صح وقف مملوك
الشروح عليها
(صَحَّ) وَلَزِمَ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ (وَقْفُ مَمْلُوكٍ) وَلَوْ بِالتَّعْلِيقِ كَإِنْ مَلَكْتُ دَارَ فُلَانٍ فَهِيَ وَقْفٌ، أَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا شَائِعًا فِيمَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا الْوَاقِفُ إنْ أَرَادَهَا الشَّرِيكُ
وَأَمَّا مَا لَا يَقْبَلُهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ مُرَجَّحَانِ وَعَلَى الصِّحَّةِ يُجْبَرُ الْوَاقِفُ عَلَى الْبَيْعِ إنْ أَرَادَ شَرِيكُهُ وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِ وَقْفِهِ وَأَرَادَ بِالْمَمْلُوكِ مَا يَشْمَلُ مِلْكَ الذَّاتِ وَمِلْكَ الْمَنْفَعَةِ فَلِذَا قَالَ
(قَوْلُهُ: وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ) أَيْ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَقَوْلُهُ: وَلَزِمَ أَيْ وَلَوْ لَمْ يُحَزْ فَإِذَا أَرَادَ الْوَاقِفُ الرُّجُوعَ فِيهِ لَا يُمَكَّنُ،
وَإِذَا لَمْ يُحَزْ عَنْهُ أُجْبِرَ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَلْزَمُ
وَلَوْ قَالَ الْوَاقِفُ: وَلِي الْخِيَارُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَبَحَثَ فِيهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُوَفَّى لَهُ بِشَرْطِهِ كَمَا قَالُوا إنَّهُ يُوَفَّى لَهُ بِشَرْطِهِ إذَا شَرَطَ أَنَّهُ إنْ تَسَوَّرَ عَلَيْهِ قَاضٍ رَجَعَ لَهُ وَأَنَّ مَنْ احْتَاجَ مِنْ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِمْ بَاعَ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَقْفُ مَمْلُوكٍ) أَيْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمَمْلُوكُ الَّذِي أُرِيدَ وَقْفُهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَجِلْدِ أُضْحِيَّةٍ وَكَلْبِ صَيْدٍ وَعَبْدٍ آبِقٍ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ
ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ وَقْفٌ مَصْدَرُ وَقَفَ مُجَرَّدًا بِالْهَمْزَةِ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ إلَّا فِي أَوْقَفْت عَنْ كَذَا بِمَعْنَى أَقْلَعْت عَنْهُ وَأَوْقَفْته عَنْ كَذَا بِمَعْنَى مَنَعْته مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: كَإِنْ مَلَكْتُ إلَخْ) مِنْ ذَلِكَ مَا كَتَبَهُ شَيْخُنَا أَنَّ الشَّيْخَ زَيْنَ الْجِيزِيِّ أَفْتَى بِأَنَّ مَنْ الْتَزَمَ أَنَّ مَا يَبْنِيهِ فِي الْمَحَلِّ الْفُلَانِيِّ فَهُوَ وَقْفٌ، ثُمَّ بَنَى فِيهِ فَيَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَهُ وَلَا يَحْتَاجُ لِإِنْشَاءِ وَقْفٍ لِذَلِكَ وَكَتَبَ الشَّيْخُ الْأَمِيرُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى عبق مَا نَصُّهُ رَأَيْت بِخَطِّ الشَّيْخِ أَحْمَدَ النَّفْرَاوِيِّ شَارِحِ الرِّسَالَةِ بِطُرَّةِ عج وَانْظُرْ هَلْ لَا بُدَّ فِي التَّعْلِيقِ مِنْ تَعْيِينِ الْمُعَلَّقِ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، أَوْ يَدْخُلُ فِيهِ مَا يَقَعُ لِبَعْضِ الْوَاقِفِينَ أَنَّهُ يَقُولُ فِي كِتَابِ وَقْفِهِ وَكُلُّ مَا تَجَدَّدَ لِي مِنْ عَقَارٍ، أَوْ غَيْرِهِ وَدَخَلَ فِي مِلْكِي فَهُوَ مُلْحَقٌ بِوَقْفِي هَذَا مَا حَرَّرَهُ اهـ وَأَقُولُ الْمَأْخُوذُ مِنْ كَلَامِ الرَّصَّاعِ فِي شَرْحِ الْحُدُودِ أَنَّهُ إذَا عَمَّ التَّعْلِيقُ فَإِنَّ الْوَقْفَ لَا يَلْزَمُ لِلتَّحْجِيرِ كَالطَّلَاقِ كَقَوْلِ الْمُصَنِّفِ " مَمْلُوكٍ " أَيْ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا كَمَا فِي التَّعْلِيقِ إلَّا أَنْ يَعُمَّ كَكُلُّ مَا أَمْلِكُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَقْفٌ.
(قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا) أَيْ أَوْ كَانَ الْمَمْلُوكُ جُزْءًا مُشْتَرَكًا شَائِعًا.
(قَوْلُهُ: وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ الْوَاقِفُ إلَخْ) لَا يُقَالُ: الْقِسْمَةُ بَيْعٌ وَهُوَ جَائِزٌ فِي الْوَقْفِ لِأَنَّا نَقُولُ الرَّاجِحُ أَنَّ الْقِسْمَةَ تَمْيِيزُ حَقٍّ لَا بَيْعٌ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا بَيْعٌ فَيُقَالُ الْمَمْنُوعُ بَيْعُهُ مِنْ الْوَقْفِ مَا كَانَ مُعَيَّنًا لَا الْمَعْرُوضُ لِلْقَسْمِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَأْذُونِ فِي بَيْعِهِ لِمَنْ يُحَبِّسُهُ اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: فَفِيهِ قَوْلَانِ مُرَجَّحَانِ) أَيْ فَفِي صِحَّتِهِ وَعَدَمِهَا قَوْلَانِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِ وَقْفِهِ) أَيْ وَهُوَ يُجْبَرُ عَلَى جَعْلِ الثَّمَنِ فِي مِثْلِ وَقْفِهِ، أَوْ لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، قَوْلَانِ.
[بَابٌ وَقْفُ مَمْلُوكٍ] ص (بَابٌ صَحَّ وَقْفُ مَمْلُوكٍ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْوَقْفُ مَصْدَرًا إعْطَاءُ مَنْفَعَةِ شَيْءٍ مُدَّةَ وُجُودِهِ لَازِمًا بَقَاؤُهُ فِي مِلْكِ مُعْطِيهِ وَلَوْ تَقْدِيرًا فَتَخْرُجُ عَطِيَّةُ الذَّوَاتِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْعُمْرَى وَالْعَبْدِ الْمُخْدِمِ حَيَاتَهُ يَمُوتُ قَبْلَ مَوْتِ رَبِّهِ لِعَدَمِ لُزُومِ بَقَائِهِ فِي مِلْكِ مُعْطِيهِ لِجَوَازِ بَيْعِهِ بِرِضَاهُ مَعَ مُعْطَاهُ وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إعْطَاءُ مَنَافِعَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ يَبْطُلُ طَرْدُهُ بِالْمُخْدِمِ حَيَاتَهُ وَلَا يُرَدُّ بِأَنَّ جَوَازَ بَيْعِهِ مَمْنُوعٌ انْدِرَاجُهُ تَحْتَ التَّأْبِيدِ لِأَنَّ التَّأْبِيدَ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِعْطَاءِ وَهُوَ صَادِقٌ عَلَى الْمُخْدِمِ الْمَذْكُورِ لَا فِي لُزُومِ بَقَائِهِ فِي مِلْكِ مُعْطِيهِ وَهُوَ اسْمًا مَا أُعْطِيت مَنْفَعَتُهُ مُدَّةً إلَى آخِرِهِ وَصَرَّحَ الْبَاجِيُّ بِبَقَاءِ مِلْك الْمُحْبِسِ عَلَى مُحْبَسِهِ وَهُوَ لَازِمُ تَزْكِيَةِ حَوَائِطِ الْإِحْبَاسِ عَلَى مِلْكِ مُحْبِسِهَا وَقَوْلُ اللَّخْمِيُّ آخِرُ الشُّفْعَةِ الْحَبْسُ يُسْقِطُ مِلْكَ الْمُحْبَسِ غَلَطٌ انْتَهَى.
