وَلَا يَعْقِدَ عَلَيْهِ مِنْطَقَةً،
الشروح عليها
مسألة: (ولا يَعْقِدُ عليه مِنْطَقَةً ولا رِداءً ولا غيرَه، إلَّا إزارَه وهِمْيانَه الذى فيه نَفَقَتُه، إذا لم يَثْبُتْ إلَّا بالعَقْدِ) ليس للمُحْرِمِ أن يَعْقِدَ عليه الرِّداءَ ولا غيرَه، إلَّا الإزارَ والهِمْيانَ ، وليس له أن يَجْعَلَ لذلك زِرًّا وعُرْوَةً، ولا يخَلِّلَه بشَوْكَةٍ ولا إبْرَةٍ ولا خَيْطٍ، ولا يَغْرِزَه في إزارِه؛ لأنَّه في حُكْمِ المَخِيطِ. وروَى الأثْرَمُ عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ رجلًا سَأَلَه: أُخالِفُ بين طَرَفَىْ ثَوْبى مِن وَرائِى، ثم أعقِدُه؟
- وهو مُحْرِمٌ- فقالَ ابنُ عُمَرَ: لا تَعْقِدْ عليك شَيْئًا . وعن أبِى مَعْبَدٍ، مَوْلَى ابنِ عباسٍ، أنَّ ابنَ عباس قال له: يا أبا مَعْبَدٍ، زرَّ عليَّ طَيْلَسانِي. -وهو مُحْرِمٌ- فقالَ له: كُنْتَ تَكْرَهُ هذا. فقالَ: إنِّىَ أُرِيدُ أن أفْتَدِىَ. ولا بَأْسَ أن يَتَّشِحَ بالقَمِيصِ، ويَرْتَدِىَ به، وبرِداءٍ مُوَصَّلٍ، ولا يَعْقِدُه؛ لأنَّ المَنْهِىَّ عنه المخِيطُ على قَدْرِ العُضْوِ.
فصل: فأمّا الإِزارُ، فيَجُوزُ عَقدُه؛ لأنَّه يَحْتاجُ إليه لسَتْرِ العَوْرَةِ، فأُبِيحَ، كاللِّباسِ للمرأةِ .
وإن شَدَّ وَسَطَه بالمِنْدِيلِ أو نحوِه، كالحَبْلِ، جاز إذا لم يَعْقِدْه. قال أحمدُ في مُحْرِم حَزَم عِمامَةً على وَسَطِه: لا يَعْقِدُها، ويُدْخِلُ بعضَها في بعضٍ. قال طَاوُسٌ: رأيتُ ابنَ عُمَرَ يَطُوفُ بالبَيْتِ، وعليه عِمامَةٌ قد شَدَّها على وَسَطِه، فأدْخَلَها هكذا.
ولا يَجُوزُ أن يَشُقَّ أسْفَلَ إزارِه نِصْفَيْن، ويَعْقِدَ كلَّ نِصْفٍ على ساقٍ؛ لأنَّه يُشْبِهُ السَّراوِيلَ. ولا يَلْبَسُ الرَّأْنَ ؛ لأنَّه في مَعْنَى الخُفِّ.
فصل: فأمّا الهِمْيانُ، فهو مُباحٌ للمُحْرِمِ، في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ منهم ابنُ عباسٍ، وابنُ عُمَرَ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وطاوُسٌ، والقاسِمُ، والنَّخَعِىُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجاز ذلك جَماعَةُ فُقَهاءِ الأمْصارِ، مُتَقَدِّمُوهم ومُتَأخِّرُوهم.
ومتى ثَبَت بغيرِ العَقْدِ، مثلَ أن يُدْخِلَ السُّيُورَ بعضَها في بعضٍ، لم يَعْقِدْه؛ لأنَّه لا حاجَةَ إليه،
فإن لم يَثْبُتْ إلَّا بالعَقْدِ جاز، نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ إسْحاقَ. قال إبراهيمُ: كانوا يُرَخِّصُون في عَقْدِ الهِمْيانِ للمُحْرِمِ، ولا يُرَخِّصُون في عَقْدِ غيرِه. وقالَتْ عائِشَةُ: أوْثِقْ عليك نَفَقَتَك .
