وَيُقْطَعُ سَائِرُ الْأَقَارِبِ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ أَقَارِبِهِمْ وَيُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ
الشروح عليها
مسألة: (ويُقْطَعُ سائِرُ الأقارِبِ بالسَّرِقَةِ من مالِ أقارِبِهمْ) كالإِخْوَةِ والأخَواتِ،
ومَنْ عَدَاهم. وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ من ذِى رَحِمٍ. وحَكَاه ابنُ أبى موسى في «الإِرْشَادِ» مذهبًا لأحمدَ؛ لأنَّها قَرَابَةٌ تَمْنَعُ النِّكاحَ، وتُبِيحُ النَّظَرَ، وتُوجِبُ النَّفَقَةَ، أشْبَهَ قَرابةَ الوِلادَةِ. ولَنا، أنَّها قَرَابةٌ لا تَمْنَعُ الشَّهادَةَ، فلا تَمْنَعُ القَطْعَ كغيرِ ذِى الرَّحِمِ، وبهذا فارَقَ قَرابةَ الوِلادةِ.
٤٥٢٠ - مسألة: (ويُقْطَعُ المُسْلِمُ بالسَّرِقَةِ من مالِ الذِّمِّىِّ والمُسْتَأْمِنِ، ويُقْطَعَان بسَرِقَةِ مالِه)
أمَّا قَطْعُ المسلمِ بالسرقةِ من مالِ الذِّمِّىِّ، وقَطْعُ الذِّمِّىِّ بالسَّرقةِ من مالِ مسلمٍ، فلا نعلمُ فيه خِلافًا. وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وأمَّا الحَرْبِىُّ إذا دَخَل إلينا مُسْتأمِنًا، فسَرَقَ، فإنَّه يُقْطَعُ أيضًا.
وقال ابنُ حامِدٍ: لا يُقْطَعُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومحمدٍ؛ لأنَّه حَدٌّ للَّهِ تعالى، فلا يُقامُ [عليه، كحدِّ] الزِّنى. ونَصَّ أحمدُ على أنَّه لا يُقامُ عليه حَدُّ الزِّنى. وللشافعىِّ قَوْلان، كالمَذْهَبَيْن. ولَنا، أنَّه حَدٌّ يُطالَبُ به، فوَجَبَ عليه ، كحَدِّ القَذْفِ، يُحَقِّقُه أنَّ القَطْعَ يَجِبُ صِيانةً للأمْوالِ، وحَدُّ القَذْفِ يَجِبُ صِيانةً للأعْراضِ،
فإذا وَجَب في حَقِّه أحدُهما وَجَب الآخَرُ،
فأمَّا حَدُّ الزِّنَى فإنَّما لم يجبْ؛ لأنَّه يجبُ به قتلُه لنَقْضِ العهدِ،
ولا يجبُ مع القتلِ حَدٌّ سِوَاه. إذا ثَبَت هذا،
فإنَّ المسلمَ يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مالِه. وعندَ أبى حنيفةَ: لا يجبُ. ولَنا، أنَّه سَرَقَ مالًا مَعْصومًا، لا شُبْهَةَ له فيه، من حِرْزِ مِثْلِه، فوَجَبَ قَطْعُه، كسَرِقَةِ مالِ الذِّمِّىِّ، ويُقْطَعُ المُرْتَدُّ إذا سَرَق،
فإنَّ أحْكامَ الإِسْلامِ جارِيَةٌ عليه.
٤٥٢١ -
(وَيُقْطَعُ سَائِرُ الْأَقَارِبِ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ أَقَارِبِهِمْ) نَصَرَهُ الْقَاضِي، وَالْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، لِأَنَّ الْقَرَابَةَ هُنَا لَا تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، فَلَا تَمْنَعُ الْقَطْعَ، وَلِأَنَّ الْآيَةَ وَالْأَخْبَارَ تَعُمُّ كُلَّ سَارِقٍ خَرَجَ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ،
وَقِيلَ: إِلَّا ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ،
وَفِي " الْوَاضِحِ ": قُطِعَ غَيْرُ أَبٍ (وَيُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ الذِّمِّيِّ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّ مَالَهُ صَارَ مَعْصُومًا بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَوَجَبَ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ كَمَالِ الْمُسْلِمِ (وَالْمُسْتَأْمَنِ) لِأَنَّ مَالَهُ مَالُ الذِّمِّيِّ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ بِإِتْلَافِهِ (وَيُقْطَعَانِ بِسَرِقَةِ مَالِهِ) لِأَنَّهُ إِذَا قُطِعَ الْمُسْلِمُ بِسَرِقَةِ مَالِهِمْ فَلَأَنْ يُقْطَعُوا بِسَرِقَةِ مَالِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَكَقَوَدٍ، وَحَدِّ قَذْفٍ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَضَمَانِ مُتْلَفٍ،
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يُقْطَعُ مُسْتَأْمَنٌ كَحَدِّ خَمْرٍ وَزِنًا، نَصَّ عَلَيْهِ، بِغَيْرِ مُسْلِمَةٍ، وَسَوَّى فِي " الْمُنْتَخَبِ " بَيْنَهُمَا فِي عَدَمِ الْقَطْعِ
ويُقْطَعُ المُسْلِمُ بالسَّرِقَةِ مِن مالِ الذِّمِّىِّ والمُسْتَأْمِنِ، ويُقْطَعان بسَرِقَةِ مالِه. هذا المذهبُ، كقَوَدٍ وحدِّ قَذْفٍ. نصَّ عليهما، وضَمانِ مُتْلَفٍ. وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَة»، و «الوَجيزِ»،
وَمَنْ سَرَقَ عَيْنًا، وَادَّعَى أَنَّهَا مِلْكُهُ، لَمْ يُقْطَعْ.
وَعَنْهُ، يُقْطَعُ. وَعَنْهُ، لَا يُقْطَعُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ.
وغيرِهم. وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، ونَصَراه، و «الفُروعِ»، وِ «الزَّرْكشِىِّ»، وغيرِهم.
وقيل: لا يُقْطَعُ مُسْتَأْمِنٌ. اخْتارَه ابنُ حامدٍ، كحدِّ خَمْرٍ وزِنًى. نصَّ عليه بغيرِ مُسْلِمَةٍ.
وقال فى «المُنْتَخَبِ» للشِّيرَازِىِّ: لا يُقْطَعان بسَرِقَةِ مالِ مُسْلِمٍ.
قال: (ويقطع سائر الأقارب بالسرقة من مال أقاربهم، ويقطع المسلم بالسرقة من مال الذمي والمستأمن، ويقطعان بسرقة ماله) .
أما كون سائر الأقارب يقطع بالسرقة من مال أقاربهم؛ فلأن القرابة هنا لا تمنع قبول الشهادة. فلا تمنع القطع.
ولأن الآية والأخبار تعُم كل سارق. خرج منه ما تقدم ذكره؛ للأدلة المذكورة. فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما كون المسلم يقطع بالسرقة من مال الذمي؛ فلأن ماله صار معصوماً بالجزية. فوجب القطع بسرقته؛ كمال المسلم.
وأما كونه يقطع بالسرقة من مال المستأمن؛ فلأن ماله مثل مال الذمي. دليله وجوب الضمان بإتلافهما.
وأما كون الذمي والمستأمن يقطعان بسرقة مال المسلم؛ فلأنه إذا قطع المسلم بسرقة مالهم. فلأن يقطعوا بسرقة ماله بطريق الأولى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.