وَيَخْرُجُ مِنْ حَدِّ ابْنِ عَرَفَةَ الْحَبْسُ غَيْرُ الْمُؤَبَّدِ وَقَدْ صَرَّحَ بِجَوَازِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ الصَّدَقَةِ وَيَتَعَذَّرُ عُرُوضُ وُجُوبِهِ
بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالْإِحْبَاسُ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ عَمِلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمُونَ مِنْ بَعْدِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي اللُّبَابِ حُكْمُهُ الْجَوَازُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَحَقِيقَتُهُ لُغَةً الْحَبْسُ وَشَرْعًا حَبْسُ عَيْنٍ لِمَنْ يَسْتَوْفِي مَنَافِعَهُمَا عَلَى التَّأْبِيدِ انْتَهَى. قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ مِمَّا اُخْتُصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَحْبِسْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فِيمَا عَلِمْته دَارًا وَلَا أَرْضًا تَبَرُّرًا بِحَبْسِهَا وَإِنَّمَا حَبَسَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ مَمْلُوكٍ تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَاحْتُرِزَ بِهِ مِنْ وَقْفِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ عَلَى نَوْعٍ مَا مِنْ الْعِبَادَاتِ كَذَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْغَزَالِيِّ
وَلَمَّا كَانَ كَلَامُهُ شَامِلًا لِكُلِّ مَمْلُوكٍ بَيَّنَ مَا هُوَ دَاخِلٌ وَمَا فِيهِ تَرَدُّدٌ بِقَوْلِهِ وَإِنْ بِأُجْرَةٍ إلَى قَوْلِهِ تَرَدُّدٌ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ كَانَ مُشَاعًا أَوْ غَيْرَ مُشَاعٍ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ يَصِحُّ فِي الْعَقَارِ الْمَمْلُوكِ لَا الْمُسْتَأْجَرِ مِنْ الْأَرَاضِي وَالدِّيَارِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْحَوَائِطِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْمَصَانِعِ وَالْآبَارِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْمَقَابِرِ وَالطُّرُقِ شَائِعًا وَغَيْرَهُ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُهُ شَائِعًا أَوْ غَيْرَهُ يَعْنِي يَجُوزُ وَقْفُ الْعَقَارِ سَوَاءٌ كَانَ شَائِعًا كَمَا لَوْ وَقَفَ نِصْفَ دَارٍ أَوْ غَيْرَ شَائِعٍ وَلَا يُرِيدُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَقْفُ الْمَشَاعِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً أَعْنِي فِيمَا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ وَاخْتُلِفَ إنْ فُعِلَ هَلْ يَنْفُذُ تَحْبِيسُهُ أَمْ لَا وَعَلَى الثَّانِي اقْتَصَرَ اللَّخْمِيُّ آخِرَ الشُّفْعَةِ. قَالَ لِأَنَّ الشَّرِيكَ لَا يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِ جَمِيعِهَا وَإِنْ فَسَدَ فِيهَا شَيْءٌ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُصْلِحُهُ مَعَهُ وَاخْتَارَ ابْنُ زَرْبٍ الْأَوَّلَ اللَّخْمِيُّ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا تَنْقَسِمُ جَازَ لَهُ الْحَبْسُ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَسَأَلَ ابْنُ حَبِيبٍ ابْنَ الْمَاجِشُونِ عَمَّنْ لَهُ شِرْكٌ فِي دُورٍ وَنَخْلٍ مَعَ قَوْمٍ فَتَصَدَّقَ بِحِصَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَوْلَادِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ صَدَقَةً مُحْبَسَةً وَمِنْهَا مَا يَنْقَسِمُ وَمِنْهَا مَا لَا يَنْقَسِمُ وَمِنْ الشُّرَكَاءِ مَنْ يُرِيدُ الْقِسْمَ؛
قَالَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ مَا انْقَسَمَ فَمَا أَصَابَ الْمُتَصَدِّقُ مِنْهَا فَهُوَ عَلَى التَّحْبِيسِ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ بِيعَ فَمَا أَصَابَ الْمُتَصَدِّقُ مِنْ الثَّمَنِ فِي حِصَّتِهِ اشْتَرَى بِهِ مَا يَكُونُ صَدَقَةً مُحْبَسَةً فِي مِثْلِ مَا سَبَّلَهَا فِيهِ الْمُتَصَدِّقُ وَاخْتُلِفَ هَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ انْتَهَى.
وَبَعْضُهُ فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَإِطْلَاقُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ إجَازَتَهُ فِي الشَّائِعِ كَقَوْلِهَا فِي آخِرِ الشُّفْعَةِ. قَالَ مَالِكٌ إنْ حَبَسَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي دَارٍ حَظَّهُ مِنْهَا عَلَى رَجُلٍ وَوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ فَبَاعَ شَرِيكُهُ حَظَّهُ مِنْهَا فَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِلْمُحْبِسِ عَلَيْهِمْ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْحَبْسِ فَيَجْعَلَهُ فِي مِثْلِ مَا جَعَلَ حَظَّهُ فِيهِ. اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَتْ الدَّارُ تَحْمِلُ الْقِسْمَ جَازَ الْحَبْسُ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى شَرِيكِهِ بِذَلِكَ إنْ كَرِهَ الْبَقَاءَ عَلَى الشَّرِكَةِ قَاسَمَ (قُلْت) هَذَا عَلَى أَنَّ الْقَسْمَ تَمْيِيزُ حَقٍّ وَعَلَى أَنَّهُ بَيْعٌ يُؤَدِّي إلَى بَيْعِ الْحَبْسِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَمْنُوعُ بَيْعُهُ مَا كَانَ مُعَيَّنًا لَا الْمَعْرُوضُ لِلْقَسْمِ لِأَنَّهُ كَالْمَأْذُونِ فِي بَيْعِهِ مِنْ مُحْبِسِهِ.
