وكره تملك صدقة بغير ميراث
الشروح عليها
(وَكُرِهَ) لِلْمُتَصَدِّقِ (تَمَلُّكُ صَدَقَةٍ) بِهِبَةٍ أَوْ بِصَدَقَةٍ، أَوْ بِبَيْعٍ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ مُتَصَدَّقٍ عَلَيْهِ، أَوْ مِمَّنْ وَصَلَّتْ لَهُ مِنْهُ وَلَوْ تَعَدَّدَ وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ " تَمَلُّكُ " بِقَصْدِ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ (بِغَيْرِ مِيرَاثٍ) لَيْسَ بِدَاخِلٍ حَتَّى يُخْرِجَهُ لَكِنَّهُ قَصَدَ مَزِيدَ الْإِيضَاحِ بِالتَّصْرِيحِ وَاحْتَرَزَ بِالصَّدَقَةِ عَنْ الْهِبَةِ فَيَجُوزُ تَمَلُّكُهَا عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَكَمَا يُكْرَهُ تَمَلُّكُ الذَّاتِ يُكْرَهُ تَمَلُّكُ الْغَلَّةِ كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَكُرِهَ تَمَلُّكُ صَدَقَةٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا وَهُوَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالتَّوْضِيحِ وَقَالَ الْبَاجِيَّ وَجَمَاعَةٌ بِالتَّحْرِيمِ وَارْتَضَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِتَشْبِيهِهِ بِأَقْبَحِ شَيْءٍ وَهُوَ الْكَلْبُ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ
وَلَمَّا «أَرَادَ عُمَرُ شِرَاءَ فَرَسٍ تَصَدَّقَ بِهَا نَهَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ لَا تَشْتَرِهِ وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ فِي قَيْئِهِ» وَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ إنَّهُ مَثَّلَ بِغَيْرِ مُكَلَّفٍ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُرْمَةٌ شَنَّعَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ إنَّهُ لَيْسَ الْقَصْدُ التَّشْبِيهَ بِالْكَلْبِ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ تَكْلِيفِهِ بَلْ الذَّمُّ وَزِيَادَةُ التَّنْفِيرِ وَالذَّمُّ عَلَى الْفِعْلِ وَالتَّنْفِيرُ عَنْهُ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَتِهِ اهـ بْن وَقَوْلُهُ: تَمَلُّكُ صَدَقَتِهِ أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ وَاجِبَةً كَالزَّكَاةِ وَالْمَنْذُورَةِ، أَوْ كَانَتْ مَنْدُوبَةً.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ تَعَدَّدَ) أَيْ مَنْ وَصَلَتْ إلَيْهِ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَرَاهَةُ تَمَلُّكِ الْمُتَصَدِّقِ لِلصَّدَقَةِ وَلَوْ تَدَاوَلَتْهَا الْأَمْلَاكُ.
(قَوْلُهُ: وَاحْتَرَزَ بِالصَّدَقَةِ عَنْ الْهِبَةِ إلَخْ) أَيْ وَاحْتَرَزَ أَيْضًا بِغَيْرِ الْمِيرَاثِ عَنْ مِلْكِهَا بِهِ فَلَا كَرَاهَةَ وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَكُرِهَ تَمَلُّكُ صَدَقَةٍ الْعَرِيَّةِ لِقَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَرُخِّصَ لِمُعْرٍ وَقَائِمٍ مَقَامَهُ اشْتِرَاءُ ثَمَرَةٍ تَيْبَسُ وَالْغَلَّةِ الْمُتَصَدَّقِ بِهَا دُونَ الذَّاتِ فَلَهُ شِرَاؤُهَا كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ مَالِكٍ فَإِذَا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِخِدْمَةِ عَبْدٍ، أَوْ سُكْنَى دَارٍ شَهْرًا مَثَلًا فَلَهُ شِرَاءُ تِلْكَ الْخِدْمَةِ وَالسُّكْنَى وَفِي مُعِينِ الْحُكَّامِ يَجُوزُ لِلْمُعْمِرِ، أَوْ وَرَثَتِهِ أَيْ كُلِّهِمْ أَنْ يَبْتَاعُوا مِنْ الْمُعْمَرِ بِالْفَتْحِ مَا أُعْمِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ حَيَاةَ الْمُعْمَرِ؛
