ثم تمليك ستين مسكينا أَحْرَارًا مُسْلِمِينَ: لِكُلٍّ مُدٌّ وَثُلُثَانِ بُرًّا
الشروح عليها
(ثُمَّ) عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الصَّوْمِ (تَمْلِيكُ) أَيْ إعْطَاءُ (سِتِّينَ مِسْكِينًا أَحْرَارًا مُسْلِمِينَ) بِالْجَرِّ صِفَةٌ لِسِتِّينَ، وَبِالنَّصْبِ صِفَةٌ لِمِسْكِينٍ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى مَسَاكِينَ (لِكُلٍّ) مِنْهُمْ (مُدٌّ وَثُلُثَانِ) بِمُدِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (بُرًّا) تَمْيِيزٌ لِبَيَانِ جِنْسِ الْمُخْرَجِ إنْ اقْتَاتُوهُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: صِفَةً لِمِسْكِينٍ) هَذَا وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا بِالتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ لَكِنْ جَعْلُهُ حَالًا مِنْ سِتِّينَ لِتَخْصِيصِهِ بِالتَّمْيِيزِ أَحْسَنُ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ بِمَعْنَى إلَخْ) أَيْ فَلَا يُقَالُ: إنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ نَعْتُ الْمُفْرَدِ بِالْجَمْعِ وَهُوَ لَا يَصِحُّ
(قَوْلُهُ: لِكُلٍّ مُدٌّ وَثُلُثَانِ) أَيْ فَمَجْمُوعُهَا مِائَةُ مُدٍّ بِمُدِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ صَاعًا؛ لِأَنَّ الصَّاعَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ
(قَوْلُهُ: إنْ اقْتَاتُوهُ) أَيْ أَهْلُ بَلَدِ الْمُكَفِّرِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(ثُمَّ تَمْلِيكُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) ابْنُ عَرَفَةَ: شَرْطُ الْإِطْعَامِ الْعَجْزُ عَنْ الصِّيَامِ. الْجَلَّابُ: كَالْكِبَرِ. اللَّخْمِيِّ: وَضَعْفِ الْبِنْيَةِ وَالتَّعَطُّشِ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ مَعَهُ الصَّوْمُ مُعْتَبَرٌ وَمَصْرِفُهُ سِتُّونَ مِسْكِينًا كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ (أَحْرَارًا مُسْلِمِينَ) قَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُ أَنْ يُطْعِمَ فِي الْكَفَّارَاتِ كُلِّهَا إلَّا حُرًّا مُسْلِمًا مِسْكِينًا.
قَالَ: وَلَا يُطْعِمُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكَفَّارَاتِ أَحَدًا مِنْ قَرَابَتِهِ وَإِنْ كَانَ نَفَقَتُهُمْ لَا تَلْزَمُهُ،
فَإِنْ أَطْعَمَ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ أَجْزَأَهُ إنْ كَانُوا مَحَاوِيجَ.
قَالَ: وَيُطْعِمُ الرَّضِيعَ مِنْ الْكَفَّارَاتِ إذَا كَانَ قَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيُعْطِي مَا يُعْطِي الْكَبِيرُ،
فَإِنْ كَانَ فِي يَمِينٍ بِاَللَّهِ أَعْطَى مُدًّا بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (لِكُلٍّ مُدٌّ وَثُلُثَانِ بُرًّا وَإِنْ اقْتَاتُوا تَمْرًا أَوْ مُخْرَجًا فِي الْفِطْرِ فَعَدْلُهُ) .
ابْنُ يُونُسَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الشِّبَعُ مُدَّيْنِ إلَّا ثُلُثًا بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ عِيَارٌ بِمُدِّ هِشَامٍ،
فَمَنْ أَخْرَجَ بِهِ أَجْزَأَهُ.