قَالَ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ فَلِلشَّرِيكِ رَدُّ الْحَبْسِ (قُلْت)
وَمِثْلُهُ فِي نَوَازِلِ الشَّعْبِيِّ. قَالَ وَإِنْ كَانَ عُلُوٌّ وَسُفْلٌ لِرَجُلَيْنِ فَلِرَبِّ الْعُلُوِّ رَدُّ تَحْبِيسِ ذِي السُّفْلِ لِأَنَّهُ إنْ فَسَدَ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُصْلِحُهُ وَلِرَبِّ السُّفْلِ رَدُّ تَحْبِيسِ ذِي الْعُلُوِّ لِلضَّرَرِ مَتَى وَهِيَ مِنْهُ مَا يُفْسِدُ سُفْلَهُ وَالْحَائِطُ كَالدَّارِ فِيمَا يَنْقَسِمُ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ (قُلْت) وَمِثْلُ إطْلَاقِهَا فِي تَحْبِيسِ الشَّرِيكِ فِي الدَّارِ وَقَعَ فِي رَسْمٍ كُتِبَ عَلَيْهِ ذِكْرُ حَقٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الشُّفْعَةِ فَتَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ رُشْدٍ بِحُكْمِ الشُّفْعَةِ وَأَعْرَضَ عَنْ حُكْمِ الْحَبْسِ الْمُشَاعِ وَلِابْنِ سَهْلٍ عَنْ ابْنِ زَرْبٍ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ لَهُ حِصَّةٌ فِي دَارٍ لَا تَنْقَسِمُ فَحَبَسَهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ تَحْبِيسُهُ لَا يَنْفُذُ وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ وَبِإِجَازَتِهِ أَقُولُ
ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ ثُمَّ قَالَ قُلْت فِي جَوَازِ تَحْبِيسِ مُشَاعِ رُبْعٍ وَرِثُوهُ مُشْتَرَكٌ فِيهِ مُطْلَقًا وَوَقَفَهُ عَلَى إذْنِ شَرِيكِهِ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ وَإِلَّا بَطَلَ ثَالِثُهَا يَجُوزُ مُطْلَقًا أَوْ يُجْعَلُ ثَمَنُ الْحَظِّ الْمُحْبَسِ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ مِثْلُ مَا حَبَسَهُ فِيهِ لِظَاهِرِهَا مَعَ ظَاهِرِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَنَصَّ ابْنُ زَرْبٍ عَنْ اللَّخْمِيِّ
وَالْمَذْهَبِ وَابْنُ حَبِيبٍ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَيَتَخَرَّجُ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ فِي الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ انْتَهَى.
وَأَقْوَى الْأَقْوَالِ الثَّانِي لِجَعْلِهِ اللَّخْمِيَّ الْمَذْهَبَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمُتَيْطِيُّ إنْ أَقَرَّ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بِتَحْبِيسِ رُبْعٍ نَفَذَ إقْرَارُهُ فِي حَظِّهِ فَقَطْ (قُلْت) مِثْلُهُ فِي النَّوَادِرِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ
وَظَاهِرُهُ نُفُوذُهُ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِهِ مُطْلَقًا فِي تَحْبِيسِ الْمُشَاعِ وَاضِحٌ وَعَلَى وَقْفِهِ عَلَى إذْنِ شَرِيكِهِ فِيهِ نَظَرٌ. قَالَ وَأَشَدُّ مَا عَلَى الْمُنْكِرِ الْحَلِفُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَنَّ الْمُحْبَسَ حُبِسَ عَلَيْهِمْ (قُلْت) يُرِيدُ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ الْعِلْمُ. قَالَ وَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْيَمِينِ لِأَنَّ الْحَبْسَ لَا يُمَلِّكُ مِلْكَ الْمَبِيعِ لِأَنَّ مَصِيرَهُ لِلْأَعْقَابِ وَالْمَرْجِعِ وَلَا يَحْلِفُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَوْ نَكَلَ إذَا رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ لَمْ يَبْطُلْ الْحَبْسُ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ فَهَذِهِ وُجُوهٌ تَمْنَعُ رَدَّ الْيَمِينِ فِي الْحَبْسِ وَالْبَاجِيُّ اخْتَلَفَ هَلْ عَلَى الْمُنْكِرِ يَمِينٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَبَعْضُهُمْ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ ابْنُ زَرْبٍ نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ حَبَسَ مَالًا وَثَبَتَ حَوْزُهُ فَادَّعَى بَعْضُ وَرَثَتِهِ أَنَّ الْحَبْسَ رَجَعَ إلَيْهِ وَسَكَنَ فِيهِ حَتَّى مَاتَ وَأَرَادَ تَحْلِيفَ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ فَقُلْت لَا يَمِينَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ عَصْرِنَا عَلَيْهِمْ الْيَمِينُ وَهُوَ عِنْدِي خَطَأٌ انْتَهَى.
وَقَوْلُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمَقَابِرُ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ ثُمَّ قَالَ يُرِيدُ بِالْمَقَابِرِ الْمُتَّخَذَةَ حَيْثُ يَجُوزُ اتِّخَاذُهَا سَمِعَ ابْنَ الْقَاسِمِ
ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ السَّمَاعِ مُخْتَصَرًا وَلْنَأْتِ بِالسَّمَاعِ مِنْ أَصْلِهِ وَنَصُّهُ وَسُئِلَ عَنْ فِنَاءِ قَوْمٍ كَانُوا يَرْمُونَ فِيهِ وَفِيهِ عَرْضٌ لَهُمْ ثُمَّ إنَّهُمْ غَابُوا عَنْ ذَلِكَ فَاُتُّخِذَ مَقْبَرَةً ثُمَّ جَاءُوا فَقَالُوا نُرِيدُ أَنْ نُسَوِّيَ هَذِهِ الْمَقَابِرَ وَنَرْمِيَ عَلَى حَالِ مَا كُنَّا نَرْمِي فَقَالَ مَالِكٌ
أَمَّا مَا قَدِمَ مِنْهَا فَأَرَى ذَلِكَ لَهُمْ
وَأَمَّا كُلُّ شَيْءٍ جَدِيدٍ فَلَا أُحِبُّ لَهُمْ دَرْسَ ذَلِكَ. ابْنُ رُشْدٍ أَفْنِيَةُ الدُّورِ الْمُتَّصِلَةِ بِطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَتْ بِمِلْكٍ لِأَرْبَابِ الدُّورِ كَالْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ الَّتِي لِأَرْبَابِهَا تَحْجِيرُهَا عَلَى النَّاسِ لِمَا لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الِارْتِفَاقِ بِهَا فِي مُرُورِهِمْ إذَا ضَاقَ الطَّرِيقُ عَنْهُمْ بِالْأَحْمَالِ وَشَبَهِهَا إلَّا أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِالِانْتِفَاعِ بِهَا فِيمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ الرَّمْيِ وَغَيْرِهِ فَمِنْ حَقِّهِمْ إذَا اُتُّخِذَتْ مَقْبَرَةً فِي مَغِيبِهِمْ أَنْ يَعُودُوا إلَى الِانْتِفَاعِ بِالرَّمْيِ فِيهَا إذَا قَدِمُوا إلَّا أَنَّهُ كَرِهَ لَهُمْ دَرْسَهَا إذَا كَانَتْ جَدِيدَةً مُسَنَّمَةً لَمْ تَدْرُسْ وَلَا عَفَتْ لِمَا فِي دَرْسِ الْقُبُورِ وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَأَنْ يَمْشِيَ أَحَدُكُمْ عَلَى الرَّضْفِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى قَبْرِ أَخِيهِ» وَقَالَ «إنَّ الْمَيِّتَ يُؤْذِيهِ فِي قَبْرِهِ مَا يُؤْذِيهِ فِي بَيْتِهِ» وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ إنَّمَا يُكْرَهُ دَرْسُهَا لِأَنَّهَا مِنْ الْأَفْنِيَةِ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ الْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ لَمْ يُكْرَهْ ذَلِكَ وَكَانَ لَهُمْ الِانْتِفَاعُ بِظَاهِرِهَا وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ وَارُوا فِي بَاطِنِهَا وَانْتَفِعُوا بِظَاهِرِهَا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ الْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ قَدْ دُفِنَ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ لَكَانَ مِنْ حَقِّهِمْ نَبْشُهُمْ مِنْهَا وَتَحْوِيلُهُمْ إلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ بِقَتْلَى أُحُدٍ لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ إجْرَاءَ الْعَيْنِ الَّتِي إلَى جَانِبِ أُحُدٍ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى فِي الْمَدِينَةِ مَنْ كَانَ لَهُ قَتِيلٌ فَلْيَخْرُجْ إلَيْهِ وَيَنْبُشُهُ وَلْيُحَوِّلْهُ. قَالَ جَابِرٌ فَأَتَيْنَاهُمْ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ رِطَابًا لَيِّنِينَ انْتَهَى.