وإن جرح فقط أو قتل فتاب أو كان بعض القطّاع غير مكلّفٍ أو ذا رحمٍ محرمٍ من المقطوع عليه أو قطع بعض القافلة على البعض أو قطع الطّريق ليلًا أو نهارًا بمصرٍ أو بين مصرين لم يحدّ فأقاد الوليّ أو عفا
الشروح عليها
(قَوْلُهُ: وَإِنْ جَرَحَ فَقَطْ أَوْ قَتَلَ فَتَابَ أَوْ كَانَ بَعْضُ الْقُطَّاعِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ أَوْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ أَوْ قَطَعَ بَعْضَ الْقَافِلَةِ عَلَى الْبَعْضِ أَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا بِمِصْرٍ أَوْ بَيْنَ مِصْرَيْنِ لَمْ يُحَدُّ فَأَقَادَ الْوَلِيُّ أَوْ عَفَا) بَيَانُ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا حَدَّ فِيهَا وَهِيَ سِتُّ مَسَائِلَ: الْأُولَى: لَوْ جَرَحَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا فَلِأَنَّهُ لَا حَدَّ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ فَيَظْهَرُ حَقُّ الْعَبْدِ فَيُقْتَصُّ مِنْهُ مِمَّا فِيهِ الْقِصَاصُ وَأُخِذَ الْأَرْشُ مِنْهُ مِمَّا فِيهِ الْأَرْشُ وَذَلِكَ إلَى الْأَوْلِيَاءِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛
لِأَنَّ ذَلِكَ لِلْمَجْرُوحِ لَا لِوَلِيِّهِ،
فَإِنْ أَفْضَى الْجُرْحُ إلَى الْقَتْلِ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ
وَلَمَّا كَانَ أَخْذُ الْمَالِ الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ هُنَا هُوَ النِّصَابَ كَأَنْ أَخَذَ مَا دُونَهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ،
فَإِذَا أَخَذَ مَا دُونَ النِّصَابِ وَجَرَحَ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: وَإِنْ جَرَحَ فَقَطْ
وَكَذَا إذَا أَخَذَ مَالًا يُقْطَعُ فِيهِ كَالْأَشْيَاءِ الَّتِي يَتَسَارَعُ إلَيْهَا الْفَسَادُ قَالَ الشَّارِحُ: وَلَوْ كَانَ مَعَ هَذَا الْأَخْذِ قَتْلٌ لَا يَجِبُ الْحَدُّ أَيْضًا وَهِيَ طَعْنُ عِيسَى، فَإِنَّهُ قَالَ: الْقَتْلُ وَحْدَهُ يُوجِبُ الْحَدَّ فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ مَعَ الزِّيَادَةِ فَجَوَابُهُ أَنَّ قَصْدَهُمْ الْمَالَ غَالِبًا فَيُنْظَرُ إلَيْهِ لَا غَيْرُ
بِخِلَافِ مَا إذَا اقْتَصَرُوا عَلَى الْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ مَقْصِدَهُمْ الْقَتْلُ دُونَ الْمَالِ فَيُحَدُّونَ فَعُدَّتْ هَذِهِ مِنْ الْغَرَائِبِ وَأُمِرَ بِحِفْظِهَا فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ وَعَدَّهَا مِنْ أَعْجَبِ الْمَسَائِلِ مِنْ حَيْثُ إنَّ ازْدِيَادَ الْجِنَايَةِ أَوْرَثَ الْخِفَّةَ الثَّانِيَةَ لَوْ قَتَلَ فَتَابَ قَبْلَ الْأَخْذِ لَا حَدَّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْجِنَايَةَ لَا تُقَامُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِلِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورِ فِي النَّصِّ أَوْ لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى رَدِّ الْمَالِ وَلَا قَطْعَ فِي مِثْلِهِ فَظَهَرَ حَقُّ الْعَبْدِ فِي النَّفْسِ، وَالْمَالِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ أَوْ يَعْفُوَ
