وَإِذَا سَرَقَ نِصَابًا ثُمَّ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ أَوْ مَلَكَهُ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا، لَمْ يَسْقُطِ الْقَطْعُ
الشروح عليها
فصل: ولو سَرَق إناءً مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، قِيمتُه نِصابٌ إذا كان مُنْكَسِرًا، فعليه القَطعُ؛ لأنَّه غيرُ مُجْمَعٍ على تَحْرِيمِه، وقِيمَتُه بدُونِ الصِّناعَةِ المُخْتَلَفِ فيها نِصَابٌ.
وإن سَرَق إناءً مُعَدًّا لحَمْلِ الخمرِ ووَضْعِه فيه، ففيه القَطْعُ، لأَنَّ الإِناءَ لا تَحْريمَ فيه، وإنَّما يَحْرُمُ عليه بنِيَّتِه وقَصْدِه، فأشْبَهَ ما لو سَرَقَ سِكِّينًا معَدَّةً لذَبْحِ الخنازيرِ، أو سيْفًا يُعَدُّ لقَطْعِ الطَّرِيقِ.
ولو سَرَق مِنْدِيلًا في طَرَفِه دِينار مَشْدُودٌ يَعْلَمُ به، فعليه القَطْعُ،
وإن لم يَعْلَمْ به، فلا قَطْعَ فيه، لأنَّه لم يَقْصِدْ سَرِقَتَه، فأشْبَهَ ما لو تَعَلَّقَ بثَوْبِه.
وقال الشافعىُّ: يُقْطَعُ، لأنَّه سَرَق نِصابًا، فأشْبَهَ ما لو سَرَقَ مالًا يَعْلَمُ أنَّ قِيمَتَه نِصابٌ، والفَرْقُ بينَهما أنَّه عَلِمَ بالمَسْرُوقِ ههُنا، وقَصَد سَرِقَتَه،
بخِلافِ الدِّينارِ، فإنَّه لم يُرِدْه، ولم يَقصِدْ أخْذَه، فلا يُؤاخَذُ به بإيجابِ الحَدِّ عليه.
فصل: (الثالثُ، أن يَسْرِقَ نِصابًا، وهو ثلاثةُ دَراهِمَ، أو قِيمةُ ذلك مِن الذَّهَبِ والعُروضِ.
وعنه، أنَّه ثلاثةُ دَرَاهِمَ، أو رُبْعُ دِينارٍ، أو ما يبلغُ قِيمةَ أحَدِهما مِن غيرِهما.
وعنه، لا تُقَوَّمُ العُروضُ إلَّا بالدَّراهِمِ) فلا يَجِبُ القَطْعُ بسَرِقَةٍ أدونَ النِّصابِ، في قولِ الفُقَهاءِ كلِّهم، إلَّا الحسنَ، وداودَ، وابنَ بنتِ الشافعىِّ، والخَوارِجَ، فإنَّهم قالوا: يُقطَعُ في القَليلِ والكثيرِ، لعُمومِ الآيةِ،
ولِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الحَبْلَ فتُقْطَعُ يَدُهُ، ويَسْرِقُ البَيْضَةَ فتُقْطَعُ يَدُهُ». مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّه سارِقٌ من حِرْزٍ، فتُقْطَعُ يَدُه، كسارِقِ الكبيرِ. ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تُقْطَعُ اليَدُ إلَّا في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا». [مُتَّفَقٌ عليه]. وإجْماعُ الصَّحابةِ على ما سَنَذْكُرُه. وهذا يَخُصُّ عُمومَ الآيةِ. والحَبْلُ يَحْتَمِلُ أن يُساوِى ذلك.
وكذلك البَيْضَةُ، يَحْتَمِلُ أن يُرادَ بها بَيْضَةُ السِّلاحِ، وهى تُساوِى ذلك. واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في قَدْرِ النِّصابِ الَّذى يَجِبُ القَطْعُ بسَرِقَتِه، فروَى عنه أبو إسحاقَ الجُوزْجَانِىُّ، أنَّه رُبْعُ دِينَارٍ من الذَّهَبِ، أو ثَلاثةُ دَرَاهِمَ من الوَرِقِ، أو ما قِيمَتُه ثَلاثةُ دَراهِمَ مِن غيرِهما. وهذا قولُ مالكٍ، وإسحاقَ. وروَى عنه الأَثْرَمُ، أنَّه إن سَرَق مِن غيرِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ما قِيمتُه رُبْعُ دِينارٍ، أو ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ، قُطِعَ.
