فَإِنْ ثَبَتَا حَكَمَ بِهَا إِذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي
الشروح عليها
مسألة: وإنِ اتَّفَقُوا، وَعَظَهم، وَخَوَّفَهم، كما رُوِىَ عَن شُرَيْحٍ، أنَّه كان يَقُولُ للشَّاهِدَيْن إذا حَضَرا: يا هَذانِ، ألَّا تَرَيانِ؟ إنِّى لم أدْعُكُما، ولستُ أمْنَعُكما أن تَرْجِعَا، وإنَّمَا يَقْضِى على هذا أنتما، وأنا مُتقٍ بكُما، فَاتَّقيا. وفى لَفْظٍ: فإنِّى بكما أقْضِى اليومَ ، وبكما أتَّقِى يومَ القيامَةِ . وروَى أبو حنيفةَ، قال: كنتُ عندَ مُحارِبِ بنِ دِثارٍ، وهو قاضِى الكُوفةِ، فجاء رجلٌ، فادَّعَى على رجل حَقُّا، فأنْكَرَه، فأحْضَرَ المُدَّعِى شاهِدَيْن، فشَهِدا له، فقال المشْهُودُ عليه: والذى تَقُومُ به السَّماءُ والأرضُ لقد كَذَبا علىَّ في الشَّهادَةِ.
وكان مُحارِبُ ابنُ دِثارٍ مُتَّكِئًا فاسْتَوَى جالِسًا،
وقال: سمعتُ ابنَ عُمَرَ يقولُ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ:«إِنَّ الطَّيْرَ لَتَخْفِقُ بأجْنِحَتِهَا، وتَرْمِى مَا فِى حَوَاصِلِهَا، مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وإِنَّ شَاهِدَ الزُّورِ لا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى يَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
فإن صَدَقْتُما فاثْبُتا، وإن كَذَبْتما فَغَطِّيا رُءُوسَكما وانْصَرِفا. [فغَطَّيا رُءوسَهما وانْصَرَفا].
فصل: قال ، رَحِمَه اللهُ: يَنْبَغِى للقاضى أن يَسْألَ عن شُهودِه كلَّ قليل، لأنَّ الرجلَ يَنْتَقِلُ مِن حالٍ إلى حالٍ. وهل هذا مُسْتَحَب أو واجِبٌ؟ فيه وَجْهان، أحَدُهما، مُسْتَحَب، لأنَّ الأصْلَ بقاءُ ما كان، فلا يَزُولُ حتى يَثْبُتَ الجَرْحُ.
والثاني، يَجِبُ البَحْثُ كلَّما مَضَتْ مُدَّة يَتَغَيَّرُ الحالُ فيها، لأنَّ العَيْبَ يَحْدُثُ، وذلك على ما يَرَاه الحاكمُ.
ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهان مثلُ هَذَيْن.
فصل: وليس للحاكِمِ أن يُرَتِّبَ شُهُودًا لا يَقْبَلُ غيرَهم، لأنَّ اللهَ تعالى قال:{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}. ولأنَّ فيه إضْرارًا بالناسِ، وتَضْيِيقًا عليهم، لأنَّ كثيرًا مِن الوقائِعِ التى يُحْتاجُ إلى البينةِ فيها تَقَعُ عندَ غيرِ المُرَتَّبِينَ، فمتى ادَّعَى إنْسان شهادةَ غيرِ المُرَتَّبِين، وَجَب على الحاكمِ سَماعُ بينَتِه، والنَّظَرُ في عدالةِ شاهِدَيْه،
ولا يجوزُ رَدُّهم بكونِهم مِن غيرِ المُرَتَّبِين، لأنَّ ذلك يُخالِفُ الكتابَ والسُّنَّةَ والإجْماعَ، لكنْ له أنْ يُرَتِّبَ شُهُودًا يُشْهِدُهم الناسُ فيَسْتَغْنُون بإشْهادِهم عن تَعْديلهم، ويَسْتَغْنِى الحاكمُ عن الكَشْفِ عن أحْوالِهم، فيكونُ فيه تخْفِيفٌ [مِن وَجْهٍ]، ويكونون أيضًا يُزَكُّون مَن عَرَفوا عَدالتَه مِن غيرِهم إذا شَهِد.
٤٩٠٦ - مسألة: (فإن ثَبَتا، حَكَم) بشَهادَتِهما؛ لأنَّ الظاهِرَ صِدْقُهما. ولا يَحْكُمُ حتى يَسْألَه المُدَّعِى؛ لأنَّ الحَقَّ له. وقد ذَكَرْناه.
