وجعل البيت عن يساره
الشروح عليها
(وَجَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ) - بِالْجَرِّ - عَطْفٌ عَلَى الطُّهْرَيْنِ فَهُوَ الشَّرْطُ الرَّابِعُ
فَلَوْ جَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ قُبَالَةَ وَجْهِهِ أَوْ وَرَاءَ ظَهْرِهِ لَمْ يَجْزِهِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ عَنْ يَسَارِهِ وَهُوَ مَاشٍ مُسْتَقِيمًا جِهَةَ أَمَامِهِ
فَلَوْ جَعَلَهُ عَنْ يَسَارِهِ إلَّا أَنَّهُ رَجَعَ الْقَهْقَرَى مِنْ الْأَسْوَدِ الْيَمَانِي لَمْ يَجْزِهِ.
الْخَامِسُ أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ
(قَوْلُهُ: وَجَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ) قَالَ ح حِكْمَةُ جَعْلِ الطَّائِفِ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ لِيَكُونَ قَلْبُهُ إلَى وَجْهِ الْبَيْتِ إذْ بَابُ الْبَيْتِ هُوَ وَجْهُهُ
فَلَوْ جَعَلَ الطَّائِفُ الْبَيْتَ يَمِينَهُ لَأَعْرَضَ عَنْ بَابِ الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ وَجْهُهُ وَلَا يَلِيقُ بِالْأَدَبِ الْإِعْرَاضُ عَنْ وُجُوهِ الْأَمَاثِلِ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَجْزِهِ) أَيْ وَرَجَعَ لَهُ وَلَوْ مِنْ بَلَدِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إذَا رَجَعَ لِبَلَدِهِ لَا يَرْجِعُ لَهُ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَعَلَّ هَذَا الْقَائِلَ لَمْ يَرَ التَّيَاسُرَ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّ التَّيَاسُرَ عِنْدَهُ سُنَّةٌ، فِي تَرْكِهِ دَمٌ إنْ رَجَعَ لِبَلَدِهِ.
ص (وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ) ش: يَعْنِي أَنَّ مِنْ وَاجِبَاتٍ الطَّوَافِ وَشُرُوطِهِ أَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ،
فَلَوْ طَافَ وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَلَى يَمِينِهِ أَوْ طَافَ، وَوَجْهُهُ إلَى الْبَيْتِ أَوْ ظَهْرُهُ لَمْ يُجْزِهِ طَوَافُهُ، وَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَطُفْ فَيَرْجِعُ لِذَلِكَ مِنْ بَلَدِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَنْبَلٍ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ كَذَلِكَ،
وَقَالَ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مَنْ تَرَكَهُ صَحَّ طَوَافُهُ وَيُعِيدُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ،
فَإِنْ خَرَجَ إلَى بَلَدِهِ لَزِمَهُ دَمٌ هَكَذَا نُقِلَ عَنْهُ فِي الطِّرَازِ،
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ جَعَلْتُمْ التَّرْتِيبَ هُنَا وَاجِبًا وَجَعَلْتُمُوهُ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةً فَالْجَوَابُ أَنَّهُ هُنَا مَطْلُوبٌ إجْمَاعًا، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُ طَافَ مَنْكُوسًا،
أَمَّا الْوُضُوءُ فَقَدْ وَرَدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ مَا أُبَالِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْتُ إذَا أَتْمَمْتُ وُضُوئِي هَكَذَا نَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ
(تَنْبِيهٌ) : فَلَوْ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ وَلَكِنَّهُ طَافَ مَنْكُوسًا فَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْيَمَانِي فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَكَلَامُ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَغَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ
(فَائِدَةٌ) : حِكْمَةُ جَعْلِ الطَّائِفِ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ لِيَكُونَ قَلْبُهُ إلَى جِهَةِ الْبَيْتِ،
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: فَلَوْ جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ جَنْبَيْ بَابِ الْبَيْتِ نِسْبَتُهُمَا إلَيْهِ كَنِسْبَةِ يَمِينِ الْإِنْسَانِ وَيَسَارِهِ إلَيْهِ فَالْحَجَرُ مَوْضِعُ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ يُقَابِلُ يَسَارَ الْإِنْسَانِ، وَبَابُ الْبَيْتِ وَجْهُهُ،
فَلَوْ جَعَلَ الْبَيْتَ عَلَى يَمِينِهِ لَأَعْرَضَ عَنْ بَابِ الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ وَجْهُهُ،
وَلَوْ جَعَلَهُ عَلَى يَسَارِهِ أَقْبَلَ عَلَى الْبَابِ، وَلَا يَلِيقُ بِالْآدَابِ الْإِعْرَاضُ عَنْ وُجُوهِ الْأَمَاثِلِ، وَتَعْظِيمُ بَيْتِ اللَّهِ تَعْظِيمٌ لَهُ انْتَهَى.
(وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ) عَدَّ ابْنُ شَاسٍ مِنْ شُرُوطِ الطَّوَافِ التَّرْتِيبَ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ وَلَوْ جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ لَمْ يَصِحَّ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ص) وَجَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ (ش) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الطُّهْرَيْنِ يَعْنِي: أَنَّ الطَّائِفَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي طَوَافِهِ أَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ فِي دَوَرَانِهِ عَنْ يَسَارِهِ دَائِرًا مِنْ جِهَةِ بَابِهِ لِيَصِحَّ طَوَافُهُ
فَلَوْ جَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ قُبَالَةَ وَجْهِهِ، أَوْ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَطُفْ وَيَرْجِعُ إلَيْهِ،
وَلَوْ مِنْ بَلَدِهِ إنْ كَانَ ذَلِكَ الطَّوَافُ رُكْنًا وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لِطَوَافِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - هَكَذَا، وَقَوْلِهِ:«خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، وَإِنَّمَا حُمِلَ فِعْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - هُنَا عَلَى الْوُجُوبِ دُونَ الْوُضُوءِ مَعَ أَنَّ كِلَيْهِمَا عِبَادَةٌ فَعَلَهَا وَرَتَّبَهَا فَكَانَ فِعْلُهُ بَيَانًا لِمُجْمَلِ الْقُرْآنِ لِثُبُوتِ الطَّوَافِ كَذَلِكَ إجْمَاعًا فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ جَوَازُ تَنْكِيسِهِ وَوَرَدَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْوُضُوءِ لَا نُبَالِي بِأَيِّ عُضْوٍ بَدَأْنَا بِأَيْمَانِنَا أَوْ بِأَيْسَارِنَا.
(قَوْلُهُ: وَجَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ) حِكْمَتُهُ لِيَكُونَ قَلْبُهُ إلَى جِهَتِهِ
(قَوْلُهُ: فَلَوْ جَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ) أَيْ: وَلَا بُدَّ أَنْ يَمْشِيَ مُسْتَقْبِلًا،
فَلَوْ مَشَى الْقَهْقَرَى لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ
(قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ) أَيْ: كَوْنُهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنْ بَلَدِهِ هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَعَلَّ قَائِلَ ذَلِكَ لَمْ يَرَهُ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ وَهُوَ بَعِيدٌ ا. هـ.
وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - لِطَوَافِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَكَذَا وَقَوْلُهُ:«خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - التَّيَاسُرُ سُنَّةٌ فَفِي تَرْكِهِ الدَّمُ إنْ خَرَجَ لِبَلَدِهِ
(قَوْلُهُ: لِثُبُوتِ الطَّوَافِ كَذَلِكَ) أَيْ: لِثُبُوتِ الطَّوَافِ عَنْ الْيَسَارِ إجْمَاعًا أَيْ: أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى الْيَسَارِ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ الْيَسَارِ كَانَ بَاطِلًا، وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى الْوُجُوبِ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى الْيَسَارِ وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْوُجُوبِ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ لَمْ تُجْمِعْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مُرَتَّبًا.