وَقَالَهُ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ كَانَ عَيْشُ بَلَدِهِمْ تَمْرًا أَوْ شَعِيرًا أَطْعَمَ مِنْهُ الظِّهَارَ عِدْلَ مُدِّ هِشَامٍ مِنْ الْبُرِّ. ابْنُ الْحَاجِبِ: الْجِنْسُ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ وَإِنْ أَطْعَمَ عَنْ ظِهَارِهِ شَعِيرًا وَهُوَ يَأْكُلُ شَعِيرًا أَوْ ذُرَةً أَوْ قَمْحًا لَمْ يُجْزِهِ
(ص) ثُمَّ تَمْلِيكُ سِتِّينَ مِسْكِينًا (ش) هَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ وَهُوَ الْإِطْعَامُ
وَشَرْطُهُ الْعَجْزُ عَنْ الصِّيَامِ بِيَأْسٍ أَوْ شَكٍّ عَلَى مَا يَأْتِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} يَدْفَعُ الْمُظَاهِرُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا وَثُلُثَيْ مُدٍّ بِمُدِّ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
فَلَوْ دَفَعَ الْكَفَّارَةَ لِأَقَلَّ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ فَلَا تُجْزِئُ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يَقُولُ: إذَا أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا سِتِّينَ يَوْمًا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ سَدُّ الْخَلَّةِ وَقَدْ سَدَّ خَلَّةَ سِتِّينَ وَقَدْ يُمْنَعُ بِأَنَّ حَاجَةَ سِتِّينَ مُحَقَّقَةٌ عِنْدَ الْإِخْرَاجِ وَلَا كَذَلِكَ الْوَاحِدُ فِي سِتِّينَ يَوْمًا،
وَلِمَا يُتَوَقَّعُ فِي الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنْ إجَابَةِ الدُّعَاءِ وَمُصَادَفَةِ وَلِيٍّ وَلَوْ تَنَاهَبَهَا الْمَسَاكِينُ ابْتَدَأَهَا إنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ وَإِلَّا بَنَى عَلَى وَاحِدٍ وَكَمَّلَ
وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَسَاكِينِ أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا لَا عَبِيدًا لِأَنَّهُمْ أَغْنِيَاءُ بِسَادَاتِهِمْ لِجَبْرِهِمْ عَلَى الْإِنْفَاقِ أَوْ الْبَيْعِ أَوْ تَبْتِيلِ عِتْقِ مَنْ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ لِيَصِيرَ مِنْ أَهْلِهَا مُسْلِمِينَ حَمْلًا عَلَى الزَّكَاةِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ (ص) أَحْرَارًا مُسْلِمِينَ لِكُلٍّ مُدٌّ وَثُلُثَانِ بُرًّا وَإِنْ اقْتَاتُوا تَمْرًا أَوْ مُخْرَجًا فِي الْفِطْرِ فَعِدْلُهُ (ش) الْبُرُّ هُوَ الْمُخْرَجُ مِنْهُ بِالْأَصَالَةِ فَإِنْ كَانَ قُوتُهُمْ غَيْرَهُ تَمْرًا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا يُخْرَجُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَهُوَ الشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ وَالذُّرَةُ وَالْأَرُزُّ وَالدُّخْنُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُخْرَجُ مِنْهُ بِعِدْلِ مُدِّ هِشَامٍ أَيْ بِعِدْلِ شِبَعِ مُدِّ هِشَامٍ قَالَ عِيَاضٌ مَعْنَاهُ أَنْ يُقَالَ: إذَا شَبِعَ الرَّجُلُ مِنْ مُدِّ حِنْطَةٍ كَمْ يُشْبِعُهُ مِنْ غَيْرِهَا فَيُقَالُ كَذَا فَيُخْرِجُ ذَلِكَ، ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ عَنْ بَعْضِ الْأَشْيَاخِ: الْمُعْتَبَرُ الشِّبَعُ زَادَ عَلَى مُدِّ هِشَامٍ أَوْ نَقَصَ نَقَلَهُ عَنْهُمَا حُلُولُو فِي شَرْحِهِ لِهَذَا الْكِتَابِ وَقَالَ الْبَاجِيُّ الْأَظْهَرُ عِنْدِي مِثْلُهُ مَكِيلَةُ الْقَمْحِ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ وَلَا يُجْزِئُ عَرَضٌ وَلَا ثَمَنٌ فِيهِ وَفَاءُ الْقِيمَةِ وَخَرَّجَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى إجْزَاءِ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ ابْنُ عَرَفَةَ وَيُرَدُّ بِظُهُورِ التَّعَبُّدِ فِي الْكَفَّارَةِ بِقَدْرِ الْمُعْطَى وَعَدَدِ آخِذِيهِ انْتَهَى.
