وَإِنِ الْتَقَطَهُ اثْنَانِ قُدِّمَ الْمُوسِرُ عَلَى الْمُعْسِرِ وَالْمُقِيمُ عَلَى الْمُسَافِرِ
الشروح عليها
مسألة: (وإن الْتَقَطَه اثْنان، قُدِّم المُوسِرُ منهما على المُعْسِرِ، والمُقيمُ على المُسافِرِ) فإن اسْتَوَيَا وتَشاحّا أُقْرِعَ بينهما. إذا الْتَقَطَه اثْنان وتَناوَلاه تَناوُلًا واحِدًا، لم يَخْلُ مِن ثَلاثةِ أقسام؛ أحدُها، أن يكونَ أحَدُهما مِمَّن يُقَرُّ في يَدِه، كالمُسْلِمِ العَدْلِ الحُرِّ، والآخَرُ لا يُقَرُّ في يَدِه، كالكافِرِ -إذا كان المُلْتَقَطُ مُسْلِمًا- والفاسِقِ، والعَبْدِ إذا لم يَأْذَنْ له سَيِّدُه، فإنَّه يُسَلَّمُ إلى مَن يُقَرُّ في يَدِه دُونَ شَرِيكِه، كمن الْتَقَطَه وحدَه، ولأنَّ الشَّرِيكَ لو الْتَقَطَه وحدَه لم يُسَلَّمْ إليه،
فإذا شارَكَه مَن هو مِن أهْلِ الالْتِقاطِ، كان أوْلَى بالتَّسْلِيمِ إليه وإقْرارِه في يَدِه. الثّاني، أن يكونا جَمِيعًا مِمَّن لا يُقَرُّ في يَدَيْ واحدٍ منهما، فإنَّه يُنْزَعُ منهما ويُسَلَّمُ إلى غيرِهما. الثالثُ، أن يكونَ كلُّ واحدٍ منهما مِمَّنْ يُقَرُّ في يَدِه لو انْفَرَدَ، إلَّا أنَّ أحَدَهُما أحَظُّ للَّقِيطِ مِن الآخرِ، بأن يكونَ أحَدُهُما مُوسِرًا والآخَرُ مُعْسِرًا، فالمُوسِرُ أحَقُّ؛ لأنَّ ذلك أحَظُّ للطِّفْلِ،
وكذلك إن كان أحَدُهُما مُقِيمًا والآخَرُ مُسافِرًا؛ لأنَّه أرْفَقُ بالطِّفْلِ.
فصل: وإن الْتَقَطَ مُسْلِمٌ وكافِرٌ طِفْلًا مَحْكُومًا بكُفْرِه، فالمُسْلِمُ أحَقُّ.
وقال أصحابُنا، وأصحابُ الشافعيِّ: هما سَواءٌ؛ لأنَّ للكافِرِ ولإيَةً على الكافِرِ، ويُقَرُّ في يَدِه إذا انْفَرَدَ بالْتِقاطِه، فساوَى المُسْلِمَ في ذلك. ولَنا، أنَّ دَفْعَه إلى المُسْلِمِ أحَظُّ له؛ لأنَّه يَصِيرُ مُسْلِمًا، فيَسْعَدُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويَنْجُو مِن النّارِ، ويَتَخَلَّصُ مِن الجِزْيَةِ والصَّغارِ، فالتَّرْجِيحُ بهذا أوْلَى مِن التَّرْجِيحِ باليسارِ الذي إنَّما يَتَعَلَّقُ به توْسِعَة عليه في الإنْفاقِ، وقد يكونُ المُوسِرُ بَخِيلًا، فلا تَحْصُلُ التَّوْسِعَةُ،
فإن تعارَضَ التَّرْجِيحان، فكان المُسْلِمُ فقيرًا والكافِرُ مُوسِرًا، فالمُسْلِمُ أوْلَى؛ لأنَّ النَّفْعَ الحاصِلَ له بإسْلامِه أعْظَمُ مِن النَّفْعِ الحاصِلِ له بيَسارِه مع كُفْرِه. وعندَهم، يُقَدَّمُ الكافِرُ. وعلى قِياسِ قَوْلِهم في تَقْدِيم المُوسِرِ، يَنْبَغي أن يُقَدَّمَ الجَوَادُ على البَخِيلِ؛ لأنَّ حَظَّ الطِّفْلِ عندَه أكْثَرُ مِن الجِهَةِ التي يَحْصُلُ له الحَظُّ فيها باليَسارِ.
