فَإِنْ لَمْ يُعَرِّفْ دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ حُكْمًا كَالْمِيرَاثِ وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَمْلِكُهُ حَتَّى يَخْتَارَ ذَلِكَ وَعَنْ أَحْمَدَ لَا تُمْلَكُ إِلَّا الْأَثْمَانُ وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَهَلْ لَهُ الصَّدَقَةُ بِغَيْرِهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ
الشروح عليها
مسألة: (فإن لم تُعرَفْ، دَخَلَتْ في مِلْكِه بعد الحَوْلِ حُكْمًا كالمِيراثِ. وعندَ أبي الخَطَّابِ، لا يَملِكُه حتى يَخْتارَ ذلك) نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ الجَماعةِ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لقولِه:«وإلَّا كَانَتْ كَسَائِرِ مَالِهِ». وعندَ أبي الخَطَّابِ: لا تدخُلُ في مِلْكِه حتى يَخْتارَ. واخْتَلَفَ أصحابُ الشافعيِّ؛ فقال بعضُهم كقَوْلِنا.
وقال قَوْمٌ: يَملِكُها بالنيةِ. ومنهم مَن قال: يَملِكُها بقَوْلِه: اخْتَرتُ مِلْكَها. ومنهم من قال: لا يملِكُها إلَّا بقَوْلِه والتَّصَرُّفِ فيها؛ لأنَّ هذا تَملّكٌ بعِوَض، فلم يَحصُلْ إلَّا باخْتِيار المُتَمَلِّكِ، كالقَرضِ. ولَنا،
قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُها وَإلَّا فَهِيَ كَسَائِرِ مالِكَ». وقولُه:«فَاسْتَنْفِقها».
ولو وَقَف مِلْكُها على تَمَلُّكِها لبَيَّنهَ له، ولم يُجَوِّزْ له التَّصَرُّفَ قبلَه.
وفي لَفْظٍ:«كُلْها». وهذه الألْفاظُ كلّها تَدُلُّ على ما قُلْنا، ولأنَّ الالْتِقاطَ والتعريف سَبَب للتَّمَلُّكِ،
فإذا تَمَّ، وَجَب أن يَثْبُتَ به المِلْكُ حُكْمًا، كالإِحياءِ والاصطِيادِ. ولأنَّه سَببٌ يُملَكُ به، فلم يَقِفِ المِلْكُ بعدَه على قَوْلِه ولا اخْتِيارِه، كسائِرِ الأسْباب، وذلك لأنَّ المُكَلَّفَ ليس إليه إلَّا مُباشَرَةُ الأسْبابِ،
فإذا أَتَى بها، ثَبَت الحُكْمُ قَهْرًا وجَبْرًا مِن الله عَزَّ وَجَل، غيرَ مَوْقُوفٍ على اخْتِيارِ المُكَلَّفِ.
فأمّا الاقْتِراضُ فهو السببُ في نَفْسِه، فلم يَثْبُتِ المِلْكُ بدُونِه. فعلى هذا، لو الْتَقَطَها اثْنان فعَرَّفاها حَوْلًا، مَلَكاها جَمِيعًا.
فإن قُلْنا: يَقِف المِلْكُ على الاخْتِيارِ. فاخْتارَ أحَدُهُما دُونَ الآَخَرِ، مَلَك المُخْتارُ نِصفَها وحدَه.
فصل: فإن رَأياها مَعًا، فأخَذَها أحَدُهما وحدَه، أو رآها أحَدُهما، فأعلمَ بها صاحِبَه، فأخَذَها، فهي لآخِذِها، لأنَّ اسْتِخقاقَها بالأخْذِ لا بالرؤيَةِ، كالاصطِيادِ.
