فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (وإن وَقَف على جِهَةٍ تَنْقَطِعُ ولم يَذْكُرْ له مآلًا، أو وَقَف على مَن يجوزُ ثم على مَن لا يجوزُ، أو قال: وَقَفْتُ. وسَكَت، انْصَرَفَ بعدَ انْقِراضِ مَن يجوزُ الوَقْفُ عليه إلى وَرَثَةِ الواقِفِ وَقْفًا عليهم، في إحْدَى الرِّوايَتَين. والأخْرَى، إلى أقْرَبِ عَصَبَتِه. وهل يَخْتَصُّ به فُقَراؤهم؟ على وَجْهَين. وقال القاضي في مَوْضِعٍ: يكونُ وَقْفًا على المَساكِينِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الوَقْف الذي لا اختِلافَ في صِحَّتِه عندَ القائِلِين بصِحَّةِ الوَقْفِ، ما كان مَعْلُومَ الابتِداءِ والانْتِهاءِ، غيرَ مُنْقَطِعٍ، مثلَ أن يُجْعَل على المَساكِينِ، أو طائِفةٍ لا يجوزُ بحُكْمِ العادَةِ انْقِراضُهم.

٢٠٬٤٨٠

وإن كان غيرَ مَعْلُومِ الانْتِهاءِ، مثلَ أن يَقِف على قَوْم يجوزُ انْقِراضُهم بحُكْمِ العادَةِ، ولم يَجْعَلْ آخِرَه للمَساكِينِ ولا لجِهَةٍ غيرِ مُنْقَطِعَةٍ، فهو صحِيحٌ أيضًا. وبه قال مالِك، وأبو يُوسُفَ، والشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه.

٢٠٬٤٨١

وقال [أبو حنيفةَ، و] محمدُ بنُ الحَسَنِ: لا يَصِح. وهو القولُ الثاني للشافعيِّ؛ لأنَّ الوَقْفَ مُقْتَضاه التَّأبِيدُ،

٢٠٬٤٨٢

فإذا كان مُنْقَطِعًا صار وَقْفًا على مَجْهُولٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو وَقف على مَجْهُولٍ في الابتِداءِ. ولَنا، أنَّه تَصَرُّف مَعْلُومُ المَصْرِفِ، فصَحَّ، كما لو صَرَّحَ بمَصْرِفِه المُتَّصِلِ، ولأنَ الإطْلاقَ إذا كان له عُرْف، حُمِل عليه، كنَقْدِ البَلَدِ، وعُرْفُ المَصْرِفِ ههُنا أوْلَى الجِهاتِ به، فكأنه عَيَّنهَم. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَنْصَرِفُ عندَ انْقِراضِ المَوْقُوفِ عليهم إلى أقارِبِ الواقِفِ. وبه قال الشافعي، إلا أنه قال: يكونُ وَقْفًا على أقْرَبِ الناسِ إلى الواقِفِ، الذَّكَرُ والأنثَى فيه سواء.

وعنِ أحمدَ، أنَّه يُصْرَفُ إلى المَساكِينِ. اخْتارَه القاضِي، والشَّرِيف أبو جَعْفر؛ لأنَّهم مَصْرِفُ الصَّدَقاتِ وحُقُوقِ اللهِ تعالى مِن الكَفّاراتِ ونحوها،

٢٠٬٤٨٣

فإذا وُجِدَتْ صَدَقة غيرُ مُعَيَنةِ المَصْرِفِ، انْصَرَفَتْ إليهم، كما لو نَذَر صَدَقَةً مُطْلقَةً. وعن أحمدَ رِواية ثالثة، أنَّه يُجْعَلُ في بَيتِ مالِ المُسْلِمِين؛ لأنَّه مال لا مُسْتَحِقَّ له، فأشبَه مال مَن لا وارِثَ له.

٢٠٬٤٨٤

وقال أبو يُوسُفَ: يَرْجِعُ إلى الواقِفِ وإلى وَرَثَتِه، إلَّا أن يقولَ: صَدَقَة مَوْقُوفَةٌ يُنْفَقُ منها على فلانٍ وفُلانٍ.