(وَإِنِ الْتَقَطَهُ اثْنَانِ) بِحَيْثُ إِنَّهُمَا تَنَاوَلَاهُ جَمِيعًا (قُدِّمَ الْمُوسِرُ عَلَى الْمُعْسِرِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَحَظُّ لِلطِّفْلِ (وَالْمُقِيمُ عَلَى الْمُسَافِرِ) ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَقَ بِالطِّفْلِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا غَيْرَ مُتَّصِفَيْنِ بِمَا ذَكَرْنَا فَإِنَّهُ يُنْزَعُ مِنْ أَيْدِيهِمَا، وَيُقَدَّمُ الْأَمِينُ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْمُسْلِمُ عَلَى الْكَافِرِ،
وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ فَقِيرًا؛ لِأَنَّ النَّفْعَ بِإِسْلَامِهِ أَعْظَمُ مِنَ النَّفْعِ الْحَاصِلِ بِيَسَارِهِ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمْ: يُقَدَّمُ الْجَوَادُ عَلَى الْبَخِيلِ،
وَفِي " التَّرْغِيبِ ": يُقَدَّمُ بَلَدِيٌّ عَلَى غَيْرِهِ، وَظَاهِرُ الْعَدَالَةِ عَلَى مَسْتُورِ الْحَالِ؛
وَقِيلَ: سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ وُجُودِ الْمَانِعِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَنْعِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي التَّرْجِيحِ
وإنِ التَقَطَه اثْنان، قُدِّمَ المُوسِرُ منهما على المُعْسِرِ، والمُقِيمُ على . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المُسافِرِ. لا أعلمُ فيه خِلافًا. وظاهِرُ كلامِه، أنَّ البَلَدِيَّ وضِدَّه، والكرِيمَ وضِدَّه، وظاهِرَ العَدالةِ وضِدَّه، في ذلك على جَدٍّ سواء. وهو كذلك. قدَّمه في «الفُروعِ». وقاله القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.
وقال في «التَّلْخيصِ»، و «التَّرْغِيبِ»: يُقَدَّمُ البَلَدِيُّ على ضِدِّه.
وقال في «المُغْنِي»، ومَن تبِعَه: وعلى قِياسِ قوْلِهم في تقْديمِ المُوسِرِ، ينْبَغِي أنْ يُقَدَّمَ الجَوادُ على البَخيلِ. انتهى.
وقيل: يُقَدَّمُ ظاهِرًا لعَدالةِ على ضِدِّه. وهما احْتِمالان مُطْلَقان في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ». وأطْلَقَ الوَجْهَين الحارِثِيُّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: الشَّرِكَةُ في الالتِقاطِ أنْ يأْخُذاه جميعًا، ولا اعْتِبارَ بالقِيام المُجَرَّدِ عندَه؛ لأنَّ الالتِقاطَ حقيقَةُ الأَخْذِ، فلا يُوجَدُ بدُونِه، إلَّا أنْ يأْخُذَه الغيرُ بأَمْرِه، فالمُلْتَقِطُ هو الآمِرُ؛ لأنَّ المُباشِرَ نائبٌ عنه، فهو كاسْتِنابَتِه في أخْذِ المُباحِ.
تنبيه: دخَل في كلامِ المُصَنِّفِ، لو التَقَطَه مُسْلِمٌ وكافِرٌ. وهو كذلك. وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وقيل: المُسْلِمُ أوْلَى. اخْتارَه المُصَنِّفُ، والحارِثِيُّ، والنَّاظِمُ، وغيرُهم. وتقدَّم ذلك أيضًا.
فَإِنْ تَسَاوَيَا وَتَشَاحَّا، أُقْرِعَ بَينَهُمَا.