وإن قال أحَدُهما لصاحِبِه: هاتِها. فأخَذَها لنَفْسِه، فهي له دُونَ الآمِرِ،
وإن أخَذَها الآمِرُ فهي له، كما لو وَكَّلَه في الاصطِيادِ له. ٢٥١٠ - مسألة: (وعن أحمدَ، لا تُملَكُ إلَّا الأثْمانُ. وهو ظاهِرُ المَذْهبِ. وهل له الصَّدَقَةُ بغيرِها؟ على رِوايَتَين) كُل ما جازَ الْتِقاطُه، مُلِكَ بالتَّعرِيف عندَ تَمامِه، أثْمانًا كان أو غيرَها. وهو ظاهِرُ كلامِ الخرَقِيِّ. ونُقِلَ ذلك عن أحمدَ، فرَوَى عنه محمدُ بنُ الحَكَمِ، في الصَّيّادِ يَقَعُ في شَبَكَتِه الكِيسُ أو النُّحاسُ، يُعَرِّفُه سَنَةً،
فإن جاء صاحِبُها، وإلا فهو كسائِرِ مالِه. وهذا نَصّ في النُّحاس.
وقال ابنُ أبي مُوسى: هل حُكْمُ العُرُوضِ في التعرِيفِ وجَوازِ التَّصَرُّفِ بعدَ ذلك حُكْمُ الأثْمانِ؟ على رِوايَتَين؛ أظْهرُهما، أنَّها كالأثْمانِ. قال شَيخُنا : ولا أعلَمُ بينَ أكْثَرِ أهْلِ العلْمِ فرقًا بينَ الأثْمانِ والعُرُوضِ في ذلك.
وقال أكْثَرُ أصحابِنا: لا تملَكُ العُرُوضُ بالتعرِيفِ. قال القاضِي: نص عليه أحمدُ في رِوايةِ الجَماعةِ. واخْتَلَفُوا فيما يصنَعُ بها، فقال أبو بكر، وابنُ عَقِيل: يُعَرِّفُها أبدًا.
وقال القاضي: هو بالخِيارِ بينَ أن يُقِيمَ على تَعرِيفِها حتى يَجِئَ صاحِبُها، وبينَ دَفْعِها إلى الحاكِمِ ليَرَى رَأيَه فيها. وهل له بَيعُها بعدَ الحَوْلِ والصَّدَقَةُ. بها؟ على روايَتَين؛ إحداهُما، يَجُوزُ، كما تجوزُ الصدَقَة بالغُصُوبِ التي لا يُعرَفُ أربابُها. والثّانيةُ، لا يجوزُ؛ لأنّه يَحتَمِلُ أن يَظْهرَ صاحِبُها فيَأخُذَها.
وقال الخَلَّالُ: كُل مَن روَى عن أحمدَ، روَى عنه أنَّه يُعَرِّفُه سَنَةً ويَتَصَدَّقُ به، والذي روَى عنه أنّه يُعَرِّفُها أبدًا، قول قَدِيم رَجَع عنه. واحتَجُّوا بأنَّه قد رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عَبّاس، وابنِ مَسْعُودٍ مثلُ قَوْلِهم. ولأنَّها لُقَطَة لا تُملَكُ في الحَرَمِ، فلا تُملَكُ في غيرِه، كالإِبِلِ. ولأنَّ الخَبَرَ وَرَد في الأثْمانِ، وغيرُها لا يُساويها؛ لعَدَم الغَرَضِ المُتَعَلِّقِ بعَينها، فمثلُها يَقُومُ مَقامَها مِن كُلِّ وَجْهٍ. ولَنا، عُمُومُ الأَحادِيثِ في اللُّقَطَةِ،
فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عن اللُّقَطَةِ، فقال:«عَرِّفها سَنَةً». ثم
قال في آخِرِه:«فَشَأنَكَ بِها». أو:«فَانْتَفع بِها».
وفي حَدِيثِ عِياضِ بنِ حمارٍ:«مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً». وهو لَفْط عام. وقد روَى الجُوزْجانيُّ، والأثْرَمُ في كِتابَيهما: ثنا أبو نُعَيم، ثنا هِشَامُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: أتَى رَجل رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رَسُولَ اللهِ، كَيفَ تَرَى في مَتَاع يُوجَدُ في الطَرِيقِ المُعتادِ، أو في قَريَةٍ مَسْكُونَةٍ؟ قال:«عَرِّفْهُ سَنَة، فَإنْ جَاءَ صاحِبُهُ، وإلَّا فَشْأنَكَ بِهِ». ورَوَيا أنَّ سُفْيانَ بنَ عبدِ اللهِ وَجَد عَيبَةً ، فأتَى بها عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، فقال: عَرِّفْها سَنَةً،
فإن عُرِفَتْ وَإلَّا فَهِيَ لَكَ. زاد الجُوزْجانِيُّ: فلم تُعرَفْ، فلَقِيَه بها العامَ المُقْبِلَ فذَكَرها له، فقال عُمَرُ: هي لك، إنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَرَنا بذلك. ورَواه النسَائِي . وهذا نَصُّ في غيرِ الأثْمانِ. وروَى الجُوزْجانِيُّ بإسْنادِه، عن الحُرِّ بنِ الصَّيَّاحِ ، قال: كنتُ عند ابنِ عُمَرَ بمَكَّةَ، إذ جاءَه رَجُلٌ، فقال: إنِّي وَجَدتُ هذا البُردَ، وقد نَشَدتُه وعَرَّفْتُه، فلم يَعرِفْه أحَدٌ، وهذا يَوْمُ الترويَةِ، يوم يَتَفَرَّقُ النّاسُ.
