الْقِرَاضُ: تَوْكِيلٌ عَلَى تَجْرٍ فِي نَقْدٍ مَضْرُوبٍ مُسَلَّمٍ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ
الشروح عليها
(بَابٌ) فِي الْقِرَاضِ وَأَحْكَامِهِ وَمُنَاسَبَتُهُ لِمَا قَبْلَهُ أَنَّ فِيهِ قَسْمَ الرِّبْحِ بَيْنَ الْعَامِلِ وَرَبِّ الْمَالِ وَنَوْعَ شَرِكَةٍ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَدْ رَسَمَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (الْقِرَاضُ) بِكَسْرِ الْقَافِ مِنْ الْقَرْضِ، وَهُوَ الْقَطْعُ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ قَطَعَ قِطْعَةً مِنْ مَالِهِ لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهِ بِجُزْءٍ مِنْ الرِّبْحِ (تَوْكِيلٌ) مِنْ رَبِّ الْمَالِ لِغَيْرِهِ (عَلَى تَجْرٍ فِي نَقْدٍ) ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَهُوَ تَوْكِيلٌ خَاصٌّ فَخَرَجَ مَا عَدَاهُ مِنْ أَنْوَاعِ التَّوْكِيلِ حَتَّى الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى فِي نَقْدِ تَجْرٍ مُقَيَّدٌ بِهَذَا الْقَيْدِ وَالشَّرِكَةُ لَا تَقَيُّدُ بِهِ وَفِي بِمَعْنَى الْبَاءِ أَيْ بِنَقْدٍ؛
لِأَنَّ النَّقْدَ مُتَّجَرٌ بِهِ لَا فِيهِ وَهِيَ بَاءُ الْآلَةِ وَالتَّجْرُ التَّصَرُّفُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِتَحْصِيلِ رِبْحٍ (مَضْرُوبٍ) ضَرْبًا يُتَعَامَلُ بِهِ لَا بِعُرُوضٍ وَلَا بِتِبْرٍ وَنِقَارِ فِضَّةٍ (مُسْلَمٍ) مِنْ رَبِّهِ لِلْعَامِلِ (بِجُزْءٍ) شَائِعٍ كَائِنٍ (مِنْ رِبْحِهِ) أَيْ رِبْحِ ذَلِكَ الْمَالِ لَا بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنْ رِبْحِهِ كَعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَلَا بِشَائِعٍ مِنْ رِبْحِ غَيْرِهِ وَأَوْلَى بِمُعَيَّنٍ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ وَنَوْعَ شَرِكَةٍ) عَطْفٌ عَلَى قَسْمَ أَيْ وَلِأَنَّ فِيهِ نَوْعَ شَرِكَةٍ قَبْلَ قَسْمِ الرِّبْحِ
(قَوْلُهُ مِنْ الْقَرْضِ) أَيْ بِفَتْحِ الْقَافِ
(قَوْلُهُ بِجُزْءٍ مِنْ الرِّبْحِ) أَيْ وَالْعَامِلُ قَطَعَ لِرَبِّ الْمَالِ جُزْءًا مِنْ الرِّبْحِ الْحَاصِلِ بِسَعْيِهِ اهـ.
بْن وَحِينَئِذٍ فَالْمُفَاعَلَةُ عَلَى بَابِهَا
(قَوْلُهُ تَوْكِيلٌ إلَخْ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْقِرَاضِ مِنْ لَفْظٍ وَلَا تَكْفِي فِي انْعِقَادِهِ الْمُعَاطَاةُ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ لَفْظٍ وَيُفِيدُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلَهُ بِجُزْءٍ؛ لِأَنَّ جَعْلَ الْجُزْءِ لِلْعَامِلِ إنَّمَا يَكُونُ بِاللَّفْظِ لَكِنْ مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْقِرَاضُ إجَارَةٌ عَلَى التَّجْرِ فِي مَالٍ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ أَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ الْمُعَاطَاةُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ يَكْفِي فِيهَا الْمُعَاطَاةُ كَالْبَيْعِ إذَا وُجِدَتْ الْقَرِينَةُ
(قَوْلُهُ عَلَى تَجْرٍ إلَخْ) الْمُرَادُ بِهِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ لِتَحْصِيلِ الرِّبْحِ
(قَوْلُهُ مَا عَدَاهُ) أَيْ مَا عَدَا ذَلِكَ التَّوْكِيلَ الْخَاصَّ
(قَوْلُهُ حَتَّى الشَّرِكَةِ) أَيْ حَتَّى خَرَجَتْ الشَّرِكَةُ وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ إلَخْ عِلَّةٌ لِخُرُوجِ الشَّرِكَةِ
(قَوْلُهُ وَالشَّرِكَةُ لَا تُقَيَّدُ بِهِ) أَيْ لِجَوَازِهَا بِالنَّقْدِ وَغَيْرِهِ كَمَا مَرَّ
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ النَّقْدَ مُتَّجَرٌ بِهِ لَا فِيهِ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَمُتَعَلِّقُ تَجْرٍ مَحْذُوفٌ أَيْ فِي كُلِّ نَوْعٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ ظَاهِرَهُ مِنْ تَوْكِيلِهِ عَلَى بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَعَكْسِهِ لِعَدَمِ شُمُولِهِ لِلتِّجَارَةِ بِنَقْدٍ فِي عُرُوضٍ مَعَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ وَقَدْ يُقَالُ جَعْلُ فِي بِمَعْنَى الْبَاءِ غَيْرُ لَازِمٍ بَلْ يَصِحُّ إبْقَاؤُهَا عَلَى حَالِهَا لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ وَالتَّجْرُ فِي الْمَالِ يَشْمَلُ عُرْفًا التَّجْرِ بِهِ فِي أَيِّ شَيْءٍ كَانَ تَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ ضَرْبًا يَتَعَامَلُ بِهِ) اشْتِرَاطُ التَّعَامُلِ فِي الْمَسْكُوكِ هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ مِنْ كَلَامِ التَّنْبِيهَاتِ قَالَ ح وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ لَا فِي التَّنْبِيهَاتِ وَلَا فِي غَيْرِهَا فَانْظُرْهُ اهـ.
بْن
(قَوْلُهُ لَا بِعُرُوضٍ) أَيْ وَمِنْهَا الْفُلُوسُ الْجُدُدُ، وَهَذَا مُحْتَرَزُ بِنَقْدٍ وَمَا بَعْدَهُ مُحْتَرَز مَضْرُوبًا وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ وَلَا بِمَضْرُوبٍ لَا يُتَعَامَلُ بِهِ كَمَا فِي بِلَادِ السُّودَانِ
وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَرْضًا وَلَوْ كَانَ يُتَعَامَلُ بِهِ.
وَلَوْ انْفَرَدَ التَّعَامُلُ بِهِ كَالْوَدْعِ قَصْرًا لِلرُّخْصَةِ عَلَى مَوْرِدِهَا لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ كَمَا فِي بْن أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِذَاتِهَا حَتَّى يَمْتَنِعَ الْقِرَاضُ بِغَيْرِهَا حَيْثُ انْفَرَدَ التَّعَامُلُ بِهِ اُنْظُرْهُ
(قَوْلُهُ مُسْلَمٌ مِنْ رَبِّهِ لِلْعَامِلِ) أَيْ بِدُونِ أَمِينٍ عَلَيْهِ لَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ أَوْ بِرَهْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ كَمَا يَأْتِي وَلَا إنْ جَعَلَ عَلَيْهِ أَمِينًا فَإِنَّ تَسْلِيمَهُ حِينَئِذٍ كَلَا تَسْلِيمٍ
(قَوْلُهُ بِجُزْءٍ) الْأَوْلَى تَعَلُّقُهُ بِتَوْكِيلٍ لَا بِتَجْرٍ أَيْ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِجُزْءٍ عَلَى أَنْ يَتَّجِرَ بِالنَّقْدِ أَيْ بِالْمَالِ كُلِّهِ وَتَعَلُّقُهُ بِتَجْرٍ يُوهَمُ أَنَّ الْمُتَّجَرَ بِهِ الْجُزْءُ مَعَ أَنَّ الْمُتَّجَرَ بِهِ الْمَالُ كُلُّهُ
(قَوْلُهُ كَعَشَرَةِ دَنَانِيرَ) أَيْ إلَّا أَنْ يَنْسُبَهَا لِقَدْرٍ سَمَّاهُ مِنْ الرِّبْحِ كَلَكَ عَشَرَةٌ إنْ كَانَ الرِّبْحُ مِائَةً فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَشَرَةِ
[بَابُ الْقِرَاضِ] ص (بَابُ الْقِرَاضِ)
ش: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: الْقِرَاضُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْقَرْضِ، وَهُوَ مَا يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ لِيُجَازَى عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَلَمَّا كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مُتَّفِقَيْنِ جَمِيعًا يَقْصِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى مَنْفَعَةِ صَاحِبِهِ لِيَنْفَعَهُ هُوَ اشْتَقَّ لَهُ مِنْ مَعْنَاهُ اسْمًا، وَهُوَ الْقِرَاضُ وَالْمُقَارَضَةُ؛ لِأَنَّهُ مُفَاعِلَةٌ مِنْ اثْنَيْنِ هَذَا اسْمُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ لَا يَقُولُونَ قِرَاضًا أَلْبَتَّةَ، وَلَا عِنْدَهُمْ كِتَابُ الْقِرَاضِ، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ: مُضَارَبَةٌ وَكِتَابُ الْمُضَارَبَةِ، أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ}{وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ} ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ مَالَهُ عَلَى الْخُرُوجِ بِهِ إلَى الشَّامِ وَغَيْرِهَا فَيَبْتَاعُ الْمَتَاعَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ،
وَفِي قَوْلِ الصَّحَابَةِ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ: لَوْ جَعَلْتَهُ قِرَاضًا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ فِي اللُّغَةِ؛ لِأَنَّهُمْ هُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ وَأَرْبَابُ الْبَيَانِ.