(أَقُولُ) يُرَدُّ أَنْ يُقَالَ لِمَ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَكُونُ إلَّا مُرَتَّبًا وَالْوُضُوءُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَادَةٌ فَعَلَهَا وَرَتَّبَهَا؟
فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّقْلِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ
وَلِمَا عَرَفْت مِنْ مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ (وَقَوْلُهُ: وَخُرُوجُ كُلِّ الْبَدَنِ عَنْ الشَّاذَرْوَانِ) وَهُوَ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ عَلَى مَا حَكَى النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ هُوَ لَفْظَةٌ بِمُعْجَمَةٍ مَكْسُورِ الذَّالِ قَوْلُهُ: التُّونُسِيِّ) بَدَلٌ مِنْ ابْنِ جَمَاعَةَ
(وَ) بِ (جَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ) أَيْ: الطَّائِفِ مَاشِيًا إلَى أَمَامِهِ فَإِنْ رَجَعَ الْقَهْقَرَى لَمْ يَصِحَّ وَحِكْمَةُ التَّيَاسُرِ وَخُرُوجِ كُلِّ الْبَدَنِ عَنْ الشَّاذَرْوَانِ وَسِتَّةِ أَذْرُعٍ مِنْ الْحِجْرِ، [منح الجليل] صَيْرُورَةُ قَلْبِ الطَّائِفِ جِهَةَ الْبَيْتِ فَيَسْتَحْضِرُ عَظَمَتَهُ. وَلِأَنَّ بَابَ الْبَيْتِ هُوَ وَجْهُهُ فَيُقْبِلُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ وَقَلْبِهِ
فَلَوْ جَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ لَأَعْرَضَ عَنْهُ وَتَرَكَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ وَلَا يَلِيقُ بِالْأَدَبِ الْإِعْرَاضُ عَنْ وُجُوهِ الْأَمَاثِلِ،
فَلَوْ جَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ قُبَالَةَ وَجْهِهِ أَوْ وَرَاءَ ظَهْرِهِ لَمْ يُجْزِهِ.
وجعل البيت عن يساره، قوله: "وجعل" بالجر عطف على "الطهرين" ؛ يعني أنه يشترط في صحة الطواف أن يجعل البيت في دورانه عن يساره،
فلو طاف وجعل البيت عن يمينه، أو طاف ووجهه إلى البيت أو ظهره لم يجزه طوافه، وهو كمن لم يطف فيرجع لذلك من بلده، وهذا مذهب مالك والشافعي وابن حنبل؛ (لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف كذلك،
وقال: خذوا عني مناسككم (١) )،
وقال أبو حنيفة: إن ذلك سنة،
فإن تركه صح طوافه ويعيد ما دام بمكة،
فإن خرج إلى بلده لزمه دم،
ولو جعل البيت عن يساره ولكنه طاف منكوسا فرجع القهقرى من الحجر الأسود إلى جهة الركن اليماني، فالظاهر أنه لا يجزئه، وكلام صاحب الطراز وغيره يدل على ذلك. قاله الحطاب. وحكمة جعل البيت على اليسار ليكون قلب الطائف إلى جهة البيت،
وفي الذخيرة أن جنبي باب البيت نسبتهما إليه كنسبة يمين الإنسان ويساره إليه، فالحجر موضع اليمين لأنه يقابل يسار الإنسان، وباب البيت وجهه،
ولو جعل البيت عن يمينه لأعرض عن باب البيت الذي هو وجهه،
ولو جعله عن يساره أقبل على الباب ولا يليق بالأدب الإعراض عن وجوه الأماثل، وتعظيم بيت الله تعالى تعظيم له. قاله الحطاب. وقوله: "وجعل البيت عن يساره" ؛ ينبغي أن يقيد بما إذا مشى على رجليه،
فلو مشى على يديه غير منكوس فالظاهر أنه لا يجزئه،
وكذا لو مشى على يديه ورجليه أو زحف على بطنه ونحو ذلك، وظاهر كلام المصنف أن جعل البيت عن اليسار شرط مطلقا ذكرا أم لا،
وكذا قوله: "وخروج كل البدن عن الشاذروان" ، وقياس ما للقرافي أن يكون محراب المسجد وجهه، وغربيه يساره، وشرقيه يمينه، ويسار المسجد يقل فيه الناس فهوأبعدمن الرياء وأقرب إلى الإخلاص.