فقال: إن شِئْتَ قَوَّمتَه قِيمَةَ عَدْلٍ ولَبِسْتَه، وكنتَ له ضامِنًا، متى جاء صاحِبُه دَفَعتَ إليه ثَمَنَه،
وإن لم يَجِيء له طالِب فهو لك إن شِئْتَ. ولأنّ ما جازَ الْتِقاطُه مُلِكَ بالتَّعرِيفِ، كالأثْمانِ، وما حَكَوه عن الصحابةِ إن صَحَّ، فقد حَكَينا عن عُمَرَ وابْنِه خِلافَه. وقولُهم: إنَّها لُقَطَة لا تُملَكُ في الحَرَمِ. مَمنُوعٌ، ثم هو مَنْقُوض بالأثْمانِ، وقِياسُها على الإبِلِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ معها حِذَاءَها وسِقَاءَها، تَرِدُ الماءَ وتأكلُ الشَّجَرَ حتى يَأتِيها رَبُّها، ولا يُوجَدُ ذلك في غيرِها، ولأنَّ الإبلَ لا يجوزُ الْتِقاطُها، فلا تُملَكُ، وههُنا يَجُوزُ الْتِقاطُها، فتملَكُ به، كالأثْمانِ.
وقَوْلُهم: إنَّ النَّصَّ خاصٌّ في الأثْمانِ. قُلْنا بل هو عام في كُلِّ لُقَطَةٍ، فيَجِبُ العَمَلُ بعُمُومِه، كان وَرَد فيها نَصّ خاص، فقد رُوِيَ خَبَر عام، فيُعمَلُ بهما، ثم قد رَوَيناه في العُرُوضِ، فيَجبُ العَمَلُ به، كما وجَب العَمَلُ بالخاصِّ في الأثْمانِ ثم لو اخْتَصَّ الخَبَرُ بالأثْمانِ، لوَجَبَ أن يُقاسَ عليها ما في مَعناها، كسائِرِ النُّصُوصِ التي عُقِلَ مَعناها ووُجِدَ في غيرِها، وههُنا قد وُجدَ المعنَى، فيَجِبُ قِياسُه على المَنْصُوصِ عليه، بل المَعنَى ههُنا آكَدُ، فيَثْبُتُ الحُكْمُ فيه بطَرِيقِ التنبِيهِ بَيانُه أنَّ الأثْمانَ لا تَتْلَفُ بمُضِيِّ الزَّمانِ عليها وانْتِظارِ صاحِبِها بها أبدًا، والعُرُوضُ تَتْلَفُ بذلك، ففي النِّداءِ عليها دائِمًا هلَاكُها وضَياعُ مالِيَّتها على صاحِبِها ومُلْتَقِطِها وسائِرِ النّاسِ،
وفي إباحَةِ الانْتفاعِ بها ومِلْكِها بعدَ التَّعرِيفِ حِفْظ لمالِيَّتها على صاحِبِها بدَفْعِ قِيمَتِها إليه، ونَفْعٌ لغيرِه، فيَجِبُ ذلك؛ لنَهْي النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -[عن إضاعَةِ المالِ]،
ولِما فيه مِن المَصْلَحَةِ والحِفْظِ لمالِ المُسْلِمِ عليه، ولأنَّ في إثْباتِ المِلْكِ حَثًّا على الْتِقاطِها وحِفْظِها وتَعْرِيفِها؛ لكَوْنِه وَسِيلةً إلى المِلْكِ المَقْصُودِ للآدَمِيِّ،
وفي نَفْي مِلْكِها تَضْيِيعٌ لها، لِما في الْتِقاطِها مِن الخَطَرِ والمَشَقَّةِ والكَلَفِ مِن غيرِ نَفْعٍ يَصِلُ إليه، فيُؤَدِّي إلى أن لا يَلْتَقِطَها أحَدٌ، فتَضِيعَ. وما ذَكَرُوه في الفَرْقِ مُلْغًى في الشّاةِ، فقد ثَبَتٍ المِلْكُ فيها مع هذا الفَرْقِ، ثم يُمْكِنُنا أن نَقِيسَ على الشّاةِ، فلا يَحْصُلُ هذا الفَرْقُ بين الفَرْعِ والأصْلِ، ثم نَقْلِبُ دَلِيلَهُم فنقولُ: لُقَطَةً لا تُمْلَكُ في الحَرَمِ، فما أُبِيحَ الْتِقاطُه منها مُلِكَ إذا كان في الحِلِّ، وما لا يُباحُ لا يُمْلَكُ، كالإبِلِ.