، وَإِذَا كَانَ يُحْتَجُّ فِي اللُّغَةِ بِقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ وَالنَّابِغَةِ فَالْحُجَّةُ بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ أَقْوَى وَأَوْلَى اهـ وَفِي الذَّخِيرَةِ: لَهُ اسْمَانِ: الْقِرَاضُ وَالْمُضَارَبَةُ
أَمَّا لَفْظُ الْقِرَاضِ فَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ: أَقْرَضْتُ الرَّجُلَ إذَا أَعْطَيْتَهُ لِيُعْطِيَكَ فَالْمُقَارِضُ يُعْطَى الرِّبْحَ كَمَا يُعْطَى الْمُقْتَرِضُ مِثْلَ الْمَأْخُوذِ، قَالَ غَيْرُهُ: هُوَ مِنْ الْمُقَارَضَةِ، وَهِيَ الْمُسَاوَاةُ، وَمِنْهُ: تَقَارَضَ الشَّاعِرَانِ إذَا تَسَاوَيَا فِي الْإِنْشَادِ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي الِانْتِفَاعِ بِالرِّبْحِ،
وَقِيلَ: مِنْ الْقَرْضِ الَّذِي هُوَ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّكَ قَطَعْتَ لَهُ مِنْ مَالِكَ قِطْعَةً، وَهُوَ قَطَعَ لَهُ مِمَّا تَحْتَ يَدِهِ أَوْ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْعَقْدِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ مِنْ بَابِ لَكَ جُزْءٌ مِنْ الرِّبْحِ الْحَاصِلِ بِسَعْيِهِ وَسُمِّيَ مُقَارِضًا مَعَ أَنَّ الْمُفَاعِلَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ الْمُفَاعَلَةِ الَّتِي لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ
إمَّا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُسَاوِي صَاحِبَهُ فِي الرِّبْحِ أَوْ يَقْطَعُ لَهُ مِمَّا تَحْتَ يَدِهِ أَوْ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْعَقْدِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ بِالْمُتَعَلِّقِ عَنْ الْمُتَعَلَّقِ أَوْ هُوَ مِنْ الصِّيَغِ الَّتِي لَا تَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ نَحْوَ سَافَرَ، وَعَافَاهُ اللَّهُ، وَطَارَقْتُ النَّعْلَ إذَا جَعَلْتَهُ طَاقًا عَلَى طَاقٍ.
وَأَمَّا الْمُضَارَبَةُ: فَهُوَ إمَّا أَنَّ كِلَيْهِمَا يَضْرِبُ فِي الرِّبْحِ بِنَصِيبٍ
وَإِمَّا مِنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ الَّذِي هُوَ السَّفَرُ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ: فَرْقٌ بَيْنَ ضَرَبَ فِي الْأَرْضِ وَضَرَبَ الْأَرْضَ أَنَّ الْأَوَّلَ لِلتِّجَارَةِ،
وَالثَّانِيَ لِلْحَجِّ وَالْغَزْوِ وَالْقُرُبَاتِ كَأَنَّهُ لِلتِّجَارَةِ مُنْغَمِسٌ فِي الْأَرْضِ وَمَتَاعِهَا، فَقِيلَ: ضَرَبَ فِيهَا، وَالْمُتَقَرِّبُ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - بَرِيءٌ مِنْ الدُّنْيَا فَلَمْ يُجْعَل فِيهَا وَسُمِّيَ مُفَاعَلَةً عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْمُقَارَضِ، وَالْمُقَارِضُ بِالْكَسْرِ رَبُّ الْمَالِ، وَبِالْفَتْحِ الْعَامِلُ، وَالْمُضَارِبُ بِالْكَسْرِ الْعَامِلُ عَكْسُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَضْرِبُ بِالْمَالِ، قَالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: لَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ اسْمٌ مِنْ الْمُضَارَبَةِ
بِخِلَافِ الْقِرَاضِ اهـ وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ مَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ تَوْكِيلٌ إلَخْ وَعَدَلَ عَنْ أَنْ تَكُونَ إجَارَةً كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ لِسَلَامَةِ مَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ مِنْ بَعْضِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَوْرَدَ عَلَى حَدِّهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ وَغَيْرُ جَامِعٍ
أَمَّا عَدَمُ مَنْعِهِ فَلِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ
فَلَوْ قَالَ: أَجَّرْتُكَ عَلَى هَذَا التَّجْرِ فِي هَذَا الْمَالِ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ صَدَقَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَيْسَ بِقِرَاضٍ، وَأَيْضًا
فَلَوْ أَجَّرَهُ عَلَى التَّجْرِ إلَى أَجَلٍ أَوْ قَارَضَهُ بِعُرُوضٍ لَمْ يَكُنْ قِرَاضًا صَحِيحًا،
وَأَمَّا عَدَمُ جَمْعِهِ فَلِأَنَّهُ يَجُوزُ الْقِرَاضُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ لِغَيْرِهِمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا وَأُجِيبَ عَنْ عَدَمِ مَنْعِهِ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الْقِرَاضِ مَا ذَكَرَهُ، وَكَوْنُهُ لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ شَرْطٌ فِي الصِّيغَةِ
وَكَذَا كَوْنُهُ لَا يَكُونُ إلَى أَجَلٍ شَرْطٌ فِي الْعَمَلِ
وَكَذَا كَوْنُهُ لَا يَكُونُ بِعَرْضٍ شَرْطٌ فِي الْمَالِ وَالشَّرْطُ لَا يَتَوَقَّفُ تَصَوُّرُ الْمَاهِيَّةِ عَلَيْهِ، وَأُجِيبَ عَنْ عَدَمِ جَمْعِهِ بِأَنَّ الصُّورَةَ الْمُقْتَرَضَ بِهَا إنَّمَا هِيَ مِنْ بَابِ التَّبَرُّعَاتِ، وَإِطْلَاقُ الْقِرَاضِ عَلَيْهَا مَجَازٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْقِرَاضُ تَمْكِينُ مَالٍ لِمَنْ يَتَّجِرُ بِهِ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ لَا بِلَفْظِ إجَارَةٍ فَيَدْخُلُ بَعْضُ الْفَاسِدِ كَالْقِرَاضِ بِالدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ وَيَخْرُجُ عَنْهُ قَوْلُهَا قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَعْطَى رَجُلًا مَالًا يَعْمَلُ بِهِ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لِلْعَامِلِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْعَامِلِ لَا بَأْسَ بِهِ عِيَاضٌ.
قَالَ سَحْنُونٌ: هُوَ ضَامِنٌ كَالسَّلَفِ فَضْلٌ هَذَا إنْ لَمْ يُشْتَرَطَ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ إنْ قَالَ: خُذْهُ قِرَاضًا فَهُوَ ضَامِنٌ الْبَاجِيُّ يَجُوزُ شَرْطُ كُلِّ الرِّبْحِ لِأَحَدِهِمَا فِي مَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ،
وَإِنْ أُرِيدَ إدْخَالُهُ عَلَى أَنَّهُ قِرَاضٌ قِيلَ: عَقْدٌ عَلَى التَّجْرِ بِمَالِ الْعِوَضِ لَيْسَ مِنْ غَيْرِ رِبْحِهِ انْتَهَى.
وَيَخْرُجُ مِنْ الْأَخِيرِ مَا إذَا شُرِطَ الرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحُكْمُهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي جَوَازِهِ، وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْإِجَارَةِ الْمَجْهُولَةِ،
وَمِنْ السَّلَفِ بِمَنْفَعَةٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِ شُيُوخِنَا: إنَّهُ سُنَّةٌ أَيْ أَبَاحَتْهُ السُّنَّةُ، وَالرُّخْصَةُ فِيهِ جَائِزَةٌ بِالسُّنَّةِ لَا بِمَعْنَى السُّنَّةِ الَّتِي يُحَضُّ عَلَى أَمْثَالِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا أَقُولُ هِيَ سُنَّةٌ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَوْلُ عِيَاضٍ: هِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ السَّلَفِ بِمَنْفَعَةٍ يُرَدُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ وَكُلُّ سَلَفٍ مَضْمُونٌ انْتَهَى.
وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَالْقِرَاضُ مِمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأُقِرَّ فِي الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ دَعَتْ إلَيْهِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَتَنْمِيَتِهَا بِالتِّجَارَةِ فِيهَا، وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَاضْطُرَّ فِيهِ إلَى اسْتِنَابَةِ غَيْرِهِ، وَلَعَلَّهُ لَا يَجِدُ مَنْ يَعْمَلُ لَهُ فِيهِ بِإِجَارَةٍ لِمَا جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ فِيهِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقِرَاضِ فَرُخِّصَ فِيهِ لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ وَاسْتُخْرِجَ بِسَبَبِ هَذِهِ الْعِلَّةِ مِنْ الْإِجَارَةِ الْمَجْهُولَةِ عَلَى نَحْوِ مَا رُخِّصَ فِيهِ فِي الْمُسَاقَاةِ وَبَيْعِ الْعَرِيَّةِ وَالشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَالتَّوْلِيَةِ فِيهِ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ:) قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: أَوَّلُ قِرَاضٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ قِرَاضُ يَعْقُوبَ مَوْلَى الْحَرِقَةِ مَعَ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعَثَ مَنْ يُقِيمُ مِنْ السُّوقِ مَنْ لَيْسَ بِفَقِيهٍ فَأُقِيمَ يَعْقُوبُ فِيمَنْ أُقِيمَ فَجَاءَ إلَى عُثْمَانَ فَأَخْبَرَهُ فَأَعْطَاهُ مِزْوَدَتَيْنِ قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ،
وَقَالَ: إنْ جَاءَكَ مَنْ يَعْرِضُ لَكَ فَقُلْ لَهُ: الْمَالُ لِعُثْمَانَ فَقَالَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقُمْ فَجَاءَ بِمِزْوَدَيْنِ مِزْوَدِ رَأْسِ الْمَالِ وَمِزْوَدِ رِبْحٍ، وَيُقَالُ: إنَّ أَوَّلَ قِرَاضٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ قِرَاضُ عَبْدِ اللَّهِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ ابْنَيْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - خَرَجَا فِي جَيْشٍ إلَى الْعِرَاقِ فَلَمَّا قَفَلَا مَرَّا عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ فَرَحَّبَ بِهِمَا، وَسَهَّلَ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ أَقْدِرُ لَكُمَا عَلَى أَمْرٍ أَنْفَعُكُمَا بِهِ لَفَعَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: بَلْ هَاهُنَا مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بِهِ إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأُسَلِّفُكُمَاهُ فَتَبْتَاعَانِ بِهِ مَتَاعًا مِنْ مَتَاعِ الْعِرَاقِ، ثُمَّ تَبِيعَانِهِ بِالْمَدِينَةِ فَتُؤَدِّيَانِ رَأْسَ الْمَالِ إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَكُونُ لَكُمَا الرِّبْحُ فَقَالَا: وَدِدْنَا، فَفَعَلَ وَكَتَبَ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا الْمَالَ، فَلَمَّا قَدِمَا بَاعَا فَرَبِحَا فَلَمَّا دَفَعَا ذَلِكَ إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: أَكُلَّ الْجَيْشِ أَسْلَفَهُ مِثْلَ الَّذِي أَسْلَفَكُمَا؟
قَالَا: لَا، فَقَالَ عُمَرُ: ابْنَا عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَسْلَفَكُمَا أَدِّيَا الْمَالَ وَرِبْحَهُ،
فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَسَكَتَ، وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ فَقَالَ: مَا يَنْبَغِي لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا لَوْ هَلَكَ الْمَالُ أَوْ نَقَصَ لَضَمِنَّاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَدِّيَاهُ فَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَاجَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ جَعَلْتُهُ قِرَاضًا فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ جَعَلْتُهُ قِرَاضًا فَأَخَذَ عُمَرُ رَأْسَ الْمَالِ وَنِصْفَ رِبْحِهِ وَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبِيدُ اللَّهِ نِصْفَ الرِّبْحِ انْتَهَى.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَيُقَالُ: إنَّ الرَّجُلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، ثُمَّ قَالَ سُؤَالٌ أَبُو مُوسَى حَاكِمٌ عَدْلٌ، وَقَدْ تَصَرَّفَ بِوَجْهِ الْمَصْلَحَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَصِيرُ مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ بَعْثِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ مُضَافًا إلَى الْحَرَامِ مَنْ يَنْبَغِي إكْرَامُهُ فَهُوَ تَصَرُّفٌ جَامِعٌ لِلْمَصَالِحِ فَيَتَعَيَّنُ تَنْفِيذُهُ وَعَدَمُ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ جَوَابُهُ أَنَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ إنَّمَا هُوَ بَيْنَ النُّظَرَاءِ مِنْ الْأُمَرَاءِ
أَمَّا الْخَلِيفَةُ فَلَهُ النَّظَرُ فِي أَمْرِ نُوَّابِهِ،
وَإِنْ كَانَ سَدَادًا أَوْ نَقُولُ: كَانَ فِي هَذَا التَّصَرُّفِ تُهْمَةٌ تَتَعَلَّقُ بِعُمَرَ بِسَبَبِ أَنَّهُ إكْرَامٌ لِبَنِيهِ فَأَرَادَ إبْطَالَهَا وَالذَّبَّ عَنْ عِرْضِ الْإِمَامَةِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: قَدْ تَصَرَّفَ فِيهِ بِوَجْهِ الْمَصْلَحَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَصِيرُ مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الدَّفْعُ لِهَذَا الْقَصْدِ أَوْ لَهُ وَلِغَيْرِهِ كَانَ هَذَا هُوَ السَّفَاتِجَ،
وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْبَاجِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْأَثَرِ مِنْ الْمُوَطَّإِ: لَمْ يُرِدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إحْرَازَ الْمَالِ فِي ذِمَّتِهِمَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ مَنْفَعَتَهُمَا بِالسَّلَفِ،
وَمِنْ مُقْتَضَاهُ: ضَمَانُهُمَا الْمَالَ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ السَّلَفُ لِمُجَرَّدِ مَنْفَعَةِ التَّسَلُّفِ، ثُمَّ قَالَ: وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسَلِّفُ صَاحِبَ الْمَالِ أَوْ غَيْرَهُ ضَمِنَ لَهُ النَّظَرَ عَلَيْهِ مِنْ إمَامٍ أَوْ قَاضٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ أَبٍ فَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُسَلِّفَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ لَيُحْرِزَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُتَسَلِّفِ،
وَكَذَلِكَ الْقَاضِي وَالْوَصِيُّ، ثُمَّ قَالَ: وَفِعْلُ أَبِي مُوسَى هَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فَعَلَ هَذَا لِمُجَرَّدِ مَنْفَعَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ وَجَازَ لَهُ ذَلِكَ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ فَوَّضَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ كَانَ بِيَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَسْلَفَهُ بِإِسْلَافِهِمَا إيَّاهُ
فَلَوْ تَلِفَ الْمَالُ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ وَفَاءٌ لَضَمِنَهُ أَبُو مُوسَى، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لِأَبِي مُوسَى النَّظَرُ فِي الْمَالِ بِالتَّثْمِيرِ وَالْإِصْلَاحِ،
وَإِذَا أَسْلَفَهُ كَانَ لِعُمَرَ الَّذِي هُوَ الْإِمَامُ تَعَقُّبُ فِعْلِهِ، فَتَعَقَّبَهُ وَرَدَّهُ إلَى الْقِرَاضِ انْتَهَى.
(نُكْتَةٌ:) قَالَ فِي الْمُنْتَقَى أَيْضًا: وَقَوْلُ عُمَرَ: أَكُلَّ الْجَيْشِ أَسْلَفَهُ إلَخْ؟ تَعَقُّبٌ مِنْهُ لِفِعْلِ أَبِي مُوسَى، وَنَظَرٌ فِي تَصْحِيحِ أَفْعَالِهِ، وَتَبْيِينٌ لِمَوْضِعِ الْمَحْظُورِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّفْ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ الْجَيْشِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ لِابْنَيْهِ مَوْضِعَ الْمُحَابَاةِ لِمَوْضِعِهِمَا مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا مِمَّا كَانَ يَتَوَرَّعُ عَنْهُ أَنْ يُخَصَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ أَوْ مِمَّنْ يَنْتَمِي إلَيْهِ بِمَنْفَعَةٍ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ لِمَكَانِهِ مِنْهُ وَقَوْلُهُ: أَدِّيَا الْمَالَ وَرِبْحَهُ نَقْضٌ مِنْهُ لِفِعْلِ أَبِي مُوسَى وَتَغْيِيرٌ لِسَلَفِهِ قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: وَإِنَّمَا كَرِهَ تَفْضِيلَ أَبِي مُوسَى لِوَلَدَيْهِ،
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ يُلْزِمُهُمَا، وَهَذَا عَلَى قَوْلِنَا: إنَّ أَبَا مُوسَى اسْتَسْلَفَ الْمَالَ وَأَسْلَفَهُمَا إيَّاهُ لِمُجَرَّدِ مَنْفَعَتِهِمَا،
وَإِنَّ الْمَالَ كَانَ بِيَدِهِ عَلَى وَجْهِ الْوَدِيعَةِ،
وَأَمَّا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ بِيَدِهِ عَلَى وَجْهِ التَّثْمِيرِ وَالْإِصْلَاحِ فَإِنَّ لِعُمَرَ تَعَقُّبَهُ، وَالتَّكَلُّمَ فِيهِ، وَالنَّظَرَ فِي ذَلِكَ لَهُمَا وَلِلْمُسْلِمِينَ بِوَجْهِ الصَّوَابِ وَقَوْلُهُ: لِوَلَدَيْهِ بَعْدَ اجْتِمَاعِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ اللَّهِ أَدِّيَا الْمَالَ وَرِبْحَهُ إعْرَاضٌ عَنْ حُجَّةِ عُبَيْدِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْمُبْضِعَ مَعَهُ يَضْمَنُ الْبِضَاعَةَ إذَا اشْتَرَى بِهَا لِنَفْسِهِ،
وَإِنْ دَخَلَهَا نَقْصٌ جَبَرَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ،
فَإِنَّ رِبْحَهَا لِرَبِّ الْمَالِ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ
(تَنْبِيهٌ:) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ سُؤَالٌ: كَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ قِرَاضًا بَعْدَمَا كَانَ قَرْضًا، وَإِلْزَامُ ذَلِكَ فِي الْقَرْضِ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَأَكْلٌ لِلْمَالِ بِالْبَاطِلِ لِأَنَّ الرِّبْحَ مِلْكٌ لِلْمُقْتَرِضِ إجْمَاعًا فَأَخْذُهُ غَصْبٌ جَوَابُهُ قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ فِي سِرَاجِ الْمُلُوكِ جَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - انْتِفَاعَهُمْ بِجَاهِ الْعَمَلِ لِلْمُسْلِمِينَ لَهُ نِصْفُ الرِّبْحِ كَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَاعَدُوهُمَا فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مُسْتَنَدُهُ فِي تَشْطِيرِ عُمَّالِهِ فِي أَمْوَالِهِمْ فَهُوَ كَالْقِرَاضِ انْتَهَى.
