فَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَهُ أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لَمْ يَعْلَمْهَا أَوْ أَشْهَدَ وَأَعْلَنَ أَنَّهُ يَقُومُ بِهَا أَوْ وَجَدَ وَثِيقَتَهُ بَعْدَهُ فَلَهُ نَقْضُهُ:
الشروح عليها
(فَلَوْ أَقَرَّ) الظَّالِمُ مِنْهُمَا بِالْحَقِّ (بَعْدَهُ) أَيْ الصُّلْحِ فَلِلْمَظْلُومِ نَقْضُهُ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَغْلُوبِ عَلَيْهِ (أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ) لِلْمَظْلُومِ مِنْهُمَا عَلَى الظَّالِمِ (لَمْ يَعْلَمْهَا) حَالَ الصُّلْحِ قَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ فَلَهُ نَقْضُهُ إنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا (أَوْ) لَهُ بَيِّنَةٌ بَعِيدَةٌ جِدًّا يَعْلَمُهَا (أَشْهَدَ) عِنْدَ الصُّلْحِ (وَأَعْلَنَ) بِأَنْ كَانَ إشْهَادُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ (أَنَّهُ يَقُومُ بِهَا) إذَا حَضَرَتْ
وَكَذَا إنْ لَمْ يُعْلِنْ كَمَا سَيَذْكُرُهُ بِقَوْلِهِ كَمَنْ لَمْ يُعْلِنْ
لَا إنْ عَلِمَهَا وَكَانَتْ حَاضِرَةً أَوْ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً لَا جِدًّا فَلَيْسَ لَهُ الْقِيَامُ بِهَا وَلَوْ أَشْهَدَ وَأَعْلَنَ (أَوْ) صَالَحَ عَلَى إنْكَارٍ لِعَدَمِ وُجُودِ وَثِيقَةٍ ثُمَّ (وَجَدَ وَثِيقَتَهُ) الَّتِي صَالَحَ لِفَقْدِهَا (بَعْدَهُ) أَيْ الصُّلْحِ وَلَوْ حَذَفَ بَعْدَهُ الْأَوَّلَ لَأَغْنَاهُ هَذَا (فَلَهُ نَقْضُهُ) فِي الْأَرْبَعِ مَسَائِلَ وَلَهُ إمْضَاؤُهُ فَإِنْ نَسِيَهَا حَالَ الصُّلْحِ ثُمَّ تَذَكَّرَهَا فَلَهُ نَقْضُهُ أَيْضًا وَالْقِيَامُ بِهَا مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ نَسِيَهَا
(قَوْلُهُ: فَلَوْ أَقَرَّ الظَّالِمُ مِنْهُمَا بِالْحَقِّ) حَاصِلُهُ أَنَّ الظَّالِمَ إذَا أَقَرَّ بِبُطْلَانِ دَعْوَاهُ بَعْدَ الصُّلْحِ بِأَنْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ مَا ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ حَقٌّ أَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعِي بِبُطْلَانِ دَعْوَاهُ كَانَ لِلْمَظْلُومِ وَهُوَ الْمُدَّعِي فِي الْأُولَى وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الثَّانِيَةِ نَقْضُ ذَلِكَ الصُّلْحِ اتِّفَاقًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ إلَخْ) هَذَا مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَقُومَ لَهُ عَلَى الْحَقِّ شَاهِدَانِ فَإِنْ قَامَ لَهُ بِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ لَمْ يُقْضَ لَهُ بِذَلِكَ قَالَهُ الْأَخَوَانِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ نَقَلَهُ الْقَلْشَانِيُّ وَابْنُ نَاجِيٍّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا إنْ لَمْ يُعْلِنْ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ لِأَنَّ هَذِهِ سَتَأْتِي آخِرَ الصُّوَرِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقُولَ الْمَظْلُومُ وَهُوَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ يَا أَيُّهَا الْجَمَاعَةُ إنَّ فُلَانًا جَحَدَ حَقِّي الَّذِي لِي عَلَيْهِ وَصَالَحَنِي عَلَى كَذَا وَلِي بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِذَلِكَ الْحَقِّ إلَّا أَنَّهَا غَائِبَةٌ فَاشْهَدُوا عَلَى أَنَّهَا إذَا حَضَرَتْ قُمْت بِهَا وَلَسْت مُلْتَزِمًا لِذَلِكَ الصُّلْحِ فَإِذَا حَضَرَتْ كَانَ لَهُ نَقْضُهُ اتِّفَاقًا بِشَرْطِ بُعْدِهَا جِدًّا كَإِفْرِيقِيَّةَ مِنْ الْمَدِينَةِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ
لَا إنْ قَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ لَا جِدًّا.
(قَوْلُهُ: الْأَوَّلَ) أَيْ الْمَذْكُورَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَهُ.
ص (فَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَهُ) ش: يَعْنِي إذَا صَالَحَ عَلَى الْإِنْكَارِ، ثُمَّ أَقَرَّ الْمُنْكِرُ بَعْدَ الصُّلْحِ فَلِلْمُدَّعِي نَقْضُ الصُّلْحِ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ،
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَدَلَّ قَوْلُهُ فَلَهُ نَقْضُهُ عَلَى أَنَّ لَهُ إمْضَاءَهُ وَنَصَّ سَحْنُونٍ عَلَى ذَلِكَ اهـ.
وَفِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْكَفَالَةِ مَسْأَلَةٌ مِمَّا يُنْقَضُ فِيهِ الصُّلْحُ، وَنَصُّهَا: " وَسُئِلَ عَنْ الْحَمِيلِ يُنْكِرُ الْحَمَالَةَ وَالْمُتَحَمَّلُ عَنْهُ غَائِبٌ فَيُصَالِحُهُ الْمُتَحَمِّلُ لَهُ بِبَعْضِ الْحَقِّ، ثُمَّ يَقُومُ الْمُحْتَمَلُ عَنْهُ أَيَرْجِعُ الْمُتَحَمِّلُ لَهُ بِبَقِيَّةِ الْحَقِّ أَوْ لَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ لِرِضَاهُ بِالصُّلْحِ؟ قَالَ: بَلْ يَرْجِعُ فَيَأْخُذُ مَا نَقَصَ مِنْ حَقِّهِ، وَيَدْفَعُ الْمُتَحَمَّلُ عَنْهُ إلَى الْحَمِيلِ مَا صَالَحَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِبَقِيَّةِ حَقِّهِ إلَّا بَعْدَ يَمِينِهِ بِاَللَّهِ أَنَّهُ مَا صَالَحَ الْغَرِيمَ رَضِيَ بِالصُّلْحِ مِنْ جَمِيعِ حَقِّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَشْهَدَ أَنَّهُ إنَّمَا صَالَحَ الْحَمِيلَ لِإِنْكَارِهِ الْحَمَالَةَ، وَأَنَّهُ عَلَى حَقِّهِ عَلَى الْغَرِيمِ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَالْيَمِينُ يَمِينُ تُهْمَةٍ فَيَجْرِي الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي لُحُوقِ يَمِينِ التُّهْمَةِ إلَّا أَنْ يُحَقِّقَ عَلَيْهِ الْغَرِيمُ الدَّعْوَى فَيَحْلِفُ قَوْلًا وَاحِدًا " اهـ.
[فَرْعٌ إذَا كَانَ الصُّلْحُ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا] (فَرْعٌ) إذَا كَانَ الصُّلْحُ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا فَذُكِرَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ اللَّخْمِيِّ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَنَصَّهُ اللَّخْمِيُّ وَاخْتُلِفَ فِي الصُّلْحِ الْحَرَامِ أَوْ الْمَكْرُوهِ، فَقَالَ مُطَرِّفٌ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ: إنْ كَانَ الصُّلْحُ حَرَامًا صِرَاحًا فُسِخَ أَبَدًا فَيُرَدُّ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَالْقِيمَةُ إنْ كَانَ فَائِتًا،
وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمَكْرُوهَةِ مَضَى،
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنْ كَانَ حَرَامًا فُسِخَ أَبَدًا،
وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا فُسِخَ بِحِدْثَانِ وُقُوعِهِ،
فَإِنْ طَالَ أَمَدُهُ مَضَى، وَقَالَ أَصْبَغُ: بِجَوْزِ حَرَامِهِ وَمَكْرُوهِهِ،
وَإِنْ كَانَ بِحِدْثَانِ وُقُوعِهِ خَلِيلٌ لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْحَرَامِ الْمُتَّفَقُ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَبِالْمَكْرُوهِ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ أَصْبَغَ مِنْ عَدَمِ الْفَسْخِ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فَوْقَهُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى فَسْخِهِ، وَنَصُّهُ: "
فَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ دَرَاهِمَ وَطَعَامًا مِنْ بَيْعٍ فَاعْتَرَفَ الْبَائِعُ بِالطَّعَامِ وَأَنْكَرَ الدَّرَاهِمَ فَصَالَحَ عَلَى طَعَامٍ مُؤَجَّلٍ أَكْثَرَ مِنْ طَعَامِهِ، أَوْ اعْتَرَفَ لَهُ بِالدَّرَاهِمِ وَصَالَحَهُ عَلَى دَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةٍ، أَوْ دَرَاهِمَ أَكْثَرَ مِنْ دَرَاهِمِهِ فَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى فَسَادِهِ وَفَسْخِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ السَّلَفِ بِزِيَادَةٍ وَالصَّرْفِ الْمُؤَخَّرِ " اهـ. فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[تَنْبِيهٌ وَأَمَّا إذَا وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى وَجْهٍ جَائِزٍ وَأَرَادَ نَقْضَهُ وَالرُّجُوعَ إلَى الْخُصُومَةِ] (تَنْبِيهٌ) ،
وَأَمَّا إذَا وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى وَجْهٍ جَائِزٍ وَأَرَادَ نَقْضَهُ وَالرُّجُوعَ إلَى الْخُصُومَةِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الِانْتِقَالِ عَنْ الْمَعْلُومِ إلَى مَجْهُولٍ اهـ. مِنْ شَرْحِ الرِّسَالَةِ لِلْقَلَشَانِيِّ. ص (أَوْ وَجَدَ وَثِيقَةً بَعْدَهُ) ش: يُرِيدُ، وَقَدْ ذَكَرَ ضَيَاعَهَا عِنْدَ صُلْحِهِ كَمَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(ص) فَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَهُ أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لَمْ يَعْلَمْهَا أَوْ أَشْهَدَ وَأَعْلَنَ أَنَّهُ يَقُومُ بِهَا أَوْ وَجَدَ وَثِيقَتَهُ بَعْدَهُ فَلَهُ نَقْضُهُ كَمَنْ لَمْ يُعْلِنْ أَوْ يُقِرَّ سِرًّا فَقَطْ عَلَى الْأَحْسَنِ. (ش) يَعْنِي أَنَّ الظَّالِمَ إذْ أَقَرَّ بِبُطْلَانِ دَعْوَاهُ بَعْدَ وُقُوعِ الصُّلْحِ فَإِنَّ لِلْمَظْلُومِ نَقْضَهُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ كَالْمَغْلُوبِ عَلَى الصُّلْحِ بِإِنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهُ وَضَمَانُ مَا قَبَضَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ قَابِضِهِ الثَّانِيَةُ أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ لِلْمَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ لَمْ يَعْلَمْهَا الْمَظْلُومُ حِينَ الصُّلْحِ فَلَهُ نَقْضُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ.
الثَّالِثَةُ مَنْ صَالَحَ وَلَهُ بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ يَعْلَمُهَا وَهِيَ بَعِيدَةٌ جِدًّا وَأَشْهَدَ أَنَّهُ يَقُومُ بِهَا سَوَاءٌ أَعْلَنَ بِالْإِشْهَادِ بِأَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ لَمْ يُعْلِنْ بِهِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ بَعْدُ كَمَنْ لَمْ يُعْلِنْ وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهَا بَعِيدَةً جِدًّا نَحْوُهُ فِي الْمَوَّاقِ
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْبَعِيدَةَ لَا جِدًّا كَالْقَرِيبَةِ فِي أَنَّ حُكْمَهَا كَالْحَاضِرَةِ فَلَا يَقُومُ بِهَا وَلَوْ أَشْهَدَ أَنَّهُ يَقُومُ بِهَا وَالْبُعْدُ جِدًّا كَإِفْرِيقِيَّةَ أَيْ مِنْ الْمَدِينَةِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ أَوْ الْأَنْدَلُسِ مِنْ خُرَاسَانَ. الرَّابِعَةُ مَنْ صَالَحَ لِعَدَمِ وَثِيقَتِهِ ثُمَّ وَجَدَهَا بَعْدَ الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ وَقَدْ أَشْهَدَ أَنَّهُ يَقُومُ بِهَا إنْ وَجَدَهَا فَلَهُ نَقْضُ الصُّلْحِ حِينَئِذٍ كَالْبَيِّنَةِ الَّتِي عَلِمَهَا
وَأَمَّا إنْ نَسِيَهَا حَالَ الصُّلْحِ ثُمَّ وَجَدَهَا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ وَيَقُومُ بِهَا كَالْبَيِّنَةِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فَلَهُ لِلْمَظْلُومِ أَيْ فَلِلْمَظْلُومِ نَقْضُ الصُّلْحِ وَلَهُ إمْضَاؤُهُ. الْخَامِسَةُ مَنْ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ فَأَنْكَرَهُ فَأَشْهَدَ سِرًّا أَنَّ بَيِّنَتَهُ غَائِبَةٌ بَعِيدَةُ الْغَيْبَةِ وَإِنَّهُ إنَّمَا يُصَالِحُ لِأَجَلٍ بَعْدَ غَيْبَةِ بَيِّنَتِهِ وَإِنَّهُ إنْ قَدِمَتْ قَامَ بِهَا وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يُعْلِنْ بِالْإِشْهَادِ عِنْدَ الْحَاكِمِ ثُمَّ صَالَحَهُ ثُمَّ قَدِمَتْ بَيِّنَتُهُ فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا وَيَنْقُضُ الصُّلْحَ كَمَنْ أَعْلَنَ وَأَشْهَدَ.