٢٥١١ - مسألة: وعن أحمدَ، أنَّ (لُقَطَةَ الحَرَمِ لا تُمْلَكُ بحالٍ) المَشْهُورُ عن أحمدَ وفي المَذْهَبِ، أنَّ لُقَطَةَ الحَرَمِ والحِلِّ سَواءٌ. وهو ظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ. رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وعائِشَةَ، وابنِ المُسَيَّبِ. وهو مَذْهبُ مالِكٍ، وأبي حنيفةَ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه لا يَجُوزُ الْتِقاطُ لُقَطَةِ الحَرَمِ للتَّمْلِيكِ،
ويجوزُ لحِفْظِها لصاحِبِها، فإنِ الْتَقَطَها عَرَّفَها أبَدًا حتى يَأْتِيَ صاحِبُها. وهو قولُ عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِيٍّ، وأبي عُبَيدٍ. وعن الشافعيِّ كالمَذْهَبَينِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في مَكَّةَ: «لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُها إلَّا لمُنْشِدٍ». مُتَّفَقٌ عليه . والمُنْشِدُ المُعَرِّفُ. قاله أبُو عُبَيدٍ . والنّاشِدُ الطّالِبُ.
ويُنْشَدُ:
* إصَاخَةَ النّاشِدِ لِلْمُنْشِدِ * فيكونُ مَعْناه: لا تَحِلُّ لُقَطَةُ مَكّةَ إلَّا لمَن يُعَرِّفُها؛ لأنَّها خُصَّتْ بهذا مِن بينِ سائِرِ البُلْدانِ. وروَى أبو داوُدَ ، بإسْنادِه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن لُقَطَةِ الحاجِّ. قال ابنُ وَهْبٍ: يَعْنِي يَتْرُكُها حتى يَجِدَها صاحِبُها. وَوَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى عمُومُ الأحادِيثِ، ولأنَّه أحَدُ الحَرَمَين، أشْبَه حَرَمَ المَدِينةِ، ولأنَّها أمانَةٌ، فلم يَخْتَلِفْ حُكْمُها بالحِلِّ والحَرَمِ، كالوَدِيعَةِ. وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إلَّا لِمُنْشِدٍ».
يَحْتَمِلُ أنَّه يُرِيدُ إلَّا لمَن عَرَّفَها عامًا. وتَخْصِيصُها بذلك لتَأْكِيدِها؛ لقَوْلِه - عليه السلام -: «ضَالَّةُ المُؤْمِنِ حَرَقُ النَّارِ» وضالَّةُ الذِّمِّيِّ مَقِيسَةٌ عليها. والله أعلمُ.
