بخلاف المأمور بالجمعة
الشروح عليها
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ فِي الْجُمُعَةِ) يَعْنِي فَإِنَّ لَهُ الِاسْتِخْلَافَ وَإِنْ لَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ لَمَّا فَوَّضَهَا إلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الْعَوَارِضَ الْمَانِعَةَ مِنْ إقَامَتِهَا مِنْ الْمَرَضِ وَالْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَغَيْرِهِمَا تَعْتَرِيهِ وَلَا يُمْكِنُ انْتِظَارُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ عَنْ الْوَقْتِ فَكَانَ إذْنًا لَهُ بِالِاسْتِخْلَافِ دَلَالَةً وَتَأْخِيرُ سَمَاعِ الْخُصُومَةِ إلَى وُجُودِ الْإِذْنِ مِنْ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ بِوَقْتٍ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِسَبْقِ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا إذَا مَرِضَ الْخَطِيبُ أَوْ سَافَرَ أَوْ حَصَلَ لَهُ مَانِعٌ فَاسْتَنَابَ خَطِيبًا مَكَانَهُ وَفِي فُرُوقِ الْكَرَابِيسِيِّ مَا يُفِيدُهُ أَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ فُرِّقَ بَيْنَ الْقَاضِي وَالْإِمَامَةِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِخْلَافَ إلَّا بِإِذْنٍ وَالْإِمَامُ لِلْجَامِعِ يَمْلِكُ بِدُونِهِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الضَّرُورَةَ مُتَحَقِّقَةٌ هَاهُنَا لِجَوَازِ أَنْ يَسْبِقَهُ الْحَدَثُ قَبْلَ الصَّلَاةِ
فَلَوْ تَوَقَّفَ عَلَى الْإِذْنِ تَفُوتُ الْجُمُعَةُ وَلَا كَذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ. اهـ.
وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ مِنْ أَنَّ الْخَطِيبَ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ ابْتِدَاءً إلَّا بِإِذْنٍ لَا أَصْلَ لَهُ فَإِنَّمَا هُوَ فَهْمٌ فَهِمَهُ مِنْ بَعْضِ الْعِبَارَاتِ وَقَدْ صَرَّحَ الْعَلَّامَةُ مُحِبُّ الدِّينِ بْنُ جِرْبَاشٍ شَيْخِ شَيْخِنَا فِي النُّجْعَةِ فِي تَعْدَادِ الْجُمُعَةِ بِأَنَّ إذْنَ السُّلْطَانِ بِإِقَامَةِ الْخُطْبَةِ شَرْطٌ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَيَكُونُ الْإِذْنُ مُنْسَحِبًا لِتَوَلِّيَةِ النُّظَّارِ الْخُطَبَاءِ وَإِقَامَةِ الْخَطِيبِ نَائِبًا وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِذْنُ لِكُلِّ خَطِيبٍ وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي الْجُمُعَةِ
ثُمَّ إنْ أَحْدَثَ الْخَطِيبُ بَعْدَمَا خَطَبَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ إلَّا مَنْ شَهِدَ الْخُطْبَةَ؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ فِيهَا فَلَا تَنْعَقِدُ بِدُونِهَا وَإِنْ كَانَ شَرَعَ فِيهَا جَازَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ لَمْ يُدْرِكْهَا لِانْعِقَادِهَا بِالْأَصْلِ فَكَانَ الثَّانِي بَانِيًا وَفِي الْعِنَايَةِ وَاعْتَرَضَ بِمَنْ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ ثُمَّ افْتَتَحَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَهُوَ مُفْتَتِحٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَمْ يَشْهَدْ الْخُطْبَةَ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ شُرُوعُهُ فِي الْجُمُعَةِ وَصَارَ خَلِيفَةً لِلْأَوَّلِ الْتَحَقَ بِمَنْ شَهِدَ الْخُطْبَةَ وَأَرَى أَنَّ إلْحَاقَهُ بِالْبَانِي لِتَقَدُّمِ شُرُوعِهِ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ الْأُولَى فَتَأَمَّلْ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَفِي فُرُوقِ الْكَرَابِيسِيِّ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ
قُلْتُ: كَلَامُ صَاحِبِ الْفُرُوقِ إنَّمَا يُفِيدُ جَوَازَ الِاسْتِخْلَافِ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الْحَدَثِ لِكَوْنِهَا عَلَى شَرَفِ الْفَوَاتِ فَلَا يَنْهَضُ حُجَّةً عَلَى مُنْلَا خُسْرو الْقَائِلِ بِعَدَمِ جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ فِي الْخُطْبَةِ بِدُونِ إذْنِ الْإِمَامِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
ذَكَرَهُ الْغَزِّيِّ أَقُولُ: وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا فِي رِسَالَةٍ لَهُ رَدًّا بَلِيغًا فَقَالَ بَقِيَ هُنَا دَقِيقَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ إقَامَةَ الْجُمُعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ أَمْرَيْنِ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْمَوْقُوفُ عَلَى الْإِذْنِ هُوَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي وَتَمَامُهُ فِيهِ
(قَوْلُهُ بِأَنَّ إذْنَ السُّلْطَانِ بِإِقَامَةِ الْخُطْبَةِ شَرْطٌ أَوَّلَ مَرَّةٍ لِلْبَانِي إلَخْ) وَهَكَذَا أَجَابَ بِهِ الْعَلَّامَةُ أَحْمَدُ يُونُسَ الشَّلَبِيُّ حَيْثُ سُئِلَ عَنْ ثَغْرٍ فِيهِ جَوَامِعُ وَلَهَا خُطَبَاءُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ إذْنٌ صَرِيحٌ مِنْ السُّلْطَانِ فَأَجَابَ بِأَنَّ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّدَادِ وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّ مَنْ أَنْشَأَ جَامِعًا وَأَرَادَ إقَامَةَ الْجُمُعَةِ اسْتَأْذَنَ الْإِمَامَ وَإِذَا وُجِدَ الْإِذْنُ أَوَّلَ إقَامَتِهَا حَصَلَ الْغَرَضُ وَالْإِذْنُ بَعْدَهُ وَلَوْ تَطَاوَلَتْ الْمُدَّةُ وَتَغَيَّرَتْ الْبِلَادُ لَيْسَ بِمُفْتَرَضٍ اهـ. مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ وَاعْتُرِضَ بِمَنْ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ إلَخْ) أَيْ بِمَا لَوْ اسْتَخْلَفَ شَخْصًا لَمْ يَشْهَدْ الْخُطْبَةَ ثُمَّ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ ثُمَّ افْتَتَحَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ.
(بخلاف المأمور بـ) إقامة (الجمعة) بحيث يجوز له أن يستخلف لأن المولى عالم بتوقتها وأنه إذا عرض عارض فاتت لا إلى خلف، ومعلوم أن الإنسان غرض فكان إذنا دلالة فإن قبل شروعه لحدث أصابه لم يجز له أن يستخلف إلا من شهد الخطبة وإن بعد الشروع فاستخلف من لم يشهدها جاز،
وإذا رفع إليه حكم حاكم خرج به المحكم فإن له أن لا يمضيه كما سيأتي، ولم يقل آخر ليعلم حكم نفسه، كما في (الإيضاح) أمضاه عبارته في (الجامع الصغير) وما اختلف فيه الفقهاء فقضى به القاضي ثم جاء قاض آخر يرى غير ذلك أمضاه ذكره في (الهداية) بعد كلام القدوري، قال الشارحون: أمضاه كذا في (الفتح) وغيره وهو ظاهر في جواز الاستخلاف للمرض ونحوه وتقييده الشر المسألة بما إذا أحدث لا دليل عليه، وقدمنا في الجمعة مسألة الاستنابة بغير عذر فارجع إليه لوجيهن: الأول: قيد بالفقهاء فأفاد أنه لو لم يكن عالمًا بالخلاف لا ينفذ.
قال شمس الأئمة: وهو ظاهر المذهب وعليه الأكثر، الثاني: أنه قيد بكونه يرى غير ذلك، والمص كالقدوري لم يتعرض لذلك فيحتمل أن يكون مراده ما إذا كان موافقًا لرأيه يمضيه بالأولى، ورده في (الفتح) بأن التقييد بالفقهاء لا دلالة فيه بوجه على كونه عالمًا بالخلاف وإنما مفاده أن ما فيه خلاف إذا قضى قاض عالمًا أو غير عالم به ثم جاء قاضٍ آخر يرى خلافه أمضاه وكونه ينفذه وإن كان مخالفًا لرأيه يقيده كلام القدوري أيضًا فإنه أعم من كونه موافقًا لرأيه أو مخالفًا انتهى ملخصًا.