السَّادِسَةُ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُقِرُّ بِالْحَقِّ سِرًّا وَيَجْحَدُهُ عَلَانِيَةً فَأَشْهَدَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى جَحْدِهِ عَلَانِيَةً ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى التَّأْخِيرِ وَأَشْهَدَ بَيِّنَةً لَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ لِلتَّأْخِيرِ وَإِنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ الصُّلْحَ لِيُقِرَّ لَهُ عَلَانِيَةً فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِذَلِكَ فَالضَّمِيرُ فِي يُقِرُّ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَاتَّفَقَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيِّ وَشَيْخُهُ بُرْهَانُ الدِّينِ اللَّقَانِيِّ عَلَى أَنَّ لَهُ نَقْضَ الصُّلْحِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَوْ وَقَعَ بَعْدَهُ إبْرَاءٌ عَامٌّ فَيُقَيَّدُ قَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي وَإِنْ أَبْرَأَ فُلَانًا مِمَّا لَهُ بَرِئَ مُطْلَقًا إلَخْ بِهَذَا.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى مَا يُنْقَضُ فِيهِ الصُّلْحُ وِفَاقًا وَخِلَافًا أَخَذَ يَذْكُرُ مَا لَا يُنْقَضُ فِيهِ كَذَلِكَ وَهُمَا مَسْأَلَتَانِ أَشَارَ إلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ
(قَوْلُهُ فَلَوْ أَقَرَّ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا يَحِلُّ لِلظَّالِمِ وَهُوَ فِي السُّكُوتِ وَالْإِنْكَارِ
(قَوْلُهُ أَوْ يُقِرُّ سِرًّا) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَمْ يُعْلِنْ لَا بِالْجَزْمِ عَطْفٌ عَلَى يُعْلِنُ وَالْفَاعِلُ يَتَعَيَّنُ عَوْدُهُ عَلَى الْمُدَّعِي الْمُشْهِدِ وَالْفَاعِلُ بِ يَقِرُّ يَعُودُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهَذَا مِمَّا يُمَيِّزُهُ ذِهْنُ السَّامِعِ اللَّبِيبِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ أَوْ يَقِرُّ هُوَ بِإِبْرَازِ الضَّمِيرِ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ إلَّا أَنَّ الْقَرِينَةَ هُنَا أَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ مُدَّعًى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّ لِلِاخْتِصَارِ
(قَوْلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ) وَمُقَابِلُهُ مَا نَقَلَهُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ
(قَوْلُهُ أَنَّهُ يُقَوَّمُ بِهِ) تَنَازَعَهُ الْفِعْلَانِ قَبْلَهُ وَهُمَا أَشْهَدَ وَأَعْلَنَ لَكِنْ الْأَوَّلُ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الْجَرِّ دُونَ الثَّانِي
(قَوْلُهُ أَوْ لَمْ يُعْلِنْ بِهِ إلَخْ) الْأَوْلَى عَدَمُ ذِكْرِهَا لِأَنَّهَا سَتَأْتِي
(قَوْلُهُ وَأَمَّا إنْ نَسِيَهَا) فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ الَّذِي قَبْلَهُ يُعْلَمُ أَنَّ لَهُ وَثِيقَةً لَكِنَّهَا ضَاعَتْ مِنْهُ وَهَذَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ وَثِيقَةٌ
(قَوْلُهُ عَلَى جَحْدِهِ عَلَانِيَةً) فَائِدَةُ ذَلِكَ لِئَلَّا يَقُولَ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَ أَنْكَرَ فَيَلْزَمُهُ التَّأْخِيرُ
(قَوْلُهُ وَأَشْهَدَ بَيِّنَةً) وَلَوْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ الْأُولَى خِلَافًا فَالظَّاهِرُ الْعِبَارَةُ
(قَوْلُهُ وَإِنَّهُ غَيْرُ مُلْتَزَمِ التَّأْخِيرِ) لَيْسَ هَذَا بِلَازِمٍ ذِكْرُهُ لِأَنَّ إشْهَادَهُ أَنَّهُ إنَّمَا صَالَحَهُ عَلَى التَّأْخِيرِ لِيُقِرَّ لَهُ عَلَانِيَةً يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ قَالَ عب وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ الَّتِي أَشْهَدَهَا الْمُدَّعِي بَعْدَ إنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تُسَمَّى شَهَادَةُ اسْتِرْعَاءٍ أَيْ إيدَاعُ الشَّهَادَةِ فَإِنْ أَشْهَدَهَا أَنَّهُ لَيْسَ مُلْتَزِمًا لِلتَّأْخِيرِ أَوْ إسْقَاطِ بَعْضِ حَقِّهِ فَهُوَ اسْتِرْعَاءٌ فِي اسْتِرْعَاءٍ انْتَهَى كَلَامُ عب وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ بَيِّنَةُ الِاسْتِرْعَاءِ فِي الِاسْتِرْعَاءِ أَنْ يُشْهِدَ جَمَاعَةً يَقُولَ لَهُمْ إنْ أَسْقَطْت بَيِّنَةَ الِاسْتِرْعَاءِ فَلَسْت مُلْتَزِمًا لِإِسْقَاطِهَا وَقَدْ يَتَكَرَّرُ فَمَتَى اسْتَرْعَى وَلَمْ يَسْقُطْ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا وَهَذِهِ تُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ
فَلَوْ أَقَرَّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ نَقْضُ الصُّلْحِ فِيمَا إذَا أَقَرَّ الْمُنْكِرُ بَعْدَ الصُّلْحِ بِمُجَرَّدِ إقْرَارِهِ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ الطَّالِبُ بَيِّنَةً أَنَّهُ إنَّمَا صَالَحَهُ لِيُقِرَّ فَأَوْلَى إذَا أَشْهَدَ بِذَلِكَ