وعنه، أنَّ الأَصْلَ الوَرِقُ، ويُقَوَّمُ الذَّهَبُ به،
فإن نَقَص رُبْعُ دِينارٍ عن ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، لم يُقْطَعْ سارِقُه. وهذا يُحْكَى عن اللَّيْثِ، وأبى ثَوْرٍ. وقالت عائشةُ: لا قَطعَ إلَّا في رُبْعِ دِينارٍ فصاعِدًا ، ورُوِىَ هذا عن [عمرَ، و] عثمان، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال الفُقَهاءُ السَّبْعَةُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لحديثِ عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«لَا قَطْعَ إلَّا في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا».
وقال عثمانُ البَتِّىُّ: تُقْطَعُ اليَدُ في دِرْهَمٍ، فما فَوْقَه. وعن أبى هُرَيْرَةَ، وأبى سَعِيدٍ، أنَّ اليَدَ تُقْطَعُ في أرْبَعةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا . وعن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ الخَمْسَ لا تُقْطَعُ إلَّا في الخَمْسِ . وبه قال سليمانُ بنُ يَسارٍ، وابنُ أبى ليلى، وابنُ شُبْرُمَةَ. ورُوِىَ ذلك عن الحسنِ.
وقال أنَسٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: قَطَع أبو بكرٍ في مِجَنٍّ قِيمتُه خَمْسَةُ دَراهِمَ. رَواه الجُوزْجَانِىُّ بإسْنادِه .
وقال عَطاءٌ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه : لا تُقْطَعُ اليَدُ إلَّا في دِينارٍ، أو عَشَرَةِ دَرَاهِمَ؛ لِما روَى الحَجَّاجُ بنُ أرْطاةَ، عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال:«لَا قَطْعَ إلَّا فِى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ». وروَى ابنُ عباسٍ، قال: قَطَع رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَدَ رجلٍ في مِجَنٍّ قيمتُه دِينارٌ، أو عَشرَةُ دَرَاهِمَ . وعن النَّخَعِىِّ: لا تُقْطَعُ اليَدُ إلَّا في أرْبَعِينَ دِرْهَمًا ولَنا، ما روَى ابنُ عمرِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَطَع في مِجَنٍّ ثَمَنُه ثلاثةُ دَرَاهِمَ.
مُتَّفقٌ عليه . قال ابنُ عبدِ البَرِّ : هذا أصَحُّ حديثٍ يُرْوَى في هذا البابِ، لا يَخْتَلِفُ أهلُ العلمِ في ذلك. وحديثُ أبى حنيفةَ الأَوَّلُ يَرْوِيه الحجَّاجُ ابنُ أرْطاةَ، وهو ضَعِيفٌ، والذى روَى عن الحجَّاجِ ضَعِيفٌ أيضًا. والحديثُ الثانى لا دَلالَةَ فيه على أنَّه لا يُقْطَعُ بما دُونَه،
فإنَّ مَن أوْجَبَ القَطْعَ بثلاثةِ دَرَاهِمَ، أوْجَبَه بعَشَرَةٍ، ويَدُلُّ هذا الحديثُ على أنَّ العَرْضَ يُقَوَّمُ بالدَّراهِمِ؛ لأَنَّ المِجَنَّ قُوِّمَ بها ، ولأَنَّ ما كان الذَّهَبُ فيه أصلًا، كان الوَرِقُ فيه أصْلًا، كنُصُبِ الزَّكواتِ، والدِّياتِ، وقِيَمِ المُتْلَفَاتِ. وقد روَى أنَسٌ، أنَّ سَارِقًا سَرَق مِجَنًّا ما يَسُرُّنِى أنَّه لى بثلاثَةِ دَرَاهِمَ، أو ما يُساوِى ثلاثةَ دَراهِمَ، فقَطَعَه أبو بكرٍ . وأُتِىَ عثمانُ برَجُلٍ قد سَرَق أُتْرُجَّةً، فأمَرَ بها عثمانُ فقُوِّمَتْ، فبلَغَتْ قِيمَتُهُا رُبْعَ دِينارٍ، فقُطِعَ .
