وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: حَجْرٌ لِحَقِّ الْغَيْرِ نَذْكُرُ مِنْهُ هَاهُنَا الْحَجْرَ عَلَى الْمُفْلِسِ
الشروح عليها
كِتَابُ الحَجْر الحَجْرُ في اللُّغَةِ: المَنْعُ والتَّضْيِيقُ. ومنه سُمِّيَ الحَرامُ حِجْرًا، قال اللهُ تعالى:{وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا}. أي حَرامًا مُحَرَّمًا. ويُسَمَّى العَقْلُ حِجْرًا، قال اللهُ تعالى:{هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ}. أي عَقْلٍ، سُمِّيَ حِجْرًا؛ لأنَّه يَمْنَعُ صاحِبَه مِن ارْتكابِ ما يَقْبُحُ. وهو في الشَّرْعِ: مَنْعُ الإِنْسانِ مِن التَّصَرُّفِ في مالِه.
١٩٠٣ - مسألة: (وهو على ضَرْبَين) حَجْرٌ على الإنْسَانِ لحَظِّ نَفْسِه، و (حَجْرٌ لحَقِّ غيرِه) كالحَجْرِ على المَرِيضِ في التبَّرُّعِ بما زاد على الثُّلُثِ لحَقِّ الوَرَثَةِ، وعلى العَبْدِ والمُكاتَبِ لحَقِّ السَّيِّدِ، والرَّاهِنُ يُحْجَرُ عليه في الرَّهْنِ لحَقِّ المُرْتَهِنِ. ولهؤلاءِ أبْوابٌ يُذْكَرُون فيها.
ومِن ذلك (الحَجْرُ على المُفْلِسِ) لحَقِّ الغُرَماءِ، وهو المَذْكُورُ ههُنا. والمُفْلِسُ: هو الذي لا مال له، ولا ما يَدْفَعُ به حاجَتَه؛ ولهذا لَمّا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأصْحابِه:«أتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟». قالُوا: يا رسولَ اللهِ، المُفْلِسُ فينَا مَن لا دِرْهَمَ له ولا مَتاعَ. قال: «لَيسَ ذَلِكَ الْمُفْلِسَ، وَلَكِنَّ الْمُفْلِسَ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بحَسَناتٍ أمْثَالِ الجِبالِ، ويَأْتِي وَقَدْ ضَرَبَ هَذا، وَلَطَمَ هذَا، [وأكلَ مال هذا]، وأخَذَ مِنْ عِرْضِ هَذَا، فَيَأخُذُ هَذَا مِنْ حَسَناتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإنْ بَقِيَ عَلَيهِ شَيْءٌ أخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَرُدَّ عَلَيهِ، ثُمَّ صُكَّ لَهُ صَكٌّ إلى النَّارِ».
أخْرَجَه مسلمٌ بمعْناه . فقَوْلُهم ذلك إخْبارٌ عن حَقِيقَةِ المُفْلِسِ، وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيسَ ذَلِكَ المُفْلِسَ». تَجَوُّزٌ لم يُرِدْ به نَفْيَ الحَقِيقَةِ، بل أراد أن فَلَسَ الآخِرَةِ أشَدُّ وأعْظَمُ؛ بحيث يَصِيرُ مُفْلِسُ الدُّنْيا بالنِّسْبَةِ إليه كالغَنيِّ. ونَحْوُ هذا قَوْلُه عليه الصلاةُ والسَّلامُ:«لَيسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَغْلِبُ نَفْسَهُ عِنْدَ ألْغَضَبِ». وقَوْلُه:«لَيسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، إنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ».
ومنه قولُ الشّاعِرِ :
لَيسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ ... إنَّمَا المَيتُ مَيِّتُ الأحْيَاء قِيلَ: إنَّما سُمِّيَ هذا مُفْلِسًا؛ لأنَّه لا مال له إلَّا الفُلُوسَ، وهي أَدْنَى أنْواعِ المالِ. والمُفْلِسُ في عُرْفِ الفُقَهاءِ: مَن دَينُه أكْثَرُ مِن مالِه. وسَمَّوْه مُفْلِسًا وإن كان ذا مالٍ؛ لأنَّ ماله مُسْتَحَقُّ الصَّرْفِ في جِهَةِ دَينِه، فكأنَّه مَعْدُومٌ. وقد دَلَّ عليه تَفْسِيرُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُفْلِسَ الآخِرَةِ، فإنَّه أخْبَرَ أنَّ له حَسَناتٍ أمثال الجِبالِ، لكنَّها لا تَفِي بما عليه، فقُسِمَتْ بينَ الغُرَماءِ، وبَقِيَ لا شيءَ له.
ويَجُوزُ أن يَكونَ سُمِّيَ بذلك؛ لِما يَئُولُ إليه مِن عَدَمِ مالِه بعدَ وَفاءِ دَينِه.
ويَجُوزُ أن يكُونَ سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّه يُمْنَعُ مِن التَّصَرُّفِ في مالِه، إلا الشئَ التّافِهَ الذي لا يَعِيشُ إلَّا به، كالفُلُوسِ.