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي اسْتِدْلَالِهِ بِفِعْلِ مُعَاوِيَةَ نَظَرٌ لِأَنَّ قَتْلَى أُحُدٍ مَا أُقْبِرُوا إلَّا حَيْثُ جَازَ إقْبَارُهُمْ وَاسْتِدْلَالُهُ بِإِخْرَاجِهِمْ يُوهِمُ كَوْنَ الْقَبْرِ غَيْرَ حَبْسٍ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ فَعَلَهُ لِتَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ عَامَّةٍ حَاجِيَّةٍ حَسْبَمَا يَأْتِي فِي بَيْعِ الْحَبْسِ لِتَوْسِعَةِ جَامِعِ الْخُطْبَةِ وَلِابْنِ عَاتٍ سُئِلَ بَعْضُهُمْ أَيَجُوزُ حَرْثُ الْبَقِيعِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً دُونَ دَفْنٍ فِيهِ وَأَخْذُ تُرَابِهِ لِلْبِنَاءِ؟ قَالَ الْحَبْسُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَمَلَّكَ انْتَهَى. وَلَمْ يَظْهَرْ لِي فِي تَعْقِيبِ ابْنِ عَرَفَةَ وَجَلْبِهِ لِهَذَا الْكَلَامِ كَبِيرُ
فَائِدَةٍ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(صَحَّ وَقْفُ مَمْلُوكٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْوَقْفُ مَصْدَرًا: إعْطَاءُ مَنْفَعَةِ شَيْءٍ مُدَّةَ وُجُودِهِ، وَهُوَ اسْمًا: مَا أَعْطَيْت مَنْفَعَتَهُ مُدَّةَ وُجُودِهِ.
وَقَالَ شُرَيْحٌ: لَا حَبْسَ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ أَنَّهُ يُورَثُ.
قَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا تَكَلَّمَ شُرَيْحٌ بِبَلَدِهِ وَلَمْ يُرِدْ الْمَدِينَةَ فَيَرَى أَحْبَاسَ الصَّحَابَةِ وَيَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِيمَا لَمْ يُحِطْ بِهِ خُبْرًا
(ص) صَحَّ وَقْفُ مَمْلُوكٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ الشَّيْءَ الْمَمْلُوكَ يَصِحُّ وَقْفُهُ
وَيَلْزَمُ وَلَوْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَاكِمٌ وَأَرَادَ بِالْمَمْلُوكِ مَا تُمْلَكُ ذَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَجِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ وَكَلْبِ الصَّيْدِ وَنَحْوِهِ، وَوَقْفُ الْآبِقِ صَحِيحٌ وَيَدْخُلُ فِي الْمَمْلُوكِ الْعَقَارُ وَالْمُقَوَّمُ وَالْمِثْلِيُّ وَالْحَيَوَانُ وَالصِّحَّةُ فِي الْعُقُودِ تُرَتِّبُ آثَارَ الشَّيْءِ عَلَيْهِ وَعَبَّرَ بِصَحَّ دُونَ جَازَ لِأَجْلِ الْمُخْرَجَاتِ الْآتِيَةِ أَيْ صَحَّ وَنُدِبَ وَلَزِمَ وَوُقِفَ مِلْكُ الْغَيْرِ وَهِبَتُهُ وَصَدَقَتُهُ وَعِتْقُهُ بَاطِلٌ وَلَوْ أَجَازَهُ الْمَالِكُ
وَيَصِحُّ وَقْفُ الْمُشَاعِ إنْ كَانَ مِمَّا يَقْبَلُ الْقَسْمَ وَيُجْبَرُ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ إنْ أَرَادَ الشَّرِيكُ وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ وَبَيْعُ الْوَقْفِ لَا يَجُوزُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ لِشَرِيكِهِ الْبَيْعَ فَكَأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْبَلُ الْقَسْمَ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا قَوْلَانِ مُرَجَّحَانِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ يُجْبَرُ الْوَاقِفُ عَلَى الْبَيْعِ إنْ أَرَادَهُ الشَّرِيكُ وَيُجْعَلُ الثَّمَنُ فِي مِثْلِهِ وَهَلْ يُجْبَرُ أَمْ لَا قَوْلَانِ وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ.
(وَإِنْ بِأُجْرَةٍ) إلَى صِحَّةِ وَقْفِ الْمَنْفَعَةِ لِمَنْ لَا يَمْلِكُ الذَّاتَ أَيْ: وَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ بِأُجْرَةٍ وَأُسْنِدَ الْمِلْكُ لِلذَّاتِ لِمِلْكِ مَنَافِعِهَا أَوْ أَنَّ قَوْلَهُ مَمْلُوكٍ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ ذَاتًا أَوْ مَنْفَعَةً وَهَذَا مَا لَمْ تَكُنْ مَنْفَعَةُ حَبْسٍ لِتَعَلُّقِ الْحَبْسِ بِهَا وَمَا تَعَلَّقَ الْحَبْسُ بِهِ لَا يُحْبَسُ كَالْخَلَوَاتِ وَأَيْضًا هِيَ لَا تَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ مَمْلُوكٍ؛ إذْ الْمُرَادُ مَمْلُوكٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ
(قَوْلُهُ وَالصِّحَّةُ فِي الْعُقُودِ تُرَتِّبُ آثَارَ الشَّيْءِ عِلِّيّه) أَيْ: فَصِحَّةُ الْعَقْدِ تُرَتِّبُ أَثَرَهُ عَلَيْهِ أَيْ: مِنْ جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَصْدُوقَ الشَّيْءِ الْعَقْدُ فَإِذَنْ لَوْ قَالَ وَالصِّحَّةُ فِي الْعُقُودِ تُرَتِّبُ آثَارَهَا عَلَيْهَا لَكَانَ أَحْسَنَ
(قَوْلُهُ وَنُدِبَ إلَخْ) وَقَدْ تَعْرِضُ الْحُرْمَةُ أَوْ الْكَرَاهَةُ وَيَتَعَذَّرُ وُجُوبُهُ
(قَوْلُهُ وَوَقْفُ مِلْكِ الْغَيْرِ إلَخْ) هَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ سَالِمٌ وَأَفَادَ بَعْضُهُمْ كَمَا فِي ك أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ بِمَالِ الْغَيْرِ لَا نَبْغِي أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا كَالْبَيْعِ؛ إذْ لَا يَظْهَرُ فَرْقٌ قَائِلًا وَلَا يُغْتَرُّ بِظَاهِرِ الْعِبَارَةِ مِنْ التَّعْبِيرِ بِصَحَّ وَقْفُ مَمْلُوكٍ مِنْ أَنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّ وَقْفَ مِلْكِ الْغَيْرِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ صَحَّ وَقْفُ مَمْلُوكٍ صِحَّةً تَامَّةً بِحَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى شَيْءٍ اهـ. أَقُولُ وَهُوَ الظَّاهِرُ
(قَوْلُهُ فَكَأَنَّهُ أُذِنَ لَهُ فِيهِ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ لَهُ شَرِيكًا فَكَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَيْعِهِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ الْآتِي أَوْ أَنَّ مَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ بَاعَ
(قَوْلُهُ وَأُسْنِدَ الْمِلْكُ لِلذَّاتِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ مَمْلُوكٍ مَا يَشْمَلُ الذَّاتَ وَالْمَنْفَعَةَ وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ صَحَّ وَقْفُ مَمْلُوكٍ هَذَا إذَا كَانَ مَمْلُوكًا بِثَمَنٍ بَلْ وَلَوْ كَانَ مَمْلُوكًا بِأُجْرَةٍ فَالْمَمْلُوكُ بِالثَّمَنِ هُوَ الذَّاتُ وَالْمَمْلُوكُ بِالْأُجْرَةِ هِيَ الْمَنْفَعَةُ.
