وَإِنْ كَانَ شَائِعًا فِيهِمَا فَهَلْ تَبْطُلُ الْقِسْمَةُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ
الشروح عليها
(وإن كان شائِعًا فيهما) فعلى وَجْهَيْن. إذا اقْتَسَمَ الشريكان شيئًا، فبان بعضُه مُسْتَحَقًّا، وكان مُعَيَّنًا في نصيبِ أحدِهما، بَطَلَتِ القِسْمَةُ. وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَبْطُلُ، بل يُخَيَّرُ مَن ظَهَر المُسْتَحَقُّ في نصيبِه بينَ الفَسْخِ والرُّجُوعِ بما بَقِىَ مِن حَقِّه، كما لو وَجَدَ عَيْبًا فيما أخَذَه. ولَنا، أنَّها قِسْمَة لم تُعَدَّلْ فيها السِّهامُ، فكانت باطلةً، كما لو فَعَلا ذلك مع عِلمِهما بالحالِ.
وأمَّا إذا بان عَيْبُ نصيبِ أحدِهما، فيَحْتَمِلُ أن تُمْنَعَ المسألَةُ، ونقولَ ببُطْلانِ القِسْمَةِ؛ لعَدَمِ التَّعْديلِ بالقيمةِ، ويَحْتَمِلُ أن يُفَرَّقَ بينَهما،
فإنَّ العَيْبَ لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فلم يُؤثِّرْ في البُطْلانِ، كالبَيْعِ.
وإن كان المُسْتَحَقُّ في نصيبِهما على السَّواءِ، لم تَبْطُلِ القِسْمَةُ؛ لأنَّ ما يَبْقَى لكلِّ واحدٍ منهما بعدَ المُسْتَحَقِّ قَدْرُ حَقِّه، ولأنّ القِسْمَةَ إفْرازُ حَقِّ أحدِهما مِن الآخَرِ، وقد أفْرَزَ كلُّ واحدٍ منهما حَقَّه، إلَّا أن يكونَ ضَرَرُ المُسْتَحَقِّ في نصيبِ أحدِهما أكْثَرَ، مثلَ أن يَسُدَّ طريقَه، أو مَجْرَى مائِه، أو ضَوْئِه، ونحو هذا، فتَبْطُلُ القِسْمَةُ؛ لأنَّ هذا يَمْنَعُ التَّعْدِيلَ.
فإن كان المُسْتَحَقُّ في نصيبِ أحدِهما أكثرَ مِن الآخَرِ، بَطَلَتِ القِسْمَةُ؛ لِما ذَكَرْناه،
وإن كان مُشاعًا فيهما، بَطَلَتِ القِسْمَةُ ؛ لأنَّ الثالثَ شريكُهما ولم يَحْضُرْ ولا أذِنَ، فأشْبَهَ ما لو كان لهما شريكٌ يَعْلَمانِه، فاقْتَسما دُونَه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه يَأْخُذُ مِن كلِّ واحدٍ منهما مثلَ ما يَأْخُذُ مِن الآخَرِ، ويصيرُ مع كلِّ واحدٍ قَدْرُ حَقِّه، فأشْبَهَ ما لو كان المُسْتَحَقُّ مُعَيَّنًا في نصيبِهما على السَّواءِ. ٤٩٥٥ - مسألة: (وإنِ اقْتَسَما دارَيْن قِسْمَةَ تَراضٍ، فبَنَى أحَدُهما في نصيبِه، ثُمَّ خَرَجَتِ الدّارُ مُسْتَحَقةً، فقُلِعَ بِناؤُه، رَجَع بنِصْفِ قِيمَتِه على شريكِه) هكذا ذَكرَه الشَّريفُ أبو جَعْفرٍ، وحَكاه أبو الخَطَّابِ عن القاضى.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: ليس له الرُّجُوعُ عليه بشئٍ؛ لأنَّه غَرَسَ وبَنَى باخْتِيارِه، فلم يَرْجِعْ بنَقْصِ ذلك على غيرِه، كما لو بَنَى في مِلْكِ نفسِه. ولَنا، أنَّ هذه القِسْمَةَ بمنزلَةِ البيعِ؛
فإنَّ الدّارَيْن لا يُقْسمانِ قِسْمَةَ إجْبارٍ على أن [تكونَ كل واحدةٍ] منهما نصيبًا، وإنَّما يُقْسَمانِ كذلك بالتَّراضِى، فتكونُ جارِيَةً مَجْرَى البيعِ،
ولو باعَه الدّارَ جميعَها، ئم بانَتْ مُسْتَحَقَّةً، رَجَع عليه بالبِناءِ كلِّه،
فإذا باعه نِصْفَها، رَجَع عليه بنصفِه.
