فإن تصرف في ماله "ولو فيما وهبه له" ببيع أو عتيق أو إبراء "أو أراد أخذه قبل رجوعه" , "أو تملكه بقول أو نية وقبض معتبر" لم يصح
الشروح عليها
(فإن تصرف) والده (في ماله) قبل تملكه وقبضه (ولو فيما وهبه له) أي لولده وأقبضه إياه (ببيع) أو هبة (أو عتق أو إبراء) غريم ولده من دينه لم يصح تصرفه، لأن ملك الولد على مال نفسه تام، فيصح تصرفه فيه ولو كان للغير أو مشتركا لم يجز، (أو أراد أخذه) أي أراد الوالد أخذ ما وهبه لولده (قبل رجوعه) في هبته بالقول كرجعت فيها، (أو) أراد أخذ مال ولده قبل (تملكه بقول أو نية وقبض معتبر لم يصح) تصرفه، لأنه لا يملكه إلا بالقبض مع القول أو النية فلا ينفذ تصرفه فيه قبل ذلك،
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ولو فيما وهبه له) أي لولده وأَقبضه إياه أي فحكمه حكم ماله، لا يصح تصرفه فيه قبل تملكه وقبضه. أو غيره مما ينقل الملك، لم يصح تصرفه قبل تملكه وقبضه، قال أحمد: لا يجوز بيع الأب لعبد ابنه ما لم يقبضه. انتهي. وإنما يملك انتزاعها منه كالعين التي وهبها له.
لا زيادة له على هذه المسألة.
«فإن تصرف» أي: الأب. «في ماله» أي: في مال ابنه، فالضمير في «تصرف» يعود إلى الأب، والضمير المجرور في قوله:«ماله» يعود إلى الابن. «ولو فيما وهبه له» يعني تصرف الأب في مال ابنه ولو فيما وهبه له، فإنه لا يصح تصرفه، وإنما نص على ما وهبه له؛ لئلا يقول قائل: إن تصرف الأب فيما وهبه لابنه دليل على الرجوع، فيقال: لا، الرجوع لا بد فيه من قول، وهذا الرجل تصرف بلا قول.
مثاله: وهب ابنه سيارة، ثم إنه بعد أن وهبها لابنه وقبضها، باع الأب السيارة، فإنه لا يملك ذلك؛ لأن السيارة لم تزل على ملك الابن، والأب لم يتملكها، ولم يرجع في هبته،
فإذا أجرها فلا يصح التأجير؛ لأنه لم يتملكها.
إذاً يستطيع أن يبيعها أو يؤجرها بأن يرجع في الهبة، يقول: إني رجعت فيما وهبته لابني، حينئذٍ ترجع إلى ملك الأب ويتصرف فيها.
وقوله:«ولو فيما وهبه له» هذه إشارة خلاف، وهو أن بعض العلماء رحمهم الله يقول: إذا تصرف فيما وهبه لابنه،
فإن تصرفه يدل على الرجوع، وقاسوا ذلك على رجل وكَّلك في بيع شيء، ثم باعه هو فإنه يصح ويكون بيعه له رجوعاً، فيقال: الفرق واضح؛ لأن الموكل إذا تصرف فيما وكَّلَ فيه فقد تصرف في ملكه، لكن الأب إذا تصرف فيما وهبه لابنه دون أن يرجع، فقد تصرف في ملك غيره، إلا إذا قصد أنه راجع في هبته؛ لأنه لما رجع في هبته دخلت في ملكه، فباعها بعد دخولها في ملكه.
«ببيع» البيع معروف، مثاله: لولده سيارة فباعها الأب بدون توكيل الابن له فالبيع باطل. «أو عتق» الابن له عبد، فقال الأب للعبد: أنت عتيق لوجه الله، فلا يصح العتق؛ لأنه في ملك الابن ولم يتملكه. «أو إبراء» يعني من الدَّين، فمثلاً لابنه دين على شخص، فقال الأب للمدين: إني أبرأتك من دين ابني عليك، فإنه لا يبرأ؛ لأن الدين لم يملكه الابن فضلاً عن الأب، فالدين في ذمة المدين، وهذا واضح، هذا أشد من العين التي باعها الأب أو أعتقها.
وقال بعض العلماء: إن تصرف الوالد في مال ولده ببيع أو عتق أو إبراء صحيح؛ لأنه إذا كان له أن يتملك هذه الأشياء فتصرفه فيها من باب أولى، ويكون الثمن في البيع للابن،
أما العتق والإبراء فالأجر للابن؛ لأن هذا أقل مما لو تملكه أصلاً، والظاهر أن الحديث يدل على صحة تصرف الأب في مال ابنه إذا لم يضره أو يحتاجه،
وأما الإبراء فليس له ذلك؛ لأن قوله ﷺ :«أنت ومالك لأبيك»، لا يدخل فيه الدَّين؛ لأن الدَّين لا يكون مالاً للابن حتى يقبضه. «أو أراد أخذه قبل رجوعه»، «أخذه» أي: أخذ ما وهبه، والضمير هنا فيه ركاكة؛ لأنك لو قرأت المتن:«أو أراد أخذه» أي أخذ ماله قبل رجوعه، ولكن المراد:«أخذه» أي أخذ ما وهبه قبل رجوعه، يعني وهب ابنه شيئاً ثم أراد أن يضمه إلى ملكه قبل أن يرجع، فإنه لا يصح؛
لأنه لم يصرح بالرجوع، فالرجوع لا بد فيه من اللفظ، بأن يقول: رجعت فيما وهبته لك يا بني،
أما أن يأخذه دون أن يصرح بالرجوع فلا يصح. «أو تملكه»، يعني يأخذ ما وهبه بنية التملك لا بنية الرجوع، فله هذا، والتملك يقول المؤلف: له طريقان: القول، أو النية مع القبض. «بقول» بأن يقول: إني قد تملكت مال ابني، سيارته أو بيته أو أشياء لا يحتاج إليها ولا تضره. «أو نية وقبض معتبر لم يصح»، يعني يقبض المال من ابنه بنية التملك، فله حينئذٍ أن يتصرف فيه؛ لأنه لما قبضه بنية التملك صار ملكاً له.
وقوله:«وقبض معتبر» بأن يكون بإذن الابن، وعلى الوصف السابق في كتاب البيع، فما ينقل يكون بنقله، وما يوزن بوزنه، وما يكال بكيله، وما يذرع بذرعه، وما يُعَدُّ بِعَدِّهِ، وما لا يتصور فيه ذلك يكون بتخليته، كالأراضي مثلاً، فالأراضي لا يمكن أن تقبض بما ذكر، فيكون بالتخلية بمعنى أن يرفع يده عنها.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.