وإن شرط أن لا مهر لها أو أن لا نفقة أو شرط أن يقسم لها أقل من ضرتها أو أكثر أو شرط فيه خيارا أو إن جاء بالمهر في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما بطل الشرط وصح النكاح.
الشروح عليها
(وإن شرط أن لا مهر لها أو أن لا نفقة) لها، (أو شرط أن يقسم لها أقل من ضرتها أو أكثر) منها، (أو شرط فيه) أي في النكاح (خيارا أو) شرط (إن جاء بالمهر في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما) ، أو شرطت أن يسافر بها أو أن تستدعيه لوطء عند إرادتها أولا تسلم نفسها إلى مدة كذا ونحوه (بطل الشرط) ، لمنافاته مقتضى العقد، وتضمنه إسقاط حق يجب به قبل انعقاده. (وصح النكاح) لأن هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد لا يشترط ذكره، ولا يضر الجهل به فيه،
لا زيادة له على هذه المسألة.
بالمهر في وقت كذا، وإلا فلا نكاح بينهما) بطل الشرط،
وقيل: يصح، وقطع في المغني والشرح بصحة النكاح، وصوبه في الإنصاف،
وعنه: يبطل العقد، في ذلك كله، وهو قول الشافعي، ونحوه عن مالك.
فلا نكاح بينهما) أو شرطت أن يسافر بها أو يسكن بها حيث شاءت، أو شاء أبوها أو غيره.
يضر الجهل به فيه . (وإن شرطها مسلمة) أي وإن تزوج امرأة وشرطها مسلمة فبانت كتابية، فله الخيار في فسخ النكاح.
«وإن شرط أن لا مهر لها» إذا شرط الزوج أن لا مهر لها عليه، فعلى المذهب يصح النكاح دون الشرط، فشرط عدم المهر فاسد غير مفسد.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : إن شرط عدم المهر فاسد مفسد؛ لأن الله يقول: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ ، فقيد النكاح بابتغاء المال، يعني أن تطلبوا النكاح بأموالكم التي تبذلونها، ولأن الله ـ تعالى ـ ذكر فيما أحل لنبيه ﷺ أن تهب المرأة نفسها له فقال: ﴿﴾ ،
ولو قلنا بصحة النكاح مع شرط انتفاء المهر لكان هبة، والعبرة بالمعاني لا بالألفاظ، والهبة لا تصح إلا للرسول ﷺ، ولأن النبي ﷺ لم يزوج الرجل الذي طلب منه أن يزوجه الواهبة نفسها لرسول الله ﷺ إلا بمهر، حتى انتهى إلى أن يكون مهرها أن يعلمها ما معه من القرآن ، ولأن علة تحريم الشغار أنه لا مهر بينهما، ولذلك لو رضيت الزوجتان وصار كلا الزوجين كفئاً للأخرى، ولكن شرطوا أن لا مهر ما صح النكاح، فما دام أنه لا يصح الشغار لعدم المهر، فلا فرق، وما ذهب إليه الشيخ رحمه الله هو الصحيح.
أما المذهب فيرون أن الشرط ليس بصحيح،
وأما النكاح فصحيح، وحينئذ يجب لها مهر المثل؛ لأنه لا بد لها من مهر
بخلاف البيع، فالبيع لا يصح إلا بثمن المثل،
أما النكاح فهو أوسع.
ولو خدعوا هذا الزوج وقالوا: لعلك تعطينا مائة ريال مهراً، قال: لا، ولا عشرة ريالات، فقالوا: لا مانع، فتزوج، فنقول: يجب عليك مهر المثل، خمسون ألفاً، وهو بالأول رافض المائة ريال، فيلزم هذا الزوج المسكين خمسون ألفاً، وعلى رأي شيخ الإسلام العقد غير صحيح، ولا تحل له المرأة، وهذا أهون عليه ما لم يكن قد جامعها،
فإن كان قد جامعها فعليه مهر المثل، ويفرق بينهما.
ولهذا في مثل هذه المسائل ينبغي أن يكون الإنسان فقيهاً، فالزوج مثلاً إذا طلق زوجته أول طلقة فله المراجعة، لكن لو أعطته زوجته ريالاً واحداً فليس له المراجعة. «أو لا نفقة» أي: اشترط الزوج أن لا ينفق عليها، ومعلوم أنه يجب على الزوج أن ينفق على زوجته إذا عقد عليها وتسلمها،
فإذا اشترط ذلك فقبلت، فالنكاح صحيح؛ لأن هذا لا يعود إلى نفس العقد، ولكن الشرط غير صحيح؛ لأنه يخالف مقتضى العقد، لقول النبي ﷺ :«ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف»، ذكر هذا في خطبة حجة الوداع،
فإذا أسقط النفقة كان مخالفاً للحديث، وقد قال النبي ﷺ :«كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط».
وأما التعليل فهو أن هذه المرأة أسقطت حقها قبل ثبوته؛ لأن النفقة تثبت بعد العقد، وهذه أسقطتها قبل ثبوتها فلا يصح.
فإذا شرط أن لا نفقة وتم العقد، ثم طالبته بالنفقة، فقال: إنه شارط أن لا نفقة عليه، فإنه يُلزم بالنفقة.
ولو أنه بعد العقد رأت الزوجة أن زوجها سوف يطلقها، وخافت أن يطلقها، فقالت له: أبقى عندك بلا نفقة، فوافق،
فإن هذا يجوز؛ لأنه إسقاط للحق بعد ثبوته، لكنهم قالوا رحمهم الله : لو عادت فطالبت وجبت لها النفقة؛ لأن المستقبل لها الحق أن تطالب به، فالنفقة تتجدد كل يوم بيومه، وهذا صحيح إلا إذا وقع ذلك على وجه المصالحة، بأن خيف الشقاق بين الزوجين ثم تصالحا على أن لا نفقة، فهنا لا تلزمه النفقة؛ لأن هذا
فائدة المصالحة، فلو قلنا: إذا تصالحا على عدم النفقة لها أن تطالب بالنفقة بعد ذلك، أصبح الصلح لغواً لا
فائدة منه.
الخلاصة:
أولاً: إذا شرط الزوج أن لا نفقة قبل العقد، ثم عقد على هذا الشرط، فالعقد صحيح والشرط باطل.
ثانياً: إذا أسقطت المرأة نفقتها بعد العقد، فالإسقاط صحيح، لكن لها أن تطالب بها في المستقبل.
ثالثاً: إذا جرى ذلك بينهما صلحاً، بأن خيف الشقاق بينهما، وتصالحا على أن لا نفقة، فهنا ليس لها أن تطالب بالنفقة؛ لأنه جرى الصلح عليها؛ لأن
فائدة الصلح أن يُمضى ويثبت،
وإذا لم يمضِ ولم يثبت فلا
فائدة في الصلح.
أَوْ أَنْ يَقْسِمَ لَهَا أَقَلَّ مِنْ ضَرَّتِهَا أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ شَرَطَ فِيهِ خِيَارَاً، أَوْ إِنْ جَاءَ بِالمَهْرِ فِي وَقْتِ كَذَا، وَإِلاَّ فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، ......... «أو أن يقسم لها أقل من ضرتها» أي: رجل تزوج امرأة على امرأة سابقة وهي الضرة، وسميت ضرة لكثرة المضارة بينها وبين الزوجة الأخرى في الغالب،
فإذا شرط أن يقسم لها أقل من ضرتها، فالمذهب لا يصح،
والصحيح أنه يصح، فإذا قال: أنا عندي زوجة سأعطيها يومين وأنت يوماً، فرضيت بذلك فلا مانع، فهذه سودة بنت زمعة رضي الله عنها وهبت يومها لعائشة رضي الله عنها فأقرها النبي عليه الصلاة والسلام.
فإن شرطت هي أن يقسم لها أقل من ضرتها، يعني قالت: اقسم لي يوماً ولضرتي يومين، فهل هذا الشرط يقع من المرأة؟ نعم يمكن أن تكون هذه المرأة مدرِّسة أو ذات عمل، وتقول: لا أريد أن تأتيني يوماً وراء يوم، ائتني يوماً وللزوجة الأخرى يومين، أو تقول: لي يوم، ولها ستة أيام، أو يوم الخميس والجمعة مثلاً، والباقي للأولى، فالنكاح صحيح والشرط باطل على كلام المؤلف، قالوا: لأن في ذلك إسقاطاً لحق الزوج، والجواب: أنه يقال: نعم هو إسقاط لحق الزوج، لكن برضاه واختياره، ولهذا كان الصواب أنه إذا اشترطت أن يقسم لها أقل من ضرتها ورضي بذلك، فالشرط صحيح. «أو أكثر» أي: شرطت أن يقسم لها أكثر من ضرتها، فالشرط لا يصح لقول النبي ﷺ : «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل» ؛
ولأنه يتضمن ظلماً على الضرة، فالضرة تقول: لا بد أن تساويني بها؛ لأنه بذلك يكون مسقطاً لحق الزوجة القديمة، وهو لا يملك إسقاط حقها،
فإذا رضيت القديمة فلا حرج. «أو شرط فيه خياراً» أي: شرط الزوج في النكاح خياراً، وشرط الخيار ينقسم إلى قسمين: أن يكون من الزوجة على الزوج،
وأن يكون من الزوج على الزوجة.
فإذا كان من الزوجة على الزوج كامرأة خطبها إنسان، فقالت: لي الخيار لمدة شهر، فالشرط فاسد على المذهب؛ لأن النكاح يقع لازماً، فيكون شرط الخيار فيه منافياً للعقد فلا يصح.
والصحيح أنه يصح إذا شرطت الخيار لها؛ لأن لها في هذا غرضاً مقصوداً، فقد يكون هذا الرجل مشهوراً بسوء الخلق، أو أهله مشهورين بسوء الخلق، فتقول: لي الخيار إن جاز لي المقعد، وإلا فلي الفسخ،
فإذا رضي بذلك، فالصحيح أنه لا مانع، وكونه يقع لازماً، نقول: حتى البيع يقع لازماً،
وإذا شرط فيه الخيار جاز، فكذلك النكاح.
وإذا شرط هو الخيار فالمذهب أنه لا يصح؛ لأن الزوج يستغني عن شرط الخيار بملك الطلاق، فالزوج له أن يفسخ إذا شاء طلق، وانتهى الموضوع وزال الإشكال، وعلى هذا فلا يصح شرط الخيار للزوج اكتفاء بملكه الطلاق، ويمكن أن يقال: إن له الخيار إذا تبين أنه مغرور بها، ويرجع بالمهر على من غره، ولكن يقال: هذه مسألة ثانية، هذه المسألة الأخيرة فيما إذا شرطها على صفةٍ فبانت دونها،
أما الخيار الذي نحن بصدده فهو الخيار المطلق، الذي ليس سببه فوات صفة مطلوبة، أو وجود صفة غير مرغوبة، وقد يقال ـ أيضاً ـ بأن هذا الخيار للزوج ربما يستفيد منه فيما إذا طلق قبل الدخول، فإنه يكون عليه نصف المهر،
فإذا شرط الخيار وطلق قبل الدخول، أو اختار الفسخ ـ مثلاً ـ فإنه في هذه الحال ليس عليه شيء من المهر، فهو يستفيد من شرط الخيار إذا اختار قبل الدخول،
أما بعد الدخول فإن لها المهر بما استحل من فرجها، فلا يستفيد شيئاً، نعم يستفيد بأنه إذا فسخ لا يحسب عليه من الطلاق، وحينئذٍ نرجع بعد هذه المناقشات إلى تصحيح الخيار للزوج وللزوجة، وهذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقال: إنه يصح شرط الخيار له ولها أيضاً. «أو إن جاء المهر في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما» يعني قال: أنا سأتزوجها على ألف ريال، على أني إن جئت بالألف على رأس سنة ألف وأربعمائة وخمسة، وإلا فلا نكاح، نقول: هذا الشرط لا يصح؛
وعللوا ذلك بأنه يشبه الخيار، ولا خيار في النكاح، مع أنهم قالوا في البيع: يجوز أن يقول: إن جئتك بالثمن في وقت كذا، وإلا فلا بيع بيننا؛ لأنه تعليق فسخ، وهنا يقولون: إنه لا يصح، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام :«إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج».
والصواب أنه يجوز، وأنه إذا مضت المدة انفسخ النكاح، ولكن هل يثبت المهر؟ نعم، إذا حصل الدخول،
فإذا وجدت مقرِّرات المهر استقر المهر،
وإن قالوا: لا يمكن أن تدخل إلا أن تسلم المهر، فلهم ذلك.
قال في الروض : «أو شرطت أن يسافر بها»، يقولون: إنه لا يصح، وهذا ـ أيضاً ـ ليس بصحيح، فإنها لو شرطت أن يسافر بها، كما لو شرطت الزيادة في المهر والنفقة،
فإذا قالت: بشرط أن تسافر بي إلى مكة للحج، ما المانع من هذا الشرط؟! أو بشرط أن تسافر بي إلى الرياض لأزور خالتي، أو عمتي، أو عمي، أو ما أشبه ذلك، فالصواب أن يصح، نعم لو قالت: بشرط أن تسافر بي إلى بلاد لا يجوز السفر إليها، فالشرط هنا فاسد، كذلك يقول في الروض:«أو أن تستدعيه للوطء عند إرادتها»، فهذا الشرط لا يصح.
كذلك إذا شرطت أن لا تسلم نفسها لمدة سنة، يقولون: النكاح صحيح والشرط فاسد،
والصحيح أنه يصح، وعليه عمل الناس الآن، فأحياناً يتزوجها ويشترطون أن لا يدخل عليها، إلا بعد سنتين، أو ثلاثة، أو خمسة، فعائشة رضي الله عنها تزوجها عليه الصلاة والسلام ولها ست، ودخل بها وهي بنت تسع ،
فإذا لم يمنع الشرع هذا فلا مانع من اشتراطه،
ولو كان حراماً ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام وإذا لم يكن حراماً صار حلالاً، وإذ صار حلالاً، صار اشتراطه جائزاً.
بَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَّ النِّكَاحُ، وَإِنْ شَرَطَهَا مُسْلِمَةً فَبَانَتْ كِتَابِيَّةً، ........ «بطل الشرط» والعلة منافاته لمقتضى العقد، وهذا التعليل في الحقيقة يجب أن ننظر فيه، فعندنا ثلاث كلمات: منافاته مطلق العقد، منافاته مقتضى العقد، منافاته للعقد.
المنافاة لمطلق العقد هي جميع الشروط غير المشروطة شرعاً، إذ إن مطلق العقد أن لا يوجد شرط.
أما المنافاة لمقتضى العقد، فينظر إن أريد مقتضى العقد المطلق فهو الأول؛ لأن كل الشروط منافية لمقتضى العقد المطلق،
وإن أريد منافية لمقتضى العقد الذي لم يشرط فيه هذا الشيء، فكذلك، ولهذا فهذا التعليل فيه نظر؛ لأننا يمكننا أن نقول: جميع الشروط الصحيحة والفاسدة منافية لمقتضى العقد، لكن ما هو التعليل الصحيح؟
التعليل الصحيح أن يقال: لمنافاته للعقد، أي: المنافي لما جاء به الشرع، مثل اشتراط البائع أن يكون الولاء له إذا أعتقه المشتري، فهذا منافٍ للعقد، فالصواب في هذا أن يقال: الشرط الفاسد؛ هو الشرط المنافي لمقتضى الشرع. «وصح النكاح» لأنه لا يوجد ما ينافي العقد؛ لأن عندهم الذي ينافي العقد من أصله يبطل العقد، والذي ينافي مقتضاه يبطل الشرط
ويصح العقد، والذي ينافي مطلق العقد، فهذا قد يكون صحيحاً، وقد يكون فاسداً.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.