(قَوْلُهُ فَيُقَيَّدُ إلَخْ) أَيْ فَمَتَى وَجَدَ بَيِّنَتَهُ أَوْ وَثِيقَتَهُ أَوْ أَقَرَّ لَهُ خَصْمُهُ فَلَهُ نَقْضُهُ وَلَا عِبْرَةَ بِالْبَرَاءَةِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ الصُّلْحِ وَمِنْ بَابِ أَوْلَى فِي النَّقْضِ لَوْ صَالَحَهُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ فِي هَذِهِ الْأَخِيرَةِ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْحِ وَالصُّلْحُ لَهُ نَقْضُهُ. [مَا لَا يُنْقَضُ فِيهِ الصُّلْحُ] قَوْلُهُ الثَّانِيَةُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِالْحَقِّ قَطْعًا وَلَكِنَّهُ مُتَوَقِّفُ الدَّفْعِ عَلَى دَفْعِ الصَّكِّ وَفِي عب خِلَافُهُ فَإِنَّهُ قَالَ حَقُّك ثَابِتٌ إنْ أَتَيْت بِهِ ثُمَّ قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ سَابِقًا أَوْ وَجَدَ وَثِيقَةً بَعْدَهُ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي هَذِهِ مُقِرٌّ لَا مُطْلَقًا بَلْ بِشَرْطِ الْإِتْيَانِ بِالصَّكِّ وَنَحْوِهِ فَلَمْ يَرْضَ صَاحِبُهُ وَادَّعَى ضَيَاعَهُ فَقَطْ أَسْقَطَ حَقَّهُ وَمَا سَبَقَ الْغَرِيمُ فِيهَا يُنْكِرُ الْحَقَّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَبَرَ ظَاهِرَ الشَّارِحِ لَقِيلَ إنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ وَلَا يَتَوَقَّفُ دَفْعُ الْحَقِّ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالصَّكِّ لِجَوَازِ أَنْ يُقَالَ يَكْتُبُ لَهُ وَثِيقَةً أُخْرَى تُنَاقِضُهَا كَتَبَ فِيهَا دَفَعَ الْحَقَّ ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَا اطَّلَعْت عَلَى فَرْقِ ابْنِ يُونُسَ حَيْثُ قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا أَنَّ غَرِيمَهُ فِي هَذَا مُعْتَرِفٌ وَإِنَّمَا طَالَبَهُ بِإِحْضَارِهِ لِيَمْحُوَ مَا فِيهِ فَقَدْ رَضِيَ هَذَا بِإِسْقَاطِهِ وَاسْتِعْجَالِ حَقِّهِ وَالْأَوَّلُ مُنْكِرٌ لِلْحَقِّ وَقَدْ أَشْهَدَ أَنَّهُ إنَّمَا صَالَحَهُ لِضَيَاعِ صَكِّهِ فَهُوَ كَالشَّهَادَةِ أَنَّهُ إنَّمَا صَالَحَهُ لِغَيْبَةِ بَيِّنَتِهِ انْتَهَى تَأَمَّلْ فِي هَذَا مَعَ مَا قَدَّمَ الشَّارِحُ
(فَلَوْ أَقَرَّ) الظَّالِمُ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ أَوْ مُدَّعِيًا بِمَا ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ أَوْ بِبُطْلَانِ دَعْوَاهُ (بَعْدَهُ) أَيْ الصُّلْحِ فَلِلْمَظْلُومِ نَقْضُهُ، لِأَنَّهُ كَالْمَغْلُوبِ عَلَيْهِ (أَوْ شَهِدَتْ) لِلْمَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ (بَيِّنَةٌ) عَدْلَانِ،
فَإِنْ شَهِدَ لَهُ وَاحِدٌ وَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ فَلَا يُقْضَى بِنَقْضِ الصُّلْحِ قَالَهُ الْأَخَوَانِ وَعَبْدُ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ، نَقَلَهُ الْقَلْشَانِيُّ وَابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ (لَمْ يَعْلَمْهَا) أَيْ الْمَظْلُومُ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَةَ لَهُ حِينَ عَقَدَ الصُّلْحَ قَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ فَلَهُ نَقْضُهُ بَعْدَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْهَا.
أَوْ أَشْهَدَ وَأَعْلَنَ أَنَّهُ يَقُومُ بِهَا وَجَدَ وَثِيقَتَهُ بَعْدَهُ:
[منح الجليل] (أَوْ) صَالَحَ وَلَهُ بَيِّنَةٌ يَعْلَمُهَا غَائِبَةٌ بِبَعِيدٍ جِدًّا كَأَفْرِيقِيَّةِ مِنْ الْمَدِينَةِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ أَوْ الْأَنْدَلُسِ (وَأَشْهَدَ) الْمَظْلُومُ (وَأَعْلَنَ) أَيْ أَظْهَرَ الْإِشْهَادَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي غَيْبَةِ الظَّالِمِ (أَنَّهُ) أَيْ الْمَظْلُومَ (يَقُومُ بِ) شَهَادَةِ (هَا) أَيْ الْبَيِّنَةِ عَلَى الظَّالِمِ إذَا حَضَرَتْ،
وَكَذَا إنْ لَمْ يُعْلِنْ كَمَا سَيَذْكُرُهُ بِقَوْلِهِ كَمَنْ لَمْ يُعْلِنْ فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا
لَا إنْ عَلِمَهَا وَقْتَ الصُّلْحِ وَقَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ لَا جِدًّا فَلَا قِيَامَ لَهُ بِهَا وَلَوْ أَشْهَدَ وَأَعْلَنَ أَنَّهُ يَقُومُ بِهَا. (أَوْ) صَالَحَ عَلَى إنْكَارٍ لِعَدَمِ وَثِيقَتِهِ ثُمَّ (وَجَدَ) الْمَصَالِحُ (وَثِيقَتَهُ) أَيْ الْحَقَّ الْمُصَالَحَ عَنْهُ (بَعْدَهُ) أَيْ الصُّلْحِ وَقَدْ كَانَ أَشْهَدَ أَنَّهُ يَقُومُ بِهَا إنْ وَجَدَهَا (فَلَهُ) أَيْ الْمَظْلُومِ (نَقْضُهُ) أَيْ الصُّلْحِ فِي الْأَرْبَعِ مَسَائِلَ اتِّفَاقًا، وَلَهُ إمْضَاؤُهُ فَإِنْ نَسِيَهَا حَالَ الصُّلْحِ ثُمَّ تَذَكَّرَهَا بَعْدَهُ فَلَهُ نَقْضُهُ أَيْضًا وَالْقِيَامُ بِهَا بَعْدَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْهَا، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فَلَهُ نَقْضُهُ وَلَوْ وَقَعَ بَعْدَ الصُّلْحِ إبْرَاءٌ عَامٌّ وَعَلَيْهِ.