وَإِيرَادُ السُّؤَالِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إذَا تُؤُمِّلَ لَا يَخْلُو مِنْ نَظَرٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قُرِّرَ أَنَّ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَقْضَ فِعْلِ أَبِي مُوسَى فَلَهُ أَخْذُ جَمِيعَ الرِّبْحِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قِرَاضًا، وَهُمَا إنَّمَا دَخَلَا عَلَى أَنَّهُ قَرْضٌ، وَغَايَةُ مَا هُنَاكَ أَنَّهُ كَانَ لِعُمَرَ رَدُّ فِعْلِ أَبِي مُوسَى وَإِمْضَاؤُهُ
فَإِمَّا أَنْ يَرُدَّ الْجَمِيعَ أَوْ يُمْضِيَ الْأَمْرَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا قَالَ الْبَاجِيُّ وَنَصُّهُ: وَالْقِرَاضُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الرَّجُلُ مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ أَحَدُ نَوْعَيْ الشَّرِكَةِ يَكُونُ فِيهَا الْمَالُ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، وَالْعَمَلُ مِنْ الثَّانِي، وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الشَّرِكَةِ: أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْمَالِ وَالْعَمَلِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ ص (مَضْرُوبٌ) ش: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَضْرُوبَ يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِهِ كَأَنَّ التَّعَامُلَ بِهِ أَوْ فِي التِّبْرِ كَمَا لَوْ فُرِضَ أَنَّ السِّكَّةَ الْمَضْرُوبَةَ لَا يُتَعَامَلُ بِهَا فِي بَلَدٍ أَصْلًا كَمَا فِي غَالِبِ بِلَادِ السُّودَانِ عَلَى مَا قِيلَ، وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَنْ التَّنْبِيهَاتِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِهِ حِينَئِذٍ، وَلَعَلَّهُ فَهِمَهُ مِنْ كَلَامِهِ فَإِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ لَا فِي التَّنْبِيهَاتِ، وَلَا فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ جَائِزٌ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ غَيْرُ جَائِزٍ بِالْعُرُوضِ مَا كَانَتْ وَاخْتَلَفُوا فِي الشُّرُوطِ الَّتِي بِهَا يَصِحُّ فَعِنْدَنَا أَنَّ شُرُوطَهُ عَشَرَةٌ: نَقْدُ رَأْسِ الْمَالِ لِلْعَامِلِ، وَكَوْنُهُ مَعْلُومًا، وَكَوْنُهُ غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَى الْعَامِلِ، وَكَوْنُهُ مِمَّا يَتَبَايَعُ بِهِ أَهْلُ بَلَدٍ مِنْ الْعَيْنِ مَسْكُوكًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَسْكُوكٍ، وَمَعْرِفَةُ الْجُزْءِ الَّذِي تَقَارَضَا عَلَيْهِ مِنْ رِبْحِهِ، وَكَوْنُهُ مُشَاعًا لَا مُقَدَّرًا بِعَدَدٍ، وَلَا تَقْدِيرٍ،
وَأَنْ لَا يُخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ سَوَاءً إلَّا مَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ الْعَامِلُ مِنْ نَفَقَةٍ وَمُؤْنَةٍ فِي السَّفَرِ، وَاخْتِصَاصُ الْعَامِلِ بِالْعَمَلِ،
وَأَنْ لَا يُضَيَّقَ عَلَيْهِ بِتَحْجِيرٍ أَوْ بِتَخْصِيصٍ يَضُرُّ بِالْعَامِلِ وَأَنْ لَا يُضْرَبَ لَهُ أَجَلٌ انْتَهَى.
فَقَوْلُهُ: وَكَوْنُهُ مِمَّا يَتَبَايَعُ بِهِ إلَخْ رُبَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ
(تَنْبِيهٌ:) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي قَوْلِهِ: وَلَا تَقْدِيرٍ: ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ابْنَ شَاسٍ فَسَّرَهُ بِأَنَّهُ مِثْلُ مَا قَارَضَ بِهِ فُلَانٌ انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الشُّرُوطَ: فَإِذَا تَوَفَّرَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ جَازَ الْقِرَاضُ،
وَإِنْ اخْتَلَّ مِنْهَا شَرْطٌ فَسَدَ الْقِرَاضُ انْتَهَى. ص (مُسَلَّمٌ) ش: أَيْ لِلْعَامِلِ وَاحْتُرِزَ بِهِ مِمَّا إذَا شَرَطَ بَقَاءَ يَدِهِ مَعَهُ أَوْ أَمِينًا عَلَيْهِ وَمِمَّا لَوْ قَارَضَهُ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَقَدْ زَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ لِإِخْرَاجِ ذَلِكَ قَيْدًا آخَرَ،
فَقَالَ: الْمَالُ شَرْطُهُ نَقْدٌ مُعَيَّنٌ مَعْلُومٌ مُسَلَّمٌ ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ بِدَيْنٍ،
وَلَوْ أَحْضَرَهُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هَذَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: مُعَيَّنٌ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَيْسَ بِمُعَيَّنٍ فَلَا يَجُوزُ لِرَبِّ الدَّيْنِ أَنْ يَقُولَ لِمَدِينِهِ: اعْمَلْ بِالدَّيْنِ الَّذِي فِي ذِمَّتِكَ قِرَاضًا مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ،
وَلَوْ أَحْضَرَهُ إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْهُ وَيُعِيدَهُ عَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ أَخَّرَهُ بِهِ لِيَزِيدَهُ فِيهِ اللَّخْمِيُّ وَلِأَنَّهُمَا قَدْ يُظْهِرَانِ الْقِرَاضَ وَيُبْطِنَانِ أَنْ يَأْتِيَهُ رِبْحٌ مِنْ دَيْنِهِ، فَيَكُونَ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيِّ وَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْقَبْضِ إحْضَارُهُ مَعَ الْإِشْهَادِ انْتَهَى وَسَيَذْكُرُ ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ.
[بَاب فِي أَرْكَان الْقِرَاض وَحُكْمه وَشُرُوطه وَالتَّفَاسُخ وَالتَّنَازُع فِيهِ] (كِتَابُ الْقِرَاضِ) وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ: فِي أَرْكَانِ صِحَّتِهِ وَهِيَ خَمْسَةٌ: رَأْسُ الْمَالِ وَالْعَمَلِ وَالرِّبْحِ وَالْعَاقِدَانِ. الْبَابُ الثَّانِي: فِي حُكْمِ الْقِرَاضِ وَشُرُوطِهِ. الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي التَّفَاسُخِ وَالتَّنَازُعِ (الْقِرَاضُ تَوْكِيلٌ عَلَى تَجْرٍ) . ابْنُ عَرَفَةَ: الْقِرَاضُ تَمْكِينُ مَالٍ لِمَنْ يَتَّجِرُ بِهِ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ لَا بِلَفْظِ إجَارَةٍ (فِي نَقْدٍ مَضْرُوبٍ) . ابْنُ شَاسٍ: الْقِرَاضُ جَائِزٌ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ
وَكَذَلِكَ النَّقْدُ وَالْإِتْبَارُ أَعْنِي تِبْرَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يَجْرِي ذَلِكَ فِيهِ وَلَا يَتَعَامَلُ عِنْدَهُمْ بِالْمَسْكُوكِ. اللَّخْمِيِّ: يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِالنَّقْدِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يَتَبَايَعُونَ بِهِ فِيهِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ.
. (مُسَلَّمٌ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ) . ابْنُ رُشْدٍ: سُنَّةُ الْقِرَاضِ أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ الْمَالَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ عَلَى جُزْءٍ مِنْ الرِّبْحِ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ.