وفي الحديث: (من أحيا يسار المسجد فله أجران (٣) )، وكان البنوفري والتاجوري والأجهوري واللقاني لا يصلون في الجامع الأزهر إلا في جهة الخطابة؛ لأنها يساره مع محافظتهم على السنة قال الشيخ إبراهيم: وقد مر أن من طاف بالبيت وجعل البيت عن يساره ولكنه طاف منكوسا فرجع القهقرى لا يجزئه ذلك،
قال الإمام الحطاب: فإن قيل لم جعلتم الترتيب هنا واجبا وجعلتموه في الوضوء سنة؟ فَالجَوَابُ أنه هنا مطلوب إجماعا، ولم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنه طاف منكوسا،
وأما الوضوء، فقد ورد عن ابن عباس أنه قال: ما أبالي بأي أعضائي بدأت إذا أتممت وضوئي، هكذا نقل الشارح عن أبي الحسن الصغير. انتهى.
وقال الشبراخيتي: وعبارة المصنف قلقة أو عسرة؛ لأنه قد يجعل البيت عن يساره وهو راجع القهقرى ويطوف وهذا باطل؛ أي وجعل البيت عن يساره وهو ماش مستقيما جهة أمامه ولا بد من هذا. انتهى.
وقال عبد الباقي: ولا بد أن يمشي مستقيما،
فلو مشى القهقرى لم يصح. وخروج كل الطهرين عن الشاذروان؛ قوله: "وخروج" بالجر عطف على "الطهرين" ؛ يعني أنه يشترط في صحة الطواف أن يجعل الطائف بدنه كله في طوافه خارجا عن الشاذروان، قال الحطاب: الشاذروان بفتح الذال المعجمة وسكون الراء وهو بناء لطيف جدا ملصق بحائط الكعبة. قاله النووي. انتهى.
وقال الشبراخيتي: قال ابن فرحون: بكسر الذال المعجمة: لفظة عجمية بلسان الفارسية،
وقال النووي: بفتح الذال وسكون الراء: بناء لطيف جدا ملصق بحائط الكعبة وهو القدر الذي ترك من عرض الأساس خارجا عن عرض الجدار مرتفعا على وجه الأرض قدر ثلثي ذراع، نقصته قريش من أصل الجدار حين بنوا البيت. انتهى.
وقال عبد الباقي: واشترط الخروج عنه لأنه من البيت. انتهى. وارتفاعه عن الأرض في بعض المواضع نحو شبرين،
وفي بعضها نحو شبرو نصف. واعلم أن المصنف مشى في كتبه كلها على أن الشاذروان من البيت، معتمدا في ذلك على ما قاله صاحب الطراز وابن شأس ومن تبعهما من المتأخرين، قال صاحب الطراز: في شرح قوله في المدونة وسئل عن ممر الطائف في الحجر، فقال: قال مالك: ليس بطواف ويلغيه ويبني، وهذا بين لأن الطواف إنما شرع بجميع البيت إجماعا،
فإذا سلك في طوافه الحجر أو على جداره أو على شاذروان البيت لم يعتد بذلك؛ وهو قول الجمهور لأنه لم يطف بجميع الكعبة، وعند أبي حنيفة يجزئه، وعند ابن شأس من شروط الطواف أن يكون بجميع بدنه خارجا عن البيت، فلا يمشي على شاذروانه، وتبعه على ذلك القرافي في الذخيرة، وابن جزي في قوانينه، وابن جماعة التونسي وابن الحاجب وابن عبد السلام وابن هارون في شرح المدونة وابن راشد في اللباب، ونقل ابن عرفة كلام ابن شأس ولم يتعقبه مع كثرة تعقبه فيما لا يكون موافقا لنقول المذهب، بل جزم في فصل الاستقبال بأنه من البيت، وتبعه على ذلك الأبي، وممن تبع ابن شأس ابن معلى والتادلي وغيرهما، وهذا هو المعتمد عند الشافعية، وقد أنكر جماعة من العلماء المتأخرين من المالكية والشافعية كون الشاذروان من البيت،