وأقره في (الحواشى السعدية) وعندي فيه نظر وذلك أن الداعي لحمل المشايخ كلام محمد على ما مر أن شرطه أن يكون الحاكم عالمًا بالاختلاف حتى لو قضى في فصل مجتهد فيه وهو لا يعلم بذلك لا يجوز قضاؤه عند عامتهم ولا يمضيه يعني الثاني، كما في (الشرح) وغيره وجزم به في (منية المفتي) حيث قال: قضى في مجتهد فيه ولا يعلم بذلك لم ينفذ فإنه ذكر في (السير الكبير) له مدبرون عتقوا بموته فأثبت رجل دينًا عليه فباعهم القاضي على ظن أنهم عبيد وقضى بجوازه ثم ظهر أنهم مدبرون بطل قضاؤه لعدم علمه بذلك حتى لو علم فاجتهد وأبطل التدبير جاز انتهى.
فقوله وما اختلف فيه الفقهاء قضى فيه به القاضي أي بما اختلف فيه الفقهاء يعني عالمًا باختلافهم ليصح قوله أمضاه إذ قد علمت أنه مع غير العلم لا يمضيه فإن قلت في (الخلاصة) : هذا الشرط وإن كان ظاهر المذهب لكن يفتى بخلافه.
قلت: كلام محمد إنما هو مبني على ظاهر المذهب وفي (البحر) لم يفهموا وإذا رفع إليه حكم قاض أمضاه مراد صاحب (الهداية) وذلك أنه إنما ذكر ما في (الجامع) بعد كلام القدوري ليفيد أن ما في (الجامع) لا استثناء فيه بل كل مسألة اختلف فيها الفقهاء فإنها تصير محل اجتهاد،
فإذا قضى قاضٍ بقول ارتفع الخلاف.
وأما عبارة القدوري ففيها الاستثناء ورأيت في (الواقعات الحسامية) ما يفيده قال أبو الليث: رواية محمد أن كل شيء اختلف فيه الفقهاء فقضى به قاض جاز ولم يكن لغيره أن يبطله ولم يذكر فيه الاختلاف وبه نأخذ.
قلت: هذا خلاف ما ذكر في شرح (أدب القاضي) للخصاف في موضع الاختلاف يجوز وفي موضع الخلاف لا يجوز، أراد بالأول ما كان فيه خلافًا معتبرًا كالخلاف على تفاصيل (أدب القاضي) انتهى. وإنما يمضيه لأن اجتهاد الثاني كالأول وقد رجح باتصال القضاء به فلا ينقض بما هو دونه كذا قالوا: وفيه بحث لأن اعتقادنا لمذهب الغير أنه خطأ يحتمل الصواب، ومذهبنا أنه صواب يحتمل الخطأ فلا يكون الثاني كالأول عندنا، كذا في (الحواشي السعدية) أي يجب علينا أن نعتقد أن مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيرها خطأ يحتمل الصواب صرح بذلك في (المستصفى) ،
ولو قضى في المجتهد فيه مخالفًا لرأيه ناسيًا لمذهبه نفذ عنده،
وفي (العامد) روايتان وعندهما لا يفذ في الوجهين لأنه قضى بما هو خطأ عنده وعليه الفتوى، كذا في (الهداية) وفي (الصغرى) الفتوى على قول الإمام.
قال في (الفتح) : والوجه في هذا الزمان أنه يفتى بقولهما لأن التارك لمذهبه عمدًا لا يفعله إلا لهوى باطل لا لقصد جميل،
وأما الناس فلأن المقلد ما قلده لا لمذهب غيره وهذا كله في القاضي المجتهد،
فأما المقلد فإنما ولاه ليحكم مذهب أبي حنيفة مثلًا فلا يملك المخالفة فيكون معزولًا بالنسبة إلى هذا الحكم انتهى. وهو ظاهر في كونه عالمًا بالخلاف إنما هو في القاضي المجتهد،
وفي (القنية) القاضي المقلد إذا قضى
بخلاف مذهب لا ينفذ.
وادعى في (البحر) أن المقلد إذا قضى بمذهب غيره برواية ضعيفة أو بقول ضعيف نفذ، وأقوى ما تمسك به ما في (البزازية) إذا لم يكن/ القاضي مجتهدًا وقضى والنقول على خلاف مذهبه نفذ وليس لغيره نقضه وله نقضه كذا عن محمد وقال الثاني: ليس له أن ينقضه انتهى. وما في (الفتح) يجب أن يعول عليه في المذهب، وما في (البزازية) محمول على رواية عنهما إذ قصارى الأمر أن هذا نزل منزلة الناس لمذهبه وقد مر عنها في المجتهد أنه لا ينفذ فالمقلد أولى،
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.