أَوْ مَبْتُوتَةٍ وَإِنْ بِعِدَّةٍ
الشروح عليها
(أَوْ) إتْيَانَ (مَبْتُوتَةٍ) لَهُ (وَإِنْ) وَطِئَهَا (بِعِدَّةٍ) أَيْ فِي عِدَّتِهَا مِنْهُ بِنِكَاحٍ وَأَوْلَى بِلَا نِكَاحٍ أَوْ بَعْدَ الْعِدَّةِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: أَوْ مَبْتُوتَةٍ) أَيْ مُطَلَّقَةٍ بِلَفْظِ الْبَتِّ
وَكَذَا بِلَفْظِ ثَلَاثًا فِي مَرَّةٍ أَوْ مَرَّاتٍ بِدَلِيلِ الْمُقَابِلِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بَعْدَ الْعِدَّةِ) أَيْ بِنِكَاحٍ أَوْ بِدُونِهِ
ص (أَوْ مَبْتُوتَةً وَإِنْ بِعِدَّةٍ، وَهَلْ وَإِنْ بَتَّ فِي مَرَّةٍ؟ تَأْوِيلَانِ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَلْبَتَّةَ أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ وَطِئَهَا دُونَ عَقْدٍ أَوْ عَقَدَ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَوَطِئَهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ سَوَاءٌ وَقَعَ ذَلِكَ وَهِيَ فِي عِدَّةٍ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِ الْعِدَّةِ. يُرِيدُ إذَا كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ
وَأَمَّا إنْ كَانَ يَجْهَلُ التَّحْرِيمَ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ، كَمَا سَيَقُولُهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدُ فِي قَوْلِهِ، أَوْ الْحُكْمَ إنْ جَهِلَ مِثْلُهُ فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إلَى جَمِيعِ مَا ذُكِرَ أَنَّهُ يُحَدُّ فِيهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرُهُ أَعْنِي رُجُوعَهُ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ هَذَا بِلَا عَقْدٍ فَإِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ أَوْ مُطَلَّقَةً قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ مُعْتَقَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ وَلَا يَرْجِعُ لِمَسْأَلَةِ الْمَبْتُوتَةِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَمَّا لَوْ وَطِئَ بِالْمِلْكِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ أَوْ نَكَحَ الْمُحَرَّمَةَ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ مُؤَبَّدٍ وَطِئَهَا أَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ وَوَطِئَهَا أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ وَاحِدَةً، ثُمَّ وَطِئَهَا بِغَيْرِ تَزْوِيجٍ أَوْ أَعْتَقَ أَمَةً ثُمَّ وَطِئَهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُهُ: أَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا. ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الثَّلَاثِ أَوْ الْبَتَّةِ وَسَوَاءٌ كَانَ الثَّلَاثُ مُجْتَمِعَاتٍ أَوْ مُتَفَرِّقَاتٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ أَصْبَغُ فِي الْبَتَّةِ لَا يُحَدُّ؛ عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِي الْبَتَّةِ هَلْ هِيَ وَاحِدَةٌ أَمْ لَا؟
وَقَالَ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا مِثْلَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ. إلَّا أَنَّهُ
قَالَ فِي الْجَاهِلِ لَا يُحَدُّ اسْتِحْسَانًا وَتَأَوَّلَ صَاحِبُ تَهْذِيبِ الطَّالِبِ قَوْلَهُ فِي الثَّلَاثِ عَلَى أَنَّهَا مُتَفَرِّقَاتٌ
قَالَ: وَأَمَّا إنْ كَانَتْ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ فَلَا حَدَّ؛ عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ عَلَى أَصْبَغَ، ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الثَّلَاثِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُفْتَرِقَاتٍ أَوْ مُجْتَمِعَاتٍ لِضَعْفِ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِإِلْزَامِهِ الْوَاحِدَةَ فِي الثَّلَاثِ وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ.
وَأَمَّا الْجَاهِلُ بِالْحُكْمِ فَلَا كَمَا سَيَأْتِي مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اهـ. كَلَامُ التَّوْضِيحِ وَتَحَصَّلَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا مُتَفَرِّقَاتٍ ثُمَّ وَطِئَهَا دُونَ عَقْدٍ أَوْ عَقَدَ عَلَيْهَا قَبْلَ زَوْجٍ وَوَطِئَهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ.