٢٠٬٤٨٥

فإذا انْقَرَضَ المُسَمَّى، كانت على الفُقَراءِ والمَساكِينِ؛ لأنَّه جَعَلَها صَدَقَةً على مُسَمى، فلا تكونُ على غيرِه، ويُفارِقُ ما إذا قال : يُنْفَقُ منها على فُلانٍ وفُلانٍ. فإنه جَعَل الصَّدَقَةَ مُطْلَقَةً. ولَنا، أنَّه أزَال مِلْكَه للهِ تعالى، فلم يَجُزْ أن يَرْجِعَ إليه، كما لو أعْتَقَ عَبْدًا، والدَّلِيلُ على صَرْفِه إلى أقارِبِ الواقِفِ، أنَّهم أوْلَى الناسِ بصَدَقَتِه، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَدَقَتُكَ عَلَى غَيرِ ذِي رَحِمِكَ صَدَقَةٌ، وصَدَقَتُكَ على ذِي رَحِمِكَ صَدَقَة وصِلَة».

وقال:«إنَّكَ أنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيرٌ مِنْ أنْ تَدَعَهُمْ عَالةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ». ولأنَّهم أوْلَى الناسِ بصَدَقاتِه النَّوافِلِ والمَفْرُوضاتِ، فكذلك صَدَقَتُه المَنْقُولَةُ. إذا ثَبَت هذا، فإَّنه يكونُ للفُقَراءِ منهم والأغْنِياءِ في إحْدى الرِّوايَتَين عن أحمدَ، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقيِّ، لأنَّ الوَقْفَ لا يَخْتَصُّ الفُقَراءَ، ولأنَّه لو وَقَف على أولادِه، تَناوَلَ الأغْنِياءَ والفُقَراءَ، كذا ههُنا. وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّه يَخْتَصُّ الفُقَراءَ منهم؛ لأنَّهم أهْلُ الصَّدَقاتِ دُونَ الأغْنِياءِ، ولأنَّنا خَصَصْنا الأقارِبَ بالوَقْفِ، لكَوْنِهم أوْلَى الناسِ بالصَّدَقَةِ، وأوْلَى الناسِ بالصَّدَقَةِ الفُقَراءُ دُونَ الأغْنِياء.

واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في مَن يَسْتَحِقُّ الوَقْفَ مِن أقْرباء الواقِفِ، ففي إحْدى الرِّوايَتَين، يَختَصّ بالوَرَثةِ منهم؛ لأنهم الذين صَرَف اللهُ إليهم ماله بعدَ مَوْتِه واسْتِغْنائِه عنه، فكذلك يُصْرَفُ إليهم مِن مالِه ما لم يَذْكُرْ له مَصْرِفًا. فعلى هذا، يكونُ بينَهم على حَسَبِ مِيراثِهم، ويكونُ وَقْفًا عليهم. نَصَّ عليه أحمدُ، وذكَرَه القاضي؛ لأنَّ الوَقْفَ يَقتَضِي التّأكيدَ، وإنَّما صَرَفْناه إلى هؤلاءِ؛ لأنَّهم أحَقُّ الناسِ بصَدَقَتِه، فيُصْرَفُ إليهم مع بَقائِه صَدَقَةً. ويَحْتَمِلُ أن يُصْرَفَ إليهم على سَبِيلِ الإرْثِ، على ما ذَكَرَه الخِرَقِي،

٢٠٬٤٨٦

ويَبْطُلُ الوَقفُ فيه، كقَوْلِ أبي يُوسُفَ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، يكونُ وَقْفًا على أقْرَبِ عَصَبَةِ الواقفِ دُونَ بَقِيَّةِ الوَرَثَةِ ، ودُونَ البَعِيدِ مِن العَصَباتِ، فيُقَدَّمُ الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، على حَسَبِ اسْتِحْقاقِهِم لوَلاءِ المَوالِي، لأنَّهم خُصُّوا بالعَقْلِ عنه، وبمِيراثِ مَوالِيه، فخُصُّوا بهذا أيضًا. قال شيخُنا : وهذا لا يَقْوَى عندِي،

