الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا مُحْتَرَمًا سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ كَالْفَاكِهَةِ وَالْبِطِّيخِ، أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ ثَمِينًا كَالْمَتَاعِ وَالذَّهَبِ، أَوْ غَيْرَ ثَمِينٍ كَالْخَشَبِ وَالْقَصَبِ يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ
الشروح عليها
فصل: (الثَّانِى، أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا مُحْتَرَمًا، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، كَالْفَاكِهَةِ، وَالْبِطِّيخِ أَوْ لَا، وَسَواءٌ كَانَ ثَمِينًا، كَالْمَتَاعِ وَالذَّهَبِ، أَوْ غَيْرَ ثَمِينٍ، كَالْخَشَبِ وَالْقَصَبِ)
وكذلك يُقْطَعُ بسَرقَةِ الأحْجارِ، والصَّيْدِ، والنُّورَةِ ، والجِصِّ، والزِّرْنِيخِ، والتَّوَابِلِ، والفَخَّارِ، والزُّجاجِ، وغيرِه. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ على سارِقِ الطَّعامِ الرَّطْبِ الَّذى يَتَسارَعُ إليه الفَسادُ، كالفَواكِهِ، والطَّبَائِخِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا قَطْعَ في ثَمَرِ وَلَا كَثَر ». رَواه أبو داودَ . ولأَنَّ هذا مُعَرَّضٌ للهَلاكِ، أشْبَهَ ما لم يُحْرَزْ. ولا قَطْعَ فيما كان أصْلُه مُباحًا في دارِ الإِسْلامِ، كالصُّيودِ، والخَشَبِ، إلَّا في السَّاجِ، والآبِنُوسِ، والصَّنْدَلِ، والقَنَا، والمعمُولِ مِن الخشَبِ، فإنَّه يُقْطَعُ به. وما عَدا هذا لا يُقْطَعُ به؛ لأنَّه يُوجَدُ كثيرًا مُباحًا في دارِ الإِسْلامِ، فأشْبَهَ التُّرَابَ.
ولا قَطْعَ في القُرُونِ، وإن كانت مَعْمُولةً؛ لأَنَّ الصَّنْعَةَ لا تكونُ غالبةً عليها، بل القِيمَةُ لها،
بخِلافِ مَعْمُولِ الخَشَبِ. ولا قَطْعَ عندَه في التَّوَابِلِ، والنُّورَةِ، والجِصِّ، والزِّرْنِيخِ، والمِلْحِ، والحجارَةِ، واللَّبنِ، والزُّجَاجِ، والفَخَّارِ.
وقال الثَّوْرِىُّ: ما يَفسُدُ في يَوْمِه، كالثَّرِيدِ واللَّحْمِ، لا قَطْعَ فيه. ولَنا، عُمُومُ قولِه تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}. وروَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- سُئِلَ عن الثَّمَرِ المُعَلَّقِ، فَذَكَرَ الحديثَ،
ثم قال: «وَمَنْ سَرَقَ مِنْ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ، فَفِيهِ القَطْعُ». رَواه أبو داودَ، وغيرُه . ورُوِىَ أنَّ عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أُتِى برجلٍ قد سَرَق أُتْرُجَّةً، فأمَرَ بها عثمانُ فأُقِيمَتْ، فبَلَغَتْ قِيمَتُها رُبْعَ دِينارٍ، فأمَرَ به عثمانُ فقُطِعَ. رَواه سعيدٌ . ولأَنَّ هذا مالٌ يُتَمَوَّلُ عادةً، ويُرْغَبُ فيه، فيُقْطَعُ سارِقُه إذا اجْتَمَعَتِ الشُّرُوطُ، كالمُجَفَّفِ، ولأَنَّ ما وَجَب القَطْعُ في مَعْمُولِه، وَجَب فيه قبلَ العَمَلِ، كالذَّهَبِ، والفِضَّةِ.