(فَإِنْ لَمْ يُعَرِّفْ دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ حُكْمًا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ (كَالْمِيرَاثِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ «فَإِنْ لَمْ تُعَرِّفْ فَاسْتَنْفِقْهَا» وَفِي لَفْظٍ «فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِكَ» وَفِي لَفْظٍ " ثُمَّ كُلْهَا " وَفِي لَفْظٍ " فَانْتَفِعْ بِهَا " وَفِي لَفْظٍ «فَشَأْنُكَ بِهَا» وَفِي لَفْظٍ «فَاسْتَمْتِعْ بِهَا» وَلَوْ وَقَفَ مِلْكُهَا عَلَى تَمَلُّكِهَا، لَبَيَّنَهُ لَهُ، وَلِمَ يُجَوِّزْ لَهُ التَّصَرُّفَ قَبْلَهُ، وَلِأَنَّ الِالْتِقَاطَ وَالتَّعْرِيفَ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ،
فَإِذَا تَمَّ وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ الْمِلْكُ حُكْمًا، كَالْإِحْيَاءِ وَالِاصْطِيَادِ (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَمْلِكُهُ حَتَّى يَخْتَارَ ذَلِكَ) وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي " الْوَاضِحِ "؛ لِأَنَّ هَذَا يُمْلَكُ بِعِوَضٍ، فَلَمْ يَحْصُلْ إِلَّا بِاخْتِيَارِ الْمَالِكِ كَالْقَرْضِ، فَعَلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ،
فَلَوِ الْتَقَطَهَا اثْنَانِ فَعَرَّفَاهَا حَوْلًا مَلَكَاهَا،
فَإِنْ قُلْنَا تَقِفُ عَلَى الِاخْتِيَارِ، فَاخْتَارَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ مَلَكَ الْمُخْتَارُ نَصِفَهَا،
وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ هَاتِهَا، فَأَخَذَهَا لِنَفْسِهِ، فَهِيَ لَهُ دُونَ الْآمِرِ،
وَإِنْ أَخَذَهَا لِلْآمِرِ فَهِيَ لَهُ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الِاصْطِيَادِ،
وَفِي " الْكَافِي " لِرَافِعِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِيهِ (وَعَنْ أَحْمَدَ لَا تُمْلَكُ إِلَّا الْأَثْمَانُ وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ) نَقَلَهَا وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ فِيهَا، وَغَيْرُهَا لَا يُسَاوِيهَا لِعَدَمِ الْغَرَضِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا، فَمِثْلُهَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ
بِخِلَافِ غَيْرِهَا، فَدَلَّ أَنَّ الْعُرُوضَ لَا تُمْلَكُ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ مَعَ أَنَّهُ ذُكِرَ فِي " الْمُغْنِي "، وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَرْقًا بَيْنَ الْأَثْمَانِ، وَالْقُرُوضِ،
وَعَنْهُ: وَلَا الشَّاةِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَنَّ الشَّاةَ تُمْلَكُ دُونَ الْعُرُوضِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ. (وَهَلْ لَهُ الصَّدَقَةُ بِغَيْرِهَا) أَيْ: بَعْدَ التَّعْرِيفِ الْمُعْتَبَرِ تُبَاعُ، وَيُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَظْهَرُهُمَا: لَهُ الصَّدَقَةُ بِهِ بِشَرْطِ ضَمَانِهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْتَفِعُ بِمَا لَهُ تَارَةً لِمَعَاشِهِ، وَتَارَةً لِمَعَادِهِ،
فَإِذَا انْتَفَى الْأَوَّلُ تَعَيَّنَ الثَّانِي،
وَالثَّانِي: لَا يَتَصَدَّقُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَظْهَرَ صَاحِبُهَا فَيَأْخُذَهَا. قَالَ الْخَلَّالُ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ رَجَعَ عَنْهُ، فَعَلَيْهِ يُعَرِّفُهَا أَبَدًا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْخِصَالِ " يُخَيَّرُ بَيْنَ تَعْرِيفِهَا أَبَدًا وَبَيْنَ دَفْعِهَا إِلَى الْحَاكِمِ لِيَرَى رَأْيَهُ فِيهَا؛
