ثُمَّ يَبْتَدِئُ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيُحَاذِيهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ
الشروح عليها
مسألة: (ثم يَبْتَدِئُ مِن الحَجَرِ الأسْوَدِ، فيُحاذِيه بجَمِيع بَدَنِه، ثم يَسْتَلِمُه، ويُقَبِّلُه، وإن شاء اسْتَلَمَه وقَبَّلَ يَدَه، وإن شاءَ أشارَ إليه، ثم يقولُ: اللهُ أكْبَرُ إيمانًا بك، وتَصْدِيقًا بكِتابِكَ، ووَفَاءً بعَهْدِكَ، واتِّباعًا لسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -. كُلَّمَا اسْتَلَمَه) يَبْتَدِئُ الطَّوافَ مِن الحَجَرِ الأسْوَدِ، فيُحاذِيه بجَمِيعِ بَدَنِه،
فإن حاذاه ببعضِه احْتَمَلَ أن يُجْزِئَه؛ لأنَّه حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بالبَدَنِ، فأجْزَأ فيه بَعْضُه، كالحَدِّ، ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئَه؛ لأنّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَقْبَلَ الحَجَرَ، واسْتَلَمَه. وظاهِرُ هذا أنَّه اسْتَقْبَلَه بجَمِيع بَدَنِه، ولأنَّ ما لَزِمَه اسْتِقْبالُه لَزِمَه بجَمِيع بَدَنِه، كالقِبْلَةِ.
فإذا قُلْنا بوُجُوبِ ذلك، فلم يَفْعَلْه، أول بَدَأ بالطَّوافِ مِن دُونِ الرُّكْنِ، كالبابِ ونحوِه، لم يُحْتَسَبْ له بذلك الشَّوْطِ، ويُحْتَسَبُ بالشَّوْطِ الثانِى وما بعدَه، ويَصِيرُ الثانِى أوَّلَه؛ لأنَّه قد حاذَى فيه الحَجَرَ بجَمِيع بَدَنِه، وأتَى على جَمِيعِه، فمتَى أكمَلَ سَبْعَةَ أشْوَاطٍ غيرَ الأوَّلِ صَحَّ طَوافُه، وأجْزَأه، وإلَا فلا.
فصل: ثم يَسْتَلِمُه، ويُقَبِّلُه، ومَعْنَى الاسْتِلامِ المَسْحُ باليَدِ، مَأْخُوذٌ مِن السِّلَامِ، وهى الحِجَارَةُ،
فإذا مَسَح الحَجَرَ، قِيلَ: اسْتَلَمَ. أى: مَسَّ السِّلامَ. قالَه ابنُ قُتَيْبَةَ ، وذلك لِما روَى أسْلَمُ، قال: رَأيْتُ عمرَ ابنَ الخَطّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، قَبَّلَ الحَجَرَ،
وقال: إنِّي لأعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولَوْلَا أنِّى رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ. مُتَّفَقٌ عليه . وروَى ابنُ ماجَه ، عن ابنِ عمرَ، رَضِىَ الله عنه، قال: اسْتَقْبَلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الحَجَرَ ثم وَضَعَ شَفَتَيْه عليه يَبْكِى طَوِيلًا، ثم الْتَفَتَ،
فإذا هو بعمرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، يَبْكِى، فقال:«يَا عُمَرُ، ههُنا تُسْكَبُ العَبَرَاتُ».
فإن لم يَكُنِ الحَجَرُ مَوْجُودًا - والعِياذُ باللهِ- فإَّنه يَقفُ مُقابِلًا لمكانِه، ويَسْتَلِمُ الرُّكْنَ.
فإن شَقَّ اسْتِلامُه وتَقْبِيلُه، اسْتَلَمَه وقَبَّلَ يَدَه. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وجابِرٍ، وأبى هُرَيْرَة، وأبى سعيدٍ، وابنِ عباسٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ.
وقال مالكٌ: يَضَعُ يَدَه على فِيهِ مِن غيرِ تَقْبِيلٍ. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَلَمَه، وقَبَّلَ يَدَه. رَواهُ مسلمٌ .
فإن شَقَّ عليه، اسْتَلَمَه بشئٍ في يَدِه، وقَبَّلَه. رَواهُ ابنُ عباسٍ مَرْفُوعًا. أخْرَجَه مسلم . وإلَّا قامَ بحِذَائِه واسْتَقْبَلَه بوَجْهِه،
وأشارَ إليه، وكَبَّرَ وهَلَّل. وكذا إنْ طافَ راكِبًا، لِما روَى البُخَارِىُّ ، عن ابنِ عباسٍ، قال: طافَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - على بَعِيرٍ كُلَّما أتَى الحَجَرَ أشارَ إليه بشَئٍ في يَدِه وَكَبَّرَ.