فصل: وإذا سَرَق رُبْعَ دِينارٍ من المَضْروبِ الخالِصِ، ففيه القَطْعُ.
وإن كان فيه غِشٌّ أو تِبْرٌ يَحْتاجُ إلى تَصْفِيَةٍ، لم يَجِبِ القَطْعُ حتَّى يَبْلُغَ ما فيه من الذَّهَبِ رُبْعَ دِينَارٍ؛ لأَنَّ السَّبْكَ يَنْقُصُه.
وإن سَرَق رُبْعَ دِينارٍ قُراضَةً، أو تِبْرًا خالِصًا، أو حَلْيًا، ففيه القَطْعُ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ الجُوزْجَانِىِّ، قال: قلتُ له: كيف يَسْرِقُ رُبْعَ دِينارٍ؟ فقال: قِطْعَةَ ذَهَبٍ، أو خاتَمًا، أو حَلْيًا. وهذا قولُ أكثرِ أصحابِ الشافعىِّ. وذَكَر القاضى في وُجُوبِ القَطْعِ احْتِمالَيْن، أحدُهما، لا قَطْعَ عليه. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعىِّ، لأَنَّ الدِّينارَ اسْمٌ للمَضْرُوبِ. ولَنا، أنَّ ذلك رُبْعُ دينارٍ، لأنَّه يُقالُ : دينارٌ قُراضَةٌ، ومُكَسَّرٌ ، أو: دِينارٌ خِلاصٌ .
ولأنَّه لا يُمْكِنُه سَرِقَةُ رُبْعِ دِينارٍ مُفْرَدٍ في الغالِبَ إلَّا مَكْسُورًا. وقد أُوجِبَ عليه القَطْعُ بذلك، ولأنَّه حَقٌّ للَّهِ تعالى تَعَلَّقَ بالمَضْرُوبِ، فتَعَلَّقَ بما ليس بمَضْرُوبٍ، كالزَّكاةِ، والخِلافُ فيما إذا سَرَق من المَكْسُورِ والتِّبْرِ ما لا يُساوِى رُبْعَ دِينارٍ صَحِيحٍ،
فإن بَلَغ ذلك، ففيه القَطْعُ، والدِّينارُ هو المِثْقالُ من مَثاقِيلِ النَّاسِ اليومَ، وهو الذى كلُّ سَبْعَةٍ منها عشَرةُ دَراهِمَ، وهو الذى كان على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وقبلَه ولم يَتَغَيَّرْ، وإنَّما كانتِ الدَّراهِمُ مُخْتَلِفَةً، فجُمِعَتْ وجُعِلَتْ كلُّ عَشَرَةٍ منها سَبْعَةَ مَثاقِيلَ، فهى التى يَتَعَلَّقُ القَطْعُ بثلاثةٍ منها، إذا كانتْ خالِصَةً، مَضْرُوبَةً كانت أو غيرَ مَضْرُوبَةٍ، على ما ذَكَرْناه في الذَّهَبِ. وعندَ أبى حنيفةَ أنَّ النِّصابَ إنَّما يَتَعَلَّقُ بالمَضْرُوبِ منها، وقد ذَكَرَ ما دَلَّ عليه، ويَحْتَمِلُ ما قالَه في الدَّراهِمِ؛
لأَنَّ إطْلاقَها يَتَناوَلُ الصِّحاحِ المَضْرُوبَةَ،
بخِلافِ رُبْعِ الدِّينَارِ، على أنَّنا قد ذَكَرْنا فيها احْتِمالًا مُتقدِّمًا، فههُنا أَوْلَى. وما قُوِّمَ من غيرِهما بهما، فلا قَطْعَ فيه حتى يَبْلُغَ ثلاثةَ دَراهِمَ صِحاحًا؛ لأَنَّ إطْلاقَها يَنْصَرِفُ إلى المَضْرُوب دونَ المُكَسَّرِ.