لِأَنَّهَا مِنْ الْمَعْرُوفِ إلَّا أَنْ تَكُونَ مُعَقَّبَةً فَيُمْنَعَ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ وَرَثَةِ الْمُعْمِرِ بِالْكَسْرِ أَنْ يَشْتَرِيَ قَدْرَ مِيرَاثِهِ مِنْهَا لَا أَكْثَرَ اهـ وَلَا يُقَالُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ جَوَازِ شِرَاءِ الْغَلَّةِ الْمُتَصَدَّقِ بِهَا يُعَارِضُ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ الْآتِيَ " وَلَا يَرْكَبُهَا الْمُفِيدَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْغَلَّةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الْآتِي فِي هِبَةِ الذَّاتِ وَكَلَامُنَا فِي هِبَةِ الْغَلَّةِ فَقَطْ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ أَيْضًا التَّصَدُّقُ بِالْمَاءِ عَلَى مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ؛
لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْفُقَرَاءَ فَقَطْ بَلْ هُمْ وَالْأَغْنِيَاءَ كَمَا لِبَعْضِ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ وَفِي ح نَقْلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ مَالِكٌ إذَا خَرَجْت لِلسَّائِلِ بِالْكِسْرَةِ، أَوْ بِالدِّرْهَمِ فَلَمْ تَجِدْهُ أَرَى أَنْ تُعْطِيَهُ لِغَيْرِهِ تَكْمِيلًا لِلْمَعْرُوفِ وَإِنْ وَجَدْته وَلَمْ يَقْبَلْ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْأَوَّلِ لِتَأْكِيدِ الْعَزْمِ بِالدَّفْعِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ لَهُ أَكْلُهَا فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ لَا يَجُوزُ أَكْلُهَا مُطْلَقًا
وَقِيلَ يَجُوزُ مُطْلَقًا وَقِيلَ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا جَازَ لَهُ أَكْلُهَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَلَا يَجُوزُ
وَأَمَّا إنْ وَجَدَهُ وَقَبِلَهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِهِ مِنْ لُزُومِ التَّصَدُّقِ بِهَا وَعَدَمِ جَوَازِ أَكْلِ مُخْرِجِهَا لَهَا.
(قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ تَمَلُّكُهَا) أَيْ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِشِرَاءٍ، أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَيْ
وَأَمَّا الْعَوْدُ فِيهَا مَجَّانًا قَهْرًا عَنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لِغَيْرِ الْأَبِ.
فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْعَوْدُ فِي الْهِبَةِ مَجَّانًا مَعَ أَنَّ الْمَشْهُورَ لُزُومُهَا بِالْقَوْلِ؟ قُلْت يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا شَرَطَ الْوَاهِبُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ الْأَجْنَبِيِّ الِاعْتِصَارَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ.
ص (وَكُرِهَ تَمْلِيكُ صَدَقَةٍ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ) ش: يُرِيدُ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّمْلِيكِ إلَّا بِإِرْثٍ وَإِنْ تَدَاوَلَتْهَا الْأَمْلَاكُ وَلَا يَشْتَرِيهَا مِنْ فَقِيرٍ، وَاحْتُرِزَ بِالصَّدَقَةِ مِنْ الْهِبَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَكُرِهَ تَمَلُّكُ صَدَقَةٍ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَشْتَرِي الرَّجُلُ صَدَقَتَهُ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ. مُحَمَّدٌ: وَلَا تَرْجِعُ إلَيْهِ بِاخْتِيَارٍ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ تَدَاوَلَتْهُ أَمْلَاكٌ وَمَوَارِيثُ، وَاخْتُلِفَ هَلْ النَّهْيُ عَلَى النَّدْبِ أَوْ الْوُجُوبِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَهَا.
وَقَالَ: يُكْرَهُ. وَظَاهِرُ الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. اللَّخْمِيِّ: وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ لِأَنَّ الْمَثَلَ ضُرِبَ لَنَا بِمَا لَيْسَ بِحَرَامٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: التَّعْلِيلُ يَدُلُّ عَلَى ذَمِّ الْفَاعِلِ بِتَشْبِيهِهِ بِالْكَلْبِ الْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ وَالذَّمُّ عَلَى الْفِعْلِ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَتِهِ.