٢٠٬٤٨٧

فإنَّ اسْتِحْقاقَهم لهذا دُونَ غيرِهم مِن الناسِ لا يكونُ إلَّا بدَلِيل، مِن نَصٍّ أو إجْماعٍ، ولا نَعْلَمُ فيه نَصًّا ولا إجْماعًا،

٢٠٬٤٨٨

ولا يَصِحُّ قِياسُه على مِيراثِ وَلاءِ المَوالِي؛ لأنَّ عِلَّتَه لا تَتَحَقَّقُ ههُنا، وأقْرَبُ الأقْوالِ فيه صَرْفه إلى المَساكِينِ، لأنَّهم مَصارِفُ مالِ اللهِ وحُقُوقِه،

٢٠٬٤٨٩

فإن كان في أقارِبِ الواقِفِ مَساكِينُ، كانوا أوْلَى به، لا على سَبِيلِ الوُجُوبِ، كما أنَّهم أوْلَى بزَكاتِه وصِلاته مع جَوازِ الصَّرْفِ إلى غيرِهم، ولأنّا إذا صَرَفْناه إلى أقارِبِه على سَبِيلِ التَّعْيِينِ، فهي أيضًا جِهَة مُنْقَطِعَة، فلا يَتَحَقَّقُ اتِّصالُه إلَّا بصَرْفِه إلى المَساكِينِ.

٢٠٬٤٩٠

فإن لم يَكُنْ للواقِفِ أقارِبُ، أو كان له أقارِبُ فانْقَرَضُوا، صُرِف إلى الفُقَراءِ والمَساكِينِ وَقْفًا عليهم؛ لأنَّ القَصْدَ به الثَّوابُ الجارِي عليه على وَجْهِ الدَّوامِ، وإنَّما قَدَّمْنا الأقارِبَ على المَساكِينِ؛ لكَوْنِهم أوْلَى،

٢٠٬٤٩١

فإذا لم يَكونُوا، فالمَساكِينُ أهْل لذلك، فصُرِفَ إليهم، إلَّا على قَوْلِ مَن قال: إنَّه يُصْرَفُ إلى وَرَثَةِ الواقِفِ مِلْكًا لهم. فإنَّه يُصْرَفُ عندَ عَدَمِهم إلى بَيتِ المالِ؛ لأنَّه بَطَل الوَقْفُ فيه بانْقِطاعِه، فصار مِيراثًا لا وارِثَ له، فكان بَيتُ المالِ أوْلَى به.

٢٠٬٤٩٢

فصل: وإن وَقَف على مَن يجوزُ، ثم على مَن لا يجوزُ، كمَن وَقَف على أوْلادِه، ثم على البِيَعِ، صَحَّ الوَقْفُ أيضًا، ويَرْجِعُ بعدَ انْقِراضِ مَن يجوزُ الوَقف عليه إلى مَن يُصْرَفُ إليه الوَقْفُ المُنْقَطِعُ، كالمسألَةِ قبلَها؛ لأنَّ ذَكر مَن لا يجوزُ الوَقْفُ عليه وعَدَمَه واحِدٌ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ الوَقْفُ؛ لأَنه جَمَع بينَ ما يجوزُ وما لا يجوزُ، فأشبَهَ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ.

فصل: فإن قال: وَقَفْتُ هذا. وسَكَتَ، أو قال: صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ. ولم يَذْكُرْ سَبِيلَه، فلا نَصَّ فيه.

٢٠٬٤٩٣

وقال ابنُ حامِدٍ: يَصِحُّ الوَقْف. قال القاضي: هو قِياسُ قَوْلِ أحمدَ، فإنَّه

٢٠٬٤٩٤

قال في النَّذْرِ المُطْلَقِ: يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لكَفّارَةِ اليَمِينِ. وهو قولُ مالِكٍ، والشافعيِّ في أحَدِ قَوْلَيه؛ لأنَّه إزالةُ مِلْكٍ على وَجْهِ القُرْبَةِ، فوَجب أن يَصِحَّ مُطْلَقًا، كالأضْحِيَةِ، والوَصِيَّةِ.