٤٤٨٦ - مسألة: (وإن سَرَق نِصابًا، ثم نَقَصَتْ قِيمَتُه، أو مَلَكَه ببَيْعٍ أو هِبَةٍ، أو غيرِهما، لم يَسْقُطِ القَطْعُ) إذا نَقَصَتْ قِيمةُ العينِ عن النِّصابِ بعدَ إخْراجِها من الحِرْزِ، لم يَسْقُطِ القَطْعُ، وبهذا قال مالكٌ والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَسْقُطُ، لأَنَّ النِّصابَ شَرْطٌ، فتُعْتَبَرُ اسْتِدَامَتُه. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}. ولأنَّه نَقْصٌ حَدَث في العَيْنِ، فلم يَمْنَعِ القَطْعَ، كما لو حَدَث باسْتِعْمالِه، والنِّصابُ شَرْطٌ لوُجوبِ القَطْعِ، فلا تُعْتَبَرُ اسْتِدامَتُه، كالحِرْزِ. وما ذَكَرَه يَبْطُلُ بالحِرْزِ؛ فإنَّه لو زالَ الحِرْزُ، لم يَسْقُطْ عنه القَطْعُ. وسَواءٌ نقَصَتْ قِيمَتُها بعدَ الحُكْمِ أو قبلَه؛ لأَنَّ سَبَبَ الوُجوبِ السَّرِقَةُ، فيُعْتَبَرُ النِّصابُ حِينَئِذٍ.
فأمَّا إن نَقَص النِّصَابُ قبلَ الإِخْراجِ، لم يَجِبِ القَطْعُ؛ لعَدَمِ الشَّرْطِ قبلٍ تَمامِ السَّبَبِ، وسَواءٌ نَقَصَتْ بفِعْلِه أو بغيرِ فِعْلِه.
فإن وُجِدَتْ ناقِصَةً، ولم يُدْرَ هل كانتْ ناقِصَةً حينَ السَّرِقَةِ أو حَدَثَ النَّقْصُ بعدَها؟ لم يَجِبِ القَطْعُ؛ لأَنَّ الوُجُوبَ لا يَثْبُتُ مع الشَّكِّ في شَرْطِه، ولأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُه. ٤٤٨٧ -
مسألة: وإن مَلَكَ العَيْنَ المَسْرُوقَةَ بهِبَةٍ أو بَيْعٍ أو غيرِ ذلك من أسْبابِ المِلْكِ، وكان مِلْكُها قبلَ رَفْعِه إلى الحاكِمِ، والمُطالَبَةِ بها عندَه، لم يَجِبِ القَطْعُ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْى، ولا نعلمُ فيه خِلافًا.
وإن مَلَكَها بعدَه، لم يَسْقُطِ القَطْعُ عندَ مالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: يَسْقُطُ؛ لأنَّها صارَتْ مِلْكَه، فلا يُقْطَعُ في عينٍ [هى مِلْكُه، كما لو مَلَكَها قبلَ المُطالَبَةِ بها، ولأَنَّ المُطالَبَةَ شَرْطٌ، والشُّرُوطُ يُعْتَبَرُ دَوامُها، ولم يَبْقَ لهذه العَيْنِ مُطالِبٌ]. ولَنا، ما روَى الزُّهْرِىُّ، عن ابنِ صَفْوانَ، عن [صَفْوانَ ابنِ أُمَيَّةَ]، أنَّه نامَ في المسجدِ، وتَوَسَّدَ رِداءَه، فأُخِذَ من تحتِ رأسِه، فجاءَ بسَارِقِه إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمَرَ به النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُقْطَعَ، فقال صفوانُ: يا رسولَ اللَّهِ، لم أُرِدْ هذا، رِدَائِى عليه صَدَقَةٌ.