وَيَجِبُ الضَّمَانُ إذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْمُخْتَصِّ بِالْقَتْلِ لِيُعْلَمَ حُكْمُ أَخْذِ الْمَالِ بِالْأَوْلَى وَفِي الْمَبْسُوطِ، وَالْمُحِيطِ رَدُّ الْمَالِ مِنْ تَمَامِ تَوْبَتِهِمْ لِتَنْقَطِعَ خُصُومَةُ صَاحِبِهِ وَلَوْ تَابَ وَلَمْ يَرُدَّ الْمَالَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْكِتَابِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ كَسَائِرِ الْحُدُودِ وَلَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ
وَقِيلَ يَسْقُطُ أَشَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ. الثَّالِثَةُ، وَالرَّابِعَةُ: لَوْ كَانَ بَعْضُ الْقُطَّاعِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ كَالصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ أَوْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ،
فَإِنَّ الْقَطْعَ يَسْقُطُ عَنْ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ قَامَتْ بِالْكُلِّ،
فَإِذَا لَمْ يَقَعْ فِعْلُ بَعْضِهِمْ مُوجِبًا كَانْ فِعْلُ الْبَاقِينَ بَعْضَ الْعِلَّةِ وَبِهِ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ فَصَارَ كَالْخَاطِئِ مَعَ الْعَامِدِ أَطْلَقَ فِي ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ فَشَمِلَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَاحِدَةٌ فَالِامْتِنَاعُ فِي حَقِّ الْبَعْضِ يُوجِبُ الِامْتِنَاعَ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِيهِمْ مُسْتَأْمَنٌ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ فِي حَقِّهِ لِخَلَلٍ فِي الْعِصْمَةِ وَهُوَ يَخُصُّهُ
أَمَّا هُنَا الِامْتِنَاعُ لِخَلَلٍ فِي الْحِرْزِ، وَالْقَافِلَةُ حِرْزٌ وَاحِدٌ،
وَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ صَارَ الْقَتْلُ إلَى الْأَوْلِيَاءِ لِظُهُورِ حَقِّ الْعَبْدِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا،
وَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوهُ، وَإِنْ شَاءُوا عَفَوْا
وَأَشَارَ بِذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِمْ شَرِيكٌ مُفَاوِضٌ لِبَعْضِ الْقُطَّاعِ لَا يُحَدُّونَ كَذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ وَفِي الْمَبْسُوطِ تَابُوا وَفِيهِمْ عَبْدٌ قَطَعَ يَدَ حُرٍّ دَفَعَهُ مَوْلَاهُ أَوْ فَدَاهُ كَمَا فَعَلَهُ فِي غَيْرِ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ بَيْنَ الْعَبِيدِ، وَالْأَحْرَارِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَيَبْقَى حُكْمُ الدَّفْعِ، وَالْفِدَاءِ،
فَإِنْ كَانَتْ فِيهِمْ امْرَأَةٌ فَعَلَتْ ذَلِكَ فَعَلَيْهَا دِيَةُ الْيَدِ فِي مَالِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ بَيْنَ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ فِي الْأَطْرَافِ، وَالْوَاقِعُ مِنْهَا عَمْدًا لَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ الْخَامِسَةُ لَوْ قَطَعَ بَعْضُ الْقَافِلَةِ عَلَى الْبَعْضِ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الْحِرْزَ وَاحِدٌ فَصَارَتْ الْقَافِلَةُ كَدَارٍ وَاحِدَةٍ،
وَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ إنْ قَتَلَ عَمْدًا بِحَدِيدَةٍ أَوْ بِمُثْقَلٍ عِنْدَهُمَا وَرَدَّ الْمَالَ إنْ أَخَذَهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي يَدِهِ وَضَمَانُهُ إنْ هَلَكَ أَوْ اُسْتُهْلِكَ. السَّادِسَةُ: لَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ بِمِصْرٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا أَوْ بَيْنَ مِصْرَيْنِ فَلَيْسَ بِقَاطِعِ الطَّرِيقِ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ قَاطِعَ الطَّرِيقِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِوُجُودِهِ حَقِيقَةً وَقَدَّمْنَا الْمُفْتَى بِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ إلَخْ) قَالَ الْمَقْدِسِيَّ يُرَادُ بِالْأَوْلِيَاءِ مَا يَشْمَلُ الْمَجْرُوحَ فَهُوَ وَلِيُّ نَفْسِهِ إنْ كَانَ أَهْلًا وَإِلَّا فَوَلِيُّهُ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ وَنَحْوُهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ) أَيْ وَيَصِيرُ كَمَا لَوْ قَتَلَ فَقَطْ وَهِيَ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ
(قَوْلُهُ: فَجَوَابُهُ أَنَّ قَصْدَهُمْ إلَخْ) قَالَ الْمَقْدِسِيَّ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِهَذَا أَقُولُ: وَيُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ أَنَّهُمْ إذَا كَانَ قَصْدُهُمْ الْقَتْلَ لَمْ يَكُونُوا قُطَّاعَ طَرِيقٍ مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ أَنَّهُمْ يُحَدُّونَ بِالْقَتْلِ وَحْدَهُ وَإِذَا فُرِضَ أَنَّ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْمَالِ قَلِيلٌ أَوْ تَافِهٌ صَارَ كَالْمَعْدُومِ فَكَأَنَّهُمْ قَتَلُوا فَقَطْ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَدُّوا وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقَتْلَ إذَا انْفَرَدَ وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهِ بِالْحَدِّ فَعَلِمْنَا أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ قَتْلَهُمْ سَبَبًا لِلْمَالِ حُكْمًا وَإِذَا كَانَ مَعَهُ أَخْذُ مَالٍ نُظِرَ إلَيْهِ؛
لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا مُنِعَ الْحَدُّ،
وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يُمْنَعْ اهـ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ)
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَحِينَئِذٍ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَتَلَ بِحَدِيدٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَجِبُ إلَّا بِهِ وَنَحْوُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ
(وإن جرح فقط) يعني لا حد عليه فلا يسقط حق العبد بل يقتص فيما فيه قصاص أو يأخذ الأرش أو يعفو وأراد بقوله: فقط أنه لم يؤخذ ما لا يقطع فيه ولم يقتل نفساً فلا يرد ما لو جرح وأخذ ما دون النصاب أو ما يتسارع إليه الفساد بدليل قوله بعد: لم يحد.
قال الشارح: ولو كان هذا مع الأخذ قتل لم يجب الحد أيضاً لأن المقصود هنا إنما هو المال، (أو قتل) نفساً معصومة (فتاب) قبل أن يؤخذ يعني لا حد عليه للاستثناء في الآية وقد مر بل أمره إلى الأولياء إن شاؤوا قتلوه إن كان القتل بمحدد أو أخذوا الدية أو عفوا
قال في (البحر) قيد بالقتل ليعلم أخذ المال بالأولى، بقى هل من تمام توبته رد المال؟ قيل: نعم وبه جزم في (الهداية) .
قال في (المحيط) : ولو تاب ولم يرد المال لم يذكره في (الكتاب) وقد قيل: لا يسقط
وقيل: يسقط وإليه أشار في (الأصل) ،
وفي (السراج) قالوا: لو قطع الطريق وأخذ المال ثم ترك ذلك وأقام في أهله زماناً ثم قدر عليه درئ عنه الحد لأنه لا يستوفى في تقادم العهد انتهى، وبه عرف أن مجرد الترك ليس توبة بل لا بد أن تظهر عليه سماتها التي لا تخفى، (أو كان بعض القطاع غير مكلف) بأن كان صبياً أو مجنوناً أو ذا رحم محرم من المقطوع عليه أو قطع بعض القافلة على البعض أو قطع الطريق ليلاً أو نهاراً بمصر أو بين مصرين لم يحد فأقاد الولي أو عفا ومن خنق في المصر غير مرة قتل به.