وقال ابنُ عباسٍ: أوْثِقُوا عليكم نَفَقاتِكم. وذَكَر القاضى في «الشَّرْحِ» أنَّ ابنَ عباسٍ قال: رَخَّصَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - للمُحْرِمِ في الهِمْيانِ أن يَرْبِطَه، إذا كانَتْ فيه نَفَقَتُه.
وقال مُجاهِدٌ: سُئِلَ ابنُ عُمَرَ عن المُحْرِمِ يَشُدُّ الهِمْيانَ عليه؟ فقالَ: لا بَأْسَ به إذا كانَتْ فيه نَفَقَتُه، يَسْتَوْثِقُ مِن نفَقَتِه . ولأنَّه ممّا تَدْعُو الحاجَةُ إليه، فجاز، كعَقْدِ الإِزارِ.
فصل: فإن لم يَكُنْ في الهِمْيانِ نَفَقَةٌ، لم يَجُزْ عَقْدُه؛ لعَدَمِ الحاجَةِ إليه،
وكذلك المِنْطَقَةُ. وقد رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كَرِه المِنْطَقَةَ والهِمْيانَ للمُحْرِم. وهو مَحْمُولٌ على ما ليس فيه نَفَقَةٌ، على ما تَقَدَّمَ مِن الرُّخْصَةِ فيما فيه النَّفَقَةُ. وسُئِلَ أحمدُ عن المُحْرِمِ يَلْبَسُ المِنْطَقَةَ مِن وَجَعِ الظَّهْرِ، أو لِحاجَةٍ إليها؟ فقالَ: يَفْتَدِى. فقِيلَ له: أفلا يَكُون مثلَ الهِمْيانِ؟ قال: لا. وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كَرِه المِنْطَقَةَ للمُحْرِمِ، وأباحَ شَدَّ الهِمْيانِ، إذا كانَتْ فيه نَفَقَةٌ. والفَرْقُ بينَهما أنَّ الهِمْيانَ يَكُونُ فيه النَّفَقَةُ، والمِنْطَقَةُ لا نَفَقَةَ فيها، فأُبِيحَ شَدُّ ما فيه النَّفَقَةُ للحاجَةِ إلى حِفْظِها، وٍ لم يُبَحْ شَدُّ غيرِها.
فإن كان في المِنْطَقَةِ نَفَقَةٌ، أو لم يَكُنْ في الهِمْيانِ نفقَةٌ، فهما سَواءٌ. وقد ذَكَرْنا أنَّ أحمدَ لم يُبِحْ شَدَّ المِنْطَقَةِ لوَجَعِ الظَّهْرِ، إلَّا أن يَفْتَدِىَ؛ لأنَّ المِنْطَقَةَ ليست مُعَدَّةً لذلك، ولأَّنه فَعَل المَحْظُورَ في الإحْرامِ لدَفْعِ الضَّرَرِ عن نَفْسِه، أشْبَهَ مَن لَبِس المَخِيطَ لدَفْعِ البَرْدِ، أو تَطَيَّبَ للمَرَضِ.
فإن فَعَل ما لا يُباحُ له فِعْلُه؛ مِن عَقْدِ غيرِ الهِمْيانِ والإزارِ ونحوِه، فعليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه فَعَل مَحْظُورًا في الإحْرامِ.
