وَإِنْ قَالَ لِحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ: زَنَيْتِ، وَأَنْتِ نَصْرَانِيَّةٌ أَوْ أَمَةٌ، وَلَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ
الشروح عليها
مسألة: (وإن قال لحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ: زَنَيْتِ وأنتِ نَصْرَانِيَّةٌ. أو: أمَةٌ. ولم تَكُنْ كذلك، فعليه الحَدُّ) إذا قال: زَنَيْتَ إذْ كنتَ مُشْرِكًا. أو: إذْ كنتَ رَقِيقًا. فقال المَقْذُوفُ: ما كنتُ مُشْرِكًا ولا رَقيقًا؛ [نَظرنا؛
فإن ثَبَتَ أنَّه كان مُشْرِكًا أو رَقِيقًا، فهى كالتى قبلَها.
وإن] ثبَت أنَّه لم يَكُنْ كذلك، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّه يُعْلَمُ كَذِبُه في وَصْفِه بذلك،
وإن لم يَثْبُتْ واحدٌ منهما، وَجَب عليه الحَدُّ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الشِّرْكِ والرِّقِّ، ولأَنَّ الأَصْلَ الحُرِّيَّةُ وإسْلامُ أهلِ دارِ الإِسْلامِ. والثانيةُ، لا يَجِبُ؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه.
وأمَّا إذا قال: زَنَيْتَ وأنت مُشْرِكٌ. فقال المَقْذُوفُ: أرَدْت قَذْفِى بالزِّنَى والشِّرْكِ معًا.
وقال القاذِفُ: بل أرَدْتُ قَذْفَك بالزِّنَى إذ كنتَ مُشْرِكًا. فقال أبو الخَطَّابِ: القولُ قولُ القاذِفِ. وهو قولُ بعض الشافعيةِ؛ لأَنَّ الخِلافَ في نِيَّتِه، وهو أعلمُ بها، وقولُه: وأنت مُشْرِكٌ. مُبْتدأٌ وخَبَرٌ، وهو حالٌ لقولِه: زَنَيْتَ. كقولِه تعالى:{إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ}.
وقال القاضى: يجبُ الحَدُّ. وهو قولُ بعضِ الشّافعيةِ؛ لأَنَّ قولَه: زَنَيْتَ. خِطَابٌ في الحالِ، فالظَّاهِرُ أنَّه أرادَ زِنَاه في الحالِ. وهكذا إن قال: زَنَيْتَ وأنتَ عبدٌ.
فأمَّا إن قال:[زَنَيْتَ. وقال]: أردتُ أنَّه زَنَى وهو مُشْرِكٌ. فقال الخِرَقِىُّ: يجبُ عليه الحَدُّ،
وكذلك إن كان عبدًا؛ لأنَّه قَذَفَه في حال كَوْنِه حُرًّا مُسلمًا مُحْصَنًا، وذلك يَقْتَضِى وُجُوبَ الحَدِّ عليه؛ لعُمومِ. الآيةِ، ووُجودِ المَعْنى،
فإذا ادَّعَى ما يُسْقِطُ الحَدَّ عنه، لم يُقْبَلْ منه، كما لو قَذَف كبيرًا، ثم قال: أرَدْتُ أنَّه زَنَى وهو صغيرٌ.
فأمَّا إن قال: زَنَيْتَ في شِرْكِكَ. أو: وأنتَ مُشْرِكٌ. ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا حَدَّ عليه. وهو قولُ الزُّهْرِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى. وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى. وعن مالكٍ، أنَّه يُحَدُّ. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ؛ لأَنَّ القَذْفَ وُجِدَ في حالِ كَوْنِه مُحْصَنًا. ووَجْهُ الأوَّل، أنَّه أضافَ القَذْفَ إلى حالٍ ناقِصَةٍ، أشْبَهَ ما لو قَذَفَه في حالِ الشِّرْكِ، ولأنَّه قَذَفَه بما لا يُوجِبُ الحَدَّ على المَقْذُوفِ، أشْبَهَ ما لو قَذَفَه بالوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ.
وهكذا الحُكمُ لو قَذَف مَن كان رَقِيقًا.
فإن قال: زَنَيْتَ وأنتَ صَبِىٌّ أو: صغيرٌ. سُئِلَ عن الصِّغَرِ،
فإن فَسَّرَه بما لا يُجامِعُ في مثلِه، ففيها الوَجْهان.
وإن فَسَّرَه بصِغَرٍ يُجامِعُ في مثلِه، خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن في اشْتِراطِ البُلوغِ للإِحْصانِ.
فصل: وإن قَذَف مَجْهُولًا، وادَّعَى أنَّه رَقِيقٌ أو مُشْرِكٌ.
وقال المَقْذُوفُ: بل أنا حُرٌّ مسْلِمٌ. فالقولُ قولُه.