وَقَالَهُ عِزُّ الدِّينِ وَلِبُعْدِ اللَّخْمِيِّ عَنْ ذِكْرِ قَوَاعِدِ أُصُولِ الْفِقْهِ قَالَ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَرُجُوعُهَا بِالْإِرْثِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ جَبْرٌ.
(ص) وَكُرِهَ تَمَلُّكُ صَدَقَةٍ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ عَوْدَ الصَّدَقَةِ إلَى مِلْكِ مَنْ تَصَدَّقَ بِهَا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَاحْتُرِزَ بِالصَّدَقَةِ مِنْ الْهِبَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ مِمَّا إذَا عَادَتْ لَهُ بِمِيرَاثٍ فَإِنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ لِانْتِفَاءِ السَّبَبِيَّةِ فِيهِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ الْعَرِيَّةُ كَمَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ وَرُخِّصَ لِمُعْرٍ وَقَائِمٍ مَقَامَهُ اشْتِرَاءُ ثَمَرَةٍ تَيَبَّسَ إلَخْ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ تَمَلُّكُ صَدَقَةٍ) ظَاهِرُهُ لَوْ تَدَاوَلَتْهَا الْأَمْلَاكُ
(قَوْلُهُ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ) أَيْ ذَاتِهَا أَوْ مَنْفَعَتِهَا.
(قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا إلَخْ) أَيْ: يَجُوزُ تَمَلُّكُهَا بِعِوَضٍ،
وَأَمَّا الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَيُكْرَهُ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْأُمِّ أَيْ وَالْفَرْضُ أَنَّ ذَلِكَ مَعَ الرِّضَا
(قَوْلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ) وَمُقَابِلُهُ لِعَبْدِ الْوَاهِبِ يُكْرَهُ لَهُ أَيْضًا أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا كَالصَّدَقَةِ وَهُوَ أَسْعَدُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ
(قَوْلُهُ فَإِنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ) أَيْ: فِي الْعَوْدِ بِالْمِيرَاثِ لَمْ يَقُلْ فَلَا كَرَاهَةَ فِي التَّمَلُّكِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنَّفِ؛ لِأَنَّ التَّمَلُّكَ يُشْعِرُ بِالِاخْتِيَارِ وَالْعَوْدُ بِمِيرَاثٍ لَيْسَ فِيهِ اخْتِيَارٌ فَيَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ حِينَئِذٍ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ بَعْدَ أَنْ عَبَّرَ بِالتَّمَلُّكِ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّمَلُّكِ الِاسْتِمْرَارُ أَيْ: اسْتِمْرَارُ الصَّدَقَةِ تَحْتَ يَدِ الْمُصَدِّقِ
(قَوْلُهُ وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْعَرِيَّةُ) أَيْ إذَا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّدَقَةِ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَرِيَّةَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ يَجُوزُ تَمَلُّكُهَا وَأَوْلَى إذَا وَقَعَتْ عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ
وَمِثْلُهَا الْعُمْرَى فَيَجُوزُ لِلْمُعَمِّرِ شِرَاؤُهَا وَمَنْ سَبَّلَ مَاءَ عَلَى مَسْجِدٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ وَمَنْ أَخْرَجَ كِسْرَةً لِسَائِلٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ذَهَبَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا
وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ وَقَالَ غَيْرُهُ يَجُوزُ أَكْلُهَا وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا كَانَ مُعَيَّنًا وَلَمْ يَجِدْهُ أَوْ لَمْ يَقْبَلْهَا وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ.
(وَكُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (تَمَلُّكُ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْمِيمِ وَضَمِّ اللَّامِ مُثَقَّلَةً (صَدَقَةٍ) لِلْمُتَصَدَّقِ بِهَا (بِغَيْرِ مِيرَاثٍ) كَشِرَاءٍ أَوْ قَبُولِ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ فَلَا يُكْرَهُ تَمَلُّكُهَا بِمِيرَاثٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ اخْتِيَارِيًّا وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ «عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ جَوَادٍ عَلَى رَجُلٍ فَلَمْ يَقُمْ بِحَقِّهِ فَاسْتَشَارَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شِرَائِهِ مِنْهُ، وَقَالَ عُمَرُ إنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَشْتَرِهِ وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ الْعَائِدُ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» .