فمن المالكية الخطيب أبو عبد الله بن رشيد بضم الراء وفتح الشين المعجمة وبعدها ياء تصغير، ذكر ذلك في رحلته وبالغ في إنكاره،
وقال: لا توجد هذه التسمية ولا ذكر مسماها في حديث صحيح ولا سقيم ولا عن صحابي ولا عن أحد من السلف فيما علمت، ولا لها ذكر عند الفقهاء المالكيين المتقدمين والمتأخرين إلا ما وقع في جواهر ابن شأس، وتبعه ابن الحاجب، ولا شك أن ذلك منقول من كتب الشافعية، وأقدم من ذكرها فيما وقفت عليه المزني. انتهى. المراد منه. وقول ابن رشيد: إن أقدم من ذكرها من المالكية ابن شأس، ليس كذلك لما تقدم من كلام صاحب الطراز، وهو أقدم من ابن شأس، وقوله: إن أقدم من ذكرها من الشافعية المزني، ليس كذلك، فقد نقل ابن جماعة الشافعي عن نص الشافعي أنه لو طاف على شاذروان الكعبة أعاد، مع أن ابن جماعة ممن رجح أنه ليس من البيت،
قال في منسكه: الذي يظهر لي أنه ليس من البيت كما نقله السروجي عن الحنفية، واختاره جماعة من محققي العلماء. انتهى. انتهى.
وقال الحطاب أيضا بعد جلب كثير من النقول: وبالجُمْلَةِ فقد كثر الاضطراب في الشاذروان، وصرح جماعة من الأئمة المقتدى بهم بأنه من البيت، فيجب على الشخص الاحتراز منه في طوافه ابتداء، وأنه إن طاف وبعض يده في [أهواه ] أنه يعيد ما دام بمكة،
فإن لم يتذكر ذلك حتى بعد من مكة فينبغي أن لا يلزم بالرجوع لذلك، مراعاة لمن يقول: إنه ليس من البيت. والله أعلم. انتهى. وذكر المحب الطبري عن الأزرقي أن عرض الشاذروان ذراع، قال: وقد نقص عما ذكره الأزرقي في الجهات، قال: فتجب إعادته،
ويجب أن يحترز من ذلك الزائر. انتهى. قاله الحطاب. وستة أذرع من الحجر؛ قوله وستة عطف على الشاذروان يعني أنه يشترط في صحة الطواف أن يخرج الطائف بجميع بدنه عن مقدار ستة أذرع من الحجر؛ لأن ذلك من البيت كما ورد في الحديث الصحيح ،
فإذا خرج بجميع بدنه عن مقدار ستة أذرع من الحجر وتسور عليه من الطرف بعد أن خرج بجميع بدنه عن الأذرع الستة أجزأه؛ لأنه ليس من البيت، وليس بحسن أن يفعل ذلك. قاله اللخمي. وهو يقتضي أن ذلك مكروه أو خلاف الأولى، والأحسن هو أن يطوف من وراء الحجر جميعه وهو خلاف ما لابن رشد، والذي لابن رشد هو أنه لا يعتد بما طاف داخل الحجر وبنى على ما طاف خارجه منه،
وإن لم يذكر حتى رجع إلى بلده فليرجع وهو كمن لم يطف. نقله الحطاب. وفيه بعد جلب نقول: وكلام أصحابنا المتقدمين يقتضي أنه لا يصح الطواف إلا من وراء الحجر جميعه، وقد مر قول صاحب الطراز؛ لأن الطواف إنما شرع بجميع البيت إجماعا،
فإذا سلك في طوافه الحجر أو على جداره أو على شاذروان البيت لم يعتد بذلك؛ وهو قول الجمهور. انتهى. فصرح بأنه إذا طاف على جدار الحجر أنه لا يعتد بذلك،
وقال القاضي عبد الوهاب: ولا يجزئ الطواف داخل الحجر خلافا لأبي حنيفة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (الحجر من البيت (٢) )،
وإذا ثبت أنه من البيت لم يجز أن يطوف فيه، لقوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} ، وذلك يقتضي استيفاء جميعه، (ولأنه صلى الله عليه وسلم طاف خارج الحجر وقال خذوا عني مناسككم (٣) )،