١٩٠٤ -
كِتَابُ الْحَجْرِ][تَعْرِيفُ الحجر وَحُكْمُهُ] هُوَ فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ وَالتَّضْيِيقُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحَرَامُ حِجْرًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} أَيْ: حَرَامًا مُحَرَّمًا وَسُمِّيَ الْعَقْلُ حِجْرًا، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنِ ارْتِكَابِ مَا يَقْبُحُ وَتَضُرُّ عَاقِبَتُهُ، وَهُوَ فِي الشَّرْعِ مَنْعٌ خَاصٌّ أَيْ: مَنْعُ الْإِنْسَانِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ قَوْله تَعَالَى:{وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} أَيْ: أَمْوَالَهُمْ، لَكِنْ أُضِيفَتْ إِلَى الْأَوْلِيَاءِ، لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ عَلَيْهَا مُدَبِّرُونَ لَهَا وقَوْله تَعَالَى:{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} وَإِذَا ثَبَتَ الْحَجْرُ عَلَى هَذَيْنِ ثَبَتَ عَلَى الْمَجْنُونِ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
[أَنْوَاعُ الْحَجْرِ] [النَّوْعُ الْأَوَّلُ حَجْرٌ لِحَقِّ الْغَيْرِ] [الْحَجْرُ عَلَى الْمُفْلِسِ] (وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: حَجْرٌ لِحَقِّ الْغَيْرِ) أَيْ: لِغَيْرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ كَالْمُفْلِسِ، وَالْمَرِيضِ، وَالزَّوْجَةِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ تَبَرُّعٍ عَلَى رِوَايَةٍ، وَالْعَبْدِ، وَالْمُكَاتَبِ، وَالْمُشْتَرِي مَالُهُ فِي الْبَلَدِ، أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ الْمَبِيعَ، وَالرَّاهِنِ، وَالْمُشْتَرِي بَعْدَ طَلَبِ شَفِيعٍ. وَضُرِبَ لِحَقِّهِ، كَالصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالسَّفِيهِ (نَذْكُرُ مِنْهُ هَاهُنَا الْحَجْرَ عَلَى الْمُفْلِسِ) أَيْ: لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ فَالْمُفْلِسُ: الْمُعْدِمُ وَمِنْهُ الْخَبَرُ الْمَشْهُورُ: «مَنْ تَعُدُّونَ الْمُفْلِسَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ الْمُفْلِسَ، وَلَكِنَّ الْمُفْلِسَ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ وَيَأْتِي، وَقَدْ ظَلَمَ هَذَا وَأَخَذَ مِنْ عِرْضِ هَذَا فَيَأْخُذُ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَرُدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ. فَقَوْلُهُمْ ذَلِكَ إِخْبَارٌ عَنْ حَقِيقَةِ الْمُفْلِسِ، لِأَنَّهُ عُرْفُهُمْ وَلُغَتُهُمْ. وَقَوْلُهُ: لَيْسَ ذَلِكَ الْمُفْلِسَ، يَجُوزُ: لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ الْحَقِيقَةِ بَلْ أَرَادَ فَلَسَ الْآخِرَةِ، لِأَنَّهُ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ حَتَّى إِنَّ فَلَسَ الدُّنْيَا عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْغِنَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ أَفْلَسَ بِالْحُجَّةِ إِذَا عَدِمَهَا،
وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: ثَمَرٌ مُفْلِسٌ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ نَوَاهُ فَهُوَ خُرُوجُ الْإِنْسَانِ مِنْ مَالِهِ. فَحَجْرُ الْفَلَسِ مَنْعُ حَاكِمٍ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ يَعْجِزُ عَنْهُ مَالُهُ الْمَوْجُودُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَالْمُفْلِسُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَا مَا يَدْفَعُ بِهِ حَاجَتَهُ، وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَنْ دَيْنُهُ أَكْثَرُ مِنْ مَالِهِ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
كتاب الحجر] الحجر في اللغة: المنع. ومنه سمي الحرام حجراً؛ لأنه ممنوع منه. قال الله تعالى:{ويقولون حِجْراً محجوراً} أي حراماً محرماً. ويسمى العقل حِجراً لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب ما يقبح قال الله تعالى:{هل في ذلك قسم لذي حِجْر} أي لذي عقل.
وفي الشرع: منع المحجور عليه من التصرف فيما حجر عليه فيه.
قال المصنف رحمه الله: (وهو على ضربين: حجر لحق الغير. نذكر منه هاهنا الحجر على المفلس) .
أما كون الحجر على ضربين؛ فلأنه تارة يكون لحق غير المحجور عليه، وتارة يكون لحق المحجور عليه وسيأتي بيانهما في مواضعهما.
وأما قول المصنف رحمه الله: نذكر منه هاهنا الحجر على المفلس فمشعر بأمرين:
أحدهما: أن الحجر لحق الغير يكون لغير المفلس وهو صحيح لأن المريض مرض الموت يحجر عليه في التصرف بالزائد على الثلث لحق الورثة، والمكاتب والمأذون له يحجر عليهما لحق سيدهما.
وثانيهما: أن المقصود هاهنا ذكر الحجر على المفلس الذي الحجر عليه لأجل غرمائه لأن ما عدا ذلك يذكر في مواضعه إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: ما المفلس؟
قيل: الذي دَينه أكثر من ماله،
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «ولكن المُفلسَ من يأتي يومَ القيامةِ بحسناتٍ أمثالَ الجبالِ وقد ظلمَ هذا، ولطمَ هذا، وأخذَ من عرضِ هذا. فيأخذُ هذا من حسناتهِ وهذا من حسناتهِ. فإن بقيَ عليه شيء أُخذَ من سيئاتهمْ فردّ عليه ثم صكّ له صكاً إلى النار» :
تنبيه على ذلك لأنه أخبر أن المفلس له حسنات أمثال الجبال لكنها كانت دون ما عليه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.