وَلَا يَرْكَبُهَا أَوْ يَأْكُلُ مِنْ غَلَّتِهَا، وَهَلْ إلَّا أَنْ يَرْضَى الِابْنُ الْكَبِيرُ بِشُرْبِ اللَّبَنِ؟
[منح الجليل] فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَا يَشْتَرِي الرَّجُلُ صَدَقَتَهُ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ، مُحَمَّدٌ لَا تَرْجِعُ بِاخْتِيَارٍ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ تَدَاوَلَتْهَا الْأَمْلَاكُ وَالْمَوَارِيثُ. اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ هَلْ النَّهْيُ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ التَّحْرِيمِ؟ فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَهَا
وَيُكْرَهُ وَظَاهِرُ الْمَوَّازِيَّةِ لَا يَجُوزُ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْمَثَلَ ضُرِبَ لَنَا بِمَا لَيْسَ بِحَرَامٍ. ابْنُ عَرَفَةَ التَّعْلِيلُ يَدُلُّ عَلَى ذَمِّ الْفَاعِلِ بِتَشْبِيهِهِ بِالْكَلْبِ الْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ وَالذَّمُّ عَلَى الْفِعْلِ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَتِهِ. عِزُّ الدِّينِ لِبُعْدِ اللَّخْمِيِّ عَنْ قَوَاعِدِ أُصُولِ الْفِقْهِ، قَالَ مَا ذَكَرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَرُجُوعُهَا بِالْإِرْثِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ جَبْرٌ. ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ لَا يَجُوزُ الْحُرْمَةُ، وَهُوَ لَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ وَسَمَاعُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَبَّرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْمَشْهُورِ بِالْكَرَاهَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ عِيسَى غَيْرَ لَفْظِ لَا يَجُوزُ.
وكره تملك صدقة بغير ميراث، قال الخرشي: يعني أن عود الصدقة إلى ملك من تصدق بها ببيع أو هبة أو صدقة أو غير ذلك مكروه، واحترز بالصدقة من الهبة فإنه يجوز أن يتملكها على المشهور، واحترز بقوله: بغير ميراث مما إذا عادت إليه بميراث فإنه لا كراهة فيه لانتفاء التسبب فيه، ويستثنى من كلام المؤلف العرية كما مر في قوله ورخص لمعر وقائم مقامه اشتراء ثمرة تيبس، لخ. اهـ.
وقال عبد الباقي: وكره تملك صدقة ببيع أو هبة أو صدقة أو نحو ذلك واجبة أم لا من متصدق عليه أو ممن وصلت له منه ولو تعدد، وأشعر قوله تملك بقصد ذلك، فقوله: بغير ميراث غير داخل حتى يخرجه إلا على ضرب من التجوز، واحترز بالصدقة عن الهبة فيجوز تملكها على المشهور،
وأما العود فيها فمكروه لغير الأب كما مر، وبغير الميراث عن ملكها به فلا كراهة، ويستثنى من قوله كره، لخ، الغلة المتصدق بها دون الذات فله شراؤها. نقله ابن عرفة عن ملك وأصحابه، وما يأتي من قوله: ولا يركبها، لخ، في هبة الذات والعارية لقوله فيما تقدم: ورخص لمعمر وقائم مقامه اشتراء ثمرة تيبس والعمرى،
ففي أحمد عن معين الحكام: ويجوز للمعمر أو ورثته أي كلهم أن يبتاعوا من المعمَر بالفتح ما أعمر له وإن كان حياة المعمر لأنها من المعروف، إلا أن تكون معقبة فيمنع، ولكل واحد من ورثة العمر بالكسر أن يشتري قدر ميراثه منها لا أكثر. اهـ. ويستثنى منه أيضا تصدق بالماء على مسجد أو غيره فله أن يشرب منه لأنه لم يقصد به الفقراء فقط بل هم والأغنياء كما لبعض شراح الرسالة،
وفي العلمي عليها: من أخرج كسرة لسائل فلم يجده فلابن رشد إن كان معينا أكلها مخرجها وإلا فلا،
وفي النوادر: إن أخرجها له فلم يقبلها فليعطها لغيره وهو أشد من الذي لم يجده اهـ قوله
وأما العود فيها فمكروه، لخ، تأمل العود فيها كيف يتصور مع أن المشهور لزومها بالقول.