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي " الْبِدَايَةِ ": يَدْفَعُهَا إِلَى الْحَاكِمِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ خِلَافُهُ،
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَتَتَوَجَّهُ الرِّوَايَتَانِ فِيمَا يَأْخُذُهُ السُّلْطَانُ مِنَ اللُّصُوصِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ، وَنَقَلَ صَالِحٌ فِي اللُّقَطَةِ يَبِيعُهُ وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ بِشَرْطِ ضَمَانِهِ
(وَعَنْهُ: لَا تُمْلَكُ لُقْطَةُ الْحَرَمِ بِحَالٍ) بَلْ يَجُوزُ أَخْذُهَا لِلْحِفْظِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي مَكَّةَ: لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُنْشِدُ: الْمُعَرِّفُ، وَالنَّاشِدُ: الطَّالِبُ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ لَا تَحِلُّ لُقَطَةُ مَكَّةَ إِلَّا لِمَنْ يُعَرِّفُهَا؛ لِأَنَّهَا خُصَّتْ بِهَذَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْبُلْدَانِ، فَتُعَرَّفُ أَبَدًا، أَوْ يَدْفَعُهَا إِلَى حَاكِمٍ،
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ كَالْحِلِّ لِحَدِيثِ زَيْدٍ، وَبِأَنَّ عُمُومَ الْأَشْخَاصِ يَتَنَاوَلُ عُمُومَ الْأَحْوَالِ، إِذْ قَوْلُهُ: مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً، عَامٌّ فِي كُلِّ وَاجِدٍ، وَعُمُومُ الْوَاجِدِينَ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ أَحْوَالِهِمْ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ اللُّقَطَةَ لَا تُمْلَكُ بِحَالٍ، نَقَلَهَا حَنْبَلٌ، وَالْبَغَوِيُّ، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ.
[
وهل له الصَّدقَةُ بغيرِها؟ على رِوايتَين. يعنِي، على القَوْلِ بأنه لا يملِكُ غيرَ الأثْمانِ. وعلى هذا، قال الأصحابُ؛ القاضي، وابنُ عَقِيل، والسَّامَري، وصاحِبُ «التلْخيصِ»، وغيرُهم: إنْ شاءَ، سلَّم إلى الحاكمِ وَبرِئ،
وإنْ شاءَ، لم يُسَلّم، وعَرَّفَها أبدًا.
قال في «الفُروع»: وظاهِرُ كلامِ جماعةٍ، لا تُدفَعُ إليه، وهل له الصَّدقَةُ بها؟ على رِوايتَين. وأطْلَقَهما في «الهِدايَة»، و «المُذْهبِ»،، و «الخُلاصةِ»، و «التلْخيص»، و «المُحَرَّر»، و «النظْم»، و «المُغْنِي»، و «الشّرحِ»، و «شَرحِ ابنِ مُنجى»، و «شَرحِ الحارِثِي» هنا؛ إحداهما، له الصَّدقَة به بشَرطِ الضمانِ. وهو المذهبُ. قال الخَلَّالُ: كلُّ مَن روَى عن أحمدَ روَى عنه أنَّه يُعَرِّفُها سنَةً، ويتَصَدَّقُ بها.
قال في «الفائقِ»: هو المَنْصوصُ أخِيرًا. وقدَّمه في «المُسْتَوْعِب»، و «الفُروعِ».
قال في «القاعِدَةِ السادِسَةِ بعدَ المِائَةِ»: يتَصَدقُ به عنه، على الصحيحِ. والروايةُ الثَّانيةُ، ليس له ذلك، بل يُعَرفُها أبدًا. [نقَلَه عنه طاهِرُ بنُ محمدٍ]، واخْتارَه أبو بَكْر في «زادِ المُسافِر»، وابنُ عَقِيل. وقدَّمه في «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِير».
قال الحارِثِي في الغصبِ عندَ قولِه: وإنْ بَقِيَتْ في يَدِه غُصُوبٌ: والمذهبُ أنه لا يتَصدقُ. انتهى. لكِنْ قال الخَلالُ: هذا قَوْل قديم رجَع عنه، وكل من روَى عنه، روَى عنه أنّه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُعَرِّفُها سنَةً، [ويتَصَدَّقُ بها]. وذكَر أبو الخَطَّابِ رِوايَةً؛ أنَّه إنْ كان يسِيرًا، باعَه وتَصَدَّقَ به،
وإنْ كان كثيرًا، رفَعَه إلى السُّلْطانِ،
وقال: نقَلَه مهنَّا، ورَدَّه المَجْدُ. ذكَرَه في «القاعِدَةِ السَّابعَةِ والتِّسْعِين». وتقدَّمَتْ هذه المسْألةُ، في كلامِ المُصَنِّفِ،
ونظائِرُها في أوَاخِرِ الغصبِ عند قَوْلِه: وإنْ بقِيَتْ في يَدِه غُصُوب لا يعرِفُ أربابَها.