(قَوْلُهُ كَالْخَلَوَاتِ) أَيْ: الْمَنْفَعَةُ الَّتِي هِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالْخُلُوِّ مَوْقُوفَةٌ اعْلَمْ أَنَّ الْخُلُوَّ يُصَوَّرُ بِصُوَرٍ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ آيِلًا لِلْخَرَابِ فَيُكْرِيَهُ نَاظِرُ الْوَقْفِ لِمَنْ يُعَمِّرُهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْحَانُوتُ مَثَلًا يُكْرَى بِثَلَاثِينَ نِصْفَ فِضَّةٍ وَيُجْعَلُ عَلَيْهِ لِجِهَةِ الْوَقْفِ خَمْسَةَ عَشَرَ فَصَارَتْ الْمَنْفَعَةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا فَمَا قَابَلَ الدَّرَاهِمَ الْمَصْرُوفَةَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ هُوَ الْخُلُوُّ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ الْبَيْعُ وَالْوَقْفُ وَالْإِرْثُ وَالْهِبَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَيُقْضَى مِنْهُ الدَّيْنُ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَلَا يَسُوغُ لِلنَّاظِرِ إخْرَاجُهُ مِنْ الْحَانُوتِ وَلَوْ وُقِّعَ عَقْدُ الْإِيجَارِ عَلَى سِنِينَ مُعَيَّنَةٍ كَتِسْعِينَ سَنَةً وَلَكِنَّ شَرْطَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ رِيعٌ يُعَمَّرُ بِهِ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ لِمَسْجِدٍ مَثَلًا حَوَانِيتُ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ وَاحْتَاجَ الْمَسْجِدُ لِلتَّكْمِيلِ أَوْ عِمَارَةٍ وَيَكُونُ الدُّكَّانُ يُكْرَى مَثَلًا الشَّهْرُ بِثَلَاثِينَ نِصْفًا وَلَا يَكُونُ هُنَاكَ رِيعٌ يُكَمَّلُ بِهِ الْمَسْجِدُ أَوْ يُعَمَّرُ بِهِ فَيَعْمِدُ النَّاظِرُ إلَى السَّاكِنِ فِي الْحَوَانِيتِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ قَدْرًا مِنْ الْمَالِ يُعَمِّرُ بِهِ الْمَسْجِدَ وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ مَثَلًا فِي كُلِّ شَهْرٍ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْفَعَةَ الْحَانُوتِ الْمَذْكُورَةَ شَرِكَةٌ بَيْنَ صَاحِبِ الْخُلُوِّ وَالْوَقْفِ بِحَسْبِ مَا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْخُلُوِّ وَالنَّاظِرُ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا أَفْتَى بِهِ النَّاصِرُ كَمَا أَفَادَهُ عج الثَّالِثَةُ أَنْ تَكُونَ أَرْضٌ مُحْبَسَةٌ فَيَسْتَأْجِرُهَا مِنْ النَّاظِرِ وَيَبْنِي فِيهَا دَارًا مَثَلًا عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَهْرٍ لِجِهَةِ الْوَقْفِ ثَلَاثِينَ نِصْفَ فِضَّةٍ وَلَكِنَّ الدَّارَ تُكْرَى بِسِتِّينَ نِصْفَ فِضَّةٍ مَثَلًا فَالْمَنْفَعَةُ الَّتِي تُقَابِلُ الثَّلَاثِينَ الْأُخْرَى يُقَالُ لَهَا خُلُوٌّ وَإِذَا اشْتَرَكَ فِي الْبِنَاءِ الْمَذْكُورِ جَمَاعَةٌ وَأَرَادَ بَعْضُهُمْ بَيْعَ حِصَّتِهِ فِي الْبِنَاءِ فَلِشُرَكَائِهِ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ وَإِذَا حَصَلَ خَلَلٌ فِي الْبِنَاءِ فَفِي الصُّورَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ الْإِصْلَاحُ عَلَى النَّاظِرِ وَصَاحِبِ الْخُلُوِّ عَلَى قَدْرِ مَا لِكُلٍّ وَفِي الْأَخِيرَةِ عَلَى صَاحِبِ الْخُلُوِّ وَحْدَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْخُلُوَّ مِنْ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ لَا مِنْ مِلْكِ الِانْتِفَاعِ إذْ مَالِكُ الِانْتِفَاعِ يَنْتَفِعُ بِنَفْسِهِ فَقَطْ وَلَا يُؤَجِّرُ وَلَا يُوهِبُ وَلَا يُعِيرُ وَمَالِكُ الْمَنْفَعَةِ لَهُ تِلْكَ الثَّلَاثَةُ مَعَ انْتِفَاعِهِ بِنَفْسِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَالِكَ الِانْتِفَاعِ يَقْصِدُ ذَاتَه مَعَ وَصْفِهِ كَإِمَامٍ وَخَطِيبٍ وَمُدَرِّسٍ وُقِفَ عَلَيْهِ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ
بِخِلَافِ مَالِكِ الْمَنْفَعَةِ فَإِنَّمَا يَقْصِدُ بِهِ الِانْتِفَاعَ بِالذَّاتِ أَيْ مُنْتَفِعٌ كَمُسْتَعِيرٍ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ إعَارَتِهِ
ثُمَّ إنَّ مَنْ مَلَكَ الِانْتِفَاعَ وَأَرَادَ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ يُسْقِطُ حَقَّهُ مِنْهُ وَيَأْخُذُهُ الْغَيْرُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ حَيْثُ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ وَالْخُلُوُّ مِنْ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ فَلِذَلِكَ يُورَثُ وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْهُ،
وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ مُشَاهَرَةً وَالْإِجَارَةُ لِغَيْرِهِ فَلِذَلِكَ قَالَ عج وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُرْفَ عِنْدَنَا بِمِصْرَ أَنَّ الْأَحْكَارَ مُسْتَمِرَّةٌ لِلْأَبَدِ وَإِنْ عُيِّنَ فِيهَا وَقْتُ الْإِجَارَةِ مُدَّةً فَهُمْ لَا يَقْصِدُونَ خُصُوصَ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَالْعُرْفُ عِنْدَنَا كَالشَّرْطِ فَمَنْ احْتَكَرَ أَرْضًا مُدَّةً وَمَضَتْ فَلَهُ أَنْ يَبْقَى وَلَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي أَمْرَ الْوَقْفِ إخْرَاجُهُ نَعَمْ إنْ حَصَلَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَصْدِ عَلَى زَمَنِ الْإِجَارَةِ لَا عَلَى الْأَبَدِ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِذَلِكَ نَحْوَ أَنَّ مُدَّةَ الِاحْتِكَارِ كَذَا
وَكَذَا اهـ.
