وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ قَالَ أَحْمَدُ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ!
الشروح عليها
كتابُ القَضاءِ الأصلُ في القَضاءِ ومَشْرُوعِيَّته الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ؛
أمَّا الكتابُ فقولُ اللهِ تعالى: [{يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}.
وقَوْلُه تعالى] : {وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}. وقولُه:{وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ}.
وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ، رَضِيَ اللهُ عنهما، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:«إذا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأصابَ، فَلَهُ أجرَانِ، وَإذَا اجْتَهَدَ فَأخطَأ فَلَهُ أجر». مُتَّفَقٌ عليه . في آيٍ وأخْبارٍ سِوَى ذلك كثيرةٍ. وأجْمَعَ المسلمون على مَشْروعِيَّةِ نَصْبِ القَضاءِ ، والحكْمِ بينَ النَّاسِ.
٤٨١٩ - مسألة: (وهو فَرْضٌ كِفايَةٍ) لأنَّ أمْرَ النَّاسِ لا يَسْتَقِيمُ بدُونِه، فكان واجِبًا عليهم، كالجِهادِ والإمامَةِ (قال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: لا بُدَّ للنَّاسِ مِن حاكِم، أتَذْهَب حقوقُ النَّاسِ!) وفيه فَضْلٌ عظيمٌ لمَن قَوِيَ على القِيامِ به، وأداء الحقِّ فيه، ولذلك جعلَ الله فيه أجْرًا على الخَطَأ، وأسْقَطَ عنه حُكْمَه، ولأنَّ فيه أمْرًا بالمَعْروفِ، ونُصْرة للمَظْلُومِ، وأداءَ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّه، ورَدَّ الظَّالِمِ عن ظُلْمِه، وإصْلاحًا بينَ النَّاسِ، وتَخْلِيصًا لبعضِهم مِن بعض، وذلك مِن أبوابِ القُرَبِ؛
ولذلك تَوَلَّاه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، والأنْبِياءُ قبلَه، فكانوا يَحْكُمُون لأمَمِهم، وبَعَث عليًّا إلى اليمنِ قاضِيًا ، وبَعَث مُعاذًا قاضِيًا . وعن عُقْبَةَ بنِ عامر، قال: جاء خَصْمانِ يَخْتَصِمان إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال لي : «اقْضِ بَينَهُما».
قلتُ: أنت أوْلَى بذلك.
قال : «وَإنْ كَانَ». قلتُ: علامَ أقْضِي؟ قال:«اقْضِ، فَإنْ أصَبْتَ فَلَكَ عَشرَةُ أُجُور، وَإنْ أخْطَأتَ فَلَكَ أجْر وَاحِدٌ». رَواه سعيد في «سُنَنِه». ووَلَّى عمرُ شُرَيحًا قَضاءَ الكُوفَةِ، وكعبَ بنَ سُورٍ قَضاءَ البَصْرَةِ. فصل: وفيه خَطَر عظيمٌ ووزْرٌ كبيرٌ لمَن لم يُؤَدِّ الحَقَّ فيه، ولذلك كان السَّلَفُ، رَحِمَهم اللهُ، يَمْتَنِعُونَ منه أشَدَّ الامْتِناعِ، ويَخْشَوْن على أنْفُسِهم خَطَرَه. قال خاقانُ بنُ عبدِ الله : أُرِيدَ أبو قِلابَةَ على قَضاءِ البَصْرَةِ، فهَرَبَ إلى اليَمامَةِ، فأُرِيدَ على قَضائِها، فهَرَبَ إلى الشَّام، فأُرِيدَ على قَضائِها،
وقيل: ليس ههُنا غيرُك. قال: فَأَنْزِلُوا الأَمرَ على ما قُلْتُمْ، فإنَّما مَثَلِي مَثَلُ سابِحٍ وَقَع في البَحْرِ، فسَبَحَ يومَه، فانْطَلَقَ، ثم سَبَح اليومَ الثَّانِيَ، فمَضَى أيضًا، فلَمّا كان اليومُ الثالثُ فتَرَتْ يَداه . وكان يُقالُ: أعلَمُ الناسِ بالقَضاءِ أشَدُّهم له كَراهَةً. ولعِظَمِ خَطرَه، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا، فَقَدْ ذُبِحَ بغيرِ سِكِّين». قال التِّرْمِذِيُّ : هذا حديث حسنِ. قيلَ في هذا الحديثِ: إنَّه لم يَخْرُجْ مَخْرَجَ الذَّمِّ للقَضاءِ، وإنَّما وَصَفه بالمَشقَّةِ، فكأنَّ مَن وَلِيَه قد حُمِل على مَشَقَّةٍ، كمَشَقَّةِ الذَّبْح.