١١٩١ -
(وَلَا يَعْقِدَ عَلَيْهِ مِنْطَقَةً، وَلَا رِدَاءً، وَلَا غَيْرَهُ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ لِمُحْرِمٍ، وَلَا تَعْقِدْ عَلَيْهِ شَيْئًا ". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَرَوَى هُوَ، وَمَالِكٌ أَنَّهُ كَانَ يُكْرَهُ لُبْسُ الْمِنْطَقَةِ لِلْمُحْرِمِ، وَلِأَنَّهُ يَتَرَفَّهُ بِذَلِكَ أَشْبَهَ اللِّبَاسَ.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ رَبْطِهِ بِالْعَقْدِ أَوْ بِشَوْكَةٍ أَوْ إِبْرَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ،
فَإِنْ فَعَلَ، أَثِمَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَفَدَى،
وَكَذَا إِنْ كَانَ مَعَهَا كَوَجَعِ ظَهْرٍ وَنَحْوِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ فِيهَا بَعْضُهُ، فَحُكْمُهَا كَالْهِمْيَانِ،
وَعَنْهُ: أَنَّهَا كَهِمْيَانٍ، وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُمَا، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ: أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا النَّفَقَةُ، وَعَدَمُهَا، وَإِلَّا فَهُمَا سَوَاءٌ.
فَرْعٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَّشِحَ بِالْقَمِيصِ، وَيَرْتَدِيَ بِهِ، وَبِرِدَاءٍ، وَلَا يَعْقِدُهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ الْمَخِيطُ عَلَى قَدْرِ الْعُضْوِ
ولا يَعْقِدُ عليه مِنْطَقَةً. اعْلمْ أنَّ المِنْطَقَةَ لا تخْلُو؛
إمَّا أنْ يكُونَ فيها نَفَقَتُه أو لا،
فإنْ كان فيها نَفَقَتُه، فحُكْمُها حُكْمُ الهِمْيَانِ، على ما يأْتِى فى كلامِ المُصَنِّفِ،
وإنْ لم يكُنْ فيها نَفَقَتُه، فلا يخْلُو؛
إمَّا أنْ يَلْبَسَها لوجَعٍ أو لحِاجَةٍ أو غيرِهما،
فإنْ لَبِسَها لوَجع أو حاجةٍ، فالصَّحيحُ أنَّه يَفْدِى.
وكذا لو لَبِسَها لغيرِ حاجَةٍ بطَريقٍ أوْلَى. وفى «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّرْغِيبِ» رِوايَةٌ؛ أنَّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المِنْطَقَةَ كالهِمْيَانِ. اختارَه الآجُرِّىُّ، وابنُ أبى مُوسَى، وابنُ حامِدٍ. وذكَر المُصَنِّفُ وغيرُه، أنَّ الفَرْقَ بينَهما النَّفَقَةُ وعدَمُها، وإلَّا فهما سَواءٌ. قال فى «الفُروعِ»: وهو أظْهَرُ.
قال رحمه الله: (ولا يعقد عليه منطقة ولا رداء ولا غيره إلا إزاره وهميانه الذي فيه نفقته إذا لم يثبت إلا بالعقْد) .
أما كون المحرم لا يعقد عليه مِنْطقة. وهي: شيء يشد به الوسط لوجع الظهر فلأنه يترفه بذلك أشبه اللباس.
ولا بد أن يلحظ في العقد المذكور عدم الحاجة إليه فإن كان بالمحرم حاجة إلى ذلك من وجع ظهر ونحوه جاز وعليه الفدية. نص عليه.
أما الجواز فلمكان الحاجة.
وأما وجوب الفدية فلأنه نادر أشبه حلق الرأس لوجع الرأس.
وأما كونه لا يعقد عليه رداء ولا غيره غير ما استثني فلأن ابن عمر رضي الله عنهما قال:«لا تعقد عليك شيئاً».
ولأنه يصير بالعقد كالمخيط.
وأما جواز عقد الإزار فلأنه يحتاج إلى عقده لستر عورته.
وأما جواز عقد الهميان الذي فيه نفقته فلقول عائشة رضي الله عنها:«أوثق عليك نفقتك».
ولأنه مما تدعو الحاجة إلى عقده فجاز كالإزار.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا لم يثبت إلا بالعقد فاحتراز من أن يكون مما يمكن شده لا بالعقد مثل أن يُدخل بعضه في بعض فإن ذلك لا يجوز عقده حينئذ لعدم الحاجة إليه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.