وَإِنْ أَعْطَى الدَّقِيقَ بِرِيعِهِ أَجْزَأَهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ بَعْضُهُمْ وَلَا يُخَالِفُ فِي هَذَا ابْنَ الْقَاسِمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ
(قَوْله تَمْلِيكُ) عَبَّرَ بِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْإِطْعَامَ فِي الْآيَةِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بَلْ الْوَاجِبُ التَّمْلِيكُ قِيَاسًا عَلَى الْكِسْوَةِ
فَلَوْ أَعَارَهُمْ الثِّيَابَ لَمْ يَجْزِهِ
(قَوْلُهُ: مِسْكِينًا) أَرَادَ بِهِ مَا يَعُمُّ الْفَقِيرَ لِأَنَّهُمَا إذَا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا وَإِذَا اجْتَمَعَا افْتَرَقَا
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ سَدُّ الْخَلَّةِ إلَخْ) بِفَتْحِ الْخَاءِ أَيْ الْحَاجَةِ لَا يُسَلَّمُ بَلْ الْمَقْصُودُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ الْآيَةِ سَدُّ خَلَّةِ سِتِّينَ إنْسَانًا مِسْكِينًا
(قَوْلُهُ: إنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ) أَيْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَسَاوَوْا فِي الْأَخْذِ فَلَا يُكَمِّلُ لِوَاحِدٍ مُدًّا كَامِلًا
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا بَنَى عَلَى وَاحِدٍ وَكَمَّلَ) لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ أَنَّ مَعَ وَاحِدٍ مُدًّا كَامِلًا
(قَوْلُهُ: عَلَى الْإِنْفَاقِ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا عَامٌّ، وَقَوْلُهُ " أَوْ الْبَيْعِ " أَيْ فِيمَنْ لَيْسَ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ وَقَوْلُهُ " أَوْ تَبْتِيلٍ " أَيْ تَنْجِيزٍ
(قَوْلُهُ: أَحْرَارًا) بِالْجَرِّ صِفَةُ سِتِّينَ وَبِالنَّصْبِ صِفَةُ مِسْكِينًا لِأَنَّهُ بِمَعْنَى مَسَاكِينَ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ اقْتَاتُوا تَمْرًا إلَخْ) أَيْ أَهْلُ بَلَدِ الْمُكَفِّرِ أَوْ جُلُّهُمْ أَفْرَدَ التَّمْرَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ هُوَ الْأَصْلَ الَّذِي وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ فَلَا يَدْفَعُ عِدْلَ الْبُرِّ وَقَوْلُهُ أَوْ مُخْرَجًا إلَخْ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَهُوَ جَائِزٌ كَعَكْسِهِ عَلَى مَا فِي الدَّمَامِينِيِّ وَيَمْتَنِعُ عَلَى مَا فِي خَالِدٍ عَلَى التَّوْضِيحِ وَعَلَيْهِ فَقَالَ أَوْ مُخْرَجًا فِي الْفِطْرِ غَيْرَ التَّمْرِ.
