فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (وإن شَرَط رَدَّ مَن جاءَ مِن الرِّجالِ مُسْلِمًا، جازَ، ولَا يَمْنَعُهم أخْذَه، ولا يُجْبِرُه على ذلك، وله أن يَأْمُرَه بقِتَالِهم والفِرارِ مِنهم) قد ذَكَر قِسْمَ الشُّروطِ الفاسِدَةِ. والشُّروطُ الصَّحيحَةُ، مثلَ أن يَشْتَرِطَ عليهم مالًا، أو مَعُونَةَ المُسْلِمِين عندَ حاجَتِهم إليهم، أو يَشتَرِطَ رَدَّ مَن جاءَ مِن الرِّجالِ مُسْلِمًا أو بأمانٍ، فهذا صَحِيحٌ.

١٠٬٩٢٣

وقال أصحابُ الشافعىِّ: لا يَصِحُّ شَرْطُ رَدِّ المسلمِ، إلَّا أنْ تكونَ له عَشِيرَةٌ تَحْمِيه وتَمْنَعُه. ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- شَرَط ذلك في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، ووَفَّى لهم به، فرَدَّ أبا جَنْدَلٍ وأبا بَصِيرٍ، ولم يَخُصَّ بالشَّرْطِ ذا العَشِيرَةِ، ولأنَّ ذا العَشيرةِ إذا كانت عَشِيرَتُه هى التى تَفْتِنُه وتُؤْذِيه، فهو كمَن لا عَشِيرَةَ له، لكنْ إنَّما يَجُوزُ هذا الشَّرْطُ عندَ شِدَّةِ الحاجَةِ إليه، وتَعَيُّنِ المَصْلَحَةِ فيه.

١٠٬٩٢٤

ومتى شَرَط لهم ذلك، لَزِم الوَفاءُ به، بمعنَى أنَّهم إذا جاءُوا في طَلَبِه، لم يَمْنَعْهم أخْذَه، ولا يُجْبِرُه على المُضِىِّ معهم، وله أن يأْمُرَه سِرًّا بالهَرَبِ منهم ومُقاتَلَتِهم،

١٠٬٩٢٥

فإنَّ أبا بَصِيرٍ لمَّا جاءَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وجاءَ الكُفّارُ في طَلَبِه، قال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنَّا لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا عَاهَدْنَاهُمْ عَلَيْه، وَلَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا». فلمَّا رَجَع مع الرَّجُلَيْن، قَتَل أحَدَهما في طريقِه، ثمَّ رَجَع إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، قد أوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَك، قد رَدَدْتَنِى إليهم، وأنْجانِى اللَّهُ منهم. فلم يُنْكِرْ عليه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يَلُمْه، بل قال:«وَيْلُ امِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ».

فلمَّا سَمِع ذلك أبو بَصِيرٍ، لَحِقَ بساحِلِ البَحْرِ، وانْحازَ إليه أبو جَنْدَلِ بنُ سُهَيْلٍ ومَن معه مِن المُسْتَضْعَفِينَ بمكَّةَ، فجعلُوا لا تَمُرُّ عِيرٌ لقُرَيْشٍ إلَّا عَرَضُوا لها فأخَذُوها وقَتَلُوا مَن معها، فأرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تُناشِدُه اللَّهَ والرَّحِمَ، أنْ يَضُمَّهم إليه، ولا يَرُدَّ إليهم أحَدًا جاءَه، فَفَعَلَ. فيجوزُ حينئذٍ لمَن أسْلَمَ مِن الكُفَّارِ، أنْ يتَحَيَّزُوا ناحِيَةً ويَقْتُلوا مَن قَدَرُوا عليه مِن الكُفَّارِ، ويأْخُذُوا أمْوالَهم، ولا يَدْخُلون في الصُّلْحِ.

١٠٬٩٢٦

فإن ضَمَّهم الإِمامُ إليه بإذْنِ الكُفَّارِ، دَخَلُوا في الصُّلْحِ وحَرُمَ عليهم قَتْلُ الكُفَّارِ وأخْذُ أمْوالِهم. ورُوِىَ عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه لمَّا جاءَ أبو جَنْدَلٍ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- هارِبًا مِن الكُفَّارِ يَرْسُفُ في قُيودِه، قامَ إليه أبوه فَلَطَمَه، وجعَل يَرُدُّه، قال عمرُ: فقُمْتُ إلى جانِبِ أبى جَنْدَلٍ، وقلتُ: إنَّهم الكُفَّارُ، وإنَّما دَمُ أحَدِهم دَمُ كَلْبٍ. وجَعَلْتُ أدْنِي منه قائِمَ السَّيْفِ لعلَّه أنْ يَأْخُذَه، فيَضْرِبَ به أباه.

قال: فضَنَّ الرَّجُلُ بأبِيه .