" صر " وَشَيْخُهُ بُرْهَانُ الدِّينِ اللَّقَانِيُّ فَيُقَيِّدُ قَوْلَهُ الْآتِي إنْ أَبْرَأَ فُلَانًا مِمَّا لَهُ قَبْلَهُ بَرِئَ مُطْلَقًا إلَخْ، بِمَا إذَا أَبْرَأَهُ مِنْ جَمِيعِ الْحَقِّ،
وَأَمَّا إنْ أَبْرَأَهُ مَعَ الصُّلْحِ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ ظَهَرَ خِلَافُهُ فَلَا يُبَرَّأُ، أَيْ لِأَنَّهُ إبْرَاءٌ عَلَى دَوَامِ صِفَةِ الصُّلْحِ لَا إبْرَاءٌ مُطْلَقٌ، فَلَمَّا لَمْ يَتِمَّ جَعَلَ لَهُ الشَّارِعُ نَقْضَهُ وَلَمْ يَنْفَعْهُ إبْرَاؤُهُ، وَبِهَذَا سَقَطَ مَا يُقَالُ إذَا أَبْرَأَهُ مِنْ جَمِيعِهِ صَحَّ وَلَزِمَ فَأَوْلَى مِنْ بَعْضِهِ أَفَادَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ فِي الْأَرْبَعِ مَسَائِلَ اتِّفَاقًا إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ، إذْ الثَّانِيَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَلَفْظُ ضَيْح وَهُنَا ثَمَانِ مَسَائِلَ أَرْبَعٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَأَرْبَعٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا،
فَأَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا فَالْأُولَى إذَا صَالَحَ ثُمَّ أَقَرَّ، وَالثَّانِيَةُ إذَا أَشْهَدَ وَأَعْلَنَ. وَالثَّالِثَةُ إذَا ذَكَرَ ضَيَاعَ صَكِّهِ ثُمَّ وَجَدَهُ بَعْدَهُ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ اُتُّفِقَ فِيهَا عَلَى الْقَبُولِ. وَالرَّابِعَةُ إذَا ادَّعَى ضَيَاعَ الصَّكِّ فَقِيلَ لَهُ حَقُّك ثَابِتٌ فَائِتٌ بِهِ فَصَالَحَ ثُمَّ وَجَدَهُ فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِاتِّفَاقٍ.
وَأَمَّا الْأَرْبَعُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا إذَا غَابَتْ بَيِّنَتُهُ وَأَشْهَدَ سِرًّا أَوْ شَهِدَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِحَقِّهِ بَعْدَ الصُّلْحِ لَمْ يَعْلَمْهَا
وَالْمَشْهُورُ فِيهِمَا الْقَبُولُ. وَالثَّانِيَةُ إذَا صَالَحَ وَهُوَ عَالِمٌ بِبَيِّنَتِهِ
وَالْمَشْهُورُ فِيهَا عَدَمُ الْقَبُولِ. وَالرَّابِعَةُ مَنْ يُقِرُّ سِرًّا وَيَجْحَدُ عَلَانِيَةً وَذُكِرَ الْخِلَافَ اهـ. كَمَنْ لَمْ يُعْلِنْ، أَوْ يُقِرَّ سِرًّا فَقَطْ عَلَى الْأَحْسَنِ فِيهِمَا [منح الجليل] قَوْلُهُ وَلَوْ وَقَعَ بَعْدَ الصُّلْحِ إبْرَاءٌ. إلَخْ ظَاهِرٌ إذَا وَقَعَ بَعْدَ الصُّلْحِ الْإِبْرَاءُ فَقَطْ،
وَأَمَّا إذَا الْتَزَمَ فِي الصُّلْحِ عَدَمَ الْقِيَامِ عَلَيْهِ وَلَوْ وَجَدَ بَيِّنَةً فَلَا قِيَامَ لَهُ ذَكَرَهُ ابْنُ عَاشِرٍ، وَنَصُّهُ قَوْلُهُ فَلَهُ نَقْضُهُ يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ هَارُونَ فِي اخْتِصَارِ الْمُتَيْطِيِّ،
فَإِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ فِي وَثِيقَةِ الصُّلْحِ أَنَّهُ مَتَى قَامَ عَلَيْهِ فِيمَا ادَّعَاهُ فَقِيَامُهُ بَاطِلٌ وَحُجَّتُهُ دَاحِضَةٌ، وَالْبَيِّنَةُ الَّتِي تَشْهَدُ لَهُ زُورٌ الْمُسْتَرْعَاةُ وَغَيْرُهَا، وَأَسْقَطَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ الِاسْتِرْعَاءَ فِي الِاسْتِرْعَاءِ مَا تَكَرَّرَ فَلَا تُسْمَعُ لِلْمُدَّعِي بَعْدَ هَذَا الْإِبْرَاءِ بَيِّنَةٌ، سَوَاءٌ كَانَ عَارِفًا بِهَا حِينَ الصُّلْحِ أَمْ لَا،
وَإِنْ سَقَطَ هَذَا الْفَصْلُ مِنْ الْوَثِيقَةِ فَلَهُ الْقِيَامُ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَعْرِفْهَا اهـ.