فصل: إذا اتَّصَلَتْ به الحادِثَةُ، واسْتَنارَتِ الحُجَّةُ لأحَدِ الخَصْمَيْن، حَكَم إذا سَألَه؛ لِما بَيَّنا.
وإن كان فيها لَبْسٌ، أمَرَهما بالصُّلْحِ،
فإن أبَيا أخَّرَهما إلى البَيانِ،
فإن عَجَّلها قبلَ البَيانِ، لم يَصِحَّ حُكْمُه. وممَّن رأى الِإصْلاحَ بينَ الخُصُومِ؛ شُرَيْحٌ، وعبدُ الله بِنُ عُتْبَةَ، وأبو حنيفةَ، والشَّعْبِىُّ، والعَنْبَرِىُّ. ورُوِىَ عن عمرَ، أنَّه قال: رُدُّوا الخُصُومَ حتى يَصْطَلِحُوا،
فإنَّ فَصْلَ القَضاءِ يُحْدِثُ بينَ القَوْمِ الضَّغائِنَ . قال أبو عُبَيْدٍ: إنَّما يَسَعُه الصُّلْحُ في الأمُورِ المُشْكِلَةِ،
أمَّا إذا اسْتَنارَتِ الحُجَّةُ لأحَدِ الخَصمَيْن، وتَبَيَّنَ له مَوْضِعُ الظَّالِمِ ، فليس له أنْ يَحْمِلَه على الصُّلْحِ. ونحوُه قولُ عَطاء. واسْتَحْسَنَه ابنُ المُنْذِرِ. ورُوِىَ عن شُرَيْحٍ أنَّه ما أصْلَحَ بين مُتحاكِمَيْن إلَّا مَرَّةً واحدةً.
فصل: وإن حَدَثَتْ حادِثَةٌ، نَظَرَ في كتابِ اللهِ،
[فإن وَجَدها]، وإلَّا نَظَر في سُنَّةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،
فإن لم يَجِدْها، نَظَر في القِياسِ، فألْحَقَها بأشْبَهِ الأصُولِ بها؛ لِما روَى عَمْرُو بنُ الحارِثِ ابنُ أخى المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ، عن رجالٍ مِن أصْحابِ مُعاذٍ مِن أهلِ حِمْصَ، عن مُعاذٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لمُعاذٍ حينَ بَعَثَه إلى اليَمَنِ:«بِمَ تَحْكُمُ؟». قال: بكتابِ اللهِ. قال:«فَإنْ لَمْ تَجِدْ؟». قال: بسُنَّةِ رسولِ اللهَ. قال:«فَإنْ لَمْ تَجِدْ؟». قال: أجْتَهِدُ رَأْيىِ، ولا آلو.
قال:«الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِى وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِما يُرْضِى رَسُولَ اللهِ».
فإن قيلَ: عمرُو ابنُ أخى المُغيرةِ والرِّجالُ مَجْهولون. قُلنا: قد رَواه عُبادَةُ بنُ نُسَىٍّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ غَنْمٍ، عن مُعاذٍ. ثم إنَّه حديثٌ مشهورٌ في كُتُبِ أهلِ العلمِ؛ رَواه سعيدُ بنُ مَنْصورٍ، والِإمامُ أحمدُ، وغيرُهما، وتَلَقَّاه العُلَماءُ بالقَبُولِ، وجاءَ عن الصَّحابةِ مِن قَوْلِهم ما يُوافِقُه، فرَوَى سعيدٌ، أنَّ عمرَ قال لشُرَيْحٍ: انْظُرْ ما تَبَيَّنَ لك في كتابِ اللهِ، [ولا تَسْألْ عنه أحدًا، وما لا يَتَبَيَّنُ لك في كتابِ الله]، فاتَّبعْ فيه السُّنَّةَ، وما لم يتَبَيَّنْ لك في السُّنَّةِ، فاجْتَهِدْ فيه رَأيَك.
وعن ابنِ مسعودٍ مثلُ ذلك .
٤٩٠٧ -
(فَإِنْ ثَبَتَا) عَلَى قَوْلِهِمَا. (حَكَمَ بِهَا إِذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي) لِأَنَّ الشَّرْطَ ثَبَاتُ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى شَهَادَتِهِمَا إِلَى حِينِ الْحُكْمِ، وَطَلَبُ الْمُدَّعِي الْحُكْمَ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ كُلُّهُ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ لِلْمُنْكِرِ: قَدْ قَبِلْتُهُمَا،
فَإِنْ جَرَحْتَهُمَا، وَإِلَّا حَكَمْتُ عَلَيْكَ. ذَكَرَهُ السَّامَرِيُّ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.