٤٨٢٠ -
كِتَابُ الْقَضَاءِ][تَعْرِيفُ القضاء وَأَدِلَّةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ] ِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْقَضَاءُ فِي الْأَصْلِ إِحْكَامُ الشَّيْءِ وَالْفَرَاغُ مِنْهُ؛ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى إِمْضَاءِ الْحُكْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} ، أَيْ: أَمْضَيْنَا وَأَنْهَيْنَا.
وَسُمِّيَ الْحَاكِمُ قَاضِيًا ; لِأَنَّهُ يُمْضِي الْأَحْكَامَ وَيُحْكِمُهَا. وَيَكُونُ بِمَعْنَى أَوْجَبَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ بِهِ لِإِيجَابِهِ الْحُكْمَ عَلَى مَنْ يُجِبُ عَلَيْهِ.
وَاصْطِلَاحًا: النَّظَرُ بَيْنَ الْمُتَرَافِعِينَ لَهُ لِلْإِلْزَامِ وَفَصْلِ الْخُصُومَاتِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى:{يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى} .
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
[حُكْمُ القضاء] وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى نَصْبِ الْقُضَاةِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ النَّاسِ. (وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) كَالْإِمَامَةِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَدْ أَوْجَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَأْمِيرَ الْوَاحِدِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْقَلِيلِ الْعَارِضِ فِي السَّفَرِ، وَهُوَ
تَنْبِيهٌ عَلَى أَنْوَاعِ الِاجْتِمَاعِ، وَالْوَاجِبُ اتِّخَاذُهَا دِينًا وَقُرْبَةً، فَإِنَّهَا مِنْ أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ، وَإِنَّمَا فَسَدَ حَالُ بَعْضِهِمْ لِطَلَبِ الرِّئَاسَةِ وَالْمَالِ بِهَا،
وَمَنْ فَعَلَ مَا يُمْكِنُهُ لَمْ تَلْزَمْهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ.
وَعَنْهُ: سُنَّةٌ. نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ.
وَعَنْهُ: لَا يُسَنُّ دُخُولُهُ فِيهِ. نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا يُعْجِبُنِي، هُوَ أَسْلَمُ. وَعَلَى الْأَوَّلِ (قَالَ أَحْمَدُ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ!) لِأَنَّ أَمْرَ النَّاسِ لَا يَسْتَقِيمُ بِدُونِهِ، كَالْجِهَادِ وَفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ إِنْ لَمْ يُؤَدَّ الْحَقُّ فِيهِ.
لِمَا رَوَى مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ مَرْفُوعًا:«مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ، إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ» . قَالَ مَسْرُوقٌ: لَأَنْ أَحْكُمَ يَوْمًا بِحَقٍّ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْزُوَ سَنَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَعَلَى هَذَا: إِذَا أَجْمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِ الْقَضَاءِ أَثِمُوا، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ لَمْ يَحْتَكِمُوا فِي غَيْرَةٍ
كتاب القضَاءِ كتابُ القَضاءِ فائدة: القَضاءُ واحِدُ الأقْضِيَةِ. والقَضاءُ يُعَبَّرُ به عن مَعانٍ كثيرةٍ، والأصْلُ فيه وَهُوَ فَرْضُ كِفَايةٍ. قَال أحْمَدُ، رَحِمَهُ اللهُ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِم، أتذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ!
الحَتمُ، والفَراغُ مِن الأمْرِ. ويَجْرِي على هذا جميع ما في القُرْآنِ من لَفْظِ القَضاءِ. والمُرادُ به في الشَّرْعِ الإلْزامُ. وولايةُ القَضاءِ رُتْبَة دِينيَّة ونَصْبَة شَرْعِيَّة. وهو فَرْضٌ كِفايَةٍ. هذا المذهبُ. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «المُنْتَخَبِ»، و «تَذكِرَةِ ابنِ عَبْدُوس»، وغيرِهم. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وصحّحه في «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «تَجْريدِ العِنايةِ»، وغيرِهم. وعنه، سُنَّة. نصَرَه القاضي وأصحابُه. وقدَّمه ناظِمُ «المُفْرَداتِ» وهو منها.