وقال ابن عسكر في عمدته في شروط الطواف: وأن يطوف بالحجر،
وقال ابن بشير: ولا يجزئ الطواف في الحجر،
فمن طاف فيه كان بمنزلة من طاف ببعض البيت. نقله الحطاب. ونقل نحوه عن ابن الحاجب. وابن جزي وابن عرفة. وقول المصنف: "من الحجر" الحجر بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم هذا هو الصواب المعروف، قال النووي: وحكى بعضهم فتح الحاء، وسمي حجرا لاستدارته وهو محوط مدور على نصف دائرة خارج عن خارج الكعبة في جهة الشام، ويقال له: الجدر، بفتح الجيم وسكون الدال المهملة؛ وهو من وضع الخليل عليه الصلاة والسلام على ما ذكره الأزرقي في خبر رواه عن أبي إسحاق، قال: (وجعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام الحجر إلى جنب البيت [عريشا (١) ] من أراك تقتحمه العنز، وكان رباضا لغنم إسماعيل عليد الصلاة والسلام،
ثم إن قريشا أدخلت فيه [ذراعا ] من الكعبة). تنبيهات: الأول: اعلم أن المصنف رحمه الله تعالى تبع في قوله: "وستة أذرع من الحجر" اللخمي كما مر التنبيه عليه، ولم يصرح في كتاب الحج بستة أذرع، إلا أنه صرح في كتاب الصلاة بأن الذي من البيت في الحجر هو مقدار ستة أذرع، وكلامه في كتاب الحج يقتضي أن ذلك القدر هو الذي يطلب الخروج عنه في الطواف، ونصه: ولا يطاف في الحجر،
فإن طاف فيه لم يجزه لأن الموضع الذي يتصرف فيه الناس منه يلي البيت، وهو من البيت فكأنما طاف ببعض البيت،
ولو تسور من الطرف لأجزاه لأنه ليس من البيت، وليس بحسن أن يفعل ذلك. انتهى. وقد أسقط المصنف هنا.
وفي التوضيح: والمناسك من كلام اللخمي، قوله: وليس بحسن أن يفعل ذلك، مع أن ذكر ذلك متعين لأن كلام المصنف يقتضي أنه لو فعل ذلك لم يكن فيه بأس، وكلام اللخمي يقتضي أنه مكروه أو خلاف الأولى. ثم جلب من النقول مما يفيد أن كلام المصنف خلاف المعتمد كثيرا مقنعا عن المالكية وغيرهم وقد قدمت بعض ذلك، ثم قال: وهذا هو الظاهر من قول مالك في المدونة: ولا يعتد بما طاف في داخل الحجر؛
لأن ذلك شامل لستة أذرع
ولما زاد عليها، وهو الذي يظهر من كلام أصحابنا كما تقدم، والذي قاله اللخمي رحمه الله تعالى إنما هو تفقه منه على عادته في اختياره لما يقتضية الدليل والقياس وإن خالف المنصوص عن مالك. وقوله: وليس بحسن أن يفعل، يدل على ذلك. والله أعلم. انتهى. ثم قال: واحتج شيخ شيوخنا القاضي تقي الدين الفاسي المالكي لما قاله اللخمي؛ بأن أفعاله صلى الله عليه وسلم في الحج منها ما هو واجب ومنها ما ليس بواجب، فطوافه خارج الحجر لا يكون واجبا إلا بدليل، ولا دليل إلا ما وقع في بعض رواية عائشة أن الحجر من البيت، وهي رواية مطلقة، فتحمل [على ] الروايات المقيدة، ويحمل طوافه صلى الله عليه وسلم خارج الحجر ليزيل عن غيره مشقة الاحتراز عن تحرير الستة الأذرع ونحوها، ومشقة تسور جدار الحجر خصوصا للنساء، ومثل ذلك يقال في طواف الخلفاء ومن بعدهم، فيكون الطواف هكذا مطلوبا ندبا لا وجوبا، لعدم نهوض الدلالة على الوجوب من طوافه صلى الله عليه وسلم.