يعني لا يحدون كلهم لأن الجناية واحدة فإذا لم يقطع فعل بعضهم موجباً كان فعل الباقين كبعض العلة،
وكذا لو كان فيهم أخرس ودل كلامه أن المرأة تجري عليها أحكام قطاع الطريق وقد مر، (أو) كان بعض القطاع (ذا رحم محرم من المقطوع عليه) هذا إذا كان المال مشتركاً بين المقطوع عليهم أو لم يكن مشتركاً لكن لم يأخذه إلا من ذي الرحم،
أما إذا أخذوا منه ومن غيره فقيل: إنهم يحدون نظراً للمال المأخوذ من ذلك الغير
والأصح لا يحدون، (أو قطع بعض القافلة على/ بعض) لأن مال جميع القافلة في حق قطع الطريق كشيء واحد إذ هو محرز بحرز واحد وهو القافلة والجناية واحدة وهو قطع الطريق فالامتناع في البعض يوجب الامتناع في الباقين فصار كسارق متاع غيره وهو معه في دار واحدة. (أو قطع) شخص (الطريق ليلاً أو نهاراً بمصر أو بين مصرين) يعني (لا يحد) لأن قطع الطريق لا يتحقق في هذه الأماكن للحوق الغوث بهم عادة، وعن أبي يوسف إن قصده بالسلاح نهاراً في المصر فهو قاطع وإن قصده بشيء من الخشب ونحوه فليس بقاطع،
وفي الليل يكون قاطعاً مطلقاً واستحسن المشايخ هذه الرواية وأفتوا بها،
وعنه إذا كان خارج المصر ولو بقرب منه يحد لأن الله تعالى أناط الحد بمحاربة عباد الله على ما مر وذلك يتحقق في المصر وخارجه ولم ينط بمسمى قطع الطريق وإنما هو اسم من الناس لم يحد جواب الكل (فأقاد الولي) أي: اقتص يعني ولي المقتول إن كان القتل عمداً بمحدد (أو عفا) إن شاء وإذا ثبت هذا في القصاص ففي المال أولى،
(وَإِنْ جَرَحَ فَقَطْ أَوْ قَتَلَ فَتَابَ أَوْ كَانَ بَعْضُ الْقُطَّاعِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ أَوْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ أَوْ قَطَعَ بَعْضُ الْقَافِلَةِ عَلَى الْبَعْضِ أَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا بِمِصْرٍ أَوْ بَيْنَ مِصْرَيْنِ لَمْ يُحَدَّ فَأَقَادَ الْوَلِيُّ أَوْ عَفَا)
أَمَّا إذَا جَرَحَ فَقَطْ أَيْ لَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا فَلِأَنَّ هَذِهِ الْجِنَايَةَ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْعَبْدِ إذْ السُّقُوطُ فِي ضِمْنِ اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ وَلَمْ يُوجَدْ فَيَكُونُ حَقُّهُ بَاقِيًا فَيُقْتَصُّ فِيمَا فِيهِ الْقِصَاصُ وَيُؤْخَذُ الْأَرْشُ فِي غَيْرِهِ وَذَلِكَ إلَى الْأَوْلِيَاءِ وَعَلَى هَذَا إذَا جَرَحَ وَأَخَذَ مِنْ الْمَالِ دُونَ النِّصَابِ أَوْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يُقْطَعُ فِيهَا كَالْأَشْيَاءِ التَّافِهَةِ وَاَلَّتِي يَتَسَارَعُ إلَيْهَا الْفَسَادُ وَلَوْ كَانَ مَعَ هَذَا الْأَخْذِ قَتْلٌ لَا يَجِبُ الْحَدُّ أَيْضًا وَهُوَ طَعْنُ عِيسَى فَإِنَّهُ قَالَ الْقَتْلُ وَحْدَهُ يُوجِبُ الْحَدَّ فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ مَعَ الزِّيَادَةِ فَجَوَابُهُ أَنَّ قَصْدَهُمْ الْمَالَ غَالِبًا فَيُنْظَرُ إلَيْهِ لَا غَيْرُ
بِخِلَافِ مَا إذَا اقْتَصَرُوا عَلَى الْقَتْلِ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ قَصْدَهُمْ الْقَتْلُ دُونَ الْمَالِ فَيُحَدُّونَ فَعُدَّتْ هَذِهِ مِنْ الْغَرَائِبِ ثُمَّ إذَا لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ يَكُونُ الْأَمْرُ فِي الْقِصَاصِ وَالْأَرْشِ إلَى الْأَوْلِيَاءِ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْحَدِّ.
