وَإِنْ مَاتَ الشَّفِيعُ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ طَلَبِهَا فَتَكُونَ لِوَارِثِهِ
الشروح عليها
مسألة: (وَإنْ مَاتَ الشَّفِيعُ بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ إلا أنْ يَمُوتَ بَعْدَ طَلَبِهَا، فَتَكُونَ لِوَارِثِهِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الشَّفِيعَ إذا ماتَ قبلَ الأخْذِ بالشُّفْعَةِ،
فإن كان قبلَ الطَّلَبِ بها، سَقَطَتْ، ولا يَنْتَقِلُ إلى الوَرَثَةِ. قال أحمدُ: الموتُ يَبْطُلُ به ثلاثةُ أشْياءَ؛ الشُّفْعَةُ، والحَدُّ إذا ماتَ المَقْذُوفُ، والخِيارُ إذا ماتَ الَّذي اشْتَرَطَ الخِيَارَ، لم يَكُنْ للوَرَثَةِ هذه الثلاثةُ أشياء ، إنَّما هي بالطَّلَبِ،
فإذا لم يَطْلُبْ، فليس تَجِبُ، إلَّا أن يُشْهِدَ أنِّي على حَقِّي مِن كذا
وكذا، وأنِّي قد طَلَبْتُه. فإن ماتَ بعدَه، كان لوارِثِه الطَّلَبُ به. رُوِيَ سُقُوطُ الشُّفْعَةِ بالمَوْتِ عن الحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ، والعَنْبَرِيُّ: يُورَثُ. قال أبو الخَطَّابِ: ويَتَخَرَّجُ لنا مثلُ ذلك؛ لأنَّه خِيَارٌ ثابِتٌ لدَفْعِ الضَّرَرِ عن المالِ، فيُورَثُ، كخِيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ. ولَنا، أنَّه حَقُّ فَسْخٍ ثَبَت لا لفواتِ جُزْءٍ، فلم يُورَثْ، كالرُّجُوعِ في الهِبَةِ، ولأنّه نوْعُ خِيَارٍ جُعِل للتَّمْلِيكِ، أشْبَهَ خِيارَ القَبُولِ،
فأمّا خِيارُ الردِّ بالعَيبِ، فإنَّه لاسْتِدْراكِ جُزْءٍ فاتَ مِن المَبِيعِ.
فصل: فإن ماتَ بعدَ طَلَب الشُّفْعَةِ، انْتَقَلَ حَقُّ المُطالبَةِ بالشُّفْعَةِ إلى الوَرَثةِ، قَوْلًا واحِدًا. ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ. وقد ذَكَرْنا نَصَّ أحمدَ عليه؛ لأنَّ الحَقَّ يَتَقَررُ بالطَّلَبِ، ولذلك لا يَسْقُطُ بتَأْخِيرِ الأَخذِ بعدَه، وقبلَه يَسْقُطُ.
وقال القاضي: يَصِيرُ الشِّقْصُ مِلْكًا للشَّفِيعِ بنَفْسِ المُطالبَةِ. والأوَّلُ أصَحُّ، فإنَّه لو صارَ مِلْكًا للشَّفِيعِ، لم يَصِحَّ العَفْوُ عن الشُّفْعَةِ بعدَ طَلَبِها، كما لا يَصِحُّ العَفْوُ عنها بعدَ الأخذِ بها.
فإذا ثَبَت هذا، فإنَّ الحَقَّ يَنْتَقِلُ إلى جَمِيعِ الوَرَثَةِ على قَدْرِ إرْثهم؛ لأنَّه حَقٌّ مالِيٌّ مَوْرُوثٌ، فيَنْتَقِلُ إلى الجَمِيعِ، كسائِرِ الحقُوقِ الماليةِ، وسَواءٌ قُلْنا: الشُّفْعَةُ على قَدْرِ الأمْلاكِ. أو: على عَدَدِ الرُّءُوسِ. لأنَّ هذا يَنْتَقِلُ إليهم مِن مَوْرُوثِهم.
فإن تَرَك بعضُ الوَرَثَةِ حَقَّه، تَوَفَّرَ الحَقُّ على باقِي الوَرَثَةِ، ولم يَكُنْ لهم إلَّا أن يَأْخُذُوا الكُلَّ، أو يَتْرُكُوا كالشُّفَعاءِ إذا عَفَا بعضُهم عن شُفْعَتِه، لأنَّا لو جَوَّزْنا أخْذَ بعضِ الشِّقْصِ، لتَشَقَّصَ المَبِيعُ وتَبَعَّضَت الصَّفْقَةُ على المُشْتَرِي، وهذا ضَرَرٌ في حَقِّه.