(تَنْبِيهٌ) : قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْخُلُوَّ اسْمٌ لِلْمَنْفَعَةِ الَّتِي جُعِلَ فِي مُقَابَلَتِهَا الدَّرَاهِمُ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ وَقْفَ الْأُجْرَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عج وَغَيْرِهِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا وَمُخَالَفَةُ عج لِغَيْرِهِ إنَّمَا هِيَ فِي وَقْفِ الْمَنْفَعَةِ وَالْحَقُّ مَعَ غَيْرِهِ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُحَقَّقَ أَنَّ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ بَعْضُهَا مَوْقُوفٌ وَبَعْضُهَا غَيْرُ مَوْقُوفٍ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْخُلُوِّ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ الْوَقْفُ
أَمَّا إنْ كَانَ لِذِمِّيٍّ خُلُوٌّ فِي وَقْفٍ لِمَسْجِدٍ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ وَقْفِهِ عَلَى كَنِيسَةٍ مَثَلًا قَطْعًا بِالْعَقْلِ وَالنَّقْلِ
(صَحَّ وَقْفٌ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْقَافِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْوَقْفُ مَصْدَرًا إعْطَاءُ مَنْفَعَةِ شَيْءٍ مُدَّةَ وُجُودِهِ لَازِمًا بَقَاؤُهُ فِي مِلْكِ مُعْطِيهَا وَلَوْ تَقْدِيرًا فَتَخْرُجُ عَطِيَّةُ الذَّاتِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْعُمْرَى وَالْعَبْدِ الْمُخَدَّمِ حَيَاتَهُ يَمُوتُ قَبْلَ مَوْتِ رَبِّهِ لِعَدَمِ لُزُومِ بَقَائِهِ فِي مِلْكِ مُعْطِيهِ، لِجَوَازِ بَيْعِهِ بِرِضَاهُ مَعَ مُعْطَاهُ. وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إعْطَاءُ مَنَافِعَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ يَبْطُلُ طَرْدُهُ بِالْمُخَدَّمِ حَيَاتَهُ وَلَا يُرَدُّ بِأَنَّ جَوَازَ بَيْعِهِ يَمْنَعُ انْدِرَاجَهُ تَحْتَ التَّأْبِيدِ؛ لِأَنَّ التَّأْبِيدَ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِعْطَاءِ، وَهُوَ صَادِقٌ عَلَى الْمُخَدَّمِ الْمَذْكُورِ لَا فِي لُزُومِ بَقَائِهِ فِي مِلْكِ مُعْطِيهِ، وَاسْمًا: مَا أُعْطِيت مَنْفَعَتُهُ مُدَّةً إلَخْ، وَصَرَّحَ الْبَاجِيَّ بِبَقَاءِ مِلْكِ الْمُحَبِّسِ عَلَى مُحَبَّسِهِ، وَهُوَ لَازِمُ تَزْكِيَةِ حَوَائِطِ الْأَحْبَاسِ عَلَى مِلْكِ مُحَبِّسِهَا.
وَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ التَّحْبِيسُ يُسْقِطُ مِلْكَ الْمُحَبِّسِ غَلَطٌ الْحَطّ يَخْرُجُ مِنْ حَدِّهِ الْحَبْسُ غَيْرُ الْمُؤَبَّدِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِجَوَازِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ مُدَّةَ وُجُودِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَبْسَ لَا يَكُونُ إلَّا مُؤَبَّدًا، وَإِطْلَاقُ الْحَبْسِ عَلَى غَيْرِ الْمُؤَبَّدِ مَجَازٌ عِنْدَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ، وَنَصَّهُ: الرِّوَايَاتُ وَارِدَةٌ بِإِطْلَاقِ لَفْظِ الْحَبْسِ عَلَى مَا حُبِسَ مُدَّةً يَصِيرُ بَعْدَهَا مِلْكًا، وَهُوَ مَجَازٌ. اهـ. وَعَلَى مَا ذَهَبَ هُوَ إلَيْهِ يَنْبَنِي قَوْلُهُ أَيْضًا لَازِمًا بَقَاؤُهُ إلَخْ، وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ لَازِمًا بَقَاؤُهُ: الْعَبْدَ الْمُخَدَّمَ حَيَاتَهُ يَمُوتُ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ؛
لِأَنَّهُ فِيهِ يَظْهَرُ قَوْلُهُ مُدَّةَ وُجُودِهِ.
وَأَمَّا إنْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ أَخْذُ أُمِّهِ وَيَرْجِعُ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، فَهُوَ خَارِجٌ حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِ مُدَّةَ وُجُودِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بَقِيَ أَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكُ انْتِفَاعٍ لَا مَنْفَعَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَهُوَ مَنْدُوبٌ مَمْلُوكٍ، [منح الجليل] إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَدَقَةٌ وَيَتَعَذَّرُ عُرُوضُ وُجُوبِهِ،
بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ وَفِيهِ تَنَافٍ ظَاهِرٌ، وَأَنَّهُ مِنْ الْمُوَاسَاةِ الَّتِي لِلْحِفْظِ مِنْ الْهَلَاكِ وَشَدِيدِ الْأَذَى،
وَيَجِبُ بِالنَّذْرِ وَبِالْحِنْثِ وَبِأَمْرِ مَنْ تَجِبُ طَاعَتُهُ أَمْرًا جَازِمًا.
وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ التَّحْبِيسُ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ عَمِلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمُونَ مِنْ بَعْدِهِ.
وَفِي اللُّبَابِ حُكْمُهُ الْجَوَازُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَحَقِيقَتُهُ لُغَةً: الْحَبْسُ، وَشَرْعًا: حَبْسُ عَيْنٍ لِمَنْ يَسْتَوْفِي مَنَافِعَهَا أَبَدًا.
النَّوَوِيُّ، وَهُوَ مِمَّا اخْتَصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ تَحْبِسْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فِيمَا عَلِمْت دَارًا وَلَا أَرْضًا تَبَرُّرًا بِتَحْبِيسِهَا، وَإِنَّمَا حَبَّسَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ بِنَاءُ قُرَيْشٍ الْكَعْبَةَ وَحَفْرَ بِئْرِ زَمْزَمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَبَرُّرًا، بَلْ فَخْرًا.
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، أَوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ» وَرَوَى الْبُخَارِيُّ «عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ أَصَابَ أَبِي أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَصَبْت أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا أَنْفَسَ مِنْهَا، فَكَيْفَ تَأْمُرنِي بِهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ شِئْت حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ» عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْغُرَبَاءِ وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ.