فإنْ تَشاحَّا؛ أُقرِعَ بينَهما. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به أكثرُهم؛ منهم صاحِبُ «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «القَواعِدِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرُهم. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ».
وقيل: يُسَلِّمُه الحاكِمُ إلى مَن شاءَ منهما أو مِن غيرِهما.
وقال الحارِثِيُّ: وذكَر . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صاحِبُ «المُحَرَّرِ»، في بابِ الحَضانَةِ، أنَّ الرَّقيقَ إذا كان بعضُه حُرًّا تَهايَأ في حَضانَتِه سَيِّدُه ونَسِيبُه. وحُكِيَ ذلك عن أبي بَكْرٍ عَبْدِ العَزِيزِ، قال: فيُخَرَّجُ هنا مِثْلُه،
والمذهبُ الأوَّلُ. انتهى. فَإِنِ احْتَلَفَا فِي الْمُلْتَقِطِ مِنْهُمَا، قُدِّمَ مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ.
تنبيه: قولُه: وإنِ اخْتَلَفا في المُلْتَقِطِ منهما، قُامَ مَن له بَيَّنَةٌ. بلا نِزاعٍ.
فإنْ كان لكُل واحدٍ منهما بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ أسْبَقُهما تارِيخًا. قاله في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم.
وإنِ اتَّحَدَ تارِيخُهما، أو أُطْلِقَتا، أو أرِّخَتْ إحْداهما وأُطْلِقَتِ الأُخْرَى، تَعارَضَتا،. وهل يسْقُطان أو يُسْتَعْمَلان؟ فيه وَجْهان. وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، وغيرِهم؛ أحدُهما، يسْقُطان، فيصِيران كمَن لا بَيِّنَةَ لهما. وجزَم به، فيما إذا تَساوَيا، في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم.
والثَّاني، يُسْتَعْمَلان ويُقْرَعُ بينَهما، فمَن قرَع صاحِبَه، كان أوْلَى به.
قال في «الكافِي»: وإن تَساوَيا في اليَدِ أو عدَمِها، سقَطَتا، وأُقْرِعَ بينَهما، فقُدِّمَ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ قُدِّمَ صَاحِبُ الْيَدِ، بها أحدُهما. وجزَم به ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه». ومحَلُّهما إذا لم يَكُنْ في يَدِ أحَدِهما.
قال الحارِثِيُّ: وفي بَيِّنَةِ المالِ وَجْهٌ بتَقْديم المُطْلَقَةِ على المُؤَرَّخةِ، وهو ضَعيفٌ، بلِ الأَوْلَى تَقْدِيمُ المُؤَرَّخَةِ. انتهى. ويأْتِي ذلك في بابِ الدَّعاوَى مُحَرَّرًا.
فإنْ كان اللَّقِيطُ في يَدِ أحَدِهما، فهل تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الخارِجِ؟ فيه وَجْهان مَبْنِيَّان على الرِّوايتَين في دَعْوَى المالِ، على ما يأْتِي في بَيِّنةِ الدَّاخِلِ والخارِجِ.
وقال في «الفُروعِ»: يُقَدَّمُ ربُّ اليَدِ مع بَيِّنَةٍ، وفي يَمِينِه وَجْهان.
قال: (وإن التقطه اثنان قُدم الموسر منهما على المعسر، والمقيم على المسافر. فإن تساويا وتشاحّا أُقْرِع بينهما) .
أما كون الموسر من الملتقطين يقدم على المعسر، والمقيم على المسافر؛ فلأن ذلك أحظ للقيط، وأَعْوَد لمصلحته.
وأما كونهما يقرع بينهما إذا تساويا وتشاحّا؛ فلأنه لا يمكن تسليمه إليهما؛ لما فيه من الضرر اللاحق بالطفل؛ لأنه إذا كان عند أحدهما يوماً وعند الآخر يوماً اختلفت عليه الأغذية والأُنْس والأُلْف.
فإذاً يتعين دفعه إلى أحدهما، ولا يمكن ذلك إلا بقرعة؛ لأن حقَّهما متساوٍ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.