فصل: وإن أشْهَدَ الشَّفِيعُ على مُطالبَتِه بها للعُذْرِ، ثم ماتَ، لم تَبْطُلْ، وللوَرَثَةِ المُطالبَةُ بها. نَصَّ عليه أحمدُ، لأنَّ الإِشْهادَ على الطَّلَبِ عندَ العَجْزِ عنه يَقُومُ مَقامَه، فلم تَسْقُطِ الشُّفْعَةُ بالمَوْتِ بعدَه، كنَفْسِ الطَّلَبِ.
فصل: وإذا بِيعَ شِقْصٌ له شَفِيعان، فعَفَا عنها أحَدُهما وطالبَ بها الآخَرُ، ثم ماتَ الطالِبُ، فوَرِثَه العافِي، فله أخْذُ الشِّقْصِ بها؛ لأنَّه وارِثٌ لشَفِيعٍ مُطالِبٍ بالشُّفْعَةِ، فمَلَكَ الأخْذَ بها، كالأجْنَبِيِّ.
وكذلك لو قَذَفَ رجلٌ أُمَّهُما وهي مَيِّتَةٌ، فعَفا أحَدُهما وطَلَب الآخَرُ، ثم ماتَ الطالِبُ، فوَرِثَه العافِي، ثَبَت له اسْتِيفاؤُه بالنِّيابَةِ عن أخِيه المَيِّتِ، إذا قُلْنا بوُجُوبِ الحَدِّ بقَذفِها.
فصل: ولو ماتَ مُفْلِسٌ وله شِقْصٌ، فباعَ شَرِيكُه، كان لوَرَثَتِه الشُّفْعَةُ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا شُفْعَةَ لهم؛ لأنَّ الحَقَّ انْتَقَلَ إلى الغُرَماءِ. ولَنا، أنَّه بَيعٌ في شَرِكَةِ ما خَلَّفَه مَوْرُوثُهُم مِن شِقْصٍ، فكان لهم المُطالبَةُ بشُفْعَتِه، كغيرِ المُفْلِسِ. ولا نُسَلِّمُ أنَّ التَّرِكَةَ انْتَقَلَتْ إلى الغُرماءِ، بل هي للوَرَثَةِ، بدَلِيلِ أنَّها لو نَمَتْ أو زادَ ثَمَنُها، لحُسِبَ على الغُرَماءِ في قَضَاءِ دُيُونِهم، وإنَّما تَعَلَّقَ حَقُّهُم به، فلم يَمْنَع ذلك مِن الشُّفْعَةِ، كما لو كان لرجل شِقْصٌ مَرْهُونٌ، فباعَ شَرِيكُه، فإنَّه يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ به.
ولو كانت للمَيِّتِ دارٌ، فبِيعَ بعضُها في قَضاءِ دَينِه، لم يَكُنْ للوَرَثَةِ شُفْعَةٌ؛ لأنَّ البَيعَ يَقَعُ لهم، فلا يَسْتَحِقُّونَ الشُّفْعَةَ على أنْفُسِهم.
ولو كان الوارِثُ شَرِيكًا للمَوْرُوثِ فباعَ نَصِيبَ المَوْرُوثِ في دَينِه، فلا شُفْعَةَ أيضًا؛ لأنَّ نَصِيبَ المَوْرُوثِ انْتَقَلَ بمَوْتِه إلى الوارِثِ،
فإذا بِيعَ، فقد بِيعَ مِلْكُه، فلا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ على نَفْسِه.
فصل: ولو اشْتَرَى شِقْصًا مَشْفُوعًا، ووَصَّى به، ثم ماتَ، فللشَّفِيعٍ أخْذُه بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ حَقَّه أسْبَقُ مِن حَقِّ المُوصَى له،
فإذا أخَذَه، دَفع الثَّمَنَ إلى الوَرَثَةِ، وبَطَلَتِ الوَصِيَّةُ؛ لأنَّ المُوصَى به ذَهَب، فبَطَلَتِ الوَصِيَّةُ به، كما لو تَلِفَ، ولا يَسْتَحِقُّ المُوصَى له بَدَلَه؛ لأنَّه لم يُوصَ له إلَّا بالشِّقْصِ، وقد فاتَ بأَخْذِه.