تت عَبَّرَ بِالْوَقْفِ كَابْنِ الْحَاجِبِ دُونَ الْحَبْسِ؛ لِأَنَّهُ أَصْرَحُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى التَّأْبِيدِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ لِقَرِينَةٍ قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَهُمَا سَوَاءٌ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ،
وَقَالَ شُرَيْحٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا حَبْسَ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى. ابْنُ يُونُسَ أَرَادَ أَنَّهُ يُورَثُ مَالِكٌ، تَكَلَّمَ شُرَيْحٌ بِبَلَدِهِ وَلَمْ يُرِدْ الْمَدِينَةَ فَيَرَى إحْبَاسَ الصَّحَابَةِ، وَيَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَمْ يُحِطْ بِهِ خُبْرًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} وَإِضَافَةُ وَقْفُ شَيْءٍ (مَمْلُوكٍ) لِوَاقِفِهِ أَوْ مُوَكِّلِهِ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ مِنْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ أَوْ حَانُوتٍ أَوْ قَنْطَرَةٍ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَوْ كِتَابٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ عَرَضٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَاحْتُرِزَ إنْ بِأُجْرَةٍ، [منح الجليل] بِهِ عَنْ وَقْفِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْغَزَالِيِّ ابْنُ عَرَفَةَ الْمُحَبَّسُ الْحَقِّيُّ الْأَرْضُ وَمَا تَعَلَّقَ بِهَا كَالدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْحَوَائِطِ وَالْآبَارِ وَالْمَقَابِرِ وَالطُّرُقِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَأَرَادَ بِالْمَقَابِرِ الْمُتَّخَذَةِ حَيْثُ يَجُوزُ اتِّخَاذُهَا.
سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ أُحْدِثَتْ قُبُورٌ بِفِنَاءِ قَوْمٍ كَانُوا يَرْمُونَ بِهِ فِي غَيْبَتهمْ ثُمَّ قَدِمُوا فَلَهُمْ تَسْوِيَةُ قَدِيمِهَا لِلرَّمْيِ عَلَيْهَا، وَلَا أُحِبُّ تَسْوِيَةَ جَدِيدِهَا. ابْنُ رُشْدٍ كَرِهَهُ فِي الْجَدِيدَةِ فِي الْأَفْنِيَةِ،
وَلَوْ كَانَتْ فِي الْأَمْلَاكِ الْمَحْجُورَةِ لَمْ يَكْرَهْهُ، وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَارُوا فِي بَطْنِهَا وَانْتَفِعُوا بِظَهْرِهَا. ابْنُ رُشْدٍ لَوْ دَفَنَ فِي الْأَمْلَاكِ الْمَحْجُورَةِ بِلَا إذْنِ رَبِّهَا لَكَانَ عَلَيْهِ تَحْوِيلُهُمْ إلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَفُعِلَ ذَلِكَ بِقَتْلَى أُحُدٍ لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إجْرَاءَ الْعَيْنِ الَّتِي بِجَانِبِ أُحُدٍ أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ مَنْ كَانَ لَهُ قَتِيلٌ فَلْيُخْرِجْهُ وَلْيُحَوِّلْهُ، قَالَ جَابِرٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ رِطَابًا يَنْتَقِعُونَ يَعْنِي شُهَدَاءَ أُحُدٍ.
قُلْت فِي اسْتِدْلَالِهِ بِفِعْلِ مُعَاوِيَةَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَتْلَى أُحُدٍ مَا أُقْبِرُوا إلَّا حَيْثُ جَازَ إقْبَارُهُمْ، وَاسْتِدْلَالُهُ بِإِخْرَاجِهِمْ يُوهِمُ كَوْنَ الْقَبْرِ غَيْرَ حَبْسٍ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ فَعَلَهُ لِتَحِلَّ مَنْفَعَةٌ عَامَّةٌ حَاجِبَةٌ حَسْبَمَا يَأْتِي فِي بَيْعِ الْحَبْسِ لِتَوْسِعَةِ جَامِعِ الْخُطْبَةِ. ابْنُ عَاتٍ سَأَلَ بَعْضُهُمْ أَيَجُوزُ حَرْثُ الْبَقِيعِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً دُونَ دَفْنٍ فِيهِ وَأَخْذِ تُرَابِهِ لِلْبِنَاءِ، فَقَالَ: الْحَبْسُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَمَلَّكَ ابْنُ سَهْلٍ أَفْتَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِالْمَشْيِ عَلَى أَسْنِمَةِ الْقُبُورِ «وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشُقُّ الْمَقَابِرَ عَلَى أَسْنِمَتِهَا لَا يَثِبُهَا» ،
وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمَشْيُ عَلَى الْمَقَابِرِ إنْ كَانَ لَهُ قَبْرٌ ضَرُورَةٌ وَيُؤْمَرُ بِالتَّحَفُّظِ مِنْ الْمَشْيِ عَلَيْهَا لِئَلَّا يَهْدِمَهَا وَلِلضَّرُورَةِ أَحْكَامٌ، وَأَقَرَّهُ ابْنُ سَهْلٍ، وَأَفْتَى بَعْضُ شُيُوخِنَا بَعْضَ أَهْلِ الْخَيْرِ فِي بِنَاءِ دَارٍ لَهُ وَجَدَ فِي بُقْعَةٍ مِنْهَا عِظَامَ آدَمِيٍّ يَكُونُ مَحَلُّهُ حَبْسًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَلَا بِهَوَائِهِ فَتَرَكَهُ وَهَوَاءَهُ بَرَاحًا.
الْبَاجِيَّ تَحْبِيسُ الرِّبَاعِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا فَإِنْ مُلِّكَ بِشِرَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ، بَلْ
صح وقف مملوك، يعني أن المملوك يصح وقفه
ويلزم وإن لم يجز بيعه كجلد الأضحية وكلب صيد وعبد آبق بل يندب، وعَبَّرَ بصح للتنبيه على قول أبي حنيفة: إنه لا يصح ولا يلزم في حال الحياة وهو ملكه يورث عنه، إلا أن يحكم حاكم بصحتة أو يعلقه على موته. كإذا مت فداري وقف على كذا، حكاه في الذخيرة،
وقيل: يجوز عنده ولا يلزم فيورث ويرجع عنده ويباع، ومنعه على قوله الأول لصدق السائبة عليه ولخروجه عن ملك واقفه ولم يملكه الموقوف عليه، وأجيب بأن السائبة كانت في عرف التخاطب اسما لشيء مخصوص فلا يتعدى لغيره، ولم يخرج عن ملك واقفه وعدم تصرفه فيه للحجر عليه في المنافع بسبب جعلها لغيره كالعمرى وهو مندوب إليه. اهـ. قاله التتائي.
وقال ابن رشد: والصحيح ما ذهب إليه مالك وجل أهل العلم من إجازة الحبس. اهـ. قاله الرهوني.
وقال التتائي: (وقد حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم [سبع (١) ] حوائط، وحبس أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر دورا وحوائط )، وبقي ذلك بعدهم. اهـ. والوقف والحبس لفظان مترادفان، قال التتائي: وهما عند ابن رشد وغيره سواء. انتهى.
وقال الرهوني: قال محمد بن أسعد بن زرارة: ما أعلم أحدا من المهاجرين والأنصار من الصحابة إلا وقد وقف من ماله حبسا، منهم عمر بن الخطاب وابن عمر وعثمان وطلحة والزبير وزيد بن ثابت وعمرو بن العاصي وعبد الله بن زيد وأبو طلحة وغيرهم، وجعلها عمر للسانل والمحروم، ولذي القربى،
وفي سبيل الله، وابن السبيل، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. اهـ. وقد قيل لمالك: إن شريحا لا يرى الحبس، فقال مالك: تكلم شريح ببلاده ولم يَرِد المدينة فيرى [داثر الأكابر] من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين بعدهم وهلم جرا إلى يوم القيامة، وما حبسوا من أموالهم، لا يطعن فيها طاعن، وهذه صدقات النبي صلى الله عليه وسلم سبعة حوائط، ولا ينبغي للمرء أن يتكلم إلا فيما أحاط به خبرا، وبهذا احتج مالك رحمه الله تعالى لما ناظره أبو يوسف بحضرة الرشيد، فقال: هذه أحباس رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقاته ينقلها الخلف عن السلف قرنا بعد قرن، فقال أبو يوسف: كان أبو حنيفة يقول: إنها غير جائزة، وأنا أقول: إنها جائزة، فرجع في الحال عن قول أبي حنيفة إلى الجواز، قال الباجي: وهذا فعل أهل الدين والعلم في الرجوع إلى الحق حين ظهر وتبين.