(قَوْلُهُ: وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) وَهُوَ الْبُرُّ وَالتَّمْرُ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ حَيْثُ أَرَدْنَا بِهِ التَّمْرَ وَالْبُرَّ فَيَكُونُ هَذَا تَفْسِيرًا لِلْمُخْرَجِ فِي الْفِطْرِ مُطْلَقًا بِدُونِ نَظَرٍ لِقَوْلِ الشَّارِحِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ
فَلَوْ اُقْتِيتَ غَيْرُ هَذِهِ كَاللَّحْمِ وَالْقَطَّانِيِّ أَجْزَأَ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ قَالَهُ تت
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِي الْمُخْرَجِ مِنْ هَذِهِ السَّبْعَةِ مَا يَغْلِبُ اقْتِيَاتُهُ
وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا اُقْتِيتَ مِنْ غَيْرِهَا يُخْرَجُ مِنْهُ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ شَيْءٍ مِنْ التِّسْعَةِ وَهُوَ خِلَافُ زَكَاةِ الْفِطْرِ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ
(قَوْلُهُ: أَيْ بِعِدْلِ شِبَعٍ) أَيْ لَا كَيْلًا خِلَافًا لِلْبَاجِيِّ
(قَوْلُهُ: مُدِّ هِشَامٍ) هُوَ هِشَامُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَهُ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ نَقَلَهُ مُحَشِّي تت وَفِي عب هِشَامُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ كَانَ عَامِلًا عَلَى الْمَدِينَةِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ نَقَلَهُ عَنْ الْغِرْيَانِيِّ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ وَفِي شَرْحِ شب هُوَ ابْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَمُدُّ هِشَامٍ مُدٌّ وَثُلُثَا مُدٍّ بِمُدِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(قَوْلُهُ: كَمْ يُشْبِعُهُ مِنْ غَيْرِهَا) وَالْعِبْرَةُ فِي ذَلِكَ بِمَحَلِّ الْإِخْرَاجِ فَإِذَا ظَاهَرَ شَخْصٌ بِالْمَدِينَةِ وَكَفَّرَ بِمِصْرَ مَثَلًا بِغَيْرِ بُرٍّ وَكَانَ مَا يَعْدِلُ الْبُرَّ مِمَّا أَخْرَجَ بِمِصْرَ يَزِيدُ عَلَى مَا يَعْدِلُهُ لَوْ أَخْرَجَ بِالْمَدِينَةٍ فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُ مَحَلَّ الْإِخْرَاجِ
(قَوْلُهُ: ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إلَخْ) لَا يُخَالِفُ مَا قَبْلَهُ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ الْبَاجِيُّ) مُقَابِلٌ لِاعْتِبَارِ الشِّبَعِ وَهُوَ ضَعِيفٌ
(قَوْلُهُ: ثَمَنٌ فِيهِ وَفَاءُ الْقِيمَةِ) الْأَوْلَى وَلَا الْقِيمَةُ وَذَلِكَ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ هُنَاكَ قِيمَةً وَثَمَنًا مُخَالِطًا لَهَا فِيهِ وَفَاؤُهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ: عَلَى إجْزَاءِ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ) وَهِيَ لَا تُجْزِئُ فِيهَا الْقِيمَةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّفْصِيلِ
(قَوْلُهُ: وَيُرَدُّ) أَيْ التَّخْرِيجُ
(قَوْلُهُ: بِقَدْرِ الْمُعْطَى) أَيْ بِاعْتِبَارِ تَحْدِيدِ الْمُعْطَى بِكَوْنِهِ مُدًّا وَثُلُثَيْنِ لَا أَزْيَدَ وَكَوْنِ الْآخِذِينَ سِتِّينَ أَيْ بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ وَإِلَّا فَقَدْرُ الْمُعْطَى مُحَدَّدٌ فِي الزَّكَاةِ
(قَوْلُهُ: بِرِيعِهِ) الرِّيعُ هُوَ الزَّائِدُ بَعْدَ طَحْنِهِ أَيْ بِرِيعِ أَصْلِهِ. قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ) إشَارَةٌ لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِالْحُكْمِ الْمَذْكُورِ
(ثُمَّ) إذَا عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ (تَمْلِيكُ سِتِّينَ) شَخْصًا (مِسْكَيْنَا أَحْرَارًا) بِالْجَرِّ نَعْتُ سِتِّينَ وَبِالنَّصْبِ حَالٌ مِنْهُ لِتَخَصُّصِهِ بِالتَّمْيِيزِ (مُسْلِمِينَ، لِكُلٍّ) أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ السِّتِّينَ (مُدٌّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَشَدِّ الدَّالِ، نَبَوِيٌّ وَهُوَ مِلْءُ حِفَانٍ مُتَوَسِّطٍ وَوَزْنُهُ رِطْلٌ وَثُلُثٌ بَغْدَادِيٌّ، وَالرِّطْلُ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا مَكِّيًّا، وَالدِّرْهَمُ خَمْسُونَ شَعِيرَةً مِنْ الشَّعِيرِ الْمُتَوَسِّطِ (وَثُلُثَانِ) مِنْ مُدٍّ، فَمَجْمُوعُ الْكَفَّارَةِ مِائَةُ مُدٍّ نَبَوِيٍّ (بُرًّا) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَشَدِّ الرَّاءِ أَيْ قَمْحًا تَمْيِيزٌ لِلْمُدِّ وَالثُّلُثَيْنِ وَبَيَانٌ لِجِنْسِ الطَّعَامِ الْمُخْرَجِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، إنْ اقْتَاتُوا الْبُرَّ
لا زيادة له على هذه المسألة.
