وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ وَهَلْ يَلْزَمُهُ عِوَضُهُ إِذَا أَيْسَرَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ
الشروح عليها
رَحِمَه اللهُ: (وللوَلِيِّ أن يَأْكلَ مِن مالِ المُوَلَّى عليه بقَدْرِ عَمَلِه إذا احْتاجَ إليه) وإن كان غَنِيًّا لم يَجُزْ له ذلك إذا لم يكنْ أبًا؛ لقولِ اللهِ تعالى:{وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ}.
وإذا كان فَقِيرًا، فله أقَلُّ الأمْرَينِ؛ مِن أُجْرَتِه أو قَدْرِ كِفايَتِه؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّه بالعَمَلِ والحاجَةِ جَمِيعًا، فلم يَجُزْ أن يَأْخُذَ إلَّا ما وُجِدا فيه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَأْكلُ وإن كان غنِيًّا، قِياسًا على العَمَلِ في الزكاةِ، والآيَةُ مَحْمُولَةٌ على الاسْتِحْبابِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لظاهِرِ الآيَةِ. ١٩٦٧ - مسألة: (وهل يَلْزَمُه عِوَضُ ذلك إذا أيسَرَ؟ على رِوايَتَين)
أمّا إذا كان أبًا، فلا يَلْزَمُه، رِوايَةً واحِدَةً؛ لأنَّ للأبِ أن يَأْخُذَ مِن مالِ وَلَدِه ما شاء مع الحاجَةِ وعَدَمِها.
وإن كان غيرَ الأبِ، لم يَلْزَمْهُ عِوَضُ ذلك في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ. وهذا قولُ الحَسَنِ، والنَّخَعِيِّ، وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بالأكْلِ مِن غيرِ ذِكْرِ عِوَضٍ فأشْبَهَ سائِرَ ما أمَرَ بأكْلِه، ولأنَّه عِوَضٌ عن عَمَلِه، فلم يَلْزَمْه بَدَلُه، كالأجِيرِ والمُضارِبِ. والثانيةُ، يَلْزَمُه عِوَضُه. وهو قولُ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ، وأبي العالِيَةِ؛ لأنَّه اسْتبَاحَةٌ بالحاجَةِ مِن مال غيرِه، فلَزِمَه قَضاؤُه، كالمُضْطرِّ إلى طَعامِ غيرِه. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأَنَّه لو وَجَب عليه إذا أيسَرَ، لكان واجِبًا في الذِّمَّةِ قبلَ اليَسارِ،
فإنَّ اليَسارَ ليس سَبَبًا للوُجُوبِ،
فإذا لم يَجِبْ بالسَّبَبِ الذي هو الأكْلُ، لم يَجِبْ بعدَه. وفارَقَ المُضْطَرَّ؛
فإنَّ العِوَضَ واجِبٌ عليه في ذِمَّتِه، ولأنَّه لم يَأْكُلْه عِوَضًا عن شيءٍ، وهذا بخِلافِه.
١٩٦٨ -
(وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} ،
وَلِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إِنِّي فَقِيرٌ، وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ وَلِي يَتِيمٌ فَقَالَ: كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ» . رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ، وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ مَرْفُوعًا: مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِعَمَلِهِ فَتَقَيَّدَ بِقَدْرِهِ،
وَالْمَذْهَبُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْجَمَاعَةُ أَنَّ لَهُ الْأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ مِثْل، أَوْ قَدْرَ كِفَايَتِهِ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالْعَمَلِ، وَالْحَاجَةِ جَمِيعًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ إِلَّا مَا وَجَدَ فِيهِ،
وَفِي الْإِيضَاحِ إِذَا قَدَّرَهُ حَاكِمٌ، وَقَيَّدَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْوَجِيزِ ": إِنْ شَغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ كسب مَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ.
قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: يَأْكُلُ فَقِيرٌ،
وَمَنْ يَمْنَعُهُ مِنْ مَعَاشِهِ بِمَعْرُوفٍ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ تَنَاوُلُ شَيْءٍ مَعَ غِنَاهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} ،
وَعَنْهُ: بَلَى، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ كَالْعَمَلِ فِي الزَّكَاةِ وَحَمَلَ الْآيَةَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ،
وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ مُطْلَقًا (وَهَلْ يَلْزَمُهُ عِوَضُهُ إِذَا أَيْسَرَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ جُعِلَ عِوَضًا لَهُ عَنْ عَمَلِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهُ كَالْأَجِيرِ، وَالْمُضَارِبِ، وَلِأَنَّهُ يُقَالُ أَمَرَ بِالْأَكْلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عِوَضًا، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، لِأَنَّهُ اسْتِبَاحَةٌ بِالْحَاجَةِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ، فَلَزِمَهُ عِوَضُهُ كَالْمُضْطَرِّ إِلَى طَعَامِ غَيْرِهِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الْعِوَضَ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ بِخِلَافِهِ هُنَا، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْأَبِ.
قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " وَإِذَا قُلْنَا بِرَدِّ الْبَدَلِ فَيَتَوَجَّهُ بِرَدِّهِ إِلَى الْحَاكِمِ، لِأَنَّهُ لَا يُبَرِّئُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ
فَصْلٌ: وَلِلْوَلِيِّ أنْ يَأْكلَ مِنْ مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيهِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ إِذَا احْتَاجَ إِلَيهِ.
تنبيه: ظاهرُ قوْلِه: وللوَلِيِّ أنْ يَأْكلَ مِن مالِ المُوَلَّى عليه.
ولو لم يُقَدِّرْه الحاكِمُ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ بشَرْطِه الآتِي.
وقال في «الإيضاحِ»: يأْكُلُ إذا قَدَّرَه الحاكِمُ، وإلَّا فلا.
تنبيه آخرُ: فظاهِرُ قوْلِه: يَأْكُلُ بقَدْرِ عَمَلِه. جوَازُ أكْلِه بقَدْرِ عمَلِه،
ولو كان فوق كِفايَتِه. وعلى ذلك شرَح ابنُ مُنَجَّى. وهو ظاهِرُ كلامِه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، أنَّه لا يَأْكلُ إلَّا الأقَلَّ مِن أُجْرَةِ مِثْلِه، أو قَدْرِ كِفايَتِه. جزَم به في «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرُهم مِنَ الأصحابِ.
قلتُ: ويُمْكِنُ أنْ يُقال: هذا الظَّاهِرُ مَرْدودٌ بقَوْلِه: إذا احْتاجَ إليه. وَهَلْ يَلْزَمُهُ عِوَضُ ذَلِكَ إِذَا أَيسَرَ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
لأنَّه إذا أخَذ قَدْرَ عَمَلِه، وكان أكْثرَ مِن كِفايَتهِ، لم يَكُنْ مُحْتاجًا إلى الفاضِلِ عن كِفايَتهِ، فلم يَجُزْ له أخْذُه. وهو واضِحٌ. أو يُقال: هل الاعْتِبارُ بحالةِ الأخْذِ؟ ويَحْتَمِلُه كلامُ المُصَنِّفِ، أو حيث اسْتَغْنَى، امْتَنَعَ الأخْذُ؟ إذا احْتاجَ إليه. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يأْكُلُ مِن مالِ المُوَلَّى عليه إلَّا مع فَقْرِه وحاجَتِه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
قال في «الوَجيزِ»: ويأْكُلُ الفَقِيرُ مِن مالِ مُوَلِّيه، الأقَلَّ مِن كِفايَتِه أو أُجْرَتِه مجَّانًا، إنْ شغَلَه عن كَسْبِ ما يقُومُ بكِفايَتِه.
وكذا قال غيرُه مِنَ الأصحابِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يأْكُلُ وإنْ كانْ غَنِيًّا، قِياسًا على العامِلِ في الزَّكاةِ.