انتهى. قال الحطاب: وفيما قاله رحمه الله تعالى نظر؛ لأن أفعاله صلى الله عليه وسلم محمولة على الوجوب حتى يدل دليل على الندب، ثم قال: والذي يظهر -والله سبحانه أعلم- وجوب الطواف من وراء محوط الحجر،
وأن من طاف داخله يعيد طوافه ولو تسور الجدار وطاف من وراء الستة الأذرع والسبعة، وهذا ما دام بمكة،
فإن عاد إلى بلاده وكان طوافه من وراء الستة الأذرع فينبغي أن لا يؤمر بالعود مراعاة لمن يقول بالإجزاء كما تقدم في مسألة الشاذروان. انتهى. والله سبحانه أعلم.
وقال ابن مسدي في منسكه: وأما قولنا: ويطوف من وراء حجر إسماعيل، فهو الإجماع، ثم اختلفوا فقال أصحاب الرأي: يطوف من وراء الحجر استحبابا،
وقال جمهور العلماء بالوجوب استبراء؛ لأن بعض الحجر من البيت مقدر غير معلوم العين، ثم اتفقوا على أن من طاف بفناء البيت الظاهر ولم يدخل الحجر في طوافه أنه يعيد ما دام بمكة، ثم اختلفوا فقال أبو حنيفة: يعيد استحبابا،
وقال جمهور العلماء: يعيد وجوبا لأنه كمن لم يطف،
فإن لم يذكر حتى انصرف إلى بلده، فقال ابن عباس: هو كمن لم يطف، وإليه ذهب مالك والشافعي وأبو ثور وأحمد بن حنبل وإسحاق وداوود وغيرهم من أهل العلم، وقالوا: عليه أن يرجع من حيث كان حتى يطوف من وراء الحجر. الثاني: اعلم أن الروايات اضطربت في الحجر، ففي رواية (أنه من البيت (٢) )،
وفي رواية (ستة أذرع من الحجر (٣) )،
وفي أخرى (ست أو نحوها (٤) )،
وفي رواية (خمسة أذرع (٥) )، وروي (قريب من سبع (٦) )، وكل هذه الروايات في الصحيح،
قال الحطاب: فإذا طاف في شيء من الحجر يكون في شك من أداء الواجب. الثالث: في المدونة: ويبني على ما طاف خارجا عنه، قال أبو إبراهيم الأعرج في طرره على التهذيب: يعني يبني على الأشواط الكاملة،
وأما بعض الأشواط فلا. نقله عنه التادلي. وابن فرحون. ولم ينبه على ذلك أبو الحسن ولا صاحب الطراز ولا غيرهما من شراح المدونة فيما علمت، والظاهر أنه يبني على ما طاف خارجا عنه،
ولو كان بعض شوط إلا أن يريد أبو إبراهيم إذا لم يعلم بذلك في ذلك الشوط، بل طاف بعده شوطا أو أشواطا ثم تذكر فإنه إنما يبني على الأشواط الكاملة وهو مراده. والله أعلم. وقد مر في فصل الاستقبال أن في استقبال الستة الأذرع قولين،
والراجح منهما أنه لا يصح استقبالها،
والراجح هنا وجوب الطواف خارجا عن جميع الحجر، فَلِمَ لا يصح الطواف في الستة الأذرع على الراجح كما في الصلاة؟ والجواب على المعتمد هنا من وجوب الطواف خارج الحجر أنه إنما وجب لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم،
وأما على ما قاله اللخمي فالجواب أنه احتيط في كل من البابين، فمنعوا الصلاة إليه لعدم القطع بأنه من البيت، ومنعوا الطواف في الستة لأنه قد ثبت بحديث الصحيح أنها من البيت . انظر الحطاب. والله سبحانه أعلم. الرابع: أثبت المصنف التاء في قوله: "وستة أذرع" ؛ لأن الذراع تذكر وتؤنث،
قال في الصحاح: ذراع اليد يذكر ويؤنث. قاله الحطاب. والله سبحانه أعلم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.