وَهَذَا لِأَنَّهُ إحْدَى الْحُجَّتَيْنِ فَصَارَ ثُبُوتُهُ بِهِ كَثُبُوتِهِ بِالشَّهَادَةِ كَالْقِصَاصِ وَحَدُّ الْقَذْفِ وَلَنَا أَنَّ الرُّجُوعَ خَبَرٌ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ كَالْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً وَهُوَ يُدْرَأُ بِهَا وَهَذَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ كَلَامَيْهِ يَحْتَمِلُهَا فَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ فَيُتْرَكُ عَلَى مَا كَانَ
بِخِلَافِ الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَهُوَ يُكَذِّبُهُ وَالْحَدُّ حَقُّ اللَّهِ فَلَا يُكَذَّبُ لَهُ وَإِلَى صِحَّةِ الرُّجُوعِ أَشَارَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِقَوْلِهِ «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ حِينَ أُخْبِرَ بِفِرَارِ مَاعِزٍ»
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ أَوْ فِي وَسَطِهِ) أَيْ قَبْلَ رُجُوعِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) قَالَ الْكَمَالُ وَالْمَسْطُورُ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ قَبْلَ الْحَدِّ أَوْ بَعْدَ مَا أُقِيمَ عَلَيْهِ بَعْضُهُ سَقَطَ وَعَنْ أَحْمَدَ كَقَوْلِنَا وَعَنْ مَالِكٍ فِي قَبُولِ رُجُوعِهِ رِوَايَتَانِ اهـ
(قَوْلُهُ هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ) وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ فِرَارَهُ دَلِيلًا عَلَى الرُّجُوعِ وَأَسْقَطَ بِهِ الْحَدَّ فَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ بِدَلِيلِ الرُّجُوعِ سَقَطَ بِصَرِيحِ الرُّجُوعِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.