وحَدِيثُهم أرادَ به الثَّمَرَ المُعَلَّقَ؛ بدَليلِ حدِيثِنا، فإنَّه مُفَسِّرٌ له، وتَشْبِيهُه بغيرِ المُحْرَزِ لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ غيرَ المُحْرَزِ مُضَيَّعٌ، وهذا مَحْفُوظٌ، ولهذا افْتَرَقَ سائِرُ الأموالِ بالحِرْزِ وعدَمِه. وقولُهم: يُوجَدُ مُباحًا في دارِ الإِسْلامِ. يَنْتَقِضُ بالذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والحَدِيدِ، والنُّحَاسِ، وسائرِ المعادِنِ.
٤٤٧٩ - مسألة: (ويُقْطَعُ بسَرِقَةِ العَبْدِ الصَّغِيرِ) في قَوْلِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ : أجْمَعَ على هذا كُّل مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى. والصَّغِيرُ الَّذى يُقْطَعُ بسَرِقَتِه، هو الَّذى لا يُمَيِّزُ،
فإن كان كبيرًا لم يُقْطَعْ سارِقُه، إلَّا أن يكونَ نائمًا، أو مجْنونًا، أو أعْجَمِيًّا لا يُمَيِّزُ بينَ سَيِّدِه وغيرِه في الطَّاعَةِ، فيُقْطَعُ سارِقُه.
وقال أبو يوسف: لا يُقْطَعُ سارِقُ العَبْدِ وإن كان صَغِيرًا؛ لأَنَّ مَن لَا يُقْطَعُ بسَرِقَتِه كَبيرًا، لا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِه صغيرًا، كالحُرِّ. ولَنا، أنَّه سَرَق مالًا مَمْلوكًا تَبْلُغُ قِيمَتُه نِصابًا، فوَجَب القَطْعُ عليه، كسائرِ الحيواناتِ. وفارَقَ الحُرَّ، فإنَّه ليس بمالٍ ولا مَمْلُوكٍ. وفارَقَ الكبيرَ؛ لأنَّه لا يُسْرَقُ، وإنَّما يُخْدَعُ بشئٍ.
فإن كان المَسْرُوقُ في حالِ نَوْمِه أو جُنُونِهِ أُمَّ ولدٍ، ففى قَطعِ سارِقِها وَجْهان؛ أحدُهما، لا يُقْطَعُ؛ لأنَّها لا يَحِلُّ بَيْعُها، ولا نَقْلُ المِلْكِ فيها، فأشْبَهَتِ الحُرَّةَ. والثانى، يُقْطَعُ؛ لأنَّها مَمْلُوكَةٌ تُضْمَنُ بالقِيمَةِ، فأشْبَهَتِ القِنَّ. وحُكْمْ المُدَبَّرِ حُكْمُ القِنِّ؛ لأنَّه يجوزُ بَيْعُه، ويُضْمَنُ بقِيمَتِه.
فأمَّا المُكاتَبُ، فلا يُقْطَعُ سارِقُه؛ لأَنَّ مِلْكَ سَيِّدِه ليس بتَامٍّ عليه؛ لكَوْنِه لا يَمْلِكُ مَنافِعَه، ولا اسْتِخْدامَه، ولا أخَذَ أَرْشِ الجِنايةِ عليه،
ولو جَنَى السَّيِّدُ عليه، لَزِمَه له الأَرْشُ،
ولو اسْتَوْفَى مَنافِعَه كَرْهًا، لَزِمَه عِوَضُها،
ولو حَبَسَه لَزِمَه أُجْرَةُ مُدَّةِ حَبْسِه، [أو إنْظارُه] مقدارَ تلك المُدَّةِ.
ولا يَجبُ القَطْعُ لأجلِ مِلْكِ المُكاتَبِ في نفْسِه؛ لأَنَّ الإنْسانَ لا يَمْلِكُ نَفْسَه، فأَشْبَهَ الحُرَّ.
فأمَّا إن سَرَق مالَ المُكاتَبِ، فعليه القَطْعُ؛ لأَنَّ مِلْكَ المكاتَبِ ثابِتٌ في مالِ نَفْسِه، إلَّا أن يكونَ السارِقُ سَيِّدَه، فلا قَطْعَ عليه؛ لأَنَّ له في مالِه حَقًّا وشُبْهَةً تَدْرَأُ الحَدَّ، ولذلك لو وَطِئَ جارِيَتَه لم يُحَدَّ.