وحذف المفعول الثاني للعلم به من قوله: لكل مد وثلثان يعني أن الإعطاء المذكور هو أن يعطي كل واحد من الستين مدا وثلثين، ويعتبر الد والثلثان بمده صلى الله عليه وسلم، وما ذُكر من مده صلى الله عليه وسلم وثلثين منه مد بمد هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي أسلم جده هشام بن الوليد المذكور يوم الفتح، وهو أخو السيد خالد بن الوليد رضي الله عنه، وهشام صاحب المد تزوج عبد الملك ابنته فولدت له هشام بن عبد الملك المشهور، وهو الذي مدحه الفرزدق ومدح معه خالة إبراهيم بن هشام بقصيدة منها قوله: وما مثله في الناس إلا مملكا … أبو أمه حي أبوه يقاربه وكان هشام المذكور عاملا لعبد الملك بن مروان على المدينة، وعدل المص عن أن يقول مد هشام لأن مالكا كان يكره أن يقال: مد هشام كما في ابن عرفة، ولأن بعضهم أنكر كون الإطعام بمده، قائلا: متى كان هشام حتى يعتبر مده ويخص بالذكر؟
قاله غير واحد. وإنما كان المشهور أنه لا يكفي إلا مد وثلثان لأنها مطلقة في القرآن لم تقيد بالوسط ككفارة اليمين فحملت على الشبع الكامل كفدية الأذى، وما ذكره المص هو المشهور وهو مذهب المدونة،
وقيل: لكل مسكين مدان، وقيل مد وثلث،
وقيل: مد ونصف. قاله الشارح. وقوله: تمليك عبر به كما عبر به ابن شاس إشارة إلى أن الإطعام في الآية غير مقصود بل الواجب التمليك، قال الزرقاني: كان المناسب على ما تقدم أن يقول: ثم لمن لم يستطع تمليك لخ، والجواب أن ثم تقيد ذلك، وإنما ذكر فيما تقدم لأجل أن يرتب عليه قوله: وقت الأداء واعترض ذلك بأن المعتبر هنا أيضا وقت الأداء فكان ينبغي أن يذكر الأمرين، وأجيب بأن وقت الأداء لم يقع فيه نزاع هنا فلذلك لم يحتج للتعرض له.
قاله الشبراخيتي. وهو مخالف لما قدمته. والله سبحانه أعلم. وقوله: ستين. اعلم أنه لا خلاف عندنا أن العدد المذكور معتبر فلا يجزئ ما دونه ولو دفع إليهم مقدار إطعام ستين. قاله الشارح.
وقال الشبراخيتي عند قوله: ستين، لما يتوقع في الجمع الكثير من إجابة الدعاء ومصادفة وَليٍّ، خلافا لأبي حنيفة في إجزاء إطعام مسكين ستين يوما،
ولو تناهبها المساكين ابتدأها إن كانوا أكثر من ستين؛ وإلا بنى على واحد وكمل. قاله في الشامل.