تعليق

ولو قال: وَصَّيتُ بثُلُثِ مالِي. صَحّ،

٢٠٬٤٩٥

وإذا صَحّ صُرِف إلى مصارِفِ الوَقْفِ المُنْقَطِعِ عندَ انْقِراضِ المَوْقُوفِ عليه، كما ذَكَرْنا.

٢٥٦٩ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَإِنْ وَقَفَ عَلَى جِهَةٍ تَنْقَطِعُ) كَأَوْلَادِهِ؛ لِأَنَّهُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ يُمْكِنُ انْقِرَاضُهُمْ (وَلَمْ يَذْكُرْ مَآلًا) الْمَآلُ - بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ - الْمَرْجِعُ (أَوْ عَلَى مَنْ يَجُوزُ) الْوَقْفُ كَأَوْلَادِهِ

لا زيادة له على هذه المسألة.

الإنصافالمرداوي

وإنْ وقَف على جِهَةٍ تَنْقَطِعُ، ولم يَذكُرْ له مَآلًا، أو على مَن يَجُوزُ، ثم على مَن لا يجُوزُ، انْصرَفَ بعدَ انْقِراضِ مَن يجوزُ الوَقْفُ عليه إلى وَرَثَةِ الواقِفِ وَقْفًا عليهم في إحْدَى الرِّوايتَين. وهو المذهبُ.

٢٥٬٦٣٨

قال في «الكافِي»: هذا ظاهِرُ المذهبِ. وجزَم به في «الوَجيزِ». وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». فعليها، يُقْسَمُ على قَدْرِ إرْثِهم. جزَم به في «الفُروعِ» وغيرِه. قال الحارِثِيُّ: قاله الأصحابُ. قال القاضي: فللبِنْتِ مع الابنِ الثُّلُثُ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. .

وله الباقِي، وللأخِ مِنَ الأم مع الأخِ للأبِ السُّدْسُ، وله ما بَقِيَ.

٢٥٬٦٣٩

وإنْ كان جَد وأخ، قاسَمَه،

٢٥٬٦٤٠

وإنْ كان أخ وعم، انْفَرَدَ به الأخُ،

٢٥٬٦٤١

وإنْ كان عَمّ وابنُ عَم، انْفَرَدَ به العَمُّ.

٢٥٬٦٤٢

وقال الحارِثِي: وهذا تَخْصِيصٌ بمَن يَرِثُ مِنَ الأقارِبِ في حالٍ دُونَ حالٍ، وتَفْضِيل لبعض على بَعض، وهو لو وقف على أقارِبِه، لما قالوا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فيه بهذا التَّخْصيصِ، والتَّفْضِيلِ. وكذا لو وقَف على أوْلاده، أو أوْلادَ زَيدٍ، لا يُفَضَّلُ فيه الذَّكَرُ على الأنْثَى، وقد قالوا هنا: إنَّما يَنْتَقِلُ إلى الأقارِبِ وَقْفًا. انتهى. فظاهِرُ كلامِه، أنَّه مال إلى عدَمِ المُفاضَلَةِ. وما هو ببعيدٍ.

٢٥٬٦٤٣

قال في «الفائقِ»: وعنه في أقارِبِه؛ ذكَرِهم وأنثاهم؛ بالسَّويَّةِ، ويَخْتَصُّ به الوارِثُ. انتهى. والرِّوايةُ الأخْرَى، يُصْرَفُ إلى أقْرَبِ عصَبَتِه.

٢٥٬٦٤٤

قال في «الفُروعِ»: وعنه يُصْرَفُ إلى عصَبَتِه. ولم يذْكُرْ أقْرَبَ. وأطْلَقَهما ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه». فