وَإِذَا فُهِمَتْ إِشَارَةُ الْأَخْرَسِ، أَوْ كِتَابَتُهُ صَحَّ لِعَانُهُ بِهَا وَإِلَّا فَلَا وَهَلْ يَصِحُّ لِعَانُ مَنِ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ وَأَيِسَ مَنْ نُطْقِهُ بِالْإِشَارَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ
الشروح عليها
مسألة: (وإذا فُهِمَتْ إشارَةُ الأخْرَسِ أو كِتابَتُه، صَحَّ لِعانُه بها، وإِلَّا فلا) وجمْلَةُ ذلك، أنَّ الأخْرَسَ الخَرْساءَ إذا كانا غيرَ مَعْلُومَيِ الإشارَةِ والكِتابَةِ، لم يَصِحَّ لِعانُهُما؛ لأنه لا يُتَصَوَّرُ منهما لِعانٌ، ولا يُعْلَمُ مِن الزَّوْجِ قَذْفٌ، ولا مِن المَرْأةِ مُطالبَةٌ.
وإن كانا مَعْلُومَي الإشارَةِ والكِتابَةِ، فقد قال أحمدُ: إذا كانتِ المرْأةُ خَرْساءَ لم تُلاعنْ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ مُطالبَتُها. وحكاهُ ابنُ المُنْذِرِ عنه، وعن أبي عُبَيدٍ ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْي. فكذلك يَنْبَغِي أن يكونَ في الأخْرَسِ؛ وذلك لأنَّ اللِّعانَ لَفْظٌ يَفْتَقِرُ إلى الشَّهادَةِ، فلم يَصِحَّ مِن الأخْرَسِ، كالشَّهادةِ الحقيقِيَّةِ، ولأنَّ الحَدِّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، والإشَارَةُ ليست صَرِيحَةً كالنُّطْقِ، ولا تَخْلُو مِن احْتِمالٍ وتَرَدُّدٍ، فلا يَجِبُ الحَدُّ بها، كما لا يَجِبُ على أجْنَبِيٍّ بشَهادَتِه.
وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: هو كالنَّاطِقِ في قَذْفِه ولِعانِه. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه يَصِحُّ طلاقُه، فصَحَّ قَذْفُه ولِعانُه، كالنَّاطِقِ، ويُفارِقُ الشَّهادَةَ؛ فإنَّه يُمْكِنُ حُصُولُها مِن غيرِه، فلم تَدْعُ الحاجَةُ إليه فيها،
وفي اللِّعانِ لا يَحْصُلُ إلَّا منه، فدَعَتِ الحاجَةُ إلى قَبولِه منه، كالطَّلاقِ. قال شيخُنا : والأوَّلُ أحْسَنُ؛ لأنَّ مُوجبَ القذفِ وجُوبُ الحَدِّ، وهو يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ ، ومقصودُ اللِّعانِ الأصْليُّ نَفْيُ النَّسَبِ، وهو يَثْبُتُ بالإمْكانِ، مع ظهورِ انْتِفائِه، فلا يَنْبَغِي أن يُشْرَعَ ما يَنْفِيه، ولا ما يُوجِبُ الحَدَّ مع الشُّبْهةِ العظيمةِ، ولذلك لم تُقْبَلْ شهادتُه. قوْلُهم: إنَّ الشَّهادَةَ تَحْصُلُ مِن غيرِه. قُلْنا: قد لا تَحْصُلُ إلَّا منه؛ لاخْتِصَاصِه برؤيةِ المَشْهُودِ عليه، أو سَماعِه إيَّاه.
فصل: فإن قَذَفَ الأخْرَسُ ولَاعَنَ ثم تَكَلَّمَ، فأنْكَرَ القَذْفَ واللِّعانَ، لم يُقْبَلْ إنْكارُه لِلْقَذْفِ؛ لأنَّه قد تَعَلَّقَ به حَقٌّ لغيرِه بحُكْمِ الظَّاهِرِ، فلا يُقْبَلُ إنْكارُه له، ويُقْبَلُ إنْكارُه للِّعانِ فيما عليه، فيُطالبُ بالحَدِّ، ويَلْحَقُه النَّسَبُ، ولا تَعُودُ الزَّوْجيَّةُ.
فإن قال: أنا أُلاعِنُ لسُقُوطِ الحَدِّ ونَفْي النَّسَبِ. كان له ذلك؛ لأنَّة إنَّما لَزِمَه بإقْرارِه أنَّه لم يُلَاعِنْ،
فإذا أرادَ أنْ يُلاعِنَ كان له ذلك.
٣٧٩٤ - مسألة: (وهل يَصِحُّ لِعانُ مَن اعْتُقِلَ لِسانُهُ وأُيِسَ مِنْ نُطْقِه بالإشارَةِ؟ على وَجْهَين) أحَدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّه مَأْيُوسٌ مِن نُطْقِه، أشْبَهَ الأخْرَسَ.