فلو انتهبها ستون بنى على واحد، وقوله: تمليك: مصدر مضاف لمفعوله: والمراد بالسكين ما يعم الفقير لا خصوص مسكين الزكاة. انتهى. وقوله: تمليك، أي بغير عوض احتراز عن العوض، وقوله: أحرار احترز به عن العبيد فلا يعطون منها لأن العبد غني بسيده، واحترزا بمسلمين عن غير المسلم فلا يعطى منها الكافر لأنه ليس من أهل القرب. برا يعني أنه لابد في الأمداد المذكورة والأثلاث أن تكون من البر وهو القمح ونصب قوله: برا، على التمييز، فالبر هو الذي يخرج منه بالأصالة؛
ومحل لزوم إخراج البر إنما هو حيث كان مقتاتا لأهل بلد المكفر،
وأما إن اقتاتوا أي أهل بلد المكفر أو جلهم تمرا أو مخرجا في الفطر أي ما تقدم أنه يخرج في زكاة الفطر فيخرج من المقتات غير البر عدله أي عدل البر، أي يخرج من ذلك المقتات ما يعادل البر في الشبع لا في الكيل، خلافا للباجي، ومعنى العدل في الشبع أن يقال فيمن يشبع بمد حنطة وثلثين: كم يشبعه من غيرها؟ فيقال: كذا، فيخرج ذلك القدر، وقوله: أو مخرجا في الفطر، من عطف العام على الخاص بأو، وهو جائز على ما في الدماميني وعكسه، كما في خبر (إنما الأعمال بالنية وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) وأفرد التمر بالذكر ولم يكتف عنه بما بعده لدفع توهم أنه لما كان هو الأصل الذي ورد في الحديث لا يدفع منه عدل البر وإنما يدفع منه الكيل، والمخرج في الفطر الأصناف التسعة، وهي: الشعير والسلت والذرة والدخن والأرز والزبيب والأقط والبر والتمر،
وإذا اقتيت غير هذه كاللحم والقطاني أجزأ في الظهار،
وظاهره أنه لا يراعى في المخرج من هذه التسعة ما يغلب اقتياته،
وظاهره أيضا أنه إذا اقتيت غيرها يخرج منه ولو مع وجود شيء من التسعة، ولا يجزئ عرض ولا ثمن فيه وفاء بالقيمة،
وإن أعطى الدقيق بريعه أجزأه،
وقال بعضهم: لا يجزئ ولو أخرجه بريعه. انتهى. وعدمُ إجزاء القيمة في كفارة الظهار هو الذي في المدونة،
وكذلك الحكم في كفارة اليمين، ولكن هذا أصل مختلف فيه في الزكاة، وأجراه كثير من الشيوخ في باب الكفارات.
تنبيه: يعتبر عدل البر إذا أخرج من غيره في الشبع المحل الذي وقع فيه الإخراج،
فإذا ظاهر شخص بالمدينة وكفر بمصر مثلا بغير بر وكان ما يعدل مما أخرج بمصر يزيد على ما يعدل به لو أخرج بالمدينة فإنه يعتبر محل الإخراج. قاله الشبراخيتي. وقوله: فعدله، سواء زاد على المد أو نقص ولا أحب الغداء والعشاء يشير إلى قوله في المدونة: ولا أحب أن يغدي ويعشي في الظهار لأن الغداء والعشاء لا أظنه يبلغ مدا بالهاشمي، وصوابه: بالهشامي، ولا ينبغي ذلك في فدية الأذى أيضا.
نقله الشارح وغيره، وإلى قوله فيها: ولا ينبغي ذلك في فدية الأذى أيضا، أشار بقوله: كفدية الأذى قال بناني: حاصل ما في الحطاب أن قول المدونة: لا أحب الغداء والعشاء في الظهار ولا ينبغي ذلك في فدية الأذى، حمله أبو الحسن على الندب مستدلا بقول ابن المواز يجزئ ذلك فيهما، وحمله ابن ناجي على التحريم مستدلا بقول المدونة: لا أظنه يبلغ مدا لخ وبقولها: ويجزئ ذلك فيما سواهما من الكفارات، فمفهومه عدم الإجزاء في الظهار والفدية فتأمله.