ولو وَصَّى رجلٌ لإِنسانٍ بشِقصٍ، ثم ماتَ، فبِيعَ في شَرِكَتِه شَقْصٌ قبلَ قَبُولِ المُوصَى له، فالشُّفْعَةُ للوَرَثَةِ في الصَّحِيح؛ لأنَّ المُوصَى به لا يَصيرُ للمُوصَى له إلَّا بعدَ القَبُولِ، ولمِ يُوجَدْ، فيكونُ باقِيًا على مِلْكِ الوَرَثَةِ ويَحْتَمِلُ أن يكون للمُوصَى له ، إذا قُلْنا: إنَّ المِلْكَ يَنْتَقِل إليه بمُجَرَّدِ المَوْتِ.
فإذا قَبِلَ الوَصِيَّةَ اسْتَحَقَّ المُطالبَةَ؛ لأنَّا تَبَيَّنَا أنَّ المِلْكَ كان له، فكان المَبِيعُ في شَرِكَتِه. ولا يَسْتَحِقُّ المُطالبَةَ قبلَ القَبُولِ، لأنَّا لا نَعْلَمُ أنَّ المِلْكَ له قبلَ القَبُولِ، وإنَّما يَتَبَيَّنُ ذلك بقَبُولِه،
فإن قَبِل تَبَيَّنَا أنَّه كان له،
وإن رَدَّ تَبَيَّنَا أنَّه كان للوَرَثَةِ، ولا يَسْتَحِقُّ الوَرَثَةُ المُطالبَةَ أيضًا؛ لذلك. ويَحْتَمِلُ أنَّ لهم المُطالبَةَ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ القَبُولِ وبَقاءُ الحَقِّ لهم. ويُفارِقُ المُوصَى له مِن وَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّ الأصْلَ عَدَمُ القَبُولِ منه.
والثاني، أنَّه يُمْكِنُه أن يَقْبَلَ ثم يُطالِبَ،
بخِلافِ الوارِثِ؛ فإنَّه لا سَبِيلَ له إلى فِعْلِ ما يَعْلَمُ به ثُبُوتَ المِلْكِ له أو لغيرِه.
فإذَا طالبوا ثم قَبلَ الوَصِيُّ الوَصِيَّةَ، كانتِ الشُّفْعَةُ له، ويَفْتَقِرُ إلى الطَّلَبِ منه؛ لأنَّ الطَّلَبَ الأوَّلَ تَبَيَّنَ أنَّه مِن غيرِ، المُسْتَحِقِّ.
وإن قُلْنا بالرِّوايَةِ الأُولَى، فطالبَ الوَرَثَةُ بالشُّفْعَةِ، فلهم الأَخْذُ بها،
وإذا قَبِلَ الوَصِيُّ أخْذَ الشِّقْصِ المُوصَى به دُونَ الشِّقْصِ المَشْفُوعِ؛ لأنَّ الشِّقْصَ المُوصَى به إنَّما انْتَقَلَ إليه بعدَ الأخْذِ بشُفْعَتِه، فأشْبَهَ ما لو أخَذَ بها المُوصِي في حَياتِه.
وإن لم يُطالِبُوا بالشُّفْعَةِ حتَّى قَبِلَ المُوصَى له، فلا شُفْعَةَ له؛ لأنَّ البَيعَ وَقَع قبلَ ثُبُوتِ المِلْكِ له وحُصُولِ شَرِكَتِه.
وفي ثُبُوتِها للوَرَثَةِ وَجْهانِ، بِنَاءً على ما لو باعَ الشَّفِيعُ نَصِيبَه قبلَ عِلْمِه بِبَيعِ شَرِيكِه.
فصل: ولو اشْترَى رجلٌ شِقْصًا ثم ارْتَدَّ، فقُتِلَ أَوْ ماتَ، فللشَّفِيعِ أخْذُه بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّها وَجَبَتْ بالشِّراءِ، وانْتِقالُه إلى المُسْلِمِين بقَتْلِه أو مَوْتِه لا يَمْنَعُ الشُّفْعَةَ، كما لو ماتَ على الإسْلامِ فوَرِثَه وَرَثَتُه، أو صار مالُه لبَيتِ المَالِ لعَدَمِ وَرَثَتِه، والمُطالِبُ بالشُّفْعَةِ وَكِيلُ بَيتِ المالِ.