وقال أبو بكرٍ: القولُ قولُ القاذِفِ في الرِّقِّ؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه مِن الحَدِّ، وهو يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وما ادَّعاه محْتَمِلٌ، فيكونُ شُبْهَةً. وعن الشافعىِّ كالوَجْهَيْن. ولَنا، أنَّ الأَصْلَ الحرِّيَّةُ، وهو الظَّاهِرُ، فلم يُلْتَفَتْ إلى ما خالَفَه، كما لو فَسَّر صَرِيحَ القَذْفِ بما يُحِيلُه. ٤٤٣٨ -
(وَإِنْ قَالَ لِحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ: زَنَيْتِ، وَأَنْتِ نَصْرَانِيَّةٌ أَوْ أَمَةٌ، وَلَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) لِأَنَّهُ يُعْلَمُ كَذِبُهُ،
وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ،
فَإِنْ ثَبَتَ فَلَا حَدَّ عَلَى الْأَصَحِّ
وإنْ قالَ لحُرةٍ مُسْلِمَةٍ: زَنَيْتِ وأنْتِ نَصْرانِيَّةٌ. أو: أمَةٌ. ولم تَكُنْ فى الْحَالِ. فَأَنْكَرَهَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
كذلك، فعليه الحَدُّ. وإنْ لم يَثْبُتْ وأمْكَنَ، فرِوايَتان. وأَطْلَقَهما فى «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»؛ إحْداهما، يُحَدُّ. وهو الصَّحيحُ. قال فى «الرِّعايتَيْن»: حُدَّ، على الأصحِّ. وقدَّمه فى «الحاوِى الصَّغِيرِ». [وجزَم به فى «المُسْتَوْعِبِ»] . والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يُحَدُّ.
تنبيه: مفْهومُ قولِه: وإنْ لم يثْبُتْ وأمْكَنَ . أنَّه إذا ثبَت، لا يُحَدُّ. وهو صحيحٌ.
قال فى «الرِّعايتَيْن»: وإنْ لم يَثْبُتَا ، لم يُحَدَّ، على الأصحِّ.
وكذا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال فى «الحاوِى الصَّغِيرِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وعنه، يُحَدُّ.
فوائد؛ إحْداها، وكذا الحُكْمُ لو قذَف مجْهولَةَ النَّسَبِ، وادَّعَى رِقَّها، وأنْكَرَتْه ولا بَيِّنَةَ، خِلافًا ومذهبًا. قالَه المَجْدُ، والنَّاظِمُ، وابنُ حَمْدانَ، وغيرُهم. وقدَّم المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ هنا، أنَّه يُحَدُّ. [وصحَّحه فى «الرِّعايتَيْن». وقدَّمه فى «الحاوِى». وهو المذهبُ] . واخْتارَ أبو بَكْرٍ، أنه لا يُحَدُّ.
الثَّانيةُ، لو قال: زَنَيْتِ وأنتِ مُشْرِكَةٌ. فقالتْ: أرَدْتَ قَذْفِى بالزِّنَى والشِّرْكِ معًا. فقال: بل أرَدْتُ قَذْفَكِ بالزِّنَى إذْ كُنْتِ مُشْرِكَةً. فالقولُ قولُ القاذِفِ. على . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ، وغيرُه. قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا أصحُّ الرِّوايتَيْن وأنَصُّهما.
وعنه، يُحَدُّ. اخْتارَه القاضى. وقدَّمه فى «الخُلاصَةِ». وأَطلَقَهما فى «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ».
الثَّالثةُ، لو قال لها: يا زانِيَةُ. ثم ثبَت زِنَاها فى حالِ كُفْرِها، لم يُحَدَّ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، كثُبوتِه فى إسْلامٍ. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وقال فى «المُبْهِجِ»: إنْ قَذَفَه بما أتَى فى الكُفْرِ، حُد؛ لحُرْمَةِ الإِسْلامِ. وسألَه ابنُ مَنْصُورٍ، رجُلٌ رَمَى امْرَأةً بما فَعَلَتْ فى الجاهِلِيَّةِ؟ قال: يُحَدُّ.
قال: (وإن قال لحرة مسلمة: زنيتِ وأنت نصرانية أو أمة ولم تكن كذلك فعليه الحد. وإن كانت كذلك وقالت: أردتَ قذفي في الحال فأنكرها فعلى وجهين) .
أما كون من قال ما ذُكر عليه الحد إذا لم تكن المقذوفة [كما
قال في حال؛ فلأنه قذف محصنة.
وأما كونه عليه الحد إذا كانت المقذوفة] كذلك وقالت: أردتَ قذفي في الحال وأنكرها على وجه؛ فلأن قوله: زنيتِ خطاب في الحال، والظاهر أنه أراد ذلك.
وأما كونه لا حد عليه على وجه؛ فلأن ظاهر لفظه يقتضي تعلق: وأنت نصرانية أو أمة بقوله: زنيت، فيصير كأنه قال لها: زنيت في حال النصرانية أو الرق ولا حد مع ذلك.
وهذا أصح من الأول؛ لأن ارتباط الكلام بعضه ببعض أولى من عدم ارتباطه،
وإذا كان ذلك كذلك وجب ارتباط قوله: وأنت نصرانية بقوله: زنيت، وذلك ينفي كونه قاذفاً في الحال.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.