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ التَّطْلِيقَاتُ مُجْتَمِعَاتٍ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَتَأْوِيلُ عَبْدِ الْحَقِّ عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ وَأَنَّ قَوْلَهُ مِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّهَا وَاحِدَةٌ إذَا كَانَتْ فِي كَلِمَةٍ فَتَكُونُ كَالْمُطَلَّقَةِ الْوَاحِدَةِ الرَّجْعِيَّةِ فَلَا يُحَدُّ كَمَا لَوْ طَلَّقَ الرَّجُلُ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ وَهُوَ أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَشَارَ إلَيْهِمَا الْمُؤَلِّفُ وَتَأْوِيلُ غَيْرِهِ أَنَّهُ يُحَدُّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا سَيَأْتِي. فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُؤَلِّفِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَيْهِ هَذَا إذَا تَلَفَّظَ بِالثَّلَاثِ.
وَأَمَّا إنْ تَلَفَّظَ بِالْبَتَّةِ فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ لُزُومُ الْحَدِّ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ أَصْبَغُ لَا يُحَدُّ وَوَجْهُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي تَوْجِيهِ الثَّلَاثِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَالَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْقَذْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً أَوْ امْرَأَةً طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ أَلْبَتَّةَ قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ النَّسَبِ أَوْ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ عَامِدًا عَارِفًا بِالتَّحْرِيمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ إذْ لَا يَجْتَمِعُ الْحَدُّ وَثُبُوتُ النَّسَبِ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ طَلْقَةً وَاحِدَةً ثُمَّ وَطِئَهَا بَعْدَ الطَّلْقَةِ وَقَالَ ظَنَنْت أَنَّهُ لَا يُبِتُّهَا مِنْهُ إلَّا الثَّلَاثَ فَلَهَا صَدَاقٌ وَاحِدٌ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ إذَا عُذِرَ بِجَهْلٍ .
وَلَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ ثَلَاثًا ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ وَقَالَ ظَنَنْت ذَلِكَ يَحِلُّ لِي فَإِنْ عُذِرَ بِالْجَهَالَةِ لَمْ يُحَدَّ.
وَكَذَلِكَ مَنْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَعُذِرَ بِالْجَهَالَةِ فِي التَّحْرِيمِ لَمْ يُحَدَّ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي النِّكَاحِ (أَوْ مَبْتُوتَةً) قَبْلَ زَوْجٍ إنَّمَا تَكَلَّمَ فِيهِ عَلَى تَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ وَعَدَمِهِ فَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا.
وَأَمَّا الْحَدُّ وَعَدَمُهُ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فَيَفْصِلُ فِيهِ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ (الثَّانِي) قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْبَتَّةُ بَعْدَ الثَّلَاثِ زَائِدٌ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ (الثَّالِثُ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ الِاسْتِلْحَاقِ الْمَسَائِلُ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا الْحَدُّ وَلُحُوقُ الْوَلَدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ مُطَلَّقَةً قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ مُعْتَقَةً بِلَا عَقْدٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ ثُمَّ وَطِئَهَا دُونَ تَجْدِيدِ عَقْدٍ فَإِنَّهُ يُحَدُّ إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ وَيَكُونُ مِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ مَنْ أَعْتَقَ أَمَةً ثُمَّ وَطِئَهَا دُونَ عَقْدٍ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فِي ذَلِكَ وَنَصُّهَا أَيْضًا فِي اخْتِصَارِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَمَنْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَوْ أُخْتَهُ مِنْ النَّسَبِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَوْ غَيْرَ الْأُخْتِ مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ أَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ وَاحِدَةً ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ مِنْهُ فَإِنْ ادَّعَى فِي جَمِيعِ هَؤُلَاءِ الْجَهَالَةَ بِالتَّحْرِيمِ
وَمِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ قَالَ أَشْهَبُ مَثَلُ الْأَعْجَمِيِّ وَشِبْهِهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ عَالِمًا وَلَمْ يُعْذَرْ بِجَهْلٍ حُدَّ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا دَرَأْت فِيهِ الْحَدَّ أَلْحَقْت فِيهِ الْوَلَدَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ لِلَّتِي وَطِئَ بَعْدَ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ أَوْ الْعِتْقِ الْمُبْتَلِّ صَدَاقٌ مُؤْتَنَفٌ. وَذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الْمِلْكِ الْأَوَّلِ كَمَنْ وَطِئَ بَعْدَ حِنْثِهِ مِنْهَا نَاسِيًا لِيَمِينِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِحِنْثِهِ انْتَهَى مِنْ كِتَابِ الرَّجْمِ. وَانْظُرْ النَّوَادِرَ فِي تَرْجَمَةِ مَنْ تُخَالَعُ عَلَى أَنَّهَا إنْ طَلَبَتْ مَا أَعْطَتْهُ عَادَتْ زَوْجَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(أَوْ مَبْتُوتَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً أَوْ امْرَأَةً طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ أَوْ النَّسَبِ أَوْ شَيْئًا مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ عَامِدًا عَارِفًا بِالتَّحْرِيمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ.
قَالَ: وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ لَمْ يُحَدَّ وَعُوقِبَ،
وَكَذَلِكَ نَاكِحُ امْرَأَتِهِ الْمَبْتُوتَةِ لَا يُحَدُّ عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا.
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً ثَلَاثًا فَإِنْ كَانَ عَالِمًا حُدَّ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ،
وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا لَمْ يُحَدَّ. وَرَوَى عَلِيٌّ: مَنْ نَكَحَ فِي عِدَّةٍ وَوَطِئَ فِيهَا وَلَمْ يُعْذَرْ بِجَهَالَةٍ أَنَّهُ يُحَدُّ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا خِلَافٌ لِلْمُدَوَّنَةِ (وَإِنْ بِعِدَّةٍ) الَّذِي لِابْنِ الْحَاجِبِ: لَوْ طَلَّقَ امْرَأَةً ثَلَاثًا وَوَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ وَوَطِئَهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ وَلَا يُعْذَرُ بِدَعْوَى الْجَهَالَةِ وَهُوَ خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ
(أَوْ إتْيَانَ مَبْتُوتَةٍ) مِنْهُ (قَبْلَ) وَهَلْ وَإِنْ أَبَتَّ فِي مَرَّةٍ؟ تَأْوِيلَانِ. أَوْ مُطَلَّقَةٍ قَبْلَ الْبِنَاءِ؛ أَوْ مُعْتَقَةٍ بِلَا عَقْدٍ؛ [منح الجليل] تَزَوُّجِهَا بِ (زَوْجٍ) غَيْرِهِ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ فَيُحَدُّ. (وَهَلْ) يُحَدُّ إنْ أَبَتَّهَا فِي ثَلَاثِ مَرَّاتٍ بِثَلَاثِ طَلْقَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ، بَلْ
لا زيادة له على هذه المسألة.
أو مبتوتة يعني أن من وطئ مبتوتته بلا عقد أو به قبل زوج يحد سواء أبَتَّها بثلاث أو بتة، وحل حده إن علم بالتحريم وإلا لم يحد واللَّه تعالى أعلم. وإن بعدة يعني أن من وطئ مبتوتته قبل زوج يحد كما عرفت، ولا فرق في ذلك بين أن يطأها في العدة أو بعدها، وقد علمت أنه لا فرق في الحد بين وطئه لها بعقد أو بغيره. قال عبد الباقي: "أو" أي
وكذا يحد من وطئ مبتوته أي مطلقة بلفظ البتة
وكذا بلفظ ثلاث ثم عقد عليها نكاحا ووطئها بعد عدتها، بل وإن بعدة أو وطئها بغير عقد فيحد بالأولى واستغنى عن ذكر ضمير له للعلم به من قوله: وهل يحد واطئ مبتوتته بنكاح قبل زوج؟
وإن كان قد أبتها في مرة بلفظ البتة أو الثلاث، وهو ظاهر المدونة لضعف من قال بإلزام الواحدة في المبتوتة في مرة، أو إنما يحد في المفترقات
وأما في مرة فلا، عالما كان أو جاهلا لقوة الخلاف في المبتوتة في المرة، هل هي واحدة أولا؟ في ذلك -ويأتي تحرير هذه المسألة في الرابع من التنبيهات الآتية قريبا- تأويلان قال البناني ظاهر كلام التوضيح وابن عبد السلام بل صريحه أن التأويلين ليسا على المدونة، وإنما هما على قول أصبغ، ثانيهما لعبد الحق والأول لغيره، وإنهما فيما إذا طلقها بلفظ الثلاث،
وأما إن طلقها بلفظ البتة فصرح أصبغ بأنه لا حد عليه، وظاهر المدونة لزوم الحد كما في التوضيح والحطاب،
وأما وقوع الثلاث في مرات فيحد بلا نزاع، واعترض مصطفى ما في التوضيح والحطاب بأن حكم البتة لا يؤخذ من كلام المدونة. انظر الحطاب ومصطفى. انتهى. قوله: ظاهر كلام التوضيح وابن عبد السلام بل صريحه أن التأويلين ليسا على المدونة لخ، قال الرهوني: أصله لمصطفى وقد سلمه جسوس والتاودي كما سلمه محمد بن الحسن البناني، مع أن كلام الحطاب لمن تأمله أدنى تأمل فيه الجواب عن المصنف.
وحاصله أن عبد الحق فهم كلام أصبغ على ذلك وفهم مع ذلك أنه مذهب المدونة فحملها على غير ظاهرها، وغيره فهم المدونة على ظاهرها فجعل مذهبها خلاف ما لأصبغ، فتعبير المصنف بالتأويلين جار على اصطلاحه، وعندي أن ما أفاده كلام الحطاب هو الذي يفيده كلام التوضيح لمن تأمله حق التأمل وأنصف لا ما نسبه له مصطفى ومن تبعه. وقوله: واعترض مصطفى ما في التوضيح والحطاب لخ، نص مصطفى: وفيه نظر لأنه لم يتكلم في المدونة على لفظ البتة إذا كانت منفردة عن الثلاث ولا يعلم حكمها إلا من قولها في كتاب الطلاق،
وإن قال لها أنت طالق البتة فهي ثلاث وفيه بعد إذ لا يلزم من لزوم الثلاث فيها أن تكون كهي في جميع الأحكام، وقد قال ابن عرفة: الخلاف في البتات أشهر منه في لفظ الثلاث دفعة. انتهى. وقد سلمه جسوس والتاودي كما سلمه البناني ولم ينبهوا على ما في المواق عند قوله: "أو مبتوتة" ونصه من المدونة: من تزوج خامسة أو امرأة طلقها ثلاثا قبل أن تنكح زوجا غيره أو أخته من الرضاعة أو النسب أو شيئا من ذوات المحارم عليه عامدا عارفا بالتحريم، أقيم عليه الحد ولم يلحق به الولد،
قال: وإن تزوج امرأة في عدتها عالما بالتحريم لم يحد وعوقب،
وكذلك ناكح امرأته المبتوتة لا يحد كان عالما أو جاهلا للاختلاف فيها،
وأما إن كانت مطلقة ثلاثا،
فإن كان عالما حد لأنه لم يختلف وإن كان جاهلا لم يحد. انتهى. فظاهره أو صريحه أن قوله
وكذلك ناكح امرأته المبتوتة لا يحد من تمام كلام المدونة،
فإن كان عزوه لها صحيحا كان نصا في رد ما قاله مصطفى من أنه لم يتكلم عليها في المدونة، فيقال عليه بل تكلم عليها فيها وصرح فيها بعكس ما عزاه في التوضيح والحطاب لظاهرها،
وإن كان عزوه لها غير صحيح فالتعقب عليه أشد من التوضيح والحطاب مع أنه لم يعترضه، والتعقب على الناقلين لكلام مصطفى مسلمين له أشد؛ لأن الواقف على كلامهم وكلام المواق يقع في حيرة إذ لا يدري مع مَن الحقُّ أمع مصطفى أو مع المواق؟ لكن الحق في الخارج ما قاله مصطفى،
فإن المواق اختصر كلام ابن يونس فوقع فيما وقع فيه؛ لأن ابن يونس نقل ذلك عن الواضحة لا عن المدونة، ولعدم وجود ذلك فيها لم يذكره أبو سعيد،
وإنما قال ما نصه: ومن تزوج امرأة خامسة أو امرأة طلقها ثلاثا البتة قبل أن تنكح زوجا غيره أو أخته من الرضاعة أو النسب أو شيئا من ذوات المحارم عليه عامدا عارفا بالتحريم أقيم عليه الحد ولم يلحق به الولد؛ إذ لا يجتمع الحد وثبات النسب،
وإن تزوج امرأة في عدتها أو على عمتها أو خالتها أو نكح نكاح متعة لم يحد في ذلك وعوقب. قال أبو الحسن ما نصه: قوله: أو البتة زيادة الشيخ لم يذكر هل في كلمة أو كلمات متفرقة وظاهره سواء. انتهى.
وقال ابن يونس: قال ابن القاسم: ومن تزوج خامسة أو امرأة طلقها ثلاثا قبل أن ينكحها زوج غيره أو أخته من الرضاعة أو النسب أو شيئا من محارمه عارفا بالتحريم أقيم عليه الحد، ولم يلحق به الولد إذ لا يجتمع الحد وثبات النسب وإن عذر بالجهالة به،
ومثله يجهل ذلك. قال أصبغ: مثل الأعجمي وشبهه فلا حَدَّ عليه،
قال: وإن تزوج امرأة على أختها أو على عمتها أو خالتها أو نكح نكاح متعة عالما بالتحريم لم يحد في ذلك وعوقب،
وقال ابن حبيب: والعالم أشد عقوبة من الجاهل
وكذا ناكح امرأته المبتوتة لا يحد عالما كان أو جاهلا للاختلاف فيها،
وأما إن كانت مطلقة ثلاثا فإن كان عالما حد لأنه لم يختلف فيه،
وإن كان جاهلا لم يحد. انتهى.
وقوله: وكذا ناكح امرأته المبتوتة لخ هو من كلام الواضحة لا من كلام المدونة، وعن الواضحة نقله أبو محمد، والذي نقل عنها هو قوله عنها من نكح امرأته المبتوتة لم يحد عالما كان أو جاهلا للاختلاف فيها،
وأما إن كانت مطلقة ثلاثا فإن كان عالما حد وإن كان جاهلا لم يحد، وهذا استحسان والقياس حده ولا يعذر. ابن عرفة: الخلاف في البتة أشهر منه في لفظ الثلاث. انتهى. تنبيهات: الأول: قال الرهوني: ظاهر كلامهم أن من تزوج امرأة كان طلقها ثلاثا قبل زوج يحد ولو كانت له شبهة كاستناده بزعمه إلى قول القائل،
وقال الأبي في كتاب الطهارة من شرح مسلم حين تكلم على بول الأعرابي في المسجد فقام الصحابة وصاحوا به،
فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: (دعوه) . الحديث: فَإن قُلْتَ لو كان البول في المسجد منكرا لم ينههم عن تغييره بقوله دعوه،
قلت: أجاب المازري أن ذلك خشية أن يقوم على تلك الحال فينجس محلا آخر أو لأنه إذا قام انقطع بوله فيتأذى بالحقنة. عياض: أو لأنهم أغلظوا في التغيير وحقهم الرفق لا سيما في التغيير على الجاهل. ويدل على هذا الوجه أنه زاد في البخاري في آخر الحديث: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) ،
قلت: وقد اغتر بالحديث من لا يفهم، فقدم تونس أول المائة الثامنة من المغرب رجل يسمى: البخاري، كان يحفظ البخاري فمر بقرية في طريقه فبال في المسجد فانتهره الناس فاحتج بالحديث وهو جهل، وكان اتفق له في المغرب أن طلق زوجته طلقتين ثم خالعها ثم تزوجها دون زوج فقيم عليه، فاحتج بأن قال: عملت في ذلك على قول الشافعي القائل: إن الخلع فسخ بغير طلاق فما لي فيها إلا طلقتان، فقيل له: إن الفسخ بغير طلاق إذا وقع بلفظ الخلع وأنت خالعتها بلفظ الطلاق، والشافعي لا يقول في هذا أنه فسخ بغير طلاق.