٤٤٨٠ -
(الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا) لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمَالٍ لَا حُرْمَةَ لَهُ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ قَطْعٌ، وَالْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ غَيْرَ الْمَالِ لَا يُسَاوِي الْمَالَ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ، لَا يُقَالُ: الْآيَةُ مُطْلَقَةٌ، لِأَنَّ الْأَخْبَارَ، مُقَيَّدَةٌ بِهِ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، فَعَلَى هَذَا: لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ كَلْبٍ،
وَإِنْ كَانَ مُعَلَّمًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا بِحُرٍّ لِمَا يَأْتِي (مُحْتَرَمًا) لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَمَالِ الْحَرْبِيِّ، تَجُوزُ سَرِقَتُهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وَجَوَازُ الْأَخْذِ مِنْهُ يَنْفِي وُجُوبَ الْقَطْعِ (سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ كَالْفَاكِهَةِ وَالْبِطِّيخِ، أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ ثَمِينًا كَالْمَتَاعِ وَالذَّهَبِ، أَوْ غَيْرَ ثَمِينٍ كَالْخَشَبِ وَالْقَصَبِ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الثَّمَرِ:«مَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ الْقَطْعُ» .
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ أُتْرُجَّةً فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَأَمَرَ عُثْمَانُ أَنْ تُقَوَّمَ، فَقُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ بِدِينَارٍ، فَقَطَعَ عُثْمَانُ يَدَهُ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ،
وَقَالَ: هِيَ الْأُتْرُجَّةُ الَّتِي يَأْكُلُهَا النَّاسُ، وَلِأَنَّ هَذَا مَالٌ يُتَمَوَّلُ عَادَةً، وَيُرْغَبُ فِيهِ، فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ كَالْمُجَفَّفِ، وَسَوَاءٌ كَانَ أَصْلُهُ الْإِبَاحَةَ، أَوْ لَا، حَتَّى أَحْجَارٌ، وَلَبَنٌ، وَنَوْرَةٌ، وَفَخَّارٌ، وَزُجَاجٌ، وَمِلْحٌ، وَفِيهِ وَجْهٌ: وَسِرْجِينٌ طَاهِرٌ،
وَالْأَظْهَرُ: وَثَلْجٌ، وَفِي مَاءٍ وَجْهَانِ،
وَفِي الْوَاضِحِ: فِي صَيْدِ مَمْلُوكٍ مُحْرَزٍ رِوَايَتَانِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: لَا قَطْعَ فِي طَيْرٍ، لِإِبَاحَتِهِ أَصْلًا،
قَالَ فِي الْفُصُولِ: قَالَ شَيْخُنَا: لَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذْ كَلُّ الْأَمْوَالِ كَذَلِكَ، وَعِنْدِي أَنَّ قَصْدَ الْأَشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ فِي الْأَصْلِ، كَالصُّيُودِ، وَمَا شَاكَلَهَا، لَا قَطْعَ فِيهَا،
وَفِي الرَّوْضَةِ: إِنْ لَمْ يُتَمَوَّلْ عَادَةً، كَمَاءٍ، وَكَلَإٍ مُحْرَزٍ، فَلَا قَطْعَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ) فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، لِأَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مَمْلُوكًا، تَبْلُغُ قِيمَتُهُ نِصَابًا أَشْبَهَ سَائِرَ الْحَيَوَانَاتِ، وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ، لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَفْهَمُ، وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ سَيِّدِهِ، وَغَيْرِهِ،
فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا عَاقِلًا لَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَائِمًا، أَوْ مَجْنُونًا لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ سَيِّدِهِ، وَغَيْرِهِ فِي الطَّاعَةِ، فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ، كَأَعْجَمِيٍّ لَا يُمَيِّزُ،
وَلَوْ كَانَ كَبِيرًا، وَفِي الشَّرْحِ: إِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ فِي حَالِ نَوْمِهِ، أَوْ جُنُونِهِ، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ فَوَجْهَانِ،
وَفِي الْكَافِي: لَا يُقْطَعُ كَبِيرٌ، أَكْرَهُهُ،
وَفِي التَّرْغِيبِ فِي عَبْدٍ نَائِمٍ وَسَكْرَانَ: وَجْهَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا سَرَقَ الْمُكَاتَبُ لَمْ يُقْطَعْ
بِخِلَافِ مَالِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَيِّدَهُ هُوَ السَّارِقُ
ويُقْطَعُ بسَرِقَةِ العَبْدِ الصَّغِيرِ. هذا المذهبُ مُطْلَقًا. جزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الوَجيزِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ»، و «الفُروعِ».