تنبيه: تلَخَّصَ لنا ممَّا تقدَّم في هذه المَسْالةِ، أنَّ الصَّحيح مِنَ المذهبِ، أنَّ اللقَطَةَ تدخُلُ في مِلْكِه قَهْرًا، كالمِيراثِ، حيثُ قُلْنا: تُملَكُ.
وأنَّ الصَّحيحَ مِنَ المذهبِ، التسْويَةُ بينَ لُقَطَةِ الحَرَمِ وغيرِها،
وأنَّ أكثرَ الأصحابِ قالوا: لا يملِكُ غيرَ الأثْمانِ. وهو المَشْهورُ عنه. وهو المذهبُ. لكِنْ على المُصطَلَحِ الذي تقدَّم في الخُطبةِ، يكونُ المذهبُ المِلْكَ في الكُلِّ قهْرًا.
فائدة: قال في «الفُروعِ»: يتَوَجَّهُ الرِّوايَتان المُتقَدِّمَتان اللَّتان في الصَّدَقةِ في غيرِ الأثْمانِ، أنْ يأتِيا في ما يأخُذُه السُّلْطانُ مِنَ اللصوصِ، إذا لم يُعرَفْ رُّبه.
فائدتان؛ إحداهما، لو الْتَقَطَ اثْنان، وعَرَّفا، ملَكاها. وعلى القَوْلِ بالاخْتِيارِ، لو اخْتارَ أحدُهما فقط، ملَك النِّصفَ، ولا شيءَ لصاحِبِه. الثَّانَيةُ، لو رأى اللقَطَةَ اثْنان، فقال أحدُهما للآخَرِ: هاتها، فأخَذَها لنَفْسِه، فهي للآخِذِ،
وإنْ أخَذَها للآمِرِ، فهي له، أعنِي للآمِرِ، كما في التوْكِيلِ في الاصطِيادِ. ذكرَ ذلك المُصَنِّفُ وغيرُه.
وَعَنْهُ، لَا تُمْلَكُ لُقَطَةُ الْحَرَمِ بِحَالٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: (فإن لم يُعرف دخل في ملكه بعد الحول حكماً، كالميراث. وعند أبي الخطاب: لا يملكه حتى يختار ذلك. وعن أحمد: لا يَملك إلا (١) الأثمان. وهي ظاهر المذهب. وهل له الصدقة بغيرها؟ على روايتين.
وعنه: لا تملك لقطة الحرم بحال).
أما كون ما لم يُعرف يدخل في ملك الملتقط بعد الحول حكماً، كالميراث على الأول؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بكونها له فقال في حديث زيد بن خالد:«فإن لم تعرفْ فاستنفقْها».
وفي لفظ:«فهي كسبيلِ مالِك».
وفي لفظ:«فانتفِعْ بها».
وفي لفظ:«فشأنكَ بها».
وأما كونه لا يملك ذلك عند أبي الخطاب حتى يختار ذلك ؛ فلأنه يملك بعوض. فلم يحصل إلا باختيار المتملك، كالبيع.
وأما كونه لا يَملك إلا الأثمان في ظاهر المذهب؛ فلأنه يروى عن ابن عمر وابن عباس وابن مسعود.
ولأنها لقطة لا تُملك في الحرم. فلا تملك في غيره، كالإبل.
ولأن الخبر ورد في الأثمان، وغيرها لا يساويها، لعدم الغرض المتعلق بعينها. فمثلها يقوم مقامها من كل وجهٍ. بخلاف غيرها.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله في قوله: فإن لم يعرف دخل في ملكه أن العروض تُملك كالأثمان؛ لأنه عمّم.
ثم ذكر عن أحمد رواية: أنها لا تملك. وقد رجح الأول في المغني؛ لأنه ذكر نحواً مما تقدم. ثم قال: ولنا عموم الأحاديث في اللقطة جميعها «فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن اللقطة فقال: عرِّفهَا سنةً - ثم قال في آخره: - فانتفعْ بها أو فشأنكَ بها».
وفي حديث عياض:«منْ وَجَدَ لُقطَةً». وهو عام .