وَشَبَّهَ فِي النَّقْضِ فَقَالَ (كَ) صُلْحِ (مَنْ) أَيْ مَظْلُومٍ غَابَتْ بَيِّنَتُهُ وَبَعُدَتْ جِدًّا فَأَشْهَدَ سِرًّا أَنَّهُ إنَّمَا يُصَالِحُ لِغَيْبَتِهَا وَأَنَّهَا إنْ قَدِمَتْ قَامَ بِهَا
وإلى الأول أشار بقوله: فلو أقر بعده يعني أن الظالم من مدع أو مدعى عليه إذا أقر بعد وقوع الصلح ببطلان دعواه في الأول وبما ادعيَ به عليه في الثاني،
فإن للمظلوم نقض الصلح فيرد المدعي للمدعى عليه في أخذ منه في الأول، ويعطي المدعى عليه للمدعي جميع ما أقر له به في الثاني، وهذا مما لا خلاف فيه لأنه كالمغلوب على الصلح وله إمضاؤه، وظاهر المص أن له النقض ولو كانت له بينة يعلمها وهو كذلك،
وظاهره أيضًا ولو أشهد على نفسه أنه أسقط البينة وهو كذلك. انظر الرهوني. أو شهدت بينة لم يعلمها هذا هو الفرع الثاني من الفروع الثمانية؛ يعني أنه إذا شهدت بينة للمظلوم والحال أنه لم يعلم بها حين الصلح قربت أو بعدت فإن له أن ينقض الصلح مع يمينه أنه لم يعلمها ويرجع بماله على الظالم، قال عبد الباقي: وهذا متفق عليه،
وقال البناني: بل هو مختلف فيه. واللَّه تعالى أعلم. قوله: "أو شهدت بينة لم يعلمها" قال البناني: هذا مقيد بأن يقوم له على الحق شاهدان،
فإن قام له شاهد واحد وأراد أن يحلف معه لم يقض له بذلك. قاله الأخوان وابن عبد الحكم وأصبغ، نقله القلشاني وابن ناجي في شرح الرسالة. انتهى. قوله: هذا مقيد بأن يقوم له على الحق شاهدان لخ، قال الرهوني: هذه المسألة شبيهة بمن قام بالحجة بعد أن حلف خصمه، وقد نقل البناني فيما يأتي عند قوله في القضاء: "إلا لعذر" عن مصطفى عن ابن عرفة مثل ما ذكره هنا،
ثم ذكر بعده كلام ابن ناجي فانظره فيما يأتي. والظاهر أن ماله هناك يجري هنا. واللَّه تعالى أعلم. انتهى. وكلام البناني الذي أشار إليه الرهوني عند قول المص: "إلا لعذر" هو في نصه: مصطفى: أي فله القيام بالبينة إلا بالشاهد الواحد. ابن عرفة: لو وجد شاهدا واحدا، فقال الأخوان وابن عبد الحكم وأصبغ لا يحلف معه ولا يقضى إلا بشاهدين. انتهى.
قلت: قال ابن ناجي عند قول المدونة: وإن حلف المطلوب ثم وجد الطالب بينة،
فإن لم يكن علم بها قضِيَ له بهافي نصه: وظاهر قوله ثم وجد بينة وإن كانت واحدا ويحلف معه وهو كذلك عند ابن القاسم وغيره،
وقال ابن كنانة في الواضحة: ليس له ذلك لأنه يسقط يمينا قد درأ بها حقا بيمينه مع شهيده، ولكن إذا أتى بشاهدين وكلاهما ذكره اللخمي ولم يذكر أبو محمد وابن يونس وغيرهما غير القول الثاني معزوا لابن حبيب عن الأخوين وابن عبد الحكم وأصبغ، وبه حكم ابن عبد الرفيع قاضي الجماعة بتونس. انتهى. وقد اقتصر ابن عرفة على الثاني أيضًا ولم ينتبه لما نقله اللخمي عن ابن القاسم الذي هو ظاهرها.
انتهى. كلام البناني. وحاصل ما للرهوني أن المسألتين مشتبهتان،
وأن البناني نقل في مسألة الصلح هذه عن ابن ناجي في شرح الرسالة أن الشاهد الواحد لا يقام به، ونقل عنه في شرح المدونة هذا، ومقابله عن ابن القاسم أنه يقام بشاهد واحد وهو ظاهر المدونة فيجري في هذه أيضًا قول ابن القاسم الذي هو ظاهر المدونة حسبما ظهر له. واللَّه تعالى أعلم.
تنبيه: قال الحطاب: إذا انعقد الصلح على وجه جائز وأرادا نقضه والرجوع إلى الخصومة لم يجز ذلك لا فيه من الانتقال عن المعلوم إلى مجهول. انتهى.