واختلف الفقهاء حينئذ في رجمه ولم يرجم لأنه فعل بشبهة النكاح. انتهى. وذكر مسألة الونشريسي في معياره قبيل نوازل الرضاع، ومحصله أنه اختلف فيها الفقيهان الجليلان: [أبو] الحسن الصغير، وسيدي إبراهيم [السريفي] ، فقال الأول: يلزمه الضرب الوجيع والتخليد في السجن ولا يرجم واستدل لما قاله وأطال في ذلك، وشنع الثاني عليه في ذلك،
وقال برجمه وبالغ في الاحتجاج على ما قاله، فلينظر ما كتبه تستفد منه فوائد وإنما تركته لطوله. انتهى. الثاني: قال الحطاب عند قوله "أو مبتوتة وإن بعدة وهل إن أبتَّ في مرة تأويلان" ما نصه: يعني أن الإنسان إذا طلق زوجته البتة أو طلقها ثلاثا ثم وطئها دون عقد أو عقد عليها قبل أن تتزوج زوجا غيره ووطئها فإنه يحد، سواء وقع ذلك وهي في عدته أو بعد فراغ العدة يريد إذا كان عالما بالتحريم،
وأما إن كان يجهل التحريم فإنه لا حد عليه إذا كان مثله يجهل ذلك كما سيقوله المصنف إن جهل مثله فإنه راجع إلى جميع ما ذكر أنه يحد فيه كما صرح به المصنف في التوضيح وغيره؛ أعني رجوعه لجميع ما تقدم. انتهى. الثالث: صريح الحطاب أو كالصريح أن الراجح من التأويلين الأول وهو أنه يحد مطلقا، فكان ينبغي للمصنف الاقتصار عليه، ونص الحطاب: وَتَحَصَّلَ أنه إذا طلقها ثلاثا متفرقات ثم وطئها دون عقد أو عقد عليها قبل زوج ووطئها فإنه يحد،
وأما إن كانت التطليقات مجتمعات في كلمة واحدة، فتأويل عبد الحق على قول أصبغ أنه لا يحد وأن قوله مثل ما في المدونة مراعاة لقول من يقول إنها واحدة إذا كانت في كلمة فتكون كالطلقة الواحدة الرجعية، فلا يحد كما لو طلق طلقة رجعية ثم وطئها في العدة فإنه لا يحد، وهو أحد التأويلين الذين أشار إليهما المؤلف، وتأويل غيره أنه يحد وهو ظاهر المدونة كما سيأتي، فكان ينبغي للمؤلف أن يقتصر عليه.
انتهى المراد منه. الرابع: قوله: "تأويلان" هما في ثمان صور، وهي ما إذا أبتها في مرة بعد البناء ووطئها في العدة بعقد أم لا أو بعدها بعقد نكاح فهذه ثلاث، وهي في الثلاث
إما حرة أو أمة فهذه ست،
وأما إذا أبتها قبل البناء في مرة ووطئها بعقد نكاح حرة أو أمة وهاتان صورتان فهذه ثمان صور، ويتفق على الحد في ست عشرة صورة، وهي: ما إذا أبتها قبل البناء في مرات ثم وطئها بعقد أم لا أو في مرة ووطئها بدون عقد، وسواء كانت في هذه الثلاث حرة أو أمة فهذه ست صور متفق على الحد فيها،
وكذا إن أبتها بعد البناء في مرات ووطئها في العدة أو بعدها بعقد أم لا أو أبتها بعد البناء في مرة ووطئها بعد العدة بدون عقد كما في ابن مرزوق، سواء كانت في هذه الخمس حرة أو أمة فيتفق على حده في هذه العشر كالست قبلها. قاله عبد الباقي. قال: وقولي بعقد نكاح احتراز عما إذا وطئ بعد الشراء وبعد أن أبتها قبل البناء في مرة أو مرات، أو بعد البناء في مرة أو مرات ووطئها في العدة أو بعدها فلا حد عليه في هذه الست باتفاق التأويلين، فعلم أن الأقسام ثلاثة: يحد اتفاقا في ست عشرة صورة لا حد اتفاقا في الستة والتأويلان في ثمان.
واعلم أنه يجتمع الحد ولحوق النسب في مسائل منها: قوله "أو مملوكة تعتق أو يعلم حريتها أو محرمة بصهر مؤبد أو خامسة" ، وقوله: "أو مبتوتة" قبل زوج حيث ثبت ذلك بإقراره فيحد لإقراره بالزنى، ويلحق به الولد لاتهامه على أن إقراره لقطع نسبه،
وأما إن ثبت ذلك ببينة فيحد ولا يلحق به الولد ولا يقتصر على هذه الخمسة، بل ضابطه كل حد يثبت بالإقرار ويسقط برجوعه عنه فالنسب ثابت. انتهى المراد منه. كمسألة من أمر رجلا أن يشتري له جارية فأرسل إليه بجارية غير التي اشتراها له فوطئها وهو عالم بأنها ليست بجاريته التي اشتراها له فيحد ويلحق به الولد إن ثبت بإقراره، وعليه قيمتها
لا إن قامت بينة على أنه وطئها وهو عالم بأنها غيرها. واللَّه أعلم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.