فَإِنْ فَعَلَ فَتَلِفَ عِنْدَ الثَّانِي، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي وَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ مُؤْنَةُ رَدِّ الْعَارِيَّةِ
الشروح عليها
(تَضْمِينُ أيِّهِما شاء) لما ذَكَرْنا (ويَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الثانِي) بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه قَبَضَها على أنَّها مَضْمُونَةٌ عليه،
فإن ضَمَّنَ الأوّلَ، رَجَع الأولُ على الثَّاني، ولا يَرْجِعُ الثَّاني إن ضَمَّنَه على أحَدٍ. ٢٢٨٠ - مسألة: (وعلى المُسْتَعِيرِ مُؤْنَةُ رَدِّ العارِيَّةِ) لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْعَارِيَّةُ مُؤدَّاة». وقولِه:«عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ». قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ويَجِبُ رَدُّها إلى المُعِيرِ أو وَكِيلِه في قَبْضِها، [إلى المَوْضِعِ الذي أخَذَها منه، إلَّا أنَّ يَتَّفِقا على رَدِّها إلى غيرِه، كالمَغْصُوبِ]، ويَبْرأُ بذلك مِن ضَمانِها.
وإن رَدَّها إلى المَكانِ الذي أخَذَها منه، أو إلى مِلْكِ صاحِبِها، لم يَبْرَأْ مِن ضَمانِها. وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَبْرَأُ؛ لأنَّها صارَتْ كالمَقْبُوضَةِ،
فإنَّ رَدَّ العَوارِيِّ في العادَةِ يكونُ إلى أمْلاكِ أرْبابِها، فيكونُ مَأْذُونًا فيه عادَةً. ولَنا، أنَّه لم يَرُدَّها إلى مالِكِها، ولا نائِبِه فيها، فلم يَبْرَأْ منها، كما لو دَفَعَها إلى أجْنَبِيٍّ. وما ذكرُوه يَبْطُلُ بالسّارِقِ إذا رَدَّ المَسْرُوقَ إلى الحِرْزِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ العادَةَ ما ذَكَرَ. ٢٢٨١ -
(فَإِنْ فَعَلَ) فَلِمَالِكِهَا الرُّجُوعُ بِأُجْرَةٍ مِثْلِهَا عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ سَلَّطَ غَيْرَهُ عَلَى أَخْذِ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ،
وَالثَّانِي اسْتَوْفَاهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنْ ضَمِنَ الْأَوَّلُ رَجَعَ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ حَصَلَ مِنْهُ،
وَإِنَّ ضَمِنَ الثَّانِي لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْأَوَّلِ إِلَّا أَنْ لَا يَعْلَمَ بِالْحَالِ (فَتَلِفَ عِنْدَ الثَّانِي، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ) لِتَعَدِّي كُلٍّ مِنْهُمَا (وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي) إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ، وَإِلَّا ضَمِنَ الْعَيْنَ دُونَ الْمَنْفَعَةِ، وَيَسْتَقِرُّ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْأَوَّلِ (وَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ مُؤْنَةُ رَدِّ الْعَارِيَّةِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» ،
وَإِذَا كَانَتْ وَاجِبَةَ الرَّدِّ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ مُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ، وَمُؤْنَةُ عَيْنِهَا عَلَى الْمُعِيرِ، قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ أَنَّ نَفَقَتَهَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ؛
وَقَالَ: لَا أَعْرِفُ فِيهَا نَقْلًا، وَخَرَّجَهَا عَلَى الْخِلَافِ فِي نَفَقَةِ الْجَارِيَةِ الْمُوصَى بِنَفْعِهَا فَقَطْ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ رَدُّهَا إِلَى الْمُعِيرِ أَوْ وَكِيلِهِ فِي قَبْضِهَا
فإنْ فعَل فعليه تَسْويَةُ الأرْضِ. يعْنِي، إذا قلَعَه المُسْتَعِيرُ، والحالةُ ما وَإنْ أَبَى الْقَلْعَ، فَلِلْمُعِيرِ أَخْذُهُ بقِيمتِهِ، تقَدَّم، فعليه تسويَةُ الأرْضِ. وهذا أحدُ الوُجُوهِ، واخْتارَه جماعَةٌ؛ منهم المُصَنِّفُ في «الكافِي»، وجزَم به فيه. وهو ظاهِرُ ما قدَّمه في «الفُروعِ». وقدَّمه في «الشَّرْحِ». وهذا المذهبُ على ما اصْطَلَحْناه في الخُطْبَةِ. والوَجْهُ الثَّانِي، لا يَلْزَمُه تَسْويَةُ الأرْضِ. اخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ. وقطَع به في «المُسْتَوْعِبِ». وأطْلَقهما في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والسَّبْعِين». وعندَ المُصَنِّفِ، لا يَلْزَمُه تَسْويَةُ الأرْضَ إلَّا مع الإِطْلاقِ.
وعلى المُسْتَعِيرِ مُؤْنَةُ رَدِّ العارِيَّةِ. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَعُوا به؛ منهم المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والحَلْوانِيُّ في «التبصِرَةِ»، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الوَجيزِ»، وابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»، وغيرُهم.
وقيل: مُؤْنَةُ ردِّها على المالِكِ. ذكَرَه في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والثَّلاثين».
فَإنْ رَدَّ الدَّابَّةَ إِلَى إِصْطَبْلِ الْمَالِكِ أَوْ غُلَامِهِ، لَمْ يَبْرأْ مِنَ الضَّمَانِ، إِلَّا أنْ يَرُدَّهَا إِلَى مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِجَرَيَانِ ذَلِكَ عَلَى يَدِهِ، كالسَّائِس وَنَحْوهِ.
قال: (وعلى المستعير مؤونة رد العارية. فإن ردّ الدابة إلى اصطبلِ المالك أو غلامهِ لم يبرأ من الضمان إلا أن يردها إلى من جرت عادته بجريان ذلك على يده؛ كالسَائسِ ونحوه) .
أما كون مؤونة رد العارية على المستعير؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«العارية مُؤَدّاة»، وقال:«على اليد ما أخذت حتى ترده».
وإذا كانت واجبة الرد وجب أن تكون مؤونة الرد على من يجب عليه الرد.
وأما كونه لا يبرأ من الضمان إذا ردّ الدابة إلى اصطبل المالك؛ فلأنه لم يردها إلى المالك، ولا إلى وكيله. أشبه ما لو ردّها إلى أجنبي.
وأما كونه لا يبرأ إذا ردها إلى غلامه الذي لم تجر عادته بجريان ذلك على يده؛ فلأنه لم يقبضها مأذون له في القبض قولاً ولا عُرفاً. أشبه ما لو ردّها إلى الاصطبل.
وأما كونه يبرأ إذا ردّها إلى من جرت عادته بما تقدم ذكره؛ كالسائسِ ونحوه؛ فلأن العرف قائمٌ مقام صريح الإذن.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.