وَأَمَّا إذَا قَتَلَ أَوْ أَخَذَ مَالًا فَتَابَ يَعْنِي قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ فَلِأَنَّ هَذَا الْحَدَّ لَا يُقَامُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِلِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ أَوْ لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى رَدِّ الْمَالِ وَبَعْدَ الرَّدِّ لَا يُقْطَعُ لِمَا ذَكَرْنَا فِي السَّرِقَةِ الصُّغْرَى فَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ صَارَ الْأَمْرُ إلَى الْأَوْلِيَاءِ فِي الْقِصَاصِ وَالْأَرْشِ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْصَرِفَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْآيَةِ إلَى الَّذِي يَلِيه وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} كَمَا فِي آيَةِ الْقَذْفِ فَلَا يَقْتَضِي سُقُوطَ الْحَدِّ بِالتَّوْبَةِ قُلْنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْجُمَلُ الَّتِي قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ كُلُّهَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ إذْ الْكُلّ جَزَاءُ الْمُحَارِبَةِ فَيَنْصَرِفُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْكُلِّ فَيَرْتَفِعُ الْكُلُّ بِالتَّوْبَةِ
بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي آيَةِ الْقَذْفِ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الَّتِي تَلِيه خِلَافُ جِنْسِ الْجُمَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ إذْ هِيَ لَا تَصْلُحُ جَزَاءً لِلْقَذْفِ وَإِنَّمَا هِيَ إخْبَارٌ عَنْ حَالِهِ بِأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالْفِسْقِ فَكَانَتْ فَاصِلَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهَا مِنْ الْجُمَلِ فَيَعُودُ إلَيْهَا فَقَطْ
وَأَمَّا إذَا كَانَ بَعْضُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ بِأَنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا فَلِأَنَّ هَذِهِ الْجِنَايَةَ وَاحِدَةً قَامَتْ بِالْكُلِّ فَإِذَا لَمْ يَقَعْ فِعْلُ بَعْضِهِمْ مُوجِبًا كَانَ فِعْلُ الْبَاقِينَ بَعْضَ الْعِلَّةِ وَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ كَالْعَامِدِ وَالْمُخْطِئِ إذَا اشْتَرَكَا فِي الْقَتْلِ حَيْثُ لَا يَجِبُ الْقَوَدُ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَوْ بَاشَرَ الْعُقَلَاءُ يُحَدُّ الْبَاقُونَ لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ أَصْلٌ وَالرِّدْءَ تَبَعٌ وَلَا خَلَلَ فِي مُبَاشَرَةِ الْأَصْلِ وَلَا اعْتِبَارَ بِالْخَلَلِ فِي التَّبَعِ وَفِي عَكْسِهِ يَنْعَكِسُ الْمَعْنَى وَالْحُكْمُ وَعَلَى هَذَا السَّرِقَةُ الصُّغْرَى وَقَوْلُهُ أَوْ بَعْضُ الْقُطَّاعِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا قَطَعَتْ الطَّرِيقَ تَجْرِي عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ لِأَنَّهَا مُكَلَّفَةٌ
وَقِيلَ لَا تَكُونُ قَاطِعَةَ طَرِيقٍ لِأَنَّ بِنْيَتَهَا لَا تَصْلُحُ لِلْحِرَابِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا تُقْطَعُ وَلَا تُصْلَبُ وَالْأَخْرَسُ فِي هَذَا كَالصَّبِيِّ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ
وَأَمَّا إذَا كَانَ بَعْضُ الْقُطَّاعِ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِمْ فَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ مُتَّحِدَةٌ فَالِامْتِنَاعُ فِي حَقِّ الْبَعْضِ يُوجِبُ الِامْتِنَاعَ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِيهِمْ مُسْتَأْمِنٌ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ فِي حَقِّهِ لِخَلَلٍ فِي الْعِصْمَةِ وَذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ فَيَخُصُّ الِامْتِنَاعَ حَتَّى إذَا وَقَعَ الْقَتْلُ وَالْأَخْذُ عَلَى الْمُسْتَأْمِنِ خَاصَّةً لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ وَإِنْ وَقَعَ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ عَلَيْهِمَا يَجِبُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمَالُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِمْ وَفِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ أَحَدِهِمْ حَتَّى لَا يَجِبَ الْحَدُّ بِاعْتِبَارِ نَصِيبِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ وَيَصِيرُ شُبْهَةً فِي نَصِيبِ الْبَاقِينَ فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَإِذَا امْتَنَعَ فِي حَقِّ أَحَدِهِمْ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ امْتَنَعَ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ
أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَالُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ فَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ إلَّا مِنْ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ فَكَذَلِكَ وَإِنْ أَخَذُوا مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ يُحَدُّونَ بِاعْتِبَارِ الْمَالِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُجْرَى عَلَى إطْلَاقِهِ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ كَانَ الْقِصَاصُ وَالتَّضْمِينُ إلَى الْأَوْلِيَاءِ لِأَنَّهُ حَقُّهُمْ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهُ
وَأَمَّا إذَا قَطَعَ بَعْضُ الْقَافِلَةِ عَلَى الْبَعْضِ فَلِأَنَّ الْحِرْزَ وَاحِدٌ فَصَارَتْ الْقَافِلَةُ كَبَيْتٍ وَاحِدٍ
وَأَمَّا إذَا قَطَعَ الطَّرِيقَ بِمِصْرٍ أَوْ بَيْنَ مِصْرَيْنِ فَلِأَنَّ قَطْعَ الطَّرِيقِ بِقَطْعِ الْمَارَّةِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ لِأَنَّ الْغَوْثَ يَلْحَقُهُمْ سَاعَةً فَسَاعَةً فَلَا يُمْكِنُهُمْ الْمُكْثُ فِيهِ وَلِأَنَّ السَّبَبَ مُحَارَبَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ فِي الْمَفَازَةِ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ فِيهَا فَيَسِيرُ فِي حِفْظِ اللَّهِ تَعَالَى مُعْتَمَدًا عَلَيْهِ فَمَنْ تَعَرَّضَ لَهُ يَكُونُ مُحَارِبًا لِلَّهِ تَعَالَى
وَأَمَّا فِي الْمِصْرِ وَفِي الْقَرِيبِ مِنْهُ فَيَلْحَقُهُ الْغَوْثُ مِنْ السُّلْطَانِ وَالْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ اعْتِمَادُهُ عَلَيْهِمْ فَيَتَمَكَّنُ النُّقْصَانُ فِي فِعْلِ مَنْ يَتَعَرَّضُ لَهُ مِنْ حَيْثُ مُحَارَبَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُحَدُّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَكُونُ قَاطِعَ الطَّرِيقِ فِي الْمِصْرِ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِوُجُودِ حَقِيقَةِ الْقَطْعِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُمْ إنْ قَصَدُوا فِي الْمِصْرِ بِالسِّلَاحِ تُجْرَى عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ لِأَنَّ السِّلَاحَ لَا يَلْبَثُ فَلَا يَلْحَقُهُمْ الْغَوْثُ وَإِنْ قَصَدُوا بِالْحَجَرِ أَوْ الْخَشَبِ فَإِنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ.
فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لِأَنَّ الْغَوْثَ لَا يَلْحَقُهُمْ وَإِنْ كَانَ بِقُرْبٍ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ فَإِنْ كَانَ بِاللَّيْلِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّ الْغَوْثَ لَا يَلْحَقُهُمْ وَإِنْ كَانَ بِالنَّهَارِ لَا تُجْرَى عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَاسْتَحْسَنَ الْمَشَايِخُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَبِهِ يُفْتَى وَعَنْ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمُكَابِرِينَ بِاللَّيْلِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ أَهْلُ الدَّارِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُمْ فَهُمْ مُحَارِبُونَ
وَأَمَّا بِالنَّهَارِ فَهُمْ مُخْتَلِسُونَ حَتَّى يَكُونُوا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ غَيْرُ السُّلْطَانِ وَالْمُكَابِرُونَ فِي الْقُرَى إذَا كَانَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُمْ مُحَارِبُونَ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ جَوَابُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِمَا شَاهَدَ فِي زَمَانِهِ فَإِنَّ النَّاسَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانُوا يَحْمِلُونَ السِّلَاحَ فِي الْمِصْرِ وَالْقُرَى فَلَا يَتَمَكَّنُ الْقَاصِدُ مِنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ إلَّا نَادِرًا فَلَا يَبْنِي الْحُكْمَ عَلَى النَّادِرِ
وَأَمَّا فِي زَمَانِنَا فَقَدْ تَرَكُوا هَذِهِ الْعَادَةَ فَيَتَحَقَّقُ قَطْعُ الطَّرِيقِ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى وَقَوْلُهُ فَأَقَادَ الْوَلِيُّ أَوْ عَفَا يَعْنِي إنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ عَفَا فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ فِيهَا ظَهَرَ حَقُّ الْعَبْدِ لِأَنَّ سُقُوطَهُ كَانَ فِي ضِمْنِ إقَامَةِ الْحَدِّ وَلَمْ يُوجَدْ فَكَانَ اسْتِيفَاؤُهُ إلَيْهِ إنْ شَاءَ اسْتَوْفَى وَإِنْ شَاءَ عَفَا فِي الْقِصَاصِ وَالْمَالِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْعَبْدِ) أَيْ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ. اهـ. كَافِي
(قَوْلُهُ وَيُؤْخَذُ الْأَرْشُ فِي غَيْرِهِ) أَيْ كَمَا إذَا قَطَعُوا اللِّسَانَ أَوْ الذَّكَرَ لَا قِصَاصَ فِيهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَيُؤْخَذُ الْأَرْشُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا قَطَعَ مِنْ الْأَصْلِ وَفِي الْحَشَفَةِ قِصَاصٌ اتِّفَاقًا لِأَنَّ مَوْضِعَ الْقَطْعِ مَعْلُومٌ إلَّا إذَا قَطَعَ بَعْضَ الْحَشَفَةِ لَا قِصَاصَ
وَكَذَا إذَا ضَرَبُوا الْعَيْنَ فَقَلَعُوهَا لَا قِصَاصَ فِيهِ وَيُؤْخَذُ الْأَرْشُ إلَّا إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ قَائِمَةً فَذَهَبَ ضَوْءُهَا فَفِيهِ الْقِصَاصُ لِإِمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ
وَكَذَا لَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ إلَّا فِي السِّنِّ إلَّا إذَا اسْوَدَّتْ أَوْ احْمَرَّتْ أَوْ اخْضَرَّتْ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ الْأَرْشُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ مَعَ هَذَا الْأَخْذِ) أَيْ أَخْذِ مَا دُونَ النِّصَابِ. اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ أَخَذَ مَالًا فَتَابَ) أَيْ وَرَدَّ الْمَالَ أَيْضًا وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمَبْسُوطِ. اهـ. دِرَايَةٌ
(قَوْلُهُ يَعْنِي قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ)
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَإِنْ أَخَذَ بَعْدَ مَا تَابَ وَقَدْ قَتَلَ عَمْدًا فَإِنْ شَاءَ الْأَوْلِيَاءُ قَتَلُوهُ وَإِنْ شَاءُوا عَفَوْا عَنْهُ وَلَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَإِنْ وَقَدْ تَابَ بَطَلَ الْحَدُّ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ أَخَذَ بَعْدَ مَا تَابَ لِأَنَّهُ إذَا تَابَ بَعْدَ مَا أَخَذَ لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى {إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} فَلَمَّا بَطَلَ الْحَدُّ بِالتَّوْبَةِ ظَهَرَ حَقُّ الْعَبْدِ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ فَإِنْ شَاءَ قَتَلَ وَإِنْ شَاءَ صَالَحَ وَإِنْ شَاءَ عَفَا وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمَالَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ لِلِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} وَلَا خِلَافَ فِيهِ وَفِي الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ رَدُّ الْمَالِ مِنْ تَمَامِ تَوْبَتِهِمْ لِيَنْقَطِعَ بِهِ خُصُومَةُ صَاحِبِ الْمَالِ وَقَدْ انْقَطَعَتْ خُصُومَتُهُ بِرَدِّ الْمَالِ إلَيْهِ قَبْلَ ظُهُورِ الْجَرِيمَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ فَيَسْقُطُ الْحَدُّ. اهـ. دِرَايَةٌ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الَّتِي تَلِيه) أَيْ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. اهـ.
(قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا السَّرِقَةُ الصُّغْرَى) وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الرِّدْءَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُبَاشِرِ فِي حَدِّ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَلِهَذَا يَلْزَمُهُمَا جَمِيعًا إذَا كَانَا مُكَلَّفِينَ فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ حُضُورُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ كَمُبَاشَرَتِهِ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا إذَا بَاشَرَا فَكَذَا إذَا حَضَرَا فَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمَا سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي سَبَبِ الْحَدِّ كَمَا إذَا اشْتَرَكَ الْخَاطِئُ وَالْعَامِدُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ أَوْ بَعْضُ الْقُطَّاعِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ عَبْدٌ أَوْ امْرَأَةٌ فَالْحُكْمُ فِيهِمْ كَالْحُكْمِ فِي الْأَحْرَارِ وَالرِّجَالِ
