فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُنَصِّبَ فِي كُلِّ إِقْلِيمٍ قَاضِيًا وَيَأْمُرُهُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ، وَتَحَرِّي الْعَدْلِ وَالِاجْتِهَادِ فِي إِقَامَةِ الْحَقِّ
الشروح عليها
مسألة: (فيَجِبُ عَلَى الإِمَامِ أنْ يُنَصبَ في كلِّ إِقْلِيمٍ قاضِيًا، ويَخْتارَ لذلك أفْضَلَ مَن يَجِدُ وأوْرَعَهم) [إذا كان الإِمامُ في بَلَدٍ، فعليه أنَّ يَبْعَثَ القُضاةَ إلى الأمْصارِ غيرِ بَلَدِه]؛
فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ عليًّا قاضِيًا إلى اليَمَنِ، وبَعَث مُعاذًا قاضِيًا أيضًا ،
وقال له : «بِمَ تَحْكُمُ؟». قال: بكتابِ اللهِ. قال:«فَإنْ لَمْ تَجِدْ؟». قال: بسُنَّةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. قال:«فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟». قال: أجْتَهِدُ رَأْيي. قال:«الْحَمْدُ للهِ الَّذي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللهِ». ووَلَّى عُمَرُ شُرَيحًا قَضاءَ الكُوفَةِ، وكَتَبَ إلى أبي عُبَيدَةَ ومُعاذٍ يَأْمُرُهما بتَوْلِيَةِ القُضاةِ في الشَّامِ. ولأنَّ أهلَ كلِّ بَلَدٍ يَحْتاجُون إلى القاضِي، ولا يُمْكِنُهم المَصِيرُ إلى بَلَدِ الإِمامِ،
ومَن أمْكَنَه ذلك شَقَّ عليه، فوَجَبَ إغْناؤُهم عنه.
٤٨٢١ - مسألة: (وَيَخْتارَ لذلك أفْضَلَ مَن يَجِدُ وَأوْرَعَهم، ويَأْمُرَه بتَقْوَى اللهِ، وإيثارِ طاعَتِه في سِرِّهِ وعَلانِيَته، وتَحَرِّي العَدْلِ، والاجْتِهادِ في إقامَةِ الحَقِّ) إذا أراد الإِمامُ تَوْلِيَةَ قاضٍ،
فإن كان له خِبْرَةٌ بالنَّاسِ، ويَعْرِفُ مَن يَصْلُحُ للقَضاءِ، وَلَّاه،
وإنْ لم يَعْرِف ذلك، سأل أهلَ المَعْرِفةِ بالناسِ، واسْتَرْشَدَهم عمَّن يَصْلُحُ.
وإن ذُكِر له رجلٌ لا يَعْرِفُه، أحْضَرَه وسأله،
فإن عَرَف عَدالتَه، وإلَّا بَحث عن عَدالتِه،
فإذا عَرَفَها وَلَّاه. قال عليٌّ، رَضِيَ اللهُ عنه: لا يَنْبَغِي للقاضي أنْ يكونَ قاضِيًا حتى يكونَ فيه خَمْسُ خِصالٍ؛ عَفيفٌ، حَلِيمٌ، عالمٌ بما كان قبلَه، يَسْتَشِيرُ ذَوي الرَّأْي . ويَكْتُبُ له الإِمامُ عَهْدًا يَأْمُرُه فيه بتَقْوَى اللهِ، والتَّثَبُّتِ في القَضاءِ، ومُشاوَرَةِ أهلِ العلمِ، وتَصَفُّحِ حالِ الشُّهُودِ، وتَأمُّلِ الشَّهاداتِ، وتَعاهُدِ اليَتامَى، وحِفْظِ أمْوالِهم وأموالِ الوُقُوفِ، وغيرِ ذلك ممّا يَحْتاجُ إلى مُراعاتِه
(فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُنَصِّبَ فِي كُلِّ إِقْلِيمٍ) هُوَ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَقَالِيمِ السَّبْعَةِ. (قَاضِيًا) لِأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ الرَّعِيَّةِ، الْمُتَكَلِّمُ بِمَصْلَحَتِهِمْ، الْمَسْؤُولُ عَنْهُمْ، فَيَبْعَثُ الْقُضَاةَ إِلَى الْأَمْصَارِ، كَفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وَلِلْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعَثَ عَلِيًّا قَاضِيًا إِلَى الْيَمَنِ، وَوَلَّى عُمَرُ شُرَيْحًا قَضَاءَ الْكُوفَةِ، وَكَعْبَ بْنَ سُورٍ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. (وَيَخْتَارُ لِذَلِكَ أَفْضَلَ مَنْ يَجِدُ، وَأَوْرَعَهُمْ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَكْمَلُ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنَ الْقَضَاءِ. (وَيَأْمُرُهُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ، وَتَحَرِّي الْعَدْلِ وَالِاجْتِهَادِ فِي إِقَامَةِ الْحَقِّ) لِأَنَّ ذَلِكَ تَذْكِرَةٌ لَهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، وَإِعَانَةٌ لَهُ فِي إِقَامَةِ الْحَقِّ، وَتَقْوِيَةٌ لِقَلْبِهِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى اهْتِمَامِ الْإِمَامِ بِأَمْرِ الشَّرْعِ وَأَهْلِهِ،
فَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْهُ كُتِبَ لَهُ ذَلِكَ فِي عَهْدِهِ.
فيَجِبُ -يعْنِي على القَوْلِ بأنَّه فَرْضُ كِفايَةٍ- على الإِمامِ أنْ يُنَصِّبَ في كُل إقلِيم قاضِيًا.
وقال في «الرِّعايةِ»: يَلْزَمُه على الأصحِّ. والظَّاهِرُ أنَّه مَبْنِيٌّ على الوُجوبِ والسُّنِّيَّةِ. وَيَأْمُرَهُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَإيثارِ طَاعَتِهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتهِ، وَتَحَرِّي الْعَدْلِ، والْاجْتِهَادِ في إِقَامَةِ الْحَقِّ،
وَأنْ يَسْتَخْلِفَ في كُلِّ صُقعٍ أصْلَحَ مَن يَقْدِرُ عَلَيهِ لَهُمْ. ويَخْتارَ لذلِكَ أفْضَلَ مَن يَجِدُ وأوْرَعَهم. قاله الأصحابُ.
وفي «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ البَغْدادِيِّ»، على الإمامِ نَصْبُ مَنْ يُكْتَفَى به.
قال في وَيَجبُ على مَنْ يَصْلُحُ لَهُ، إِذَا طُلِبَ وَلَمْ يُوجَدْ غَيرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ، الدُّخُولُ فِيهِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يَأْثَمُ الْقَاضِي بِالامْتِنَاعِ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بهِ؛ قَال: لَا يَأْثَمُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ليسَ بِوَاجِبٍ.
«الرِّعايةِ»: يَلْزَمُه أنْ يُوَلِّيَ قاضِيًا مِن أفْضَلِ وأصْلَحِ مَنْ يجدُ عِلْمًا ودِينًا.
وعنه، ووَرَعًا ونَزاهَةً وصِيانَةً وأمانَةً.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.