وَإِنْ سَرَقَ مِنَ السُّوقِ غَزْلًا وَثَمَّ حَافِظٌ قُطِعَ وَإِلَّا فَلَا
الشروح عليها
مسألة: (وإن سَرَق مِن السُّوقِ غَزْلًا، وثَمَّ حافِظٌ، قُطِعَ) لأَنَّ حِرْزَه بحافِظِه،
فإذا سَرَقَه، قُطِعَ، كما يُقْطَعُ بسَرِقَةِ الثِّيابِ مِن الحَمَّامِ إذا كان ثَمَّ حافِظٌ. ٤٥١٢ - مسألة: (ومَن سَرَقَ مِن النَّخْلِ أو الشَّجَرِ مِن غيرِ حِرْزٍ، فلا قَطْعَ عليه، ويَضْمَنُ عِوَضَها مَرَّتَيْن) يعنى بذلك الثَّمَرَ في البُسْتانِ قبلَ إدْخالِه الحِرْزَ. وهذا قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ.
وكذلك جُمَّارُ النَّخْلِ، ويُسَمَّى الكَثَرَ، ورُوِىَ معنى هذا القولِ عن ابنِ عمرَ . وبه قال عَطاءٌ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال أبو ثَوْرٍ: إن كان مِن بُسْتانٍ مُحْرَزٍ، ففيه القَطْعُ. وبه قال ابنُ المُنْذِرِ إذا لم يَصِحَّ خَبَرُ رافِعٍ. قال : ولا أحْسَبُه ثابِتًا. واحْتَجَّا بظاهِرِ الآيةِ، وبقياسِه على سائرِ المُحْرَزاتِ. ولَنا، ما روَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ، عنَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال:«لَا قَطْعَ فِى ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ». أخْرَجَه أبو داودَ، [وابنُ ماجَه]. وعن عمرِو بنِ شعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه سُئِلَ عن الثَّمرِ المُعَلَّقِ، فقال: «مَنْ أصَابَ بفِيهِ مِنْ ذِى حَاجَةٍ، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً ، فلا شَئَ عَلَيْهِ، ومَنْ خَرَجَ بشَىْءٍ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مثلَيْه والْعُقُوبَةُ، ومَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أن يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ، فَعَلَيْهِ القَطْعُ» .
وهذا يَخُصُّ عُمومَ الآيةِ، ولأَنَّ البُسْتانَ ليس بحِرْزٍ لغيرِ الثَّمَرِ، فلم يَكُنْ حِرْزًا له، كما لو لم يَكُنْ مَحُوطًا ،
فأمَّا إن كانت شجرةٌ في دارٍ مُحْرَزَةٍ، فسَرَقَ منها نِصابًا، فعليه القَطْعُ. واللَّهُ أعلمُ.
فصل: وإذا سَرَق مِن الثَّمَرِ المُعَلَّقِ، فعليه غَرامَةُ مِثْلَيْه. وبه قال إسْحاقُ؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ. قال أحمدُ: لا أعلمُ شيئًا يَدْفَعُه.
وقال أكثرُ الفقهاءِ: لا يَجِبُ أكثرُ مِن مِثْلِه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ : لا أعلمُ أحدًا مِن الفُقَهاءِ قال بوُجُوبِ غَرامِةِ مِثْلَيْه. واعْتَذَرَ بعضُ أصحابِ الشافعىِّ عن هذا الخَبَرِ، بأنَّه كان حبنَ كانتِ العُقوبَةُ في الأمْوالِ، ثم نُسِخَ ذلك. ولَنا، أنَّ قولَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حُجَّةٌ لا تجوزُ مُخالَفَتُه، إلَّا بمُعارَضَةِ مِثْلِه أو أقْوَى منه، وهذا الذى اعْتَذَرَ به هذا القائِلُ دَعْوَى للنَّسْخِ بالاحْتِمالِ مِن غيرِ دليلٍ عليه، وهو فاسِدٌ بالإِجْماعَ، ثم هو فاسِدٌ مِن وَجْهٍ آخَرَ؛
لقولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ، فَعَلَيْهِ القَطْعُ». فقد بَيَّنَ وُجوبَ القَطْعِ مع إيجابِ غَرَامَةِ مِثْلَيْه، وِهذا يُبْطِلُ ما قالَه. وقد احْتَجَّ أحمدُ بأنَّ عمرَ أغْرَمَ حاطِبَ بنَ أبى بَلْتعَةَ حينَ نحَرَ غلْمانُه ناقةَ رجلٍ مِن مُزَيْنَةَ مِثْلَىْ قِيمَتِها . وروَى الأَثْرَمُ الحديثَيْن في «سُنَنِه». قال أصحابُنا: وفى الماشيةِ تُسْرَقُ مِن المَرْعَى، من غيرِ أن تكونَ مُحْرَزَةً، مِثْلا قِيمَتِها؛ لأَنَّ في سِياقِ حديثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، أنَّ السائِلَ قال: الشَّاةُ الحَرِيسةُ مِنْهُنَّ يا نَبِىَّ اللَّهِ؟
قال: «ثَمَنُهَا ومِثْلُهُ مَعَهُ، والنَّكالُ ، وَمَا كَانَ مِنَ المُرَاحِ ، ففِيهِ القَطْعُ إذَا كَانَ مَا يَأْخُذُ مِنْ ذلكَ ثَمَنَ المِجَنِّ». هذا لفظُ رِوايةِ ابنِ ماجَه. وما عَدَا هذَيْنِ لا يُضْمَنُ بأكثرَ من قِيمَتِه، أو مِثْلِه إن كان مِثْلِيًّا. هذا قولُ أصحابِنا وغيرِهم، إلَّا أبا بكرٍ، فإنَّه ذَهَب إلى [غَرامَةِ المسْرُوقِ] من غيرِ حِرْزٍ بمثلَيْه قياسًا على الثَّمَرِ المُعَلَّقِ وحَرِيسَةِ الجبلِ، واسْتدلالًا بحديثِ حاطِبٍ. ولَنا، أنَّ الأَصْلَ وُجوبُ غَرامَةِ المِثْلِىِّ بمِثْلِه، والمُتَقَوَّمِ بقِيمَتِه؛
بدليلِ المُتْلَفِ والمَغْصُوبِ، والمُنْتَهَبِ والمُخْتَلَسِ، وسائرِ ما تجبُ غَرامتُه، خُولِفَ في هذين الموْضِعَيْن؛ للأثَرِ، ففيما عَداهما يَبْقَى على الأَصْلِ. ٤٥١٣ -
(وَإِنْ سَرَقَ مِنَ السُّوقِ غَزْلًا وَثَمَّ حَافِظٌ قُطِعَ) لِأَنَّ حِرْزَهُ بِحَافِظِهِ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَافِظٌ فَلَا قَطْعَ، لِأَنَّهُ مال غير مُحْرَزٌ،
وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": هَلْ حِرْزُهُ بِحَافِظٍ أَمْ لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ
وإنْ سرَق مِنَ السُّوقِ غَزْلًا، وثَمَّ حَافِظٌ، قُطِعَ، وإلَّا فلا. وهذا المذهبُ. وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. وصحَّحه فى «الرِّعايتَيْن».