وعنه، لا يُسَنُّ دُخولُه فيه. نقَل عَبْدُ اللهِ، لا يُعْجِبُنِي، هو أسْلَمُ.
فائدة: نَصْبُ الإمامَةِ فَرْضٌ على الكِفايَةِ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعليه الأصحابُ. بشُروطِه المُتَقَدِّمَةِ في أوَّلِ بابِ قِتالِ أهْلِ البَغْي. وذكَرَ في «الفُروعِ» رِوايةً، أنَّه ليس فَرْضَ كِفايةٍ. وهو ضعيفٌ جِدًّا، ولم أرَه لغيرِه. فَيَجِبُ عَلَى الْإمَامِ أنْ يُنَصِّبَ في كُلِّ إقْلِيم قَاضِيًا، وَيَخْتَارَ لِذَلِكَ أَفْضَلَ مَنْ يجِدُ وَأَوْرَعَهُمْ،
كتاب القضاء] الأصل في القضاء ووجوبه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب؛
فآيات:
إحداها: قوله تعالى: {يا داودُ إنا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين الناس بالحق}.
وثانيها: قوله تعالى: {وأن احكمْ بينهم بما أنزل الله}.
وثالثها: قوله تعالى: {وإذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم}.
ورابعها: قوله تعالى: {فلا وربك لا يُؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت}.
وأما السنة؛ فما ورى عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إذا اجتهدَ الحاكمُ فأصابَ فله أجران، وإذا اجتهدَ فأخطأَ فلهُ أجر».
وأما الإجماع؛ فأجمع المسلمون على نَصب القضاة للحكم بين الناس.
قال المصنف رحمه الله: (وهو فرض كفاية. قال أحمد رحمه الله: لا بدّ للناس من حاكم، أتذهبُ حقوقُ الناس؟ فيجب على الإمام أن ينصبَ في كل إقليمٍ قاضياً. ويختارُ لذلك أفضلَ من يجد وأورعهم، ويأمره بتقوى الله عز وجل، وإيثار طاعته في سره وعلانيته، وتحري العدل، والاجتهاد في إقامة الحق. وإن يستخلف في كل صُقْعٍ أصلحَ من يقدرُ عليه لهم) .
أما كون القضاء فرض كفاية؛ فلأن أمر الناس لا يستقيم بدونه. فكان فرض كفاية؛ كالجهاد والإمامة، ولذلك قال الإمام ما تقدم ذكره.
وأما كون الإمام يجب عليه أن ينصبَ في كل إقليمٍ قاضياً؛ فلأنه هو القائم بأمر الرعية المتكفّل بمصلحتهم المسؤول عنهم.
فإذا كان القضاء فرض كفاية ولم يكن بد من نصب من تقوم الكفاية به تعين على القائم بأمر الرعية نصبُه. ضرورة دفع الحاجة، ولذلك «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضياً إلى اليمن».
و«ولى عمرُ شريحًا قضاء الكوفة وكعبَ بن سور قضاء البصرة» .
و«بعث إلى كل مصرٍ قاضيًا وواليًا».
وأما كونه يختار أفضل من يجد وأورعهم؛ فلأن ذلك أقرب وأكمل تولية إلى حصول المقصود من القضاء.
ولأن منصب القضاء أكمل المناصب، وذلك يناسب أن يكون متوليه أكمل من يوجد.
وأما كونه يأمر من ينصبه بتقوى الله عز وجل، وإيثار طاعته في سره وعلانيته، وتحري العدل، والاجتهاد في إقامة الحق؛ فلأن في ذلك تذكرة له بما يجب عليه فعله، وإعانةً له على عمل ذلك، وتقويةً لقلبه، وتنبيهاً على اهتمام الإمام بأمر الشرع وأهله.
وأما كونه يأمره أن يستخلف في كل صُقعٍ أصلحَ من يقدرُ عليه لهم؛ فلأن في ذلك خروجاً في جواز الاستنابة، وتنبيهاً على مصلحة رعية بلد القاضي، وحثاً له على اختيار الأصلح.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.