وقال المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «التَّرْغِيبِ»، وغيرُهم: لا قَطْعَ بسَرِقَةِ عَبْدٍ مُمَيِّزٍ. قال ابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه»: وهو مُرادُ المُصَنِّفِ هنا. يعْنِى، أنَّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُرادَه غيرُ المُمَيِّزِ.
تنبيه: مفْهومُ كلامِ المُصَنِّفِ أنَّه لا قَطْعَ بسَرِقَةِ عَبْدٍ كبيرٍ. وهو صحيحٌ. وهو المذهبُ. وهو ظاهِرُ كلامِ أَكْثرِ الأصحابِ.
وقال فى «الكافِى»: لا قَطْعَ بسَرِقَةِ عَبْدٍ كبيرٍ أكْرَهَهُ.
وقال فى «التَّرْغِيبِ»: فى العَبْدِ الكبيرِ وَجْهان.
فائدتان؛ إحداهما، يُقْطَعُ بسَرِقَة العبدِ المَجْنونِ والنَّائمِ والأَعْجَمِىِّ الَّذى لا يُمَيِّزُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقال فى «التَّرْغيبِ»: فى سَرِقَةِ نائمٍ وسَكْرانَ وَجْهان. وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ حُرٍّ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا.
وَعَنْهُ، أنَّه يُقْطعُ بِسَرِقَةِ الثَّانيةُ، لا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مُكاتَبٍ، ولا بسَرِقَةِ أُمِّ الوَلَدِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقطَع به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ» فى المُكاتَبِ. [وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ فى المُكاتَبِ وأُمِّ الوَلَدِ.
وقال فى المُكاتَبِ: يَنْبَغِى أَنْ يُقْطَعَ إنْ قُلْنا بجَوازِ بَيْعِه].
وقيل: يُقْطَعُ إذا كانا نائمَيْن، أو مَجْنُونَيْن. وأَطْلَقهما فى «الفُروعِ».
وقال فى «الرِّعايَةِ»: وإنْ سرَق أُمَّ وَلَدٍ مَجْنونَةً أو نائمةً، قُطِعَ،
وإنْ سرَقَها كَرْهًا، فوَجْهان. وأطْلَقهما فى «الكافِى»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، فى أُمِّ الوَلَدِ.
فصل [الشرط الثاني] قال المصنف رحمه الله: (الثاني: أن يكون المسروق مالاً محترماً. سواء كان مما يسرع إليه الفساد كالفاكهة والبطيخ أو لا. وسواء كان ثميناً كالمتاع والذهب، أو غير ثمين كالخشب والقصب) .
أما كون الثاني من شروط القطع في السرقة: أن يكون المسروق مالاً محترماً: أما اشتراط كونه مالاً؛ فلأن ما ليس بمال لا حرمة له. فلم يجب به قطع.
ولأن الأحاديث الدالة على وجوبه من قوله صلى الله عليه وسلم:«تقطعُ اليدُ في ربع دينار فصاعداً» وغير ذلك مشتملة على أخذ المال.
فإذا لم يكن المسروق مالاً لم يكن ذلك دالاً على القطع بطريق اللفظ ولا بطريق المعنى.
أما عدم دلالته بطريق اللفظ؛ فلأن اللفظ لا يشمل ذلك.
وأما عدم دلالته بطريق المعنى؛ فلأن غير المال لا يساوي المال. فلا يصح إلحاقه به.
فإن قيل: الأحاديث إذا كانت مشتملة على المال فالآية المذكورة ليست مشتملة على ذلك؛ لأنه قال سبحانه:{والسارق والسارقة} من غير تعرض لكون المسروق مالاً أو غير مال.