فصل: وإذا اشْتَرَى المُرْتَدُّ شِقْصًا، فتَصَرُّفُه مَوْقُوفٌ،
فإنْ قُتِلَ على رِدَّتِه أو ماتَ عليها، تَبَيَّنَا أنَّ شِراءَه باطِلٌ، ولا شُفْعَةَ فيه،
وإن أسْلَمَ، تَبَيَّنَا صِحَّتَه وثُبُوتَ الشُّفْعَةِ فيه.
وقال أبو بكرٍ: تَصَرُّفُه غيرُ صَحِيح في الحالين؛ لأنَّ مِلْكَه يَزُولُ برِدَّتِه،
فإذا أسْلَمَ عادَ إليه تَمْلِيكًا مُسْتَأْنَفًا.
وقال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ: تَصَرُّفُه صَحِيحٌ في الحالينِ، وتَجِبُ الشُّفْعَةُ [فيه. ومَبْنَى الشُّفْعَةِ] ههُنا على صِحَّةِ تصَرُّفِ المُرْتَدِّ، ويُذْكَرُ في غيرِ هذا المَوْضِعِ.
وإن بِيعَ شِقْصٌ في شَرِكَةِ المُرْتَدِّ، وكان المُشْتَرِي كافِرًا، فأَخذَه بالشُّفْعَةِ، انْبَنَى على ذلك أيضًا؛ لأنَّ أخْذَه بالشُّفْعَةِ شِرَاءٌ للشِّقْصِ مِن المُشْتَرِي، فأشْبَهَ شِراءَه لغيرِه.
وإن ارْتَدَّ الشَّفِيعُ المُسْلِمُ، وقُتِلَ، بالرِّدَّةِ أو ماتَ عليها، انْتَقَلَ مالُه إلى المسْلِمِينَ فإن كان طالبَ بالشُّفْعَةِ، انْتَقَلَتْ أيضًا إلى المسْلِمِين، يَنْظُرُ فيها الإِمامُ أو نَائِبُه.
وإن قُتِلِ أو مات قَبْلَ طَلَبِها، بَطَلَتْ شُفْعَتُه، كما لو ماتَ على إسْلامِه.
ولو مات، الشَّفِيعُ المُسْلِمُ ولم يُخَلِّفْ وارِثًا سِوَى بَيتِ المالِ، انْتَقَلَ نَصِيبُه إلى المُسْلِمِينَ إن ماتَ بعدَ الطَّلَبِ، وإلَّا فلا. فصل: قال،
(وَإِنْ مَاتَ الشَّفِيعُ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ خِيَارٍ لِلتَّمْلِيكِ، أَشْبَهَ خِيَارَ الْقَبُولِ، وَلِأَنَّا لَا نَعْلَمُ بَقَاءَهُ عَلَى الشُّفْعَةِ لِاحْتِمَالِ رَغْبَتِهِ عَنْهَا، وَلَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْوَرَثَةِ مَا يُشَكُّ فِي ثُبُوتِهِ، وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ وَتُوَرَّثُ عَنْهُ بِنَاءً عَلَى رِوَايَةِ إِرْثِ الْأَجَلِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ حَقُّ فَسْخٍ ثَبَتَ، لَا لِفَوَاتِ جُزْءٍ، فَلَمْ يُوَرَّثْ كَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ (إِلَّا أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ طَلَبِهَا فَتَكُونَ لِوَارِثِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَحَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ قَوْلًا وَاحِدًا؛
لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ تَقَرَّرَ بِالطَّلَبِ، وَلِذَلِكَ لَا تَسْقُطُ بِتَأْخِيرِ الْأَخْذِ بَعْدَهُ،
أَمَّا عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، فَلِأَنَّ الشِّقْصَ صَارَ مِلْكًا لَهُ بِالْمُطَالَبَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا صَحَّ الْعَفْوُ عَنْهَا بَعْدَ طَلَبِهَا، كَمَا لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهَا بَعْدَ الْأَخْذِ بِهَا،
وَأَمَّا عَلَى رَأْيِ ابْنِ عَقِيلٍ وَالْمُؤَلِّفِ، فَلِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِمُطَالَبَتِهِ بَقَاءَهُ عَلَى شُفْعَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ،
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: الشُّفْعَةُ لَا تُورَثُ، لَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ يَطْلُبُهَا، فَجَعَلَ الْعِلَّةَ فِي إِبْطَالِهَا بِالْمَوْتِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِرَغْبَةِ الْمَيِّتِ.