أَمَّا الْعَبْدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَكَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ إنَّ حَدَّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ لَا يَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْمُحَارَبَةُ وَالْمَرْأَةُ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ لَيْسَتْ بِمُحَارِبَةٍ اهـ.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِيهِمْ مُسْتَأْمِنٌ) جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ بِأَنْ يُقَالَ الْقَطْعُ عَلَى الْمُسْتَأْمِنِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ كَالْقَطْعِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ ثُمَّ وُجُودُ هَذَا فِي الْقَافِلَةِ يُسْقِطُ الْحَدَّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ وُجُودُ الْمُسْتَأْمِنِ فِيهِمْ أَيْضًا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ فَإِنَّهُمْ يُحَدُّونَ لِأَنَّهُمْ قَطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْتَأْمَنِينَ وَقَطْعُ الطَّرِيقِ عَلَى الْمُسْتَأْمِنِ إنْ لَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ فَقَطْعُ الطَّرِيقِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يُوجِبُهُ وَغَيْرُ الْمُوجِبِ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلْمُوجِبِ وَهَذَا لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمِنِ لِخَلَلٍ فِي الْعِصْمَةِ وَهُوَ بَقَاءُ شُبْهَةِ الْإِبَاحَةِ فِي مَالِهِ عَلَى تَقْدِيرِ رُجُوعِهِ إلَى دَارِهِ وَهُوَ أَيْ الْخَلَلُ يَخُصُّهُ أَيْ الْمُسْتَأْمِنُ وَهَا هُنَا الْخَلَلُ فِي الْحِرْزِ إذْ الْقَافِلَةُ حِرْزٌ وَاحِدٌ وَهُوَ بِسَبِيلٍ مِنْ الدُّخُولِ عَلَى هَذِهِ الْقَافِلَةِ بِلَا اسْتِئْذَانٍ لِمَكَانِ قَرِيبه الَّذِي يُفْتَرَضُ وَصْلُهُ فَمَتَى لَمْ يَبْقَ حِرْزًا فِي حَقِّهِ لَمْ يَبْقَ حِرْزًا فِي حَقِّ الْكُلِّ كَدَارٍ يَسْكُنُهَا أَخُوهُ وَأَجْنَبِيٌّ فَسَرَقَ مِنْهَا مَالَ الْأَجْنَبِيِّ لَا يُقْطَعُ وَبِمِثْلِهِ لَوْ سَرَقَ مَالَ مُسْلِمٍ وَمُسْتَأْمِنٍ مِنْ بَيْتٍ يَسْكُنَانِ فِيهِ يُقْطَعُ.
اهـ. كَاكِيٌّ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ فِيهِمْ مَا نَصُّهُ أَيْ فِي الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ الْقَافِلَةُ اهـ.
(قَوْلُهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ) لَفْظَةُ أَنَّهُ لَيْسَتْ فِي خَطِّ الشَّارِحِ. اهـ.
(قَوْلُهُ مُجْرَى عَلَى إطْلَاقِهِ) أَيْ وَإِنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ. اهـ. كَافِي
(قَوْلُهُ فَلِأَنَّ الْحِرْزَ وَاحِدٌ) أَيْ وَالْقَاطِعُ مِنْ أَهْلِهَا فَلَا يُعْتَبَرُ قَاطِعًا كَمَا لَوْ سَرَقَ مِنْ دَارٍ يَسْكُنُ السَّارِقُ فِيهَا فَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ وَجَبَ الْقِصَاصُ إنْ قَتَلَ عَمْدًا وَرَدَّ الْمَالَ إنْ أَخَذَ وَهُوَ قَائِمٌ وَالضَّمَانُ إنْ هَلَكَ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُمْ إنْ قَصَدُوا فِي الْمِصْرِ) أَيْ نَهَارًا. اهـ. فَتْحٌ قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَنْ خَنَقَ) رَجُلًا بِالتَّخْفِيفِ إذَا عَصَرَ حَلْقَهُ وَمَصْدَرُهُ الْخَنْقُ بِكَسْرِ النُّونِ وَلَا يُقَالُ بِالتَّسْكِينِ كَذَا عَنْ الْفَارَابِيِّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
وَقَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ خَنَقَهُ يَخْنُقُهُ مِنْ بَابِ قَتَلَ خَنْقًا مِثْلُ كَتِفٍ وَيُسَكَّنُ لِلتَّخْفِيفِ
وَمِثْلُهُ الْحَلِفُ وَالْحِلْفُ اهـ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَمَنْ خَنَقَ رَجُلًا حَتَّى قَتَلَهُ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَصُورَةُ الْمَسْأَلَة فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَجُلٍ يَخْنُقُ رَجُلًا بِمِخْنَقَةِ خَنَّاقٍ حَتَّى قَتَلَهُ قَالَ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ فَإِنْ وُجِدَ وَقَدْ خَنَقَ غَيْرَ مَرَّةٍ فِي الْمِصْرِ وَغَيْرِ الْمِصْرِ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ وَأَرَادَ بِهَا أَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَجِبُ مَعَ ذَلِكَ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ مِخْنَقَةُ الْخَنَّاقِ هِيَ الْوَتَرُ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ لَكِنَّهُ بُنِيَ عَلَى الْعَادَةِ وَإِنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ دُونَ الْقِصَاصِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُهُ بِالْمُثْقِلِ وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ
أَمَّا إذَا اعْتَادَ هَذَا الْفِعْلَ فَحِينَئِذٍ يُقْتَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا سِيَاسَةً. اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.