قيل: الآية مطلقة والأحاديث مقيدة، والمطلق يجب حمله على المقيد.
فعلى هذا لا يقطع بسرقة الكلب وإن كان معلماً؛ لأنه ليس بمال، ولا بسرقة الحر؛ لأنه ليس بمال. وعلى هذا فقس.
وأما اشتراط كون المسروق محترماً؛ فلأن المال إذا لم يكن محترماً كمال الحربي تجوز سرقته وأخذه بكل وجه، وجواز الأخذ ينفي وجوب القطع.
وأما كون ما يسرع إليه الفساد وما لا يسرع إليه سواء في وجوب القطع؛ فلأن قوله تعالى:{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}: يشملهما.
وفي الحديث «أن عثمان رضي الله عنه أُتي برجل قد سرقَ أُترُجّة فأمرَ بها عثمان فقوّمت فبلغت قيمتُها ربعَ دينار فأمرَ به فقُطع» .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «سُئلَ عن الثمر المعلَّق. فقال: لا قطعَ في ثمرٍ ولا كَثَرٍ. ثم قال: ومن سرقَ منه شيئاً بعد أن يُؤويهُ الجرينُ فبلغَ ثمنَ المِجَنّ فعليهِ القطع». رواه أبو داود.
ولأن ما يسرع إليه الفساد نوع مال. فجاز أن يتعلق به القطع؛ كالذي يمكن تجفيفه.
وأما كون ما كان ثميناً أو غير ثمين سواء في وجوب القطع؛ فلأن الآية المتقدم ذكرها تشملهما.
ولأن المعتبر قيمة ثلاثة دراهم أو ربع دينار، وذلك موجود في الثمين وغيره.
قال: (ويقطع بسرقة العبد الصغير. ولا يقطع بسرقة حر وإن كان صغيراً. وعنه: يقطع بسرقة الصغير، فإن قلنا لا يقطع فسرقه وعليه حلي فهل يقطع؟ على وجهين) .
أما كون سرقة العبد الصغير يقطع فيها؛ فلأنه مملوك. فوجب القطع بسرقته؛ كسائر الحيوانات المملوكة. والمراد بالصغير هنا غير المميز؛ لأن مثل هذا لا يفهم ولا يميز بين سيده وغيره.
وفي تقييد القطع بكون العبد صغيراً إشعار بأن سرقة العبد الكبير لا يقطع بها وهو صحيح؛ لأن العبد إذا كان كبيراً لا يمكن سرقته؛ لأنه له اختيار وإرادة.
فإذا طلب غير سيده أخذه لا يمكنه ذلك إلا باختياره. فلم يكن الأخذ المذكور سرقة؛ كما لو هرب بنفسه من غير أن يأخذه أحد معه.
وأما كون سرقة الحر الكبير لا يقطع بها؛ فلأنه ليس بمال،
ومن شرطه كون المسروق مالاً.
ولأن الكبير لا يمكن سرقته.
ولأنه لم يجب القطع بسرقة العبد الكبير. فلأن لا تجب بسرقة الحر الكبير بطريق الأولى.
وأما كون سرقة الحر الصغير لا يقطع بها على المذهب؛ فلما تقدم من أنه ليس بمال. أشبه الحر الكبير.
وأما كونه يقطع بها على روايةٍ؛ فلأنه مسروق يتبع آخذه. أشبه المال والبهيمة. وبهذا فارق الحر الكبير فإنه لا يتبع أحداً إلا باختياره وإرادته.
وأما كون من سرق الحر الصغير وعليه الحلي يقطع على وجه إذا قيل لا يقطع؛ فلأنه سرق نصاباً من الحلي. فوجب القطع؛ كما لو سرقه منفرداً.
ولأن سارق ذلك سارق. فيدخل في عموم قوله تعالى:{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا}.
وأما كونه لا يقطع على وجه؛ فلأنه تابع لما لا يجب القطع بسرقته. أشبه ثيابه.
ولأن يد الصبي على ما عليه. بدليل أن ما يوجد مع اللقيط يكون له،
وإذا كانت يد الصبي على حليه وجب كونه تبعاً،
وإذا كان تبعاً لم يقطع؛ كالمتبوع.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.