اهـ. تنبيهات: الأول: قال الشبراخيتي: قوله: صح
ويلزم إن وقع من مسلم،
وأما من الكافر فلا يلزمه وقفه اتفاقا ولو حِيزَ عنه، وله أن يرجع فيه متى شاء
بخلاف هبته وصدقته وعتقه. اهـ. المراد منه. الثاني: احترز بالمملوك من وقف الفضولي فإنه لا يصح كما يفيده كلام القرافي وغيره
بخلاف بيعه. قاله الشبراخيتي. الثالث: شمل قوله: مملوك المشاع، قال بناني: وقد حصل ابن عرفة في تحبيس المشاع ثلاثة أقوال، الأول: الجواز مطلقا لظاهر المدونة وظاهر سماع ابن القاسم ونص ابن زرب؛
والثاني: وقفه على إذن شريكه فيما لا ينقسم فإن أذن له وإلا بأن لم يأذن له بطل، لِلخمي عن المذهب،
والثالث الجواز مطلقا، ويجعل الحظ المحبس مما لا ينقسم في مثل ما حبسه فيه، لابن حبيب عن ابن الماجشون. اهـ. وعبارته تعطي أن الخلاف في جواز التحبيس من غير إذنه ابتداء، وكلام التوضيح وغيره صريح في أن محل الخلاف هو النفوذ بعد الوقوع والنزول،
وأما ابتداء فلا يجوز الإقدام على تحبيس ما لا ينقسم دون إذن الشريك، فانظره.
قال الشيخ سيدي عبد القادر الفاسي في جواب له بعد نقول: فإذا تقرر هذا فقول ابن الماجشون هو جواز الإقدام على تحبيس المشاع مطلقا انقسم أم لا، وعدم التوقف على إذن الشريك،
فإن رضي الشريك بذلك [فظاهر فإنه] يبقى شريكا للحبس أو يبيع وحده أيضا على الإشاعة إن شاء،
وإن لم يرض بيع ويجبر على جعل الثمن بمثله، وعلى هذا القول استمر عمل فاس، ونفذت به أحكام قضاتها، ثم إنه يطلب في بيعه استقصاء الثمن، ولعل ما يفعله الناس من تقويمه أرباب البصر إنما هو محافظة على استقصائه. والله أعلم. اهـ.
وقال الحطاب: وظاهر كلامه يعني المص سواء كان مشاعا أو غير مشاع، فيصح في العقار المملوك من الأرض والديار والحوانيت والحوائط والمساجد والمصانع والآبار والقناطر والمقابر والطرق، شائعا وغيره. اهـ.
وقال عبد الباقي: صح وقف مملوك ولو كان المملوك شائعا فيما يقبل القسم، وأجبر عليه الواقف إن أراده الشريك،
وفي صحته فيما لا يقبل القسم وعدم صحته قولان مرجحان، وعلى الصحة يجبر المواقف على البيع إن أراده شريكه، ويجعل الواقف ثمن حصته في مثل وقفه، وهل يجبر أم لا؟ قولان. وظاهر قوله: مملوك ولو تعلق به حق لغير مالكه كمرهون ومؤجر بالفتح حيث أراد المالك بوقفهما الآن أنه بعد خلاصهما من الرهن والإجارة وهو كذلك لأنه لا يشترط التنجيز كما سيذكره،
فإن أراد بوقف ذلك من الآن مع كونه مستأجرا أو مرهونا لم يصح لمتعلق حق الغير بهما. الرابع: اعلم أن أركان الوقف أربعة، الأول: العين الموقوفة وإليه أشار بقوله مملوك. الثاني الواقف وأسقطه هناك اتكالا على ذكره للواهب في باب الهبة بقوله: من له تبرع بها فإن الباب باب واحد. الثالث: الموقوف عليه وإليه أشار بقوله: على أهل التملك. الرابع: الصيغة، وهي المشار إليها بقوله: بحبست لخ، وهل يشترط في صحة الوقف أن يقع على ذات موجودة حين العقد أم لا؟
أفتى الشيخ الجيزي بأن من التزم ما يبنيه بالمحل الفلاني فهو وقف ثم بنى فيه يلزمه ما التزمه ولا يحتاج لإنشاء وقف لذلك. انظر الخرشي. الخامس: قال الخرشي: اللخمي: يجوز تحبيس العلو بغير إذن صاحب السفل إذ لا ضرر عليه فيه،
ولا يجوز تحبيس السفل إلا بإذن صاحب العلو لما يدخل عليه من الضرر عند طلب الإصلاح، ونقل ابن عرفة أنه ليس لأحدهما أن يحبس نصيبه إلا بإذن صاحبه سفلا أو علوا. اهـ.
وإن بأجرة، أي يصح وقف المملوك كان المملوك ذاتا أو منفعة كما لو ملك منفعة دار مثلا بأن استأجرها من مالكها فإنه يصح أن يقف منفعة تلك الذات المستأجرة، قال الخرشي: المشهور أنه يصح وقف المعين المؤجرة مدة استيجارها وبعد ذلك ترجع ملكا لمالكها ويرجع النقض للذي بناه. انتهى.
وقوله: وإن بأجرة، اعلم أن في المسألة خلافا فقد اقتصر ابن الحاجب على المنع. والله تعالى أعلم.
قال عبد الباقي: وإن كان الملك المدلول عليه بالملوك بأجرة لكدار يقف ماله فيها من منفعة الإجارة وينقضي الوقف بانقضائها لأنه لا يشترط فيه التأبيد، ويرد على قوله: مملوك تحبيس السلاطين على الخيرات مع عدم ملكهم ما حبسوه كما في ابن عرفة،
وإن كان الأحوط تجنبه كما قال سحنون.
وفي التتائي عند قوله: وإن كان على محجوره عن الذخيرة: إن وقفوا على مدرسة أكثر مما يحتاج إليه بطل فيما زاد فقط لأنهم معزولون عن التصرف إلا على وجه المصلحة والزائد لا مصلحة فيه. اهـ. قوله: ويرد على قوله مملوك لخ، قال بناني: هذا لا يرد على المص لأن السلطان وكيل على المسلمين وهو كوكيل المواقف، وما ذكره ابن عرفة من صحة تحبيسهم استنبطه من سماع محمد بن خالد، لكن تأوله القرافي على ما حبسه الملوك معتقدين فيه أنهم وكلاء لا مالكون،
فإن حبسوه على وجه من وجوه الخير معتقدين أنه ملكهم بطل تحبيسهم وَرُدَّ مطلقا، وبذلك أفتى العبدوسي ونقله ابن غازي في التكميل. انظره. والله أعلم. اهـ.
وقال الشبراخيتي: وأشار بقوله: وإن كان بأجرة إلى صحة وقف المنفعة لمن لم يملك الذات، وهذا ما لم يكن منفعةَ حبس.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.