وكذلك يُخرَّجُ في كل قِسْمَةٍ جارِيَةٍ مَجْرَى البيعِ، وهى قِسْمةُ التَّراضِى، كالذى فيه رَدُّ عِوَضٍ، وما لا يُجْبَرُ على قِسْمَتِه لضَرَرٍ فيه، ونحوِ ذلك.
فأمَّا قِسْمَةُ الإجْبارِ، إذا ظَهر نصيبُ أحدِهما مُسْتَحَقًّا بعدَ البِناءِ والغَرْسِ فيه، فنُقِضَ البِناءُ، وقُلِعَ الغَرْسُ.
فإن قُلْنا: القِسْمةُ بَيْعٌ. فكذلك.
وإن قُلْنا: ليست بيعًا. لم يَرْجِعْ، لأنَّ شريكَه لم يَغُرَّه ، ولم يَنْتَقِلْ إليه مِن جهتِه ببيعٍ ، وإنَّما أفْرَزَ حَقَّه مِن حَقِّه، فلم يَضْمَنْ له ما غرِمَ فيه. هذا الذى يَقْتَضِيه قولُ الأصْحابِ. ٤٩٥٦ -
(وَإِنْ كَانَ شَائِعًا فِيهِمَا فَهَلْ تَبْطُلُ الْقِسْمَةُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ)
:
أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ، قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالْوَجِيزِ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ شَرِيكُهُمَا لَمْ يَحْضُرْ وَلَمْ يَأْذَنْ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلِمَاهُ.
وَالثَّانِي: لَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ فِي نَصِيبِهِمَا عَلَى السَّوَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ بَقَاءُ حَقِّهِ فِي يَدِهِمَا جَمِيعًا مَعَ بَقَائِهِمَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى مَا كَانَا.
وَإِذَا ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّ هَذَا مِنْ سَهْمِي تَحَالَفَا وَنَقَضَتِ الْقِسْمَةُ،
وإِنْ كانَ شائِعًا فيهما، فهل تَبْطُلُ القِسْمَةُ؟ على وجْهَيْن. وأطْلَقَهما فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»؛ أحدُهما، تَبْطُلُ. وهو الصَّحيحُ مِن المذهبِ. اخْتارَه القاضى، وابنُ عَقِيلٍ.
قال في «الخُلاصةِ»: بَطَلَتْ فى الأصحِّ. وصحَّحه في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«التَّصْحيحِ». وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. والوَجْهُ الثَّاني، لا تَبْطُلُ فى غيرِ المُسْتَحَقِّ. قدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ».
فائدتان؛ إحْداهما، لو كانَ المُسْتَحَقُّ مُشاعًا فى أحَدِهما، فهى كالتى قبلَها، خِلافًا ومذهبًا. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وقدَّمه فى «المُحَررِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقيلَ: تبْطُلُ هنا وإنْ لم تَبْطُلْ فى التى قبلَها. وظاهرُ كلامِه فى «القَواعِدِ»، أنَّ ذلك كلَّه مَبْنِىٌّ على أنَّ القِسْمَةَ إفْرازٌ أو بَيْعٌ. وتقدَّم لَفْظُه.
الثَّانيةُ، قال المَجْدُ: الوَجْهان الأَوَّلان
فَرْعٌ على قَوْلِنا بصِحَّةِ تفْريقِ الصَّفْقَةِ فى المبَيعِ. وهو المذهبُ، على ما تقدَّم.
فأمَّا إنْ قُلْنا: لا تَتَفَرَّقُ هناك. بَطَلَتْ هُنا وَجْهًا واحِدًا.
وقال فى «البُلْغَةِ»: إذا ظَهَرَ بعْضُ حِصَّة أحَدِهما مُسْتَحَقًّا، انْتَقَضَتِ القِسْمَةُ،
وإنْ ظَهَرَتْ حِصَّتُهما على اسْتِواءِ النِّسْبَةِ، وكان مُعَيَّنًا، لم تَنْتَقِصْ إذا علَّلْنا بفَسادِ تفْريقِ الصَّفْقَةِ بالجَهالَةِ،
وإنْ علَّلْناه باشْتِمالِها على ما لا يجوزُ، بَطَلَتْ،
وإنْ كان المُسْتَحَقُّ مُشاعًا، انْتَقَضَتِ القِسْمَةُ فى الجميعِ، على وَإِذَا اقْتَسَمَا دَارَيْنِ قِسْمَةَ تَرَاضٍ، فَبَنَى أَحدُهُمَا فِى نَصِيبِهِ، ثُمَّ خَرَجَتِ الدَّارُ مُسْتَحَقَّةً، وَنُقِضَ بِنَاؤُهُ، رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ عَلَى شَرِيكِهِ.
أصحِّ الوَجْهَيْن.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.