فإن أمْكَنَه اسْتِلامُه بشئٍ في يَدِه كالعَصَا ونحوِه، فَعَل، فقد روَى ابنُ عباسٍ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - طافَ في حَجَّةِ الوَداعِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بمِحْجَنٍ . وهذا كُلُّه مُسْتَحَبٌّ.
ويُسْتَحَبُّ أن يقولَ عندَه ما روَى عبدُ اللهِ بنُ السائِبِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال عندَ اسْتِلامِه:«بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أكْبَرُ، إيمَانًا بكَ، وتَصْدِيقًا بكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِك، وَاتِّباعًا لسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -». يقولُ ذلك كُلَّما اسْتَلَمَه.
١٢٦٠ -
(ثُمَّ يَبْتَدِئُ) أَيْ: بِالطَّوَافِ (مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَدَأَ بِهِ (فَيُحَاذِيهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ) لِيَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ الْبَيْتِ بِالطَّوَافِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا حَاذَاهُ بِبَعْضِهِ، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ مَا لَزِمَ اسْتِقْبَالُهُ لَزِمَهُ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ كَالْقِبْلَةِ، وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ الْإِجْزَاءُ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْبَدَنِ فَأَجْزَأَ بَعْضُهُ كَالْحَدِّ. فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ وَيَصِيرُ الثَّانِي أَوَّلَهُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ثم يَبْتَدِئُ مِنَ الحَجَرِ الأَسْود، فَيُحاذِيه بجَمِيعِ بَدَنِه. إذا حاذَى الحَجَرَ الأسْودَ بجميعِ بدَنِه، أجْزَأَ، قوْلًا واحدًا.
وإنْ حاذَى بعضَ الحَجَرِ بكُلِّ بدَنِه، أجْزَأ أَيضًا، قوْلًا واحدًا. لكنْ قال فى «أسْبابِ الهِدايةِ»: وَلْيَمُرَّ بكُلِّ الحَجَرِ بكُلِّ بدَنِه.
وإنْ حاذَى الحجَرَ أو بعضَه ببَعض بدَنِه، فالصَّحِيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يُجْزِئُ ذلك الشَّوْطُ. صحَّحَه فى «النَّظْمِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوِيَيْن».
وقيل: يُجْزِئُه. اخْتارَه جماعةٌ مِنَ الأصحابِ، منهم الشَّيْخُ تَقِى الدِّينِ. وصحَّحَه ابنُ رَزِينٍ فى «شَرْحِه». وأطْلقَهما فى «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشرحِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الفائقِ».
قال: (ثم يبتدئ من الحجر الأسود فيحاذيه بجميع بدنه ثم يستلمه ويقبله، وإن شاء استلمه وقبل يده، وإن شاء أشار إليه ويقول: بسم الله والله أكبر إيماناً وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم كلما استلمه) .
أما استحباب الابتداء في الطواف من الحجر الأسود فلأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ به .
وأما محاذاته بجميع بدنه فليستوعب جميع البيت بالطواف.
وأما الخيرة بين استلامه وتقبيله وبين استلامه وتقبيل يده وبين الإشارة إليه فلأن الكل مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أما الاستلام والتقبيل فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستلمه ويقبله لما روى ابن عمر قال:«استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر ووضع شفتيه عليه يبكي طويلاً فإذا هو بعمر بن الخطاب فقال: يا عمر! هاهنا تُسكب العبرات» رواه ابن ماجة.
وفي رواية:«بدأ بالحجر فاستلمه وقبله ثم التفت فإذا هو بعمر».
وأما استلامه وتقبيل يده فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم استلمه وقبل يده» رواه مسلم.
وأما الإشارة إليه فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعير كلما أتى الركن أشار إليه وكبر».
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أن الأقوال الثلاثة متساوية لأن الخيرة هنا ليست خيرة في واجب. وليس كذلك بل المستحب تقبيله فإن لم يمكنه فالمستحب استلامه وتقبيل يد نفسه فإن لم يمكنه فالمستحب الإشارة إليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبله حين أمكنه في حديث عمر، واستلمه وقبل يد نفسه حيث لم يمكنه تقبيله ولا استلامه ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر:«أنت رجل قوي فلا تزاحم الناس فتؤذي الضعيف ولكن إن وجدت مسلكاً فاستلمه وإلا فاستقبل وهلل وكبر».
وأما استحباب قول: بسم الله إلى آخره كلما استلم الحجر فلأن عبدالله بن السائب روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك عند استلام الحجر .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.