انتهى. وقوله: كفدية الأذى، اعلم أنه إن حملناه أي المص على ما لابن ناجي من التحريم فيكون التشبيه في التحريم وعدم الإجزاء عند عدم تحقق بلوغ ذلك مدين لقول المص في الحج، ولا يجزئ غداء وعشاء إن لم يبلغ مدين.
قال الشبراخيتي: ولما كان الانتقال إلى كل مرتبة مشروطا بالعجز عما قبلها وكان الانتقال عن العتق إلى الصوم يكفي فيه العجز بالعسر عنه وقت الأداء ولم يشترط أحد اليأس من القدرة عليه في المستقبل وكان الانتقال من الصوم إلى الإطعام مختلفا في سببه هل هو اليأس من القدرة على الصوم؟ أو يكفي فيه الشك في المستقبل والعجز عنه في الحال فقط، أشار إلى ما وقع في المدونة من ذلك بقوله: وهل لا ينتقل المظاهر إذا عجز عن الصوم إلى التكفير بالإطعام إلا أن أيس في المستقبل من قدرته على التكفير بالصوم بأن علم أو غلب على ظنه عدم قدرته ولا يكفي شكه في ذلك، أو لا يشترط في الانتقال إلى الإطعام الإياس، بل ينتقل إلى التكفير بالإطعام إن عجز عن الصوم في الحال وشك هل يقدر عليه في المستقبل أو لا، وأولى إن ظن عدم القدرة أو أيس منها
لا إن ظنها، في ذلك قولان، فيها أي في المدونة وفيها صفة لقولان، والقول الأول لابن القاسم، والقول الثاني لأشهب، والقولان في الحقيقة في الشك،
وفي المدونة: أن المظاهر إذا مرض بعد أن صام شهرا لم يكن له أن يطعم وينتظر إفاقته،
فإذا صح صام إلا أن يعلم أن ذلك المرض لا يقوى صاحبه على الصوم بعده فيصير حينئذ من أهل الإطعام، وفيها أيضا: وكل مرض يطول بصاحبه ولا يدري أيبرأ منه أم لا فليطعم ويجزئه ذلك إن صح. انتهى. واعلم أن المرض المانع من الصوم على أربعة أوجه قريب البرء يغلب على الظن معه القدرة على الصوم وبعيد البرء لاكن يظن فيه القدرة على الصوم في المستقبل ومأيوس من البرء ومشكوك فيه، فالقريب لم يجزه الإطعام فيه
ويجوز مع اليأس، واختلف إذا كان يرجى بَعْدَ بُعْدٍ أو شك فيه، فقال ابن القاسم: لا يجوز له الإطعام، وأجازه أشهب وهذان هما القولان في المدونة وتؤولت المدونة، على أن القولين مختلفان وهو لبعض القرويين، وتأولت أيضا على أنهما متفقان وهو لابن شبلون فإنه تأولها على أن المظاهر الأول وهو الذي حكم عليه بأنه لا ينتقل للتكفير بالإطعام إلا إذا أيس من القدرة على الصوم في المستقبل قد دخل في الكفارة بالصوم ثم طرأ له مرض يمنعه من إتمامه، فلا ينتقل عنه إلا باليأس لأن للدخول تأثيرا في العمل بالتمادي،
وأن الثاني الذى حكمنا عليه بأنه ينتقل للإطعام مع الشك لم يدخل في الكفارة بالصوم فهو أضعف من الأول، لأّن الأول من أهل الصوم بالفعل،
والثاني من أهل الصوم بالقوة، وما بالقوة أضعف مما هو بالفعل، وعلم من المصنف أن التأويلين في الشك
وأما في حالة اليأس من القدرة فيتفقان على الانتقال يعنى سواء عجز عنه لمرض أو غيره،
واستحسن قول أشهب لكونه أسعد بظاهر قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ} ويصدق على المريض أنه غير مستطيع، وقياسا على الرقبة
فلو روعي حال المستقبل لزم أن لا يكفر أحد بالصوم لأنه ما من أحد إلا وهو يرجو أن يملك رقبة في المستقبل أو ما يساويها، وإن أطعه
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.