(ص) الْقِرَاضُ تَوْكِيلٌ عَلَى تَجْرٍ فِي نَقْدٍ مَضْرُوبٍ مُسَلَّمٍ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ إنْ عُلِمَ قَدْرُهُمَا (ش) عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ تَوْكِيلٌ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ وَالْعَامِلَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ فَعُلِمَ مِنْهُ حُرْمَةُ مُقَارَضَةِ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ وَهُوَ قَوْلٌ
وَالْمَذْهَبُ الْكَرَاهَةُ إذَا لَمْ يَعْمَلْ بِمُحَرَّمٍ كَالرِّبَا
ثُمَّ إنَّ الْمُرَادَ بِالْقِرَاضِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ لِقَوْلِهِ تَوْكِيلٌ،
وَأَمَّا مَا فِي بَابِ الزَّكَاةِ مِنْ قَوْلِهِ وَالْقِرَاضُ الْحَاضِرُ يُزَكِّيهِ رَبُّهُ إنْ أَرَادَ أَوْ الْعَامِلُ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ وَمَالُ الْقِرَاضِ،
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ هُنَا الْمَعْنَى الِاسْمِيُّ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ ذُو تَوْكِيلٍ أَيْ مَالٍ ذُو تَوْكِيلٍ إلَخْ وَقَوْلُهُ عَلَى تَجْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مَا عَدَا الشَّرِكَةَ، وَالتَّجْرُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ لِتَحْصِيلِ الرِّبْحِ وَقَوْلُهُ فِي نَقْدٍ خَرَجَتْ الشَّرِكَةُ لِجَوَازِهَا بِمَا هُوَ أَعَمُّ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِتَجْرٍ وَفِي بِمَعْنَى الْبَاءِ فَالنَّقْدُ مُتَّجَرٌ بِهِ لَا فِيهِ، وَالْبَاءُ بَاءُ الِاسْتِعَانَةِ أَوْ الْآلَةِ أَيْ مُسْتَعَانًا بِهِ عَلَى التَّجْرِ أَوْ هُوَ آلَةُ التَّجْرِ وَمُتَعَلِّقُ تَجْرٍ مَحْذُوفٌ أَيْ فِي كُلِّ نَوْعٍ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ الْمُرَادَ عَلَى تَجْرٍ مُطْلَقٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ فَيَخْرُجُ التَّجْرُ الْمُقَيَّدُ الْفَاسِدُ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مَضْرُوبٌ عَنْ التِّبْرِ وَالْفُلُوسِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مُسَلَّمٍ عَمَّا لَوْ قَارَضَهُ بِالدَّيْنِ وَنَحْوِهِ كَمَا يَأْتِي، وَقَوْلُهُ بِجُزْءٍ مُتَعَلِّقٌ بِتَجْرٍ أَوْ تَوْكِيلٍ وَهُوَ أَوْلَى وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ شَائِعًا
وَلَمَّا كَانَ الْجُزْءُ فِي الْمُسَاقَاةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَخْلَةٍ أَوْ عَدَدٍ مِنْ نَخَلَاتٍ احْتَاجَ إلَى زِيَادَةِ شَائِعٍ وَالْمُرَادُ فِي الْحَائِطِ، فَيَخْرُجُ مَا قُلْنَاهُ
بِخِلَافِ الْجُزْءِ هُنَا فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ تَعْيِينٌ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مِنْ رِبْحِهِ مِمَّا إذَا جَعَلَ لِلْعَامِلِ جُزْءًا مِنْ رِبْحِ غَيْرِ الْمَالِ الْمُتَّجَرِ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ
ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ يَقْتَضِي أَنَّ مَا جُعِلَ فِيهِ الرِّبْحُ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا لَيْسَ بِقِرَاضٍ حَقِيقَةً وَهُوَ كَذَلِكَ وَقَوْلُهُ إنْ عُلِمَ قَدْرُهُمَا أَيْ قَدْرُ الْمَالِ الْمَدْفُوعِ وَالْجُزْءِ الْمُشْتَرَطِ لِلْعَامِلِ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِرَأْسِ الْمَالِ يُؤَدِّي إلَى الْجَهْلِ بِالرِّبْحِ كَمَا لَوْ دَفَعَ لَهُ صُرَّةً مَجْهُولَةَ الْوَزْنِ يَعْمَلُ بِهَا، ثُمَّ بَالَغَ عَلَى الْجَوَازِ بِقَوْلِهِ
(قَوْلُهُ فِي نَقْدٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِمَا يُتَعَامَلُ بِهِ مِنْ غَيْرِ النَّقْدِ،
وَلَوْ انْفَرَدَ التَّعَامُلُ بِهِ كَالْوَدْعِ فِي بِلَادِ السُّودَانِ، وَهُوَ كَذَلِكَ قَصْرًا لِلرُّخْصَةِ عَلَى مُورِدِهَا، وَقَوْلُهُ مَضْرُوبٌ أَيْ ضَرْبًا يُتَعَامَلُ بِهِ فِي ذَلِكَ لَا بِمَضْرُوبٍ لَا يُتَعَامَلُ بِهِ كَمَا فِي غَالِبِ بِلَادِ السُّودَانِ
(قَوْلُهُ مُسَلَّمٍ) أَيْ بِدُونِ أَمِينٍ عَلَيْهِ
لَا إنْ جَعَلَ عَلَيْهِ أَمِينًا فَإِنَّ تَسْلِيمَهُ حِينَئِذٍ كَلَا تَسْلِيمٍ
(قَوْلُهُ فَعُلِمَ مِنْهُ حُرْمَةُ) أَيْ
وَأَمَّا عَكْسُهُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ
(قَوْلُهُ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ) أَيْ مُجَارَاةً عَلَى مَا هُنَا أَنْ يُرَادَ مِنْ الْقِرَاضِ الْفِعْلُ وَإِلَّا فَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْقِرَاضِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ الْمَالُ بَلْ
وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْقِرَاضِ هُنَا الْمَالُ وَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ ذُو تَوْكِيلٍ ثُمَّ إنَّكَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَذْفٍ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ لِتَسْتَقِيمَ الْعِبَارَةُ وَكَأَنَّهُ قَالَ ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْقِرَاضِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ وَلَا حَذْفَ
وَأَمَّا فِي بَابِ الزَّكَاةِ إلَخْ
(قَوْلُهُ خَرَجَتْ الشَّرِكَةُ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي نَقْدٍ لَا فِي غَيْرِهِ
(قَوْلُهُ فَالنَّقْدُ مُتَّجَرٌ بِهِ لَا فِيهِ) أَيْ وَالْمُتَّجَرُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ الْأَمْتِعَةُ مِنْ عَرْضٍ وَغَيْرِهِ وَفِيهِ أَنَّ التَّجْرَ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فَكَمَا أَنَّ التَّجْرَ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَمْتِعَةِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا مُثَمَّنًا فَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِالدَّرَاهِمِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا ثَمِينًا
(قَوْلُهُ أَوْ الْآلَةِ) لَا يَخْفَى أَنَّ بَاءَ الْآلَةِ هِيَ بَاءُ الِاسْتِعَانَةِ
(قَوْلُهُ وَبِهِ يَنْدَفِعُ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَبِهِ يَتَبَيَّنُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ عَلَى تَجْرٍ مُطْلَقٍ
(قَوْلُهُ فَيَخْرُجُ التَّجْرُ الْمُقَيَّدُ) أَيْ بِنَوْعٍ فَإِنَّهُ فَاسِدٌ مَا لَمْ يُوجَدْ فِي كُلِّ الْعَامِ
(قَوْلُهُ وَهُوَ أَوْلَى) وَذَلِكَ لِأَنَّ تَعَلُّقَهُ بِتَوْكِيلٍ يُؤْذِنُ بِأَنَّ ذَلِكَ الْجُزْءَ مَدْخُولٌ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً
بِخِلَافِ تَعَلُّقِهِ بِتَجْرٍ بَلْ إذَا تَأَمَّلْت تَجِدُ تَعَلُّقَهُ بِتَجْرٍ أَوْلَى وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ إنَّمَا هُوَ فِي مُقَابَلَةِ التَّجْرِ وَيُؤْذِنُ قَطْعًا بِأَنَّ الْجُزْءَ مَدْخُولٌ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً
(قَوْلُهُ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ شَائِعًا) أَيْ لَا بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنْ رِبْحِهِ كَعَشَرَةِ دَنَانِيرَ أَيْ إلَّا أَنْ يَنْسُبَهَا بِقَدْرٍ سَمَّاهُ مِنْ الرِّبْحِ كَلَكَ عَشَرَةٌ إنْ كَانَ الرِّبْحُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ عُشْرِ الرِّبْحِ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ فَيَخْرُجُ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ احْتَاجَ إلَى زِيَادَةِ شَائِعٍ
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِرَأْسِ الْمَالِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ أَنَّ اشْتِرَاطَ عِلْمِ قَدْرِ الرِّبْحِ ظَاهِرٌ
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ عِلْمِ قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ فَلَمْ يَظْهَرْ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ اشْتِرَاطَ عِلْمِ قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ لِيُعْلَمَ قَدْرُ الرِّبْحِ (أَقُولُ) وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ الرِّبْحَ لَيْسَ مُحَدَّدًا بِحَدٍّ مَحْدُودٍ وَبِاعْتِبَارِ رَأْسِ الْمَالِ إنَّمَا هُوَ جُزْءُ الرِّبْحِ الَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي يُشْتَرَى بِهِ كَانَ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا، وَحَيْثُ عُدَّ الْعَامِلُ أَمِينًا فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الصُّرَّةَ وَإِنْ جُهِلَتْ بِاعْتِبَارِ حَالَةِ الْعُقْدَةِ فَالشِّرَاءُ الصَّادِرُ مِنْ الْعَامِلِ بَعْدُ لَا يَكُونُ إلَّا بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ فَيَأْتِي الرِّبْحُ عَلَى حَسَبِهِ قَوْلُهُ وَلَوْ مَغْشُوشًا) أَيْ وَلَوْ كَانَ النَّقْدُ الْمَوْصُوفُ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُتَعَامَلُ بِهِ مَغْشُوشًا فَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي مُقَدَّرٍ لَا مِنْ تَمَامِ التَّعْرِيفِ لِئَلَّا يَلْزَمَ أَخْذُ الْحُكْمِ فِيهِ
(الْقِرَاضُ) أَيْ حَقِيقَتُهُ شَرْعًا فِي الْمُقَدِّمَاتِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْقَرْضِ، وَهُوَ مَا يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ لِيُجَازَى عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، فَلَمَّا اتَّفَقَ صَاحِبُ الْمَالِ وَالْعَامِلُ فِيهِ عَلَى أَنْ يَنْفَعَ كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ اُشْتُقَّ لَهُ هَذَا الِاسْمُ، وَهُوَ الْقِرَاضُ وَالْمُقَارَضَةُ بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ الدَّالَّةِ عَلَى وُقُوعِ الْفِعْلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَهَذَا اسْمُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ وَلَمْ يَقُولُوا قَرْضًا أَلْبَتَّةَ، وَلَا عِنْدَهُمْ كِتَابُ الْقِرَاضِ، وَقَالُوا مُضَارَبَةٌ، وَكِتَابُ الْمُضَارَبَةِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} ،
وَمِنْ قَوْله تَعَالَى {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ} ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَدْفَعُ مَالَهُ إلَى رَجُلٍ لِيَخْرُجَ بِهِ إلَى الشَّامِ أَوْ غَيْرِهِ فَيَبْتَاعَ الْمَتَاعَ عَلَى شَرْطِ قِسْمَةِ رِبْحِهِ بَيْنَهُمَا،
وَفِي قَوْلِ الصَّحَابَةِ لِلْإِمَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي قِصَّةِ ابْنَيْهِ عَبْدِ اللَّهِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لَوْ جَعَلْته قِرَاضًا دَلِيلٌ عَلَى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] صِحَّةِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ فِي اللُّغَةِ؛ لِأَنَّهُمْ هُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَأَرْبَابُ الْبَيَانِ وَإِذَا كَانَ يُحْتَجُّ فِي اللُّغَةِ بِقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ وَالنَّابِغَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ شِعْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَالِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَقْوَى وَأَوْلَى.