وقال: الآيَةُ مَحْمولَةٌ على الاسْتِحْبابِ. وحكَاه رِوايَةً عن أحمدَ. قال ابنُ رَزِينٍ: يأْكُلُ فَقِيرٌ،
ومَن يَمنَعُه مِن مَعاشِه، بالمَعْروفِ.
تنبيه: محَلُّ ذلك في غيرِ الأبِ،
فأمَّا الأبُ، فيجوزُ له الأكْلُ مع الحاجَةِ وعدَمِها في الحُكْمِ، ولا يَلْزَمُه عِوَضُه، على ما يأْتِي في بابِ الهِبَةِ. قال القاضِي: ليس له الأكْلُ لأجْلِ عَمَلِه، لغِناه عنه بالنَّفَقَةِ الواجبَةِ في مالِه، ولكِنْ له الأكْلُ بجِهَةِ التَّمَلُّكِ عندَنا. وضعَّفَ ذلك الشَّيخُ تَقِيُّ الديَنِ. ومحَلُّ الخِلافِ أيضًا، إذا لم يَفْرِضْ له الحاكِمُ،
فإنْ فرَض له الحاكِمُ شيئًا، جازَ له أخْذُه مجَّانًا مع غِناه، بغيرِ خِلافٍ. قاله في «القاعِدَةِ الحاديةِ والسَّبْعِين»،
وقال: هذا ظاهِرُ كلامِ القاضي. ونصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ البُرْزَاطِيِّ في الأُمِّ الحاضِنَةِ. وهل يَلْزَمُه عِوَضُ ذلك إذا أيسَرَ؟ على رِوايَتَين. وأطْلَقهما في
وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ في النَّاظِرِ في الْوَقْفِ.
«الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفائقِ»، و «القواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»؛ إحْداهما، لا يلْزَمُه عِوَضُه إذا أيسَرَ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
قال في «الفُروعِ»: ولا يَلْزَمُه عِوَضُه بيَسارِه، على الأصحِّ. وصحَّحه المُصَنِّفُ، والشارِحُ، وصاحِبُ «التَّصْحيحِ». واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وجزَم به في «الوَجيزِ». وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يَلْزَمُه عِوَضُه إذا أيسَرَ.
قال في «الخُلاصَةِ»: ويَلْزَمُه عِوَضُه إذا أيسَرَ، على الأصحِّ.
فصل قال المصنف رحمه الله: (وللولي أن يأكل من مال المولى عليه بقدر عمله إذا احتاج إليه، وهل يلزمه عوض ذلك إذا أيسر؟ على روايتين. وكذلك يخرج في الناظر في الوقف) .
أما كون الولي له أن يأكل من مال المولى عليه؛ فلأن الله تعالى قال:{ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف}.
وأما ما يشترط لذلك فأن يكون بقدر عمله،
وأن يكون محتاجاً إليه: أما الأول؛ فلأنه إنما يستحق بعمله فلا يجوز أن يتعداه.
وأما الثاني؛ فلأن الله شرطه في الأكل حيث قال:{ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} ثم أكد ذلك بأن
قال: {ومن كان غنياً فليستعفف}.
وقال صاحب المغني فيه ما معناه: أنه يأكل بقدر أقل الأمرين من أجرته وقدر كفايته لأنه يستحقه بالعمل والحاجة معاً فلم يجز أن يأخذ إلا ما وُجد فيه كلاهما.
وأما كونه إذا أيسر يلزمه العوض على روايةٍ؛ فلأنه استباحه بالحاجة من مال غيره فلزمه عوضه كمن اضطر إلى طعام غيره.
وأما كونه لا يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلأن الله أمر بالأكل ولم يذكر عوضاً له عن عمله فلم يلزمه عوضه كالأجير والمضارب.
وهذا الخلاف فيما عدا الأب.
قال المصنف في المغني: وإن كان أباً -يعني الولي- لم يلزمه عوضه رواية واحدة.
وأما كون الناظر في الوقف كالوصي في جواز الأخذ من الوقف مع الشرطين المذكورين ولزوم العوض مع اليسار على الخلاف المذكور؛ فلأنه مثل الوصي معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.