والثَّاني، لا يَصِحُّ؛ لأنّه ليس بأخْرَسَ، فلم يُكْتَفَ بإشارَته، كغيرِ المأْيُوسِ. ذكَرَ هذين الوجْهَين أبو الخَطَّابِ. وذَكَرَ شيخُنا فيما إذا قَذَفَ وهو ناطِقٌ، ثم خَرِسَ وأُيِسَ مِن نُطْقِه، أنَّ حُكْمَه حُكْمُ الأخْرَسِ الأصْلِيِّ،
فإن رُجِيَ عَوْدُ نُطْقِه، انْتُظِرَ به ذلك، ويُرْجَعُ فيه إلى قَوْل عَدْلَينِ مِن أطِبَّاءِ المُسْلِمِينَ. وهذا قوْلُ بعضِ أصْحابِ الشَّافِعِيِّ. وذُكِرَ أَنَّه يُلاعِنُ في الحالين بالإشارَةِ؛ لأنَّ أُمامَةَ بنتَ أبي العاصِ أصْمَتَتْ، فقيل لها: لِفُلانٍ كذا، ولفلانٍ كذا؟ فأشارَتْ برأْسِها أن نَعَمْ. فرَأَوْا أنَّها وَصِيَّةٌ. قال شَيخُنا : وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه لم يُذْكَرْ مَن الرّائي لذلك، ولم يُعْلَمْ أنَّه قولُ مَن قَوْلُه حُجَّةٌ، ولا عُلِمَ هل كان ذلك لِخَرَسٍ يُرْجَى زَوالُه أوْ لا؟.
(وَإِذَا فُهِمَتْ إِشَارَةُ الْأَخْرَسِ، أَوْ كِتَابَتُهُ صَحَّ لِعَانُهُ بِهَا) ، قَالَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الرِّعَايَةِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " كَطَلَاقِهِ.
وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ. قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ خَرْسَاءَ لَمْ تُلَاعِنْ ; لِأَنَّهُ لَا تُعْلَمُ مُطَالَبَتُهَا، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ يَفْتَقِرُ إِلَى الشَّهَادَةِ، أَشْبَهَ الشَّهَادَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ وَالْإِشَارَةِ لَيْسَتْ صَرِيحَةً كَالنُّطْقِ، وَلَا يَخْلُو مِنِ احْتِمَالٍ وَتَرَدُّدٍ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ الشَّهَادَةَ يُمْكِنُ حُصُولُهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَلَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فِيهَا. وَاللِّعَانُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مِنْهُ فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى قَبُولِهِ مِنْهُ كَالطَّلَاقِ.
وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَقَوْلُنَا أَحْسَنُ إِذِ الشَّهَادَةُ قَدْ لَا تَحْصُلُ إِلَّا مِنْهُ لِاخْتِصَاصِهِ بِرُؤْيَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، أَوْ سَمَاعِهِ إِيَّاهُ. وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ مُوجِبَ الْقَذْفِ وُجُوبُ الْحَدِّ، وَهُوَ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ. وَمَقْصُودُ اللِّعَانِ نَفْيُ السَّبَبِ، وَهُوَ يَثْبُتُ بِالْإِمْكَانِ مَعَ ظُهُورِ انْتِفَائِهِ، (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا كَانَ غَيْرَ مَعْلُومِ الْإِشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ لَمْ يَصِحَّ.
١ - فَرْعٌ: إِذَا قَذَفَ الْأَخْرَسُ وَلَاعَنَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ فَأَنْكَرَهُمَا لَمْ يُقْبَلْ إِنْكَارُهُ لِلْقَذْفِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ، وَيُقْبَلُ إِنْكَارُهُ لِلِّعَانِ فِيمَا عَلَيْهِ فَيُطَالِبُ بِالْحَدِّ وَيَلْحَقُهُ النَّسَبُ، وَلَا تَعُودُ الزَّوْجَةُ،
فَإِنْ قَالَ: أَنَا أُلَاعِنُ لِسُقُوطِ [لِعَانُ مَنِ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ] الْحَدِّ وَنَفْيِ النَّسَبِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ،
وَإِنِ اعْتَرَفَ بِالزِّنَا، ثُمَّ أَنْكَرَ فَكَاللِّعَانِ. (وَهَلْ يَصِحُّ لِعَانُ مَنِ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ وَأَيِسَ مَنْ نُطْقِهُ بِالْإِشَارَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ ". أَحَدُهُمَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " يَصِحُّ كَالْأَخْرَسِ الْأَصْلِيِّ،
وَالثَّانِي لَا ; لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنِ النُّطْقِ لِعَارِضٍ أَشْبَهَ غَيْرَ الْمَأْيُوسِ،
فَإِنْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ قَذْفًا وَلِعَانًا قُبِلَ فِي لِعَانٍ فِي حَدٍّ وَنَسَبٍ فَقَطْ، وَيُلَاعِنُ لَهُمَا،
فَإِنْ رُجِيَ نُطْقُهُ انْتُظِرَ. وَفِي " التَّرْغِيبِ " ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَفَائِدَتُهُ صِحَّةُ قَذْفِ الْأَخْرَسِ وَلِعَانُهُ ; لِأَنَّا لَا نَأْمُرُهُ بِاللِّعَانِ وَنَحْبِسُهُ إِذَا نَكَلَ حَتَّى يُلَاعِنَ. ذَكَرَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ". وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتضِي أَنَّهُ يُحَدُّ. [
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.