وَمَتَى رَجَعَ شُهُودُ الْمَالِ بَعْدَ الْحُكْمِ لَزِمَهُمْ الضَّمَانُ وَلَمْ يُنْقَضِ الْحُكْمُ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا أَوْ تَالِفًا
الشروح عليها
فصل: فإن ماتَ شُهودُ الأصْلِ أو الفَرْعِ، لم يَمْنَعِ الحُكْمَ،
وكذلك لو ماتَ شُهودُ الأصْلِ قبلَ أداءِ الفُروعِ شهادَتَهم ، لم يَمْنَعْ مِن أدائِها، والحُكْمِ بها؛ لأنَّ مَوْتَهم مِن شَرْطِ سَماعِ شَهادةِ الفُروعِ والحُكمِ، فلا يجوزُ جَعْلُه مانِعًا،
وكذلك إن جُنُّوا؛ لأنَّ جُنونَهم بمَنْزلةِ مَوْتِهم.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه الله: (ومتى رَجَعَ شُهودُ المالِ بعدَ الحُكمِ، لَزِمَهم الضَّمانُ، ولم يُنْقَضِ الحُكْمُ، سواءٌ كان قبلَ القضاءِ أو بَعْدَه، وسَواءٌ كان المالُ قائمًا أو تَالِفًا)
أمَّا الرُّجوعُ به على المَحْكومِ له، فلا نعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ فيه خِلافًا، أنَّه لا يَرْجِعُ به عليه، ولا يُنْقَضُ الحُكْمُ في قولِ أهلِ الفُتْيَا مِن عُلَماءِ الأمْصارِ. وحُكِىَ عن سعيدِ ابنِ المُسَيَّبِ، والأوْزاعِىِّ، أنَّهما قالا: يُنْقَضُ الحكمُ [٢٤٨/ ٨ ظْ] وإنِ اسْتُوفِىَ الحقُّ؛ [الأنَّ الحَقّ] ثَبَت بشَهادتِهما،
فإذا رَجعا، زالَ ما ثَبَت به الحكمُ, كما لو تَبَيَّنَ أنَّهما كانا كافِرَيْن. ولَنا، أنَّ حقَّ المشْهودِ له وجَبَ له، فلا يسْقُطُ بقَوْلِهما, كما لو ادَّعَياه لأنْفُسِهما، يُحَقِّقُ هذا أن حَقَّ الانسانِ لا يَزُولُ إلَّا ببَينةٍ أو إقْرارٍ، ورُجوعُهما ليس بشَهادةٍ، ولهذا لا يَفْتَقِرُ إلى لَفْظِ الشَّهادةِ، ولا هو إقْرار مِن صاحب الحَقِّ، وفارَقَ ما إذا تَبَينَ أنَّهما كانا كافِرَيْن؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنه لم يُوجَدْ شَرْطُ الحُكْمِ، وهو شَهادةُ العُدولِ، وفى مسْأَلَتِنا لم يَتَبَيَّنْ ذلك؛
لجوازِ أن يكونَا عَدْلَيْن صادقَيْن في شَهادَتِهما، وإنَّما كذَبا في رُجوعِهما، ويُفارِقُ العُقوباتِ، حيث لا تُسْتَوْفَى؛ لأنَّها تُدْرَأْ بالشُّبُهاتِ.
وأمّا الرُّجوعُ على الشّاهِدَيْن به، فهو قولُ اكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالك، وأصْحابُ الرَّأى. وقولُ الشافعىِّ القَديمُ،
وقال في الجديدِ: لا يَرْجِعُ عليهما بشيءٍ، إَلَّا أن يشْهَدَا بعِتْقِ عبدٍ، فيَضْمَنا قِيمَتَه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منهما إتْلافٌ للمال، ولا يَدٌ عادِيَةٌ عليه، فلم يَضْمَنا, كما لو رُدَّتْ شَهادَتُهما. ولَنا، أنَّهما أقَرَّا [أنَّهما أخْرجَا] مالَه مِن يَدِه بغيرِ حقٍّ، وحالَا بينَه وبينَه، فلَزِمَهما الضَّمان، كما لو شَهِدَا بعِتْقِه، ولأنَّهما أزالَا يَدَ السيِّدِ عن عبدِه بشَهادتِهما المَرْجوعِ عنها، فأشْبَهَ ما لو شَهِدَا بحُرِّيته، ولأنَّهما تسَبَّبا إلى إتْلافِ حَقِّه بشَهادَتِهما بالزُّورِ عليه، فلَزِمَهما الضَّمانُ، كشاهِدَىِ القِصاصِ.
يُحَقِّقُ هذا، أنَّه إذا لَزِمَهما القِصاصُ الذى يُدْرَأ بالشُّبُهاتِ، فوُجوبُ المالِ أوْلَى. وقولُه: إنَّهما ما أتْلَفا المالَ. يَبْطُلُ بما إذا شَهِدَا بعِتْقِه،
فإن الرِّق في الحَقِيقَةِ لا يزُولُ بشَهادةِ الزُّورِ، وإنَّما حالَا بينَ سيِّدِه وبينَه، وفى مَوْضعِ إتْلافِ المالِ، فهُما تَسَبَّبا إلى تَلَفِه، فلَزِمَهما ضَمانُ ما تَلِفَ بسبَبِهما، كشَاهِدَىِ القِصاصِ، وشُهودِ الزِّنَى، وحافِرِ البِئْرِ، وناصِبِ السِّكِّينِ.