فصل: وإذا طَلَبَتِ امْرأةٌ أو صَبِيَّةٌ مُسْلِمَةٌ الخُرُوجَ مِنِ عندِ الكُفَّارِ، جازَ لكُلِّ مسلِمٍ إخْراجُها؛ لِما رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمَّا خَرَج مِن مكَّةَ، وقَفَتِ ابْنَةُ حَمْزَةَ على الطَّرِيقِ، فلمَّا مَرَّ بها علىٌّ قالَتْ: يا ابْنَ عَمِّ، إلى مَن تَدَعُنِى؟ فتَناوَلَها، فدَفَعَها إلى فاطِمَةَ حتى قَدِمَ بها المدينةَ .

١٤٩٩ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَإِنْ شَرَطَ) هَذَا شُرُوعٌ فِي الشَّرْطِ الصَّحِيحِ، وَقَدَّمَ الْفَاسِدَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى الْعَدَمِ (رَدَّ مَنْ جَاءَ مِنَ الرِّجَالِ مُسْلِمًا جَازَ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَعَلَ ذَلِكَ.

٨٬٩٨١

وَظَاهِرُهُ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَشِيرَةٌ تَحْمِيهِ، وَمَحَلُّهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ. صَرَّحَ بِهِ الْجَمَاعَةُ

٨٬٩٨٢

فَأَمَّا مَعَ اسْتِظْهَارِ الْمُسْلِمِينَ وَقُوَّتِهِمْ، فَلَا.

الإنصافالمرداوي

وإنْ شرَط رَدَّ مَن جاءَ مِنَ الرِّجالِ مُسْلِمًا، جازَ. قال الأصحابُ: جازَ ذلك لحاجَةٍ. ولا يَمْنَعُهم أخْذَه ولا يُجْبِرُه ، وله أنْ يَأْمُرَه سِرًّا بقِتالِهم والفِرَارِ منهم.

١٦٬١٣٥

وقال فى «التَّرْغِيبِ» وغيرِه: يُعرَّضُ له أنْ لا يرْجِعَ إليهم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فوائد؛ الأُولَى، لو هرَب منهم عَبْدٌ ليُسْلِمَ، فأَسْلَم، لم يُرَدَّ إليهم، وهو حُرٌّ. جزَم به فى «الحاوِيَيْن»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الكُبْرَى»،

١٦٬١٣٦

وقال: وقيل: إنْ عَلِمَ أنَّه يُسْتَذَلُّ، وجاءَ سيِّدُه فى طَلَبِه، فله قِيمَتُه مِنَ الفَىْءِ.

١٦٬١٣٧

قال: قلتُ: وكذلك الأمَةُ. وتقدَّم ما يُشْبِهُ ذلك فى آخِرِ كتابِ الجِهادِ. الثَّانيةُ، يَضْمَنُون ما أتْلَفُوه لمُسْلِمٍ، ولا يُحَدُّون لحَقِّ اللَّهِ تعالَى،

١٦٬١٣٨

وإنْ قتَل مُسْلِمًا، لَزِمَه القَوَدُ،

١٦٬١٣٩

وإنْ قذَفَه حُدَّ، وإنْ سرَق مالَه، قُطِعَ، على الصَّحيحِ. وَعَلَى الْإِمَامِ حِمَايَةُ مَنْ هَادَنَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: قُطِعَ فى الأقْيَسِ.

١٦٬١٤٠

[وقيلَ: لا يُقْطَعُ. صحَّحه فى «النَّظْمِ»] . وأطْلقَهما فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الحاوِيَيْن»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرى».

الثَّالثةُ، قوله: وعلى الإِمامِ حِمايَةُ مَن هادَنَه مِنَ المُسْلِمِين. وهو بلا نِزاعٍ،

١٦٬١٤١

وَإِنْ سَبَاهُمْ كُفَّارٌ آخَرُونَ، لَمْ يَجُزْ لَنَا شِرَاؤُهُمْ.

ويَلْزَمُه أيضًا حِمايَتُهم مِن أهْلِ الذِّمَّةِ.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (وإن شرط رد من جاء من الرجال مسلماً جاز، ولا يمنعهم أخذه، ولا يجبره على ذلك. وله أن يأمره بقتالهم، والفرار منهم) .

٥٬٤٨٧

أما كون شرط رد من جاء من الرجال مسلماً يجوز فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك .

٥٬٤٨٨

وأما كون الإمام لا يمنعهم أخذه «فلأن أبا بصير جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية فجاء الكفار في طلبه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا يصلح في ديننا الغدر، وقد علمت ما عاهدنا عليه، ولعل الله أن يجعل لك فرجاً ومخرجاً. فرجع معهم. فقتل أحدَهم ورجع النبي صلى الله عليه وسلم». فلم يلمه.

٥٬٤٨٩

وأما كونه لا يجبره على ذلك فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجبر أبا بصير.

٥٬٤٩٠

وأما كونه له أن يأمره بقتالهم والفرار منهم فلأنه رجوع إلى باطل فكان له الأمر بعدمه كالزوجة التي سمعت طلاقها بأذنها.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.