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:«أتى رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله! كيف ترى في متاعٍ يوجد في الطريق الميتاء، أو قرية مسكونة؟ فقال: عرّفه سنةً. فإن جاء صاحبه، وإلا فشأنكَ به» رواه الأثرم والجوزجاني.
ورويا «أن سفيانَ بن عبدالله وجد عَيْبَةً فأتى بها عمر بن الخطاب. فقال: عرِّفهَا سنة. فإن عُرِفَتْ وإلا فهيَ لك. زاد الجوزجاني: فلم تُعرفْ. فلقيَهُ بها في العام المقبل فذكرها له. فقال عمر: هيَ لكَ. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرَنا بذلك» .
ولأن ما جاز التقاطه يمُلك بالتعريف، كالأثمان.
وأما كون الملتقِط له الصدقة بالملتقَط الذي لا يُملك على روايةٍ؛ فلما روي عن ابن مسعود «أنه اشترى جاريةً. فذهبَ صاحبها. فجعلَ يتصدقُ بالثمنِ ويقولُ: لصاحبها. فإن أبى قبلنَا، وعلينا الثمن. ثم قال: هكذَا يُصنعُ باللقطة».
ولأن الإنسان ينتفع بماله تارة لمعاشه، وتارة لمعاده.
فإذا تعذّر المعاشُ انصرف إلى المعاد. ولا بد أن يُلحظ في هذه: الضمان إذا جاء طالبها، كالأموال التي في يده لا يعلم مالكها، وحديث ابن مسعود يدل عليه.
وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلأنه تصرّف في مال الغير بغير إذنه.
قال المصنف في المغني: هذا قولٌ قديمٌ رَجع عنه.
وأما كون لقطة الحرم لا تملك على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مكة: لا تَحِلُ ساقطتُها إلا لمُنشد» متفق عليه.
قال أبو عبيدة: المُنشِد: المعرّف، والناشد: الطالبُ. فيكون معناه: لا تحل لقطة مكة إلا لمن يعرّفها؛ لأنها خُصّت بهذا من بين سائر البلدان.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه نهَى عن لُقطةِ الحاجّ» رواه مسلم.
قال ابن وهب: يعني يتركها حتى يجدها صاحبها.
والأول أصح، لما تقدم من عموم الأحاديث.
ولأنه أحد الحرمين. أشبه حرم المدينة.
ولأنها أمانة. فلا يختلف حكمها بالحل والحرم، كالوديعة.
وقوله عليه السلام:«إلا لمنشد» يحتمل أنه يريد إلا لمن عرّفها عاماً. وتخصيصها بذلك لتأكيدها لا لتخصيصها، كقوله عليه السلام:«ضالةُ المسلمِ حَرقُ النَارِ»، وضالة الذمي تُقاس عليها.
ولأن في ذكر ذلك فائدة هي مفقودة في غير مكة وذلك أنه ربما تُوُهّم أنه لا
فائدة في تعريف لقطةِ مكة من حيث إن الناس يتفرّقون شرقاً وغرباً. فنص على التعريف قطعاً لذلك. والقول بأن التعريف مطلقاً مرجوحٌ بالنسبة إلى تعريف السنة، لأن اللفظ وإن كان مطلقاً هنا فهو مقيدٌ في بقية الأحاديث.
والقول بأن المنشد: الطالب إن لم يُمنع فهو مرجوحٌ بالنسبة إلى استعماله بمعنى المعرف . فصل [في التصرف باللقطة] قال المصنف رحمه الله: (ولا يجوز له التصرّف في اللقطة حتى يَعْرف وِعاءها، ووكاءها، وقَدْرها، وجنسها، وصفتها) .
أما كون الملتقط لا يجوز له التصرف في اللقطة حتى يعرف وعاءها، ووكاءها، وقدرها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك كله فقال لزيد بن خالد:«اعرف وكاءَهَا وعِفَاصَهَا»،
وفي حديث أبي بن كعب:«اعرف وعاءَهَا ووكاءَهَا وعدَدَهَا».
وأما كونه لا يجوز له التصرف حتى يعرف جنسها وصفتها؛ فلأنه إذا تصرّف فيها انعدمت عينها.
فإذا لم يعرف جنسها وصفتها لم يبق سبيلٌ إلى معرفتها.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.