وعنه، لا يُقْطَعُ. اخْتارَه المُصَنِّفُ، والنَّاظِمُ، وإليه مَيْلُ الشَّارِحِ. وأَطْلَقهما فى «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ». وحُكْمُ هذه المسْألَةِ، حُكْمُ الثِّيابِ فى الحمَّامِ بالحافِظِ. وقد تقدَّم التَّنْبِيهُ على ذلك هناك.
وَمَنْ سَرَقَ مِنَ النَّخْلِ، أَوِ الشَّجَرِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَيَضْمَنُ عِوَضَهَا مَرَّتَيْنِ.
فائدة: قولُه: ومَن سرَق مِنَ النَّخْلِ، أو الشَّجَرِ مِن غيرِ حِرْزٍ، فلا قَطْعَ عليه، ويَضْمَنُ عِوَضَها مَرَّتَيْن. بلا نِزاعٍ. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وكذا على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، لو سرَق ماشِيَةً مِن غيرِ حِرْزٍ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: قالَه أصحابُنا. قال فى «الفُروعِ»: اخْتارَه الأكثرُ. وجزَم به فى «الوَجيزِ» . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. وهو مِنْ مُفْرَداتِ المذهبِ.
وقيل: لا يضْمَنُ عِوَضَها مرَّتَيْن، بل مرَّةً واحدةً. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا.
وأمَّا غيرُ الشَّجَرِ والنَّخْلِ والماشِيَةِ، إذا سرَقَه مِن غيرِ حِرْزٍ، فلا يضْمَنُ عِوَضَها إلَّا مرَّةً واحدةً. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هذا قولُ أصحابِنا، إلَّا أبا بَكْرٍ. [وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، ونصَراه، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ».
وعنه، أنَّ ذلك كالثَّمَرِ والماشِيَةِ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ، والشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللَّهُ. وجزَم به فى «الحاوِى الصَّغِيرِ»] . وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»، وقالوا: نصَّ عليه. وهو مِن مُفْرداتِ المذهبِ أيضًا. وجزَم به ناظِمُها فى الزَّرْعِ، وهو منها.
وقال فى «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: وكذا لو سرَق دُونَ نِصابٍ مِن حِرْزٍ. يعْنِى، أنَّها تُضَعَّفُ قِيمَتُها. قال الزَّرْكَشِىُّ: وهو أظْهَرُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: أطْلقَ الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، أنَّه لا قَطْعَ على سارِقٍ فى عامِ مَجَّاعَةٍ، وأنَّه يُرْوَى عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه .
وقال جماعَةٌ مِنَ الأصحاب: ما لم يبْذُلْه له ولو بثَمَنٍ غالٍ. قال فى «التَّرْغِيبِ»: ما يُحْيِى به نفْسَه. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، عن كلام الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ: يعْنِى أنَّ المُحْتاجَ إذا سرَق ما يأْكُلُه، لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه كالمُضْطرِّ. قالَا: وهو مَحْمولٌ على مَن لا يجِدُ ما يشْتَرِيه، أو لا يجِدُ ما يشْتَرِى به،
فأمَّا الواجدُ لما يأكُلُه، أو لِمَا يَشْتَرِى به، وما يَشْتَرِيه، فعليه القَطْعُ،
وإنْ كان بالثَّمَنِ الغَالى. ذكَرَه القاضى، واقْتصَر . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ حِرْزًا لِمَالٍ، فَهُوَ حِرْزٌ لِمَالٍ آخَرَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: (وإن سرق من السوق غزلاً وثم حافظ قطع، وإلا فلا) .
أما كون من سرق ما ذكر يقطع إذا كان حافظ؛ فلأنه في حرز مثله. فوجب القطع؛ كسارق ما يسرق من حرز.
وأما كونه لا يقطع إذا لم يكن ثمَّ حافظ؛ فلأنه مال غير محرز. فلم يجب القطع؛ كسائر ما سرق من غير حرز.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.