قَالَ الْقَاضِي فِي " التَّعْلِيقِ ": فَعَلَى هَذَا لَوْ عَلِمَ الْوَارِثُ أَنَّهُ رَاغِبٌ فِيهَا كَانَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ،
وَإِنْ لَمْ يُطَالِبِ الْمَيِّتُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْوَارِثِ مَعَ يَمِينِهِ،
فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ انْتَقَلَ الْحَقُّ إِلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ عَلَى قَدْرِ إِرْثِهِمْ مُطْلَقًا،
فَإِذَا تَرَكَ بَعْضُهُمْ حَقَّهُ تَوَفَّرَ عَلَى الْبَاقِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلَّا أَخْذُ الْكُلِّ أَوِ التَّرْكُ كَالشُّفَعَاءِ إِذَا عَفَا بَعْضُهُمْ عَنْ حَقِّهِ،
وَقِيلَ: مَنْ عَفَا عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ أَوْ لَمَ يَطْلُبْهُ لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ.
[فَصْلٌ وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ] ِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ «فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ» رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجَوْزَجَانِيُّ فِي " الْمُتَرْجَمِ "، وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الشِّقْصَ بِالْبَيْعِ، فَكَانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ بِالثَّمَنِ كَالْمُشْتَرِي،
وَلَوْ عَبَّرَ بِمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَقْتَ لُزُومِهِ لَكَانَ أَوْلَى، لَا يُقَالُ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ كَالْمُضْطَرِّ إِلَى طَعَامِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُضْطَرَّ اسْتَحَقَّهُ بِسَبَبِ حَاجَتِهِ، فَكَانَ الْمَرْجِعُ فِي بَدَلِهِ إِلَى قِيمَتِهِ، وَالشَّفِيعُ اسْتَحَقَّهُ بِالْبَيْعِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِالْعِوَضِ الثَّابِتِ بِهِ،
فَإِنْ وَقَعَ حِيلَةً، دَفَعَ إِلَيْهِ مَا أَعْطَاهُ أَوْ قِيمَةَ الشِّقْصِ،
وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا كَصُبْرَةِ نَقْدٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى حُكْمٍ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَلَا تُعْتَبَرُ رُؤْيَتُهُ، إِنْ صَحَّ بَيْعُ غَائِبٍ وَإِلَّا اعْتُبِرَتْ، وَاعْتَبَرَ ابْنُ عَقِيلٍ الْحُكْمَ تَارَةً، وَدَفْعَ ثَمَنِهِ مَا لَمْ يَضُرَّ مُشْتَرِيَهُ،
فَإِنْ دَفَعَ مَكِيلًا بِوَزْنٍ أَخَذَ مِثْلَ كَيْلِهِ كَقَرْضٍ،
وَقِيلَ: يَكْفِي وَزْنُهُ، إِذِ الْمَبْذُولُ فِي مُقَابَلَةِ الشِّقْصِ وَقَدْرُ الثَّمَنِ مِعْيَارُهُ لَا عِوَضُهُ
وإنْ ماتَ الشَّفِيعُ، بطَلَتِ الشُّفْعَةُ، إلَّا أنْ يَمُوت بعدَ طلَبِها، فتكونَ لوارِثِه. إذا ماتَ الشَّفِيعُ فلا يَخْلُو؛
إمَّا أنْ يكونَ قد ماتَ قبلَ طَلَبِها أو بعدَه؛
فإنْ ماتَ قبلَ طَلَبِها، لم يَسْتَحِقَّ الوَرَثَةُ الشُّفْعَةَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحَابُ، ونصَّ عليه مِرارًا.
قال في «القواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: لا تُورَثُ مُطالبَةُ الشُّفْعَةِ مِن غيرِ مُطالبَةِ رَبِّها. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وله مأْخَذان؛ أحدُهما، أنَّه حقٌّ له، فلا يَثْبُتُ بدُونِ مُطالبَتِه،
ولو عُلِمَتْ رَغْبَتُه مِن غيرِ مُطالبَتِه، لكَفَى في الإرْثِ. ذكَرَه القاضي في «خِلافِه». والمأْخَذُ الثَّاني، أنَّ حقَّه سقَط بتَرْكِه وإعْراضِه، لا سِيَّما على قوْلِنا: إنَّها على الفَوْرِ. فعلى هذا، لو كان غائبًا، فللوَرَثَةِ المُطالبَةُ، وليس ذلك على الأوَّلِ. انتهى.