وأشار إلى الفرع الثالث بقوله: أو أشهد وأعلن أنه يقوم بها يعني أن أحد الخصمين له نقض الصلح فيما إذا صالح، وله بينة يعلمها غائبة بعيدة كما في توضيحه، زاد المواق: بعيدة جدا كإفريقية من المدينة أو من مكة أو الأندلس من خراسان، والحال أنه أشهد أنه يقوم بها وأعلن بالإشهاد أي أظهره عند الحاكم وهذا متفق عليه،
وأما إن علم بها وقت الصلح وقربت أو بعدت لا جدا فليس له القيام بها ولو أشهد وأعلن أنه يقوم بها، وقول المص: "وأعلن" يأتي مفهومه قريبا إن شاء اللَّه تعالى.
وأشار إلى الفرع الرابع بقوله: أو وجد وثيقة بعده يعني أنه إذا صالحه عن إنكار لعدم وثيقته ثم وجد بعد الصلح وثيقته، وقد كان أشهد وأعلن أنه يقوم بها فله القيام بها فينقض الصلح وهذا متفق عليه أيضًا،
قال الخرشي: وأما إن نسيها حال الصلح ثم وجدها فإنه يحلف ويقوم بها كالبينة التي لم يعلمها. انتهى. ويأتي قريبا مثله عن عبد الباقي، ويأتي البحث فيه. وعلم مما قررت أن قوله: فله أي للمظلوم نقضه أي نقض الصلح جواب الشرط، فهو راجع للمسائل الأربع، قال عبد الباقي: أو صالح على إنكار لعدم وثيقته ثم وجد وثيقته بعده، وقد كان أشهد أنه يقوم بها إن (وجدها) فله نقضه اتفاقا وله إمضاؤه،
فإن نسيها حال الصلح ثم وجدها فله نقضه أيضًا والقيام بها مع يمينه أنه لم يعلمها كما تقدم في البينة التي لم يعلمها. انتهى. قوله: مع يمينه أنه لم يعلمها لم يبين وقت الحلف، وقد بينه المتيطى ونقل كلامه في الدر النثير، وذكره ابن عرفة عنه وعن ابن فتوح، ونصه: المتيطى وابن فتوح: إن ذكر في الصلح إسقاط البينة فلا قيام له بها ولو لم يكن علمها،
وإن لم يذكره فله القيام بما لم يعلمه حين الصلح بعد حلفه ما كان عالما بها، وحلفه هذا إنما يكون بعد قيامه بالبينة وقبولها؛ لأنه لو حلف قبل قبولها ثم ردت لم يُعَدَّ شيئًا إلا أن يكون في (الخصام) إتعاب المطلوب، بحيث (يرفعه) عن شغله إلى الخصومة وأداء البينة على عينه، فالقياس إحلاف الطالب قبل تمكينه من إتعاب خصمه. انتهى قاله الرهوني.
وقال: قوله: "إن نسيها" حال الصلح لخ لا يصح هذا القياس؛ لأن جهل البينة ضذر في الحيازة والنسيان ليس بعذر فيها لخ.
تنبيه: ظاهر قول المص: "فله نقضه" ولو وقع بعد الصلح إبراء عام وعليه الناصر اللقاني وشيخه برهان الدين اللقاني،
فيقيد قوله الآتي: "وإن أبرأ فلانًا مما له قبله برئ مطلقًا" لخ، بما إذا أبرأه من جميع الحق،
وأما إن أبرأه مع الصلح على شيء ثم ظهر خلافه فلا يبرأ أي لأنه إبراء على دوام صفة الصلح لا إبراء مطلق، فلما لم يتم وجعل الشرع له نقضه لم ينفعه إبراؤه وبهذا سقط ما عسى أن يقال إذا أبرأه من جميعه صح وبرئ فأولى من بعضه، وجوابه ما علم من أنه إبراء من بعضه معلق على تمام الصلح.
وقال أحمد: ظاهر قوله: "فلو أقر بعده" سواء كان هناك براءة أم لا، والذي ينبغي أن يقال إن وقع الصلح بشرط البراءة فلا عبرة بها أي بالبراءة لأنها كالصلح،
وإن وقع لا بشرط البراءة ثم وقعت فهي معتبرة وليس له كلام بعدها. انتهى. قاله عبد الباقي.
وأشار إلى الفرع الخامس بقوله: كمن لم يعلن هذا مفهوم قوله: "أو أعلن" يعني أن من ادعى على شخص بشيء معلوم فأنكره فأشهد سرا أن له بينة غائبة بعيدة الغيبة وأنه إنما صالح لأجل بعد غيبة بينته وأنه إن قدمت قام بها والحال أنه لم يعلن في الإشهاد عند الحاكم ثم صالحه ثم قدمت بينته، فله القيام بها وينقض الصلح كمن أشهد وأعلن. قاله الخرشي. وغيره وهذا رواه عن ابن القاسم أصبغ، ومقابله أنه ليس له نقض الصلح والأول، قال المص: إنه الأحسن.
قال الرهوني: وأشار المص -واللَّه أعلم- بقوله: "على الأحسن" بالنسبة إلى قوله: "كمن لم يعلن" إلى ترجيح غير واحد من المحققين له باقتصارهم عليه؛ إذ الاقتصار على قول واحد ترجيح له لا محالة، بل هو أقوى من ذكر الخلاف مع اختيار بعضه ثم جلب النقل. واللَّه تعالى أعلم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.