وقال بعضهم: يتصور فيما إذا أسقط الوهوب له حقه من الطلب، قال بناني: وقوله: ويستثنى الغلة المتصدق بها، يعني كالإخدام وما يذكره بعد من العرية والعمرى، ولعل الفرق بين صدقة الذات وصدقة المنفعة أنه في المنفعة تكون الرقبة على ملكه وهو لا يأمن عليها من تفريط المتصدق عليه فيها فتهلك أو تتغير. والله أعلم. اهـ.
وقال المواق عند قوله: وكره تملك صدقة بغير ميراث، من المدونة قال ملك: لا يشتري الرجل صدقته من المتصدق عليه ولا من غيره. محمد: ولا ترجع إليه باختيار من شراء أو غيره وإن تداولته أملاك وميراث واختلف هل النهي على الندب أو الوجوب؟ فقال ملك: لا ينبغي أن يشتريها.
وقال: يكره. وظاهر الموازية أنه لا يجوز. اللخمي: والأول أحسن لأن المثل ضرب لنا بما ليس بحرام. ابن عرفة: التعليل يدل على ذم الفاعل وشبهه بالكلب العائد في قيئه، والذم على الفعل يدل على حرمته، ورجوعها بالإرث جائز اتفاقا لأنه جبري. اهـ.
وقال بناني عند قوله: وكره تملك صدقة بغير ميراث، عبارة ابن الحاجب: لا ينبغي. ولفظ المدونة والموازية وسماع ابن القاسم: لا يجوز. اللخمي: اختلف هل النهي على الندب أو الوجوب؟ والأول أحسن. ابن عبد السلام والتوضيح: المشهور أنه على الكراهة. ابن عرفة: وفيه نظر،
وقال قبله: التعليل يدل على ذم الفاعل لتشبيهه بالكلب العائد في قيئه والذم على الفعل يدل على حرمته. وقاله عز الدين. التوضيح: ظاهر المدونة الكراهة لقوله في باب الزكاة: وأكره للرجل شراء صدقته، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم لعمر في الفرس الذي نصدق به (لا تشتره ولو أعطاكه بدرهم واحد فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه) . والحديث في الموطإ والبخاري وغيرهما. الباجي: المذهب أن كل ارتجاع يكون باختياره فهو ممنوع كالابتياع، فتحصل أن المذهب عند اللخمي وابن عبد السلام والتوضيح الكراهة، وعند الباجي وابن عرفة التحريم.
والله أعلم. وقد مر قول عبد الباقي عن ملك وأصحابه: استثناء الغلة المتصدق بها. قال الرهوني: ابن عرفة نقله عن الصقلي لكنه استثنى فقال: قاله ملك وأصحابه إلا عبد الملك،
ومثله للخمي إلا أنه اختار قول عبد الملك،
وقال الأبي بعد كلام: الذي تلخص من جميع ما ذكر أنه اختلف في شراء الصدقة بالكراهة والتحريم والجواز، وأنه اختلف في إلحاق الهبة بالصدقة، وزعم ابن عبد السلام أن المشهور في شراء الصدقة الكراهة،
وأن المشهور عدم إلحاق الهبة بالصدقة،
وإذا وقع شراء الصدقة فعلى القول بالكراهة لا يفسخ وعلى قول الداوودي بالحرمة يفسخ،
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يفسخ. وقول بناني: فتحصل أن المذهب عند اللخمي. لخ. يفيد أن القولين متساويان مع أن أبا علي رجح الكراهة قائلا ما نصه: وليس اعتمادنا في هذا على تشهير ابن عبد السلام فقط، بل جل كلام الناس على هذا ولذلك نقلناه. اهـ.
وقال الحطاب: واحترز بالصدقة من الهبة فإنه يجوز له أن يتملكها على المشهور.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.