وقيل: للورَثَةِ المُطالبَةُ. وهو تخرِيجٌ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأبِي الخَطَّابِ. ونقَل أبو طالبٍ، إذا ماتَ صاحِبُ الشُّفْعَةِ، فلولَدِه أنْ يَطْلُبوا الشُّفْعَةُ لمُوَرِّثِهم.
قال في «القواعِدِ»: وظاهِرُ هذا، أنَّ لهم المُطالبَةَ بكُلِّ حالٍ. انتهى.
وإنْ ماتَ بعدَ أنْ طالبَ بها، اسْتَحَقَّها الورَثَةُ. وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ، ولا أعلمُ فيه خِلافًا. وقد توقَّفَ في رِوايَةِ ابنِ القاسمِ،
وقال: وهو مَوْضِعُ نظَرٍ. وتقدَّم نَظيرُ ذلك في آخِرِ فصْلِ خِيارِ الشَّرْطِ. قال الحارِثِيُّ: ثم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِنَ الأصحابِ مَن يُعَلِّلُ بإفادَةِ الطَّلَبِ للمِلْكِ، فيكونُ الحقُّ مَوْرُوثًا بهذا الاعْتِبارِ، وهي طريقةُ القاضي، وأبِي الخَطَّابِ،
ومَن وافَقَهما على إفادَةِ المِلْكِ، ومنهم مَن يُعَلِّلُ بأنَّ الطَّلَبَ مُقَرِّرٌ للحَقِّ، ولهذا لم تسْقُطْ بتَأْخيرِ الأَخْذِ بعدَه، وتسْقُطُ قبلَه،
وإذا تَقرَّرَ الحقُّ، وجَب أنْ يكونَ مَوْروثًا، وهي طريقةُ المُصَنِّفِ،
ومَن وافَقَه على . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ الطَّلَبَ لا يُفِيدُ المِلْكَ، وهو مُقْتَضَى كلامِ أحمدَ.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّ الشَّفِيعَ لا يَمْلِكُ الشِّقْصَ بمُجَردِ المُطالبَةِ. وهو أحدُ الوُجوهِ، فلابُدَّ للتَمَلُّكِ مِن أخْذِ الشِّقْصِ، أو يأْتِي بلَفْظٍ يدُلُّ على أخْذِه بعدَ المُطالبَةِ؛ بأنْ يقولَ: قد أخَذْتُه بالثَّمَنِ. أو: تَمَلَّكْتُه بالثَّمَنِ. ونحوَ ذلك. وهو اخْتِيارُ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ. وقدَّمَه الحارِثِيُّ، ونصَرَه،
وقال: اخْتارَه المُصَنِّفُ وغيرُه مِنَ الأصحابِ.
وقيل: يَمْلِكُه بمُجَرَّدِ المُطالبَةِ إذا كان مَلِيئًا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالثَّمَنِ. وهو المذهبُ. اخْتارَه القاضي، وأبو الخَطَّابِ، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». قال الحارِثِيُّ: وهو قَولُ القاضي، وأكثرِ أصحابِه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وصاحبِ «التَّلْخيصِ». فيَصِحُّ تصَرُّفُه قبلَ قَبْضِه فيه.
وقيل: لا يمْلِكُه إلا بمُطالبَتِه وقَبْضِه.
وقيل: لا يَمْلِكُه إلَّا بحُكْمِ حاكمٍ. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ، وقطَع به في «تَذْكِرَتِه». قال الحارِثِيُّ: ويحْصُلُ المِلْكُ بحُكْمِ الحاكمِ أيضًا. ذكَرَه ابنُ الصَّيرَفيِّ في «نوادِرِه»،
وقال به غيرُ واحدٍ. انتهى.
وقيل: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يمْلِكُه إلا بدَفْعِ ثَمَنِه، ما لم يَصْبِرْ مُشْتَرِيه. واخْتارَه ابنُ عَقِيل أيضًا. حَكاه، في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»
قال في «القواعِدِ»: ويَشْهَدُ له نصُّ أحمدَ، إذا لم يُحْضِرِ المال مُدَّةً طويلةً، بطَلَتْ شُفْعَتُه.
وقال في «الرِّعايَةِ»: الأصحُّ أنَّ له التَّصَرفَ قبلَ قَبْضِه وتمَلُّكِه.
