وَفَسَخَ الْحَاكِمُ وَتَلَوَّمَ لمن يرجوه:
الشروح عليها
(وَفَسَخَ الْحَاكِمُ) كِتَابَتَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ حِينَئِذٍ إلَّا بِالْحُكْمِ لَكِنْ إنْ أَبَى الْعَبْدُ الْحَاضِرُ فِي الْأُولَى،
فَإِنْ اتَّفَقَ مَعَ سَيِّدِهِ عَلَى التَّعْجِيزِ لَمْ يَحْتَجْ لِحُكْمٍ
وَكَذَا إنْ أَرَادَ الْعَبْدُ التَّعْجِيزَ وَأَبَاهُ السَّيِّدُ لَمْ يَحْتَجْ لِحُكْمٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِابْنِ رُشْدٍ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ غَيْبَةُ الْعَبْدِ بِلَا إذْنٍ عِنْدَ الْمَحَلِّ فَلَا بُدَّ فِي التَّعْجِيزِ مِنْ الْحُكْمِ قَرُبَتْ الْغَيْبَةُ أَوْ بَعُدَتْ وَقَوْلُهُ (وَتَلَوَّمَ لِمَنْ يَرْجُوهُ) رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ أَيْضًا أَيْ لِمَنْ يَرْجُو يُسْرَهُ فِي الْحَاضِرِ الْعَاجِزِ عَنْ شَيْءٍ وَفِي الْغَائِبِ إنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ وَرُجِيَ قُدُومُهُ
لَا إنْ بَعُدَتْ أَوْ لَمْ يُرْجَ لَهُ يَسَارٌ أَوْ جُهِلَ حَالُهُ
(قَوْلُهُ فَلَا بُدَّ فِي التَّعْجِيزِ مِنْ الْحُكْمِ) أَيْ لِأَنَّ تَعْجِيزَهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قُدُومِهِ عَلَى الصَّوَابِ بَلْ يُعَجِّزُ وَلَوْ فِي غَيْبَتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْحُكْمِ بِهِ
(قَوْلُهُ: وَتَلَوَّمَ) أَيْ الْحَاكِمُ لِمَنْ يَرْجُوهُ أَيْ لِمَنْ يَرْجُو يَسَارَهُ فِي مُدَّةِ التَّلَوُّمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَاضِرِ أَوْ يُرْجَى قُدُومُهُ وَيُسْرُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْغَائِبِ غَيْبَةً قَرِيبَةً
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْحَاضِرَ الْعَاجِزَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ إنَّمَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِفَسْخِ كِتَابَتِهِ إذَا طَلَبَ سَيِّدُهُ ذَلِكَ وَأَبَى الْعَبْدُ التَّلَوُّمَ لَهُ إنْ كَانَ يُرْجَى يَسَارُهُ فِي مُدَّةِ التَّلَوُّمِ،
وَإِنْ كَانَ لَا يُرْجَى يَسَارُهُ فِيهَا حُكِمَ بِالْفَسْخِ مِنْ غَيْرِ تَلَوُّمٍ،
وَأَمَّا الْغَائِبُ عِنْدَ الْحُلُولِ بِلَا إذْنٍ فَقِيلَ يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِفَسْخِ كِتَابَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَلَوُّمٍ مُطْلَقًا
وَقِيلَ: إنْ قَرُبَتْ الْغَيْبَةُ لَا يُحْكَمُ بِالْفَسْخِ إلَّا بَعْدَ التَّلَوُّمِ إنْ كَانَ يُرْجَى قُدُومُهُ وَيُسْرُهُ فِي مُدَّةِ التَّلَوُّمِ،
فَإِنْ لَمْ يُرْجَ ذَلِكَ حُكِمَ بِالْفَسْخِ مِنْ غَيْرِ تَلَوُّمٍ كَبَعِيدِ الْغَيْبَةِ وَمَجْهُولِ الْحَالِ
(وَفَسَخَ الْحَاكِمُ) كِتَابَتَهُ بِسَبَبِ عَجْزِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ (وَتَلَوَّمَ) بِفَتَحَاتٍ مُثْقَلًا، أَيْ أَخَّرَ الْحَاكِمُ الْحُكْمَ بِفَسْخِ الْكِتَابَةِ (لِمَنْ) أَيْ الْمُكَاتَبِ الْعَاجِزِ أَوْ الْغَائِبِ الَّذِي (يَرْجُو) الْحَاكِمُ يُسْرَهُ وَقُدُومَ (هـ) وَلَا يَتَلَوَّمُ لِمَنْ لَمْ يَرْجُهُ.
وَشَبَّهَ فِي التَّلَوُّمِ فَقَالَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
وفسخ الحاكم يعني أن الحاكم يفسح عقد الكتابة في هاتين المسألتين الكائنتين بعد الكاف، قال ابن مرزوق: قوله: "كأن جمت عن شيء أو غاب" لخ أي يرق لتعجيز نفسه كما يرق إن عجز عن أداء نجم من نجوم الكتابة عند حلوله أو غاب عنت محل النجم ولا مال له موجود. قوله: "وفسخ الحاكم" يريد والمكاتب لا يريد التعجيز في الصورتين،
بخلاف الذي يريد تعجيز نفسه بشرطيه فإن التعجيز يكون باتفاقه مع سيده دون الحاكم، ومعلوم أن مراد المص هنا أن المكاتب لم يرد التعجيز؛ لأنه لو أراده في هاتين الصورتين والفرض أنه لا مال له لكانت هي المسألة الأولى فيكون كلامه متناقضا. اهـ.
وقال الشبراخيتي: كأن عجز عن شيء مما كوتب عليه عند المحل لأن عجزه عن البعض كعجزه عن الجميع، وهو تشبيه في قوله: فيرق أو غاب عند المحل، المراد بالمحل الحلول لا المكان ولا مال له حاضر يعدى فيه،
وظاهره كانت الغيبة قريبة أو بعيدة، كان مليا هناك أم لا وهو ظاهر لاحتمال تلف ما بيده قبل مجيئه أو إرساله، ولا بد من تقييد كلامه بما إذا كانت غيبته بغير إذن سيده،
أما إذا كانت بإذنه فلا يعجزه بذلك،
وظاهره ولو طال وفسخ الحاكم في عجزه عن أداء شيء أو غيبته مع امتناع المكاتب من التعجيز،
ثم إن امتناع الحاضر ظاهر،
وأما الغائب فإنها يكون بعد قدومه وقبل الحكم بتعجيزه،
فإن رضي كل بالتعجيز ولا مال له ظاهر فلا يحتاج إلى الحاكم،
وكذا إذا طلب العبد وحينئذ فقوله: "وفسخ الحاكم" لا يجري فيما إذا اتفقا
ولما فيما إذا طلب العبد التعجيز، وحده بل فيما إذا طلب السيد وحده كما سبق. اهـ.
وقال عبد الباقي: كإن عجز عن شيء من النجوم فيرق لأن عجزه عن البعض كعجزه عن جميع نجومها، أو غاب بغير إذن سيده عند المحل أي الحلول للكتابة فليس المراد به المكان والحال أنه لا مال له ظاهر يعدى فيه ثم قدم فإن ذلك تعجيز، وحذف عند المحل من التي قبلها لدلالة هذه عليها،
وظاهره قربت غيبته أو بعدت، كان مليا أم لا وهو ظاهر لاحتمال تلف ما بيده قبل مجيئه أو إرساله،
فإن غاب بإذنه لم يعجزه بذلك. قاله أحمد.
وظاهره ولو طال وفسخ الحاكم كتابته في مسألتي عجزه عن أداء شيء وغيبته عند المحل حيث أبي المكاتب من التعجيز، وإباية الحاضر ظاهرة وإباية الغائب إنها تكون بعد قدومه وقبل الحكم بتعجيزه،
فإن رضي كل بتعجيزه ولا مال له ظاهر لم يحتج لحكم. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه هذان الشارحان في مسألة غيبة المكاتب عند حلول الكتابة أو شيء منها أنه يحكم عليه بالعجز حيث لم يكن له مال ظاهر،
فإن حكم فالأمر واضح وإن قدم قبل أن يحكم عليه بالعجز،
فإن اتفق مع السيد على ذلك والحال أنه لا مال له ظاهر كفى ذلك عن الحكم بالفسخ فلا يخالف قوله: "إن اتفقا ولم يظهر له مال" ،
فإن امتنع من التعجيز بعد القدوم وقبل الحكم فلا بد من الحاكم،
وإن امتنع السيد دون العبد فلا بد من الحاكم أيضا على ما للمص لا على ما مر عن ابن رشد. والله تعالى أعلم. وتلوم لمن يرجوه يعني أن الحاكم لا يفسخ عقد الكتابة إلا بعد تلوم لمن يرجو يسره، وظاهر المص أن التلوم في الصورتين وهو لابن مرزوق، فإنه قال: وقوله: "وتلوم" أي إن فسخ الحاكم الكتابة في الصورتين لا يكون إلا بعد التلوم لمن يرجو له طريان مال وهذا في العاجز الحاضر أبين منه في الغائب، ولا فرق فإن التلوم في هذا الباب لمن يرجى من غائب أو غيره من شأن الحكام.
اهـ. قال الرهوني: قلت: وهو متعين فقد صرح بذلك المتيطي في نهايته،
ونصها: فإن كان المكاتب غائبا فحلت عليه نجومه لم يكن للسيد تعجيزه إلا بالسلطان،
فإن حاول تعجيزه عند السلطان كلفه إثبات ملكه له كما تقدم ومكاتبته إياه على النجوم التي كاتبه عليها ومغيبه عنه وأنه لم يخلف شيئا تؤدى منه كتابته في علم المشهود بذلك،
فإذا ثبت ذلك كله عنده حلفه أنه لم يصل إليه شي، من الكتابة المذكورة،
فإذا حلف تلوم السلطان عليه كما يتلوم على الحاضر ثم يعجزه ويحكم بذلك. انتهى. وبهذا النقل اتضح لك أنه يتعين حمل المصنف على ظاهره من شموله للمسألتين،
وقال عبد الباقي: وتلوم من الحاكم لمن يرجوه أي يرجو يسره في عجز الحاضر عن شيء،
وأما الغائب فلا يتلوم له. قاله أحمد.
وقال بعض من حشَّاه: يتلوم له أيضا إن قربت غيبته كالحاضر
لا إن بعدت فلا يتلوم له،
ومثله إذا جهل حاله. اهـ. ومفهوم المص أنه لا يتلوم لمن لا يرجو يسره. قال الرهوني: مفهوم قول المص هنا: "لمن يرجوه" أن غيره لا يتلوم له وقد مر له في باب الصداق وفي التلوم لمن لا يرجى وصحح وعدمه تأويلان مع أنه، قال هنا في التوضيح بعد ذكره التأويلين في هذه المسألة عن أبي الحسن ما نصه: وهذان التأويلان هما اللذان في كتاب النكاح الثاني بالعسر في النفقة. اهـ.
وقال الحطاب عند قوله "وفسخ الحاكم" ما نصه: أي فسخ الحاكم الكتابة وعاد العبد لما كان عليه قبل الكتابة من رق أو تدبير أو غير ذلك، فهو أحسن من قول ابن الحاجب: رق. والله أعلم. اهـ.
وقال المواق: ابن شأس: إن عجز عن أداء النجوم أو عن أداء نجم منها رق، وفسخت الكتابة بعد أن يتلوم له الإمام بعد الأجل ويجتهد الإمام في أمر التلوم فيمن يرجى له، دون من لا يرجى له وإذا غاب وقت المحل بغير إذن السيد فله الفسخ عند السلطان. اهـ. كالقطاعة يعني أن السيد إذا قاطع عبده فإن ذلك كالكتابة،
فإن عجز عن شيء من القطاعة أو غاب عند المحل ولا مال له فإن الحاكم يفسخ القطاعة، فيرجع العبد لا شائبة قطاعة فيه بعد التلوم لمن يرجى دون من لا يرجى، فالتشبيه في فسخ الحاكم وثبوت التلوم فهو تشبيه تام، والقطاعة بفتح القاف وكسرها، ولها صورتان إحداهما أن يكاتبه على مال حال، الثانية أن يفسخ ما عليه في شيء يأخذه منه وإن لم يكن حالا. قاله غير واحد. والله تعالى أعلم.
قال التتائي: كالقطاعة يتلوم فيها لمن يرجوه لا لغيره. اهـ.
وقال المواق من المدونة: القطاعة كذلك في التلوم بعد الأجل. اهـ.
وقال الشبراخيتي. كالقطاعة تشبيه في التلوم وفسخ الحاكم فهو تشبيه تام؛ وسواء وقعت القطاعة على مؤجل أو حال،
قال في الحاشية: لها صورتان إحداهما أن يكاتبه على مال حال إلى آخر ما مر،
وقال عبد الباقي: وشبه في التلوم والفسخ بعده قوله: "كالقطاعة" بفتح القاف وكسرها أفصح وهي اسم مصدر لقاطع والمصدر المقاطعة، سميت به لأنه قطع طلب سيده عنه بما أعطاه أو قطع له بتمام حريته بذلك أو قطع بعض ما كان له عنده. قاله عياض. أي إذا عجز المكاتب عما قوطع عليه فإن الحاكم يفسخ عمَد القطاعة بعد التلوم، وسواء وقعت المقاطعة على مؤجل أو حال. اهـ.
وقوله: ولو شرط السيد عند العقد خلاف أي خلاف التلوم؛ يعني أن التلوم لمن يرجى يسره دون من لا يرجى يسره في الثلاث مسائل لا بد منه ولو شرط السيد عند عقد الكتابة أو القطاعة أنه يرجع رقيقا دون تلوم، قال عبد الباقي: وبالغ على التلوم لمن يرجى يسره في القطاعة والمسألتين قبلها،
وفسخ الحاكم بقوله: "ولو شرط" السيد عند عقدها خلافه أي خلاف التلوم كشرطه إن عجز عن نجم فهو رقيق بغير تلوم وفسخ فلا ينفعه شرطه، ولا بد منهما فيما يعتبران فيه مما تقدم. اهـ.
وقال المواق: ابن شأس: لو شرط عليه أنك إن عجزت عن نجم من نجومك فأنت رقيق لم يكن عاجزًا إلا عند السلطان والشرط باطل. اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.