٥٠٧٩ -
فصل فِي رُجُوعِ الشُّهُودِ بَعْدَ الْحُكْمِ] [رُجُوعُ شُهُودِ الْمَالِ] فصل. (وَمَتَى رَجَعَ شُهُودُ الْمَالِ بَعْدَ الْحُكْمِ لَزِمَهُمْ) أَيْ: الشُّهُودَ. (الضَّمَانُ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُمَا قَدِ اعْتَرَفَا بِأَنَّهُمَا قَدْ أَخْرَجَا مَالَهُ مِنْ يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَزِمَهُمَا الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ. وَلِأَنَّهُمَا نُسِبَا إِلَى إِتْلَافِ حَقِّهِ بِشَهَادَتِهِمَا بِالزُّورِ عَلَيْهِ فَضَمِنَا كَشَاهِدَيِ الْقِصَاصِ. بَلْ وُجُوبُ الْمَالِ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَمْ يُصَدِّقْهُمْ مَشْهُودٌ لَهُ،
فَأَمَّا الْمُزَكُّونَ فَلَا يَغْرَمُونَ شَيْئًا. ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ.
وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُرْجَعُ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ بِشَيْءٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (وَلَمْ يُنْقَضِ الْحُكْمُ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْفُتْيَا مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ،
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُنْقَضُ وَإِنِ اسْتَوْفَى الْحَقَّ، كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ.
وَجَوَابُهُ: أَنْ حَقَّ الْمَشْهُودِ لَهُ وَجَبَ فَلَا يَسْقُطُ، كَمَا لَوِ ادَّعَيَاهُ لِأَنْفُسِهِمَا. يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ حَقَّ الْإِنْسَانِ لَا يَزُولُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، وَلَيْسَ هَذَا وَاحِدًا مِنْهُمَا. وَفَارَقَ الْكَافِرُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْحُكْمِ: وَهُوَ شَهَادَةُ الْعُدُولِ، وَهُنَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ صَادِقَيْنِ فِي شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّمَا كَذَبَا فِي رُجُوعِهِمَا. وَتُفَارِقُ الْعُقُوبَاتُ حَيْثُ لَا تُسْتَوْفَى لِأَنَّهَا تُدْرَأُ بِالشُّبَهَاتِ. (سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا أَوْ تَالِفًا) لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِالْحُكْمِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ ـ فِيمَا ذُكِرَ ـ عَلَى السَّوَاءِ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْمُغْنِي: أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ بِدَيْنٍ فَأَبْرَأَ مِنْهُ مُسْتَحِقَّهُ، ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يَغْرِمَاهُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
[رُجُوعُ شُهُودِ الْعِتْقِ]
ومتى رَجَعَ شُهودُ المالِ بعدَ الحُكْمِ، لَزِمَهم الضمانُ، ولم يُنْقَضِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحُكْمُ، سواءٌ كان قبلَ القَبْضِ أو بعدَه، وسواءٌ كان المالُ قائِمًا أو تألِفًا، وإنْ رَجَعَ وَإنْ رَجَعَ شُهُودُ الْعِتْقِ، غَرِمُوا الْقِيمَةَ.
شُهُودُ العِتْقِ، غَرِمُوا القِيمَةَ. بلا نِزاعٍ نَعْلَمُه. لكِنَّه مُقَيَّدٌ بما إذا لم يُصَدِّقْهم المَشْهودُ له. وهو واضِحٌ.
وأما المُزَكُّونَ، فإنَّهم لا يَضْمَنُونَ شيئًا.
تنبيه: مَحَلُّ الضَّمانِ إذا لم يُصَدِّقْه المَشْهودُ له،
فإنْ صدَّقَ الرَّاجِعِينَ، لم وَإنْ رَجَعَ شُهُودُ الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، غَرِمُوا نِصْفَ الْمُسَمَّى،
وَإنْ كَانَ بَعْدَهُ، لَم يَغْرَمُوا شَيْئًا.
يضْمَنِ الشُّهودُ شيئًا . ويُسْتَثْنَى مِنَ الضَّمانِ، لو شَهِدَا بدَيْن، فأبْرَأ منه مُسْتَحِقُّه، ثم رَجَعَا، فإنهما لا يغْرَمانِ شيئًا للمَشْهُود عليه. ذكَرَه المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى» فى كتابِ الصَّداقِ، فى مسْألةِ تنْصِيفِ الصداقِ بعدَ هِبَتِها للزَّوْجِ.
قال: ولو قَبَضَه المَشْهودُ له، ثم وَهَبَه المَشْهُودَ عليه، ثم رَجَعَا، غَرِمَا. انتهى.
فصل [إذا رجع الشهود] قال المصنف رحمه الله: (ومتى رجع شهود المال بعد الحكم لزمهم الضمان، ولم ينقض الحكم سواء كان قبل القبض أو بعده، وسواء كان المال قائماً أو تالفاً) .
أما كون شهود المال إذا رجعوا بعد الحكم يلزمهم الضمان؛ فلأنهم حالوا بين المالك وماله بشهادتهم الثابت كونها باطلة بقولهم. فلزمهم الضمان؛ كما لو غصب غاصبٌ العبد وهرّبه.
وأما كون الحكم لا ينقض؛ فلأن حق المشهود له وجب بالحكم. فلا يسقط بعد وجوبه بقول الشهود واعترافهم بالكذب؛ لأنه يحتمل كذبهم فيه.
ولأن رجوعهم ليس بشهادة، والحق الثابت بشهادة أو إقرار لا يزيله إلا شهادة على صاحبه أو إقرار منه.
وأما كون ذلك كذلك سواء كان قبل القبض أو بعده، وسواء كان المال قائماً أو تالفاً؛ فلأن وجوب الحق متعلق بالحكم وهو موجود في الأمور المذكورة على حدٍ سواء.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.