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِى بِهِ؟». رَواه ابنُ ماجه، والجُوزْجانِىُّ. وفى لفظٍ، قال: فأتَيْتُه، فقُلْتُ: أتَقْطَعُه من أجْلِ ثلاثين دِرْهَمًا؟ أنا أبِيعُه وأُنْسِئُه ثمَنَها. قال:«فَهَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِى بِهِ؟». رَواه الأَثْرَمُ، وأبو داودَ . فهذا يَدُلُّ على أنَّه لو وُجِدَ قبلَ رَفْعِه إليه، لدَرَأَ القَطْعَ، وبعدَه [لا يُسْقِطُه]. وقولُهم: إنَّ المُطالَبَةَ شَرْطٌ. قُلْنا: هى شَرْطُ الحُكْمِ لا شَرْطُ القَطْعِ، بدليلِ أنَّه لو اسْتَرَدَّ العَيْنَ، لم يَسْقُطِ القَطْعُ، وقد زالَتِ المُطالَبَةُ. ٤٤٨٨ -
(وَإِذَا سَرَقَ نِصَابًا ثُمَّ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ) أَيْ: بَعْدَ الْإِخْرَاجِ، لِأَنَّ النُّقْصَانَ وُجِدَ فِي الْعَيْنِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهَا الْقَطْعَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَصَ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَلِأَنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَةُ النِّصَابِ حَالَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ (أَوْ مَلَكَهُ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا، لَمْ يَسْقُطِ الْقَطْعُ) لِمَا «رَوَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ أَنَّهُ نَامَ عَلَى رِدَائِهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَأُخِذَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ، فَجَاءَ بِسَارِقِهِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقَالَ صَفْوَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ؟ إِنَّ هَذَا رِدَائِي عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلَّا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» .
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّ النِّصَابَ شَرْطٌ فَلَمْ تُعْتَبَرِ اسْتِدَامَتُهُ كَالْحِرْزِ، لَكِنْ إِنْ مَلَكَ الْعَيْنَ قَبْلَ رَفْعِهِ إِلَى الْحَاكِمِ، وَالْمُطَالَبَةِ بِهَا عِنْدَهُ، لَمْ يَجِبِ الْقَطْعُ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لِرَافِعِهِ عَفْوٌ، وَظَاهِرُ الْوَاضِحِ، وَغَيْرِهِ: قَبْلَ الْحُكْمِ، قَالَ أَحْمَدُ: تُدْرَأُ الْحُدُودُ بِالشُّبُهَاتِ،
فَإِذَا صَارَ إِلَى السُّلْطَانِ، وَصَحَّ عِنْدَهُ الْأَمْرُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الِاعْتِرَافِ، وَجَبَ عَلَيْهِ إِقَامَتُهُ عِنْدَ ذَلِكَ،
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَجَزَمَ بِهِ آخَرُونَ: لَوْ مَلَكَهُ سَارِقُهُ قُطِعَ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ، عَنْ أَحْمَدَ
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (وإذا سرق نصاباً ثم نقصت قيمته، أو مَلَكه ببيع أو هبة أو غيرها: لم يسقط القطع) .
أما كون القطع إذا نقصت قيمة المسروق بعد إخراجه من الحرز لا يسقط؛ فلأن النقصان المذكور حدث في العين بعد استحقاق القطع. أشبه ما لو نقص باستعماله.
ولأن النصاب شرط للوجوب. فلم يشترط استدامته؛ كالحرز.
وأما كونه إذا ملك السارق ذلك ببيع أو هبة أو غير ذلك لا يسقط؛ فلما روي «أن صفوان بن أمية نام في المسجد فتوسد ردائه فأُخذ من تحت رأسه. فجاء بسارقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فأمر به أن يقطع. فقال صفوان: يا رسول الله! لم أُرد هذا. ردائي عليه صدقة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فهلا كانَ هذا قبلَ أن تأتيني به». رواه ابن ماجة.
وفي لفظ:«فأتيتُه. فقال: أتقطعه من أجل ثلاثين درهمًا. أنا أبيعُه وأنسئه ثمنه. فقال: هلا كان قبلَ أن تأتيني به». رواه الأثرم وأبو داود .
فإن قيل: الحديث المذكور يدل على أن السقوط بعد الرفع، وكلام المصنف رحمه الله مطلق.
قيل: في كلامه ما يشعر بالرفع؛ لأنه قال: لم يسقط، والسقوط يستدعي وجوب القطع.
ومن شرط وجوب القطع: مطالبة المالك، وذلك يعتمد الرفع إلى الحاكم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.