وقال في «التَّلْخيصِ» و «التَّرْغيبِ»: فَصْلٌ: وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيهِ،
وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ أوْ عَنْ بَعْضِهِ، سَقَطَتْ شُفعَتُهُ.
للمُشْتَرِي حَبْسُه على ثَمَنِه؛ لأنَّ المِلْكَ بالشُّفْعَةِ قَهْرِيٌّ؛ كالمِيراثِ، والبَيعِ عن رِضًا. ويُخالِفُه أيضًا في خِيارِ الشَّرْطِ،
وكذا خِيارُ مَجْلِسٍ مِن جِهَةِ شَفيعٍ بعدَ تَمَلُّكِه؛ لنُفُوذِ تصَرُّفِه قبلَ قَبْضِه بعدَ تمَلُّكِه بإرْثٍ.
فوائد؛ منها، تنْتَقِلُ الشُّفْعَةُ إلى الوَرَثَةِ كلِّهم على حسَبِ مِيراثِهم. ذكَرَه غيرُ واحدٍ؛ فهم المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والسَّامَرِّيُّ، وابنُ رَجَبٍ، وغيرُهم. ومنها، لا فَرْقَ في الوارِثِ بينَ ذَوي الرَّحِمِ والزَّوْجِ والمَوْلَى وبَيتِ المالِ، فيَأْخُذُ الإِمامُ بها. صرَّح به الأصحابُ. قاله في «القاعِدَةِ التَّاسِعَةِ والأرْبَعِين بعدَ المِائَةِ». ومنها، إشْهادُ الشَّفيعِ على الطَّلَبِ حالةَ العُذْرِ يقُومُ مَقامَ الطَّلَبِ في الانْتِقالِ إلى الوَرَثَةِ. ومنها، شَفِيعان في شِقْصٍ، عَفا أحدُهما، وطالبَ الآخَرُ، ثم ماتَ، فوَرِثَه العافِي، له أخْذُ الشِّقْصِ بالشُّفْعَةِ. ذكَرَه المُصَنِّفُ وغيرُه.
قال المُصَنِّفُ: وكذا لو قذَف رَجُلٌ أُمَّهما المَيتَةَ، فعَفا أحدُهما، وطالبَ الآخرُ، ثم ماتَ، فوَرِثَه العافِي، كان له اسْتِيفاءُ الحدِّ بالنِّيابَةِ عن أخِيه، إذا قيلَ بوُجُوبِ الحدِّ بقَذْفِها.
تنبيه: قولُه: ويَأْخُذُ الشَّفِيعُ بالثَّمَنِ الَّذى وقَع عليه العَقْدُ. قال الحارِثِيُّ: فيه مُضْمَر حُذِفَ اخْتِصارًا، وتقْديرُه، مِثْلُ الثَّمَنِ، أو قَدْرُه؛ لأنَّ الأخْذَ بعَينِ الثَّمَنِ المأْخُوذِ به للمُشْتَرِي غيرُ مُمْكِنٍ، فتعَيَّنَ الإِضْمارُ. وإذَنْ فالظَّاهِرُ إرادَةُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّاني، وهو القدْرُ؛ لأنَّه تعرَّض لوَصْفِ التَّأْجيلِ، والمِثْلِيَّةِ والتَّقْويمِ فيما بعدُ،
فلو كانَ المِثْلُ مُرادًا، لَكانَ تَكْرِيرًا؛ لشُمولِ المِثْلِ للصِّفَةِ والذَّاتِ. انتهى.
قال: (وإن مات الشفيع بطلت الشفعة. إلا أن يموت بعد طلبها فتكون لوارثه) .
أما كون الشفعة تبطل بالموت قبل طلبها؛ فلأن الشفعة حقُّ فسخٍ، ثبت لا لفوات جزء. فلم يورث، كالرجوع في الهبة.
ولأنه نوع خيار جعل للتمليك. أشبه خيار القبول. ويتخرّج أن لا يبطل ، كخيار الرد بالعيب.
والفرق بينهما: أن خيار الرد ثبت لفوات جزء وقد نبّه على ذلك فيما تقدم من قوله: لا لفوات جزء.
وأما كونها لا تبطل إذا طلبها الشفيع ثم مات؛ فلأن الشقص يصير ملكاً له بنفس الطلب.
فعلى هذا يكون لوارثه من بعده، كسائر حقوقه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.