وَفِي الذَّخِيرَةِ لَهُ اسْمَانِ الْقِرَاضُ وَالْمُضَارَبَةُ،
أَمَّا لَفْظُ الْقِرَاضِ فَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ يُقَالُ أَقْرَضْتُ الرَّجُلَ إذَا أَعْطَيْته لِيُعْطِيَك، فَالْمُقَارِضُ يُعْطِي الرِّبْحَ كَمَا يُعْطِي الْمُقْتَرِضُ مِثْلَ مَا اقْتَرَضَهُ،
وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ مِنْ الْمُقَارَضَةِ وَهِيَ الْمُسَاوَاةُ، وَمِنْهُ تَقَارَضَ الشَّاعِرَانِ، إذَا تَسَاوَيَا فِي الْإِنْشَادِ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي الِانْتِفَاعِ بِالرِّبْحِ.
وَقِيلَ مِنْ الْقَرْضِ الَّذِي هُوَ الْقَطْعُ، لِأَنَّك قَطَعْت لَهُ مِنْ مَالِك جُزْءًا مِنْ الرِّبْحِ الْحَاصِلِ بِسَعْيِهِ، وَعَبَّرَ بِالْمُفَاعَلَةِ الْمُقْتَضِيَةِ حُصُولَ الْفِعْلِ مِنْ فَاعِلَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الرِّبْحِ أَوْ فِي الْقَطْعِ أَوْ فِي الْعَقْدِ أَوْ هِيَ مِنْ الصِّيَغِ الْخَارِجَةِ عَنْ أَصْلِهَا نَحْوُ سَافَرَ وَعَافَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَطَارَقْتُ النَّعْلَ أَيْ جَعَلْته طَاقًا عَلَى طَاقٍ،
وَأَمَّا الْمُضَارَبَةُ فَهِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَضْرِبُ فِي الرِّبْحِ بِنَصِيبٍ،
وَأَمَّا مِنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ الَّذِي هُوَ السَّفَرُ.
ابْنُ عَطِيَّةَ فَرَّقَ بَيْنَ ضَرْبٍ فِي الْأَرْضِ وَضَرْبِ الْأَرْضِ أَنَّ الْأَوَّلَ لِلتِّجَارَةِ وَالثَّانِي لِلْحَجِّ وَالْغَزْوِ وَسَائِرِ الْقُرُبَاتِ، كَأَنَّ التَّاجِرَ يَنْغَمِسُ فِي الْأَرْضِ وَمَتَاعِهَا وَالْمُتَقَرِّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بَرِيءٌ مِنْ الدُّنْيَا، وَالْمُقَارِضُ بِكَسْرِ الرَّاءِ رَبُّ الْمَالِ، وَبِالْفَتْحِ الْعَامِلُ وَالْمُضَارِبُ بِكَسْرِهَا الْعَامِلُ، وَبِفَتْحِهَا رَبُّ الْمَالِ عَكْسُ الْأَوَّلِ.
وَقَالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ لَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ اسْمٌ مِنْ الْمُضَارَبَةِ
بِخِلَافِ الْقِرَاضِ. تَوْكِيلٌ عَلَى تَجْرٍ،
وَفِي نَقْدٍ مَضْرُوبٍ، مُسَلَّمٍ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ [منح الجليل] وَحَقِيقَتُهُ شَرْعًا (تَوْكِيلٌ) جِنْسٌ فِي التَّعْرِيفِ شَمِلَ كُلَّ تَوْكِيلٍ (عَلَى تَجْرٍ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ أَيْ شِرَاءٍ وَبَيْعٍ لِحُصُولِ رِبْحٍ فَصَلَ مَخْرَجَ التَّوْكِيلِ عَلَى غَيْرِهِ (فِي نَقْدٍ) أَيْ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَصَلَ مَخْرَجَ التَّوْكِيلِ عَلَى تَجْرٍ بِعَرْضٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ حَيَوَانٍ فَهُوَ قَرْضٌ فَاسِدٌ (مَضْرُوبٍ) أَيْ مَسْكُوكٍ مَخْتُومٍ بِخَتْمِ الْإِمَامِ، فَصَلَ مَخْرَجَ التَّوْكِيلِ عَلَى تَجْرٍ بِنَقْدٍ غَيْرِ مَسْكُوكٍ فَهُوَ قَرْضٌ فَاسِدٌ (مُسَلَّمٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ مُثَقَّلًا، أَيْ مَدْفُوعٍ مِنْ رَبِّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ فَصَلَ مَخْرَجَ التَّوْكِيلِ عَلَى التَّجْرِ بِنَقْدٍ مَضْرُوبِ دَيْنٍ فِي ذِمَّةِ الْعَامِلِ لِرَبِّ الْمَالِ فَهُوَ قَرْضٌ فَاسِدٌ (بِجُزْءٍ) فَصَلَ مَخْرَجَ التَّوْكِيلِ عَلَى التَّجْرِ بِنَقْدٍ مَضْرُوبٍ مُسَلَّمٍ بِجَمِيعِ رِبْحِهِ فَهُوَ قَرْضٌ لَا قِرَاضٌ، أَوْ مَجَّانًا فَهَذَا مَعْرُوفٌ أَوْ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ فَهُوَ إجَارَةٌ (مِنْ رِبْحِهِ) أَيْ الْمَالِ فَصَلَ مَخْرَجَ التَّوْكِيلِ عَلَى التَّجْرِ بِنَقْدٍ مَضْرُوبٍ مُسَلَّمٍ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِ مَالٍ آخَرَ فَهُوَ قِرَاضٌ فَاسِدٌ.
وَعَرَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ تَمْكِينُ مَالٍ لِمَنْ يَتَّجِرُ فِيهِ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ لَا بِلَفْظِ إجَارَةٍ فَيَدْخُلُ بَعْضُ الْفَاسِدِ كَالْقِرَاضِ بِالدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ، وَيَخْرُجُ عَنْهُ قَوْلُهَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ أَعْطَى رَجُلًا مَالًا يَعْمَلُ بِهِ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لِلْعَامِلِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. عِيَاضٌ سَحْنُونٌ هُوَ ضَامِنٌ كَالسَّلَفِ فَضَّلَ هَذَا إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. مُحَمَّدٌ إنْ قَالَ خُذْهُ قِرَاضًا وَلَك رِبْحُهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ،
وَإِنْ قَالَ خُذْهُ وَاعْمَلْ بِهِ وَلَك رِبْحُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ قِرَاضًا فَهُوَ ضَامِنٌ.
الْبَاجِيَّ يَجُوزُ شَرْطُ كُلِّ الرِّبْحِ لِأَحَدِهِمَا عَلَى مَشْهُورِ مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِنْ أُرِيدَ إدْخَالُهُ عَلَى أَنَّهُ قِرَاضٌ قَبْلَ عَقْدٍ عَلَى التَّجْرِ بِمَالٍ لِعِوَضٍ لَيْسَ مِنْ غَيْرِ رِبْحِهِ. اهـ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ. الْحَطّ يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْأَخِيرِ مَا شُرِطَ كُلُّ رِبْحِهِ لِرَبِّ الْمَالِ وَحُكْمُهُ الْجَوَازُ، فَفِي التَّوْضِيحِ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي جَوَازِهِ وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْإِجَارَةِ الْمَجْهُولَةِ وَمِنْ السَّلَفِ بِمَنْفَعَةٍ،
وَفِي التَّنْبِيهَاتِ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْقِرَاضِ وَأَنَّهُ رُخْصَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْإِجَارَةِ الْمَجْهُولَةِ وَمِنْ السَّلَفِ بِمَنْفَعَةٍ. ابْنُ عَرَفَةَ يُرَدُّ هَذَا بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ، وَكُلُّ سَلَفٍ مَضْمُونٌ وَحِكْمَةُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] مَشْرُوعِيَّتِهِ الِاحْتِيَاجُ إلَيْهِ فَرُبَّ ذِي مَالٍ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى التَّجْرِ بِهِ، وَرُبَّ قَادِرٍ عَلَى التَّجْرِ لَا مَالَ لَهُ فَهُوَ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ . فِي الْمُقَدِّمَاتِ كَانَ الْقِرَاضُ مَعْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأُقِرَّ فِي الْإِسْلَامِ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ لِاحْتِيَاجِ النَّاسِ إلَى التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَتَنْمِيَتِهَا بِالتَّجْرِ فِيهَا، وَلَيْسَ كُلٌّ يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَيَضْطَرُّ إلَى الِاسْتِنَابَةِ عَلَيْهِ وَلَعَلَّهُ لَا يَجِدُ مَنْ يَعْمَلُ لَهُ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ لِجَرَيَانِ عَادَةِ النَّاسِ بِالْقِرَاضِ فَرُخِّصَ فِيهِ لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ، وَاسْتُخْرِجَ بِسَبَبِ هَذِهِ الْعِلَّةِ مِنْ الْإِجَارَةِ الْمَجْهُولَةِ عَلَى نَحْوِ مَا أَرْخَصَ فِي الْمُسَاقَاةِ وَشِرَاءِ الْعَرَبَةِ بِخَرْصِهَا وَالشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَالتَّوْلِيَةِ فِيهِ.
اهـ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: ابْنُ رُشْدٍ الْقِرَاضُ جَائِزٌ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ
وَكَذَلِكَ النُّقْرُ وَالْإِتْبَارُ، أَعْنِي الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ ذَلِكَ وَلَا يُتَعَامَلُ فِيهِ بِالْمَسْكُوكِ. اللَّخْمِيُّ يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِالْبَقَرِ بِالْبَلَدِ الَّذِي يَتَبَايَعُونَ بِهَا فِيهِ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. أَبُو عُمَرَ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - جَوَازَ الْقِرَاضِ بِنَقْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، قَالَ لِأَنَّ النَّاسَ تَقَارَضُوا قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - سَهَّلَ فِي ذَلِكَ، وَأَجَازَهُ وَلَمْ يُجِزْهُ بِالْمَصُوغِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ الْكَرَاهَةُ زَادَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَإِنْ نَزَلَ فَلَا يُفْسَخُ.
الثَّانِي: الْحَطّ ظَاهِرُ قَوْلِهِ مَضْرُوبٍ أَنَّهُ يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِهِ كَانَ التَّعَامُلُ بِهِ أَوْ بِالتِّبْرِ دُونَهُ بِأَنْ فُرِضَ أَنَّ الْمَضْرُوبَ لَا يُتَعَامَلُ بِهِ وَيُتَعَامَلُ بِالتِّبْرِ كَمَا فِي غَالِبِ بِلَادِ السُّودَانِ عَلَى مَا قِيلَ وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَنْ التَّنْبِيهَاتِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِهِ حِينَئِذٍ وَلَعَلَّهُ فَهِمَهُ مِنْ كَلَامِهِ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ لَا فِي التَّنْبِيهَاتِ وَلَا فِي غَيْرِهَا عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ جَائِزٌ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ غَيْرُ جَائِزٍ بِالْعُرُوضِ مَا كَانَتْ.
الثَّالِثُ: فِي التَّنْبِيهَاتِ اُخْتُلِفَ فِي الشُّرُوطِ الَّتِي يَصِحُّ الْقِرَاضُ بِهَا فَعِنْدَنَا شُرُوطُهُ عَشَرَةٌ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] نَقْدُ رَأْسِ الْمَالِ لِلْعَامِلِ، وَكَوْنُهُ مَعْلُومًا، وَكَوْنُهُ غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ، وَكَوْنُهُ بِمَا يُتَابَعُ أَهْلُ الْبَلَدِ مِنْ الْعَيْنِ مَسْكُوكًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَسْكُوكٍ، وَمَعْرِفَةُ الْجُزْءِ الَّذِي تَقَارَضَا عَلَيْهِ مِنْ رِبْحِهِ، وَكَوْنُهُ مُشَاعًا لَا مُقَدَّرًا بِعَدَدٍ وَلَا تَقْدِيرٍ،
وَأَنْ لَا يَخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ سِوَاهُ إلَّا مَا يَضْطَرُّ إلَيْهِ الْعَامِلُ مِنْ نَفَقَةٍ وَمُؤْنَةٍ فِي السَّفَرِ وَاخْتِصَاصُ الْعَامِلِ بِالْعَمَلِ،
وَأَنْ لَا يُضَيَّقَ عَلَيْهِ بِتَحْجِيرٍ أَوْ بِتَخْصِيصٍ يَضُرُّ بِالْعَامِلِ،
وَأَنْ لَا يُضْرَبَ لَهُ أَجَلٌ اهـ. قَوْلُهُ وَكَوْنُهُ مِمَّا يُتَابَعُ بِهِ إلَخْ رُبَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ. أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ لَا تَقْدِيرَ فَسَّرَهُ ابْنُ شَاسٍ بِأَنَّهُ مِثْلُ مَا قَارَضَ بِهِ فُلَانٌ، ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي فَإِنْ تَوَفَّرَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ جَازَ الْقِرَاضُ وَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا فَسَدَ. اهـ.
الرَّابِعُ: أَوَّلُ قِرَاضٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ قِرَاضُ يَعْقُوبَ مَوْلَى الْحَرِقَةِ مَعَ عُثْمَانَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " بَعَثَ مَنْ يُقِيمُ مِنْ السُّوقِ مَنْ لَيْسَ بِفَقِيهٍ فَأُقِيمَ يَعْقُوبُ فِيمَنْ أُقِيمَ، فَجَاءَ إلَى عُثْمَانَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فَأَخْبَرَهُ فَأَعْطَاهُ مِزْوَدَ تِبْرٍ قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ،
وَقَالَ لَهُ إنْ جَاءَك مَنْ يَعْرِضُ لَك فَقُلْ لَهُ الْمَالُ لِعُثْمَانَ فَقَالَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقُمْ، فَجَاءَ بِمِزْوَدَيْنِ مِزْوَدٌ رَأْسُ الْمَالِ وَمِزْوَدٌ رِبْحٌ، وَيُقَالُ أَوَّلُ قِرَاضٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ قِرَاضُ عَبْدِ اللَّهِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ ابْنَيْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " خَرَجَا فِي جَيْشٍ إلَى الْعِرَاقِ فَلَمَّا قَفَلَا مَرَّا عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ فَرَحَّبَ بِهِمَا وَسَهَّلَ، ثُمَّ قَالَ لَوْ أَقْدِرُ لَكُمَا عَلَى أَمْرٍ أَنْفَعُكُمَا لَفَعَلْت، ثُمَّ قَالَ هَاهُنَا مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بِهِ إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأُسَلِّفُكُمَاهُ فَتَبْتَاعَانِ بِهِ مَتَاعًا مِنْ مَتَاعِ الْعِرَاقِ ثُمَّ تَبِيعَانِهِ بِالْمَدِينَةِ فَتَأْوِيَانِ رَأْسَ الْمَالِ إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَكُونُ رِبْحُ الْمَالِ لَكُمَا فَقَالَا وَدِدْنَا، فَفَعَلَ، وَكَتَبَ إلَى عُمَرَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا الْمَالَ فَلَمَّا قَدِمَا الْمَدِينَةَ بَاعَا فَرَبِحَا وَدَفَعَا رَأْسَ الْمَالِ لِعُمَرَ، قَالَ أَكُلُّ الْجَيْشِ أَسْلَفَهُ مِثْلَ الَّذِي أَسْلَفَكُمَا فَقَالَا لَا فَقَالَ عُمَرُ ابْنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَسْلَفَكُمَا أَدِّيَا رِبْحَ الْمَالِ فَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ مَا يَنْبَغِي لَك هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ هَلَكَ الْمَالُ أَوْ نَقَصَ لَضَمِنَّاهُ، فَقَالَ أَدِّيَاهُ فَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ أَيْضًا وَرَاجَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ فَقَالَ رَجُلٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ جَعَلْته قِرَاضًا، فَقَالَ عُمَرُ قَدْ جَعَلْتُهُ قِرَاضًا فَأَخَذَ نِصْفَ الرِّبْحِ وَتَرَكَ لَهُمَا نِصْفَهُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] فَإِنْ قِيلَ أَبُو مُوسَى حَاكِمٌ عَدْلٌ وَقَدْ تَصَرَّفَ بِمَصْلَحَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَالَ صَارَ مَضْمُونًا فِي ذِمَّتِهِمَا فَإِسْلَافُهُ أَوْلَى مِنْ بَعْثِهِ أَمَانَةً لَا تُضْمَنُ مُضَافًا إلَى إكْرَامِ مَنْ يَنْبَغِي إكْرَامُهُ، فَهُوَ تَصَرُّفٌ جَامِعٌ لِلْمَصَالِحِ فَيَتَعَيَّنُ تَنْفِيذُهُ، فَجَوَابُهُ أَنَّ عَدَمَ الِاعْتِرَاضِ إنَّمَا هُوَ بَيْنَ النُّظَرَاءِ مِنْ الْأُمَرَاءِ
أَمَّا الْخَلِيفَةُ فَلَهُ النَّظَرُ فِي أَمْرِ نُوَّابِهِ،
وَإِنْ كَانَ سَدَادًا أَوْ إنَّ فِي هَذَا التَّصَرُّفِ تُهْمَةً تَتَعَلَّقُ بِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِسَبَبِ أَنَّهُ إكْرَامٌ لِابْنَيْهِ، فَأَرَادَ إبْطَالَهَا أَوْ الذَّبَّ عَنْ عِرْضِهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ.
وَفِي قَوْلِهِ لِأَنَّ الْمَالَ صَارَ مَضْمُونًا إلَخْ نَظَرٌ لِأَنَّ دَفْعَهُ لِهَذَا الْقَصْدِ يَصِيرُ سَفْتَجَةً وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْعُهَا، وَلِذَا قَالَ الْبَاجِيَّ لَمْ يُرِدْ أَبُو مُوسَى " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إحْرَازَ الْمَالِ فِي ذِمَّتِهِمَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ نَفْعَهُمَا بِالسَّلَفِ،
وَإِنْ اقْتَضَى ضَمَانُهُمَا الْمَالَ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ السَّلَفُ لِمُجَرَّدِ دَفْعِ الْمُتَسَلِّفِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسَلِّفُ صَاحِبَ الْمَالِ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّنْ لَهُ النَّظَرُ عَلَيْهِ مِنْ إمَامٍ أَوْ قَاضٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ أَبٍ، فَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُسَلِّفَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ لِيُحْرِزَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُتَسَلِّفِ
وَكَذَلِكَ الْقَاضِي وَالْوَصِيُّ.
ثُمَّ قَالَ وَفِعْلُ أَبِي مُوسَى هَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ لِمُجَرَّدِ نَفْعِ عَبْدِ اللَّهِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ وَجَازَ لَهُ لِأَنَّ الْمَالَ كَانَ بِيَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَلَفَهُ لِنَفْسِهِ بِإِسْلَافِهِمَا إيَّاهُ،
فَلَوْ تَلِفَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمَا لَضَمِنَهُ أَبُو مُوسَى، وَثَانِيهِمَا أَنَّ لِأَبِي مُوسَى النَّظَرَ فِي الْمَالِ بِالتَّثْمِيرِ وَالْإِصْلَاحِ،
وَإِذَا أَسْلَفَهُ فَلِلْإِمَامِ تَعَقُّبُهُ فَتَعَقَّبَهُ عُمَرُ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَرَدَّهُ إلَى الْقِرَاضِ وَقَوْلُ عُمَرَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَكُلُّ الْجَيْشِ تَعَقُّبٌ مِنْهُ لِفِعْلِ أَبِي مُوسَى، وَنَظَرٌ فِي تَصْحِيحِ أَفْعَالِهِ وَتَبْيِينٌ لِمَوْضِعِ الْمَحْظُورِ مِنْهُ وَمَوْضِعِ الْمُحَابَاةِ مِنْ كَوْنِهِمَا ابْنَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا مِمَّا كَانَ عُمَرُ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " يَتَوَرَّعُ عَنْهُ أَنْ يَخُصَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ أَوْ مِمَّنْ يَنْتَمِي إلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَقَوْلُهُ أَدِّيَا الْمَالَ وَرِبْحَهُ بَعْدَ احْتِجَاجِ عُبَيْدِ اللَّهِ إعْرَاضٌ عَنْهُ لِأَنَّ الْمُبْضَعَ مَعَهُ يَضْمَنُ الْبِضَاعَةَ إذَا اشْتَرَى بِهَا لِنَفْسِهِ،
وَإِنْ دَخَلَهَا نَقْصٌ جَبَرَهُ وَرِبْحُهَا لِرَبِّ الْمَالِ.
فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ جَعَلَهُ قِرَاضًا وَقَدْ دَخَلَا عَلَى الْقَرْضِ وَغَايَةُ الْأَمْرِ كَانَ لِعُمَرَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - "
إمَّا إنْ عُلِمَ قَدْرُهُمَا، وَلَوْ مَغْشُوشًا [منح الجليل] إجَازَةُ فِعْلِ أَبِي مُوسَى وَتَرْكُ جَمِيعِ الرِّبْحِ لَهُمَا، أَوْ رَدُّهُ وَأَخْذُ جَمِيعِ الرِّبْحِ، فَجَوَابُهُ مَا فِي سِرَاجِ الْمُلُوكِ لِلطُّرْطُوشِيِّ وَهُوَ أَنَّ عُمَرَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " جَعَلَ لِانْتِفَاعِهِمَا بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ نِصْفَ الرِّبْحِ لِلْمُسْلِمِينَ كَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَاعَدُوهُمَا فِي الْعَمَلِ، وَهُوَ مُسْتَنَدُهُ فِي تَشْطِيرِ عُمَّالِهِ فِي أَمْوَالِهِمْ فَهُوَ كَالْقِرَاضِ.
وَيَصِحُّ الْقِرَاضُ بِالنَّقْدِ الْمَضْرُوبِ الْمُسَلَّمِ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ
وعرف المؤلف القراض بقوله: القراض توكيل على تجر في نقد يعني أن القراض هو أن يوكل شخص شخصا على أن يتجر له بنقد ويتعاقدان أي المالك للنقد والمتجر به على جزء من الربح معلوم، كالنصف أو الثلث أو نحو ذلك، كأن يقول اتجر لي بهذه الدراهم العشرة أو الدنانير فإذا صارت مائة مثلا رد إليَّ عشرة رأس مالي ولك نصف الزائد على رأس المال أو ربعه أو ثلثه أو نحو ذلك وهو تسعون في هذا المثال، فيجيبه الآخر إلى ذلك.
وعلم مما قررت أن "في" بمعنى الباء أي باء الآلة فالنقد متجر به لا فيه،
وفي نقد متعلق بتجر وعلى تجر متعلق بتوكيل، قال الشبراخيتي: القراض توكيل هو كالجنس يشمل الوكالة على خلاص الحق وقضاء الدين وبيع سلعة وقضاء حاجة ونحو ذلك والشركة إذ هي توكيل كل واحد لصاحبه، وفهم من قوله: "توكيل" أن رب المال والعامل لا بد أن يكونا من أهل التوكيل والتوكل، فعلم منه حرمة مقارضة المسلم للذمي، قال الإمام: لا أحب لمسلم أن يدفع مالا قراضا لذمي، قال ابن عرفة: يجب حمله على المنع ونحوه للتونسي،
وأما عكسه فهو مكروه، وقوله: "على تجر" فصل أخرج به ما عدا الشركة، وقوله: "في نقد" أخرج به الشركة لجوازها في النقد وغيره من العروض. انتهى. وقوله: "في نقد" أي يتجر بالنقد في كل شيء،
وأما إبقاء "في" على الظرفية فلا يصح لاقتضائه أن القراض إنما هو التوكيل على التجر في النقد، كأن يشترط عليه بيع المذهب بالفضة والفضة بالمذهب فلا يشمل التجارة في غير النقد من العروض، والمراد في القراض المعنى المصدري لقوله: "توكيل" ، وما في باب الزكاة من قوله والقراض الحاضر يزكيه ربه إلخ بالمعنى الاسمي.
وقال عبد الباقي: القراض توكيل على تجر بغير لفظ إجارة كما في ابن عرفة، ويشعر المص به كما في التتائي وبأنه بلفظ لأن التوكيل لا بد فيه من لفظ فلا تكفي فيه المعاطاة كما يفيده قوله: بجزء؛ لأن معرفة الجزء إنما تكون باللفظ، وقد يقال: تتصور المعاطاة قبل أن يقول ولك نصف الربح مثلا. انتهى المراد منه.
وقال البناني: عبارة ابن الحاجب إجارة على التجر في مال بجزء من ربحه. انتهى. وقد علم أن الإجارة كالبيع تكفي فيها المعاطاة فتصدير التعريف بلفظ الإجارة يشعر بعدم اشتراط اللفظ إذا وجدت القرينة. مضروب صفة لنقد يعني أنه لا بد في النقد المقارض به من أن يكون مضروبا ومسكوكا أي مجعولا دراهم أو دنانير،
بخلاف التبر فإنه لا يصح القراض به،
وكذلك المضروب الذي لا يتعامل به، وقضية كلام المص أنه لا يقارض بالتبر ولا بالنقار حيث لم يتعامل بذلك كما يأتي له ولا بغير النقد وإن لم يتعامل إلا به كالودع في بلد لا يتعامل إلا به فيه، وكالفلوس في بلد لا يتعامل فيه إلا بالفلوس، ويأتي الكلام في ذلك قريبا إن شاء الله.
وقال المواق: ابن رشد: القراض جائز بالدنانير والدراهم
وكذلك النُّقَرُ والأتبار أعني تبر المذهب والفضة في البلد الذي يجري ذلك فيه، ولا يتعامل عندهم بالمسكوك. اللخمي: يجوز القراض بالنقر في البلد الذي يتبايعون بها فيه ولا خلاف في ذلك. انتهى.
وقولي: وكذلك المضروب الذي لا يتعامل به نحوه لعبد الباقي، قال البناني: اشتراطه التعامل في المسكوك هو الذي فهمه الشيخ زروق من كلام التنبيهات، قال الحطاب: ولم أر من صرح به لا في التنبيهات ولا في غيرها. انتهى.
وقال عبد الباقي: مضروب ضربا يتعامل به لا بتبر وفلوس كما سيذكره، ولا بمضروب لا يتعامل به كما في غالب بلاد السودان ولا بغير نقد يتعامل به،
ولو انفرد التعامل به كالودع فلا يكون رأس المال قصرا للرخصة على موردها. انتهى.
قوله: ولو انفرد التعامل به كالودع، قال البناني: قال بعضهم: الظاهر في نحو هذا الجواز؛ لأن الدراهم والدنانير ليست مقصودة لذاتها حتى يمتنع التعامل بغيرها حيث انفرد التعامل به، بل هي مقصودة من حيث التنمية. انتهى. مسلَّم صفة لنقد يعني أن هذا النقد المتجر به لا بد في صحة المقارضة به أن يسلمه ربه للعامل المقارض به أي يدفعه له، فقوله: "مسَلَّم" بفتح اللام واحترز بذلك من أن يقارضه بدين عليه أو زهن عنده أو وديعة عنده كما يأتي، وقوله: "مسلم" أي من ربه للعامل بدون أمين عليه، واحترز بذلك مما أسلمه له وجعل عليه أمينا،
فإن تسليمه حينئذ كلا تسليم. بجزء من ربحه المجرور الأول متعلق بتجر والثاني صفة لجزء، فهو متعلق بكون عام؛ يعني أن القراض هو أن يوكل رب المال العامل على أن يتجر له في النقد بجزء شائع من الربح نصفا أو ثلثا أو ربعا أو غيرها، والمراد بالربح ما زاد على رأس المال، قال عبد الباقي: بجزء شائع كائن من ربحه لا بقدر معين من ربحه كعشرة دنانير إلا أن ينسبها لقدر سماه من الربح كلك عشرة إن كان الربح مائة فيجوز لأنه بمنزلة عشرة،
ولما كان جزء الربح لا يكون إلا شائعا استغنى عن التقييد بشائع
بخلاف الجزء فيما يأتي في المساقاة، لما احتمل أن يكون من نخلة أو نخلات معينة احتاج إلى تقييده بشائع أي في الحائط المساقى، واحترز بقوله: "من ربحه" عما إذا جعل للعامل جزءا من ربح غير المال المتجر به فإنه لا يجوز. انتهى.
وقال المواق: ابن رشد: سنة القراض أن يدفع الرجل إلى الرجل المال على أن يعمل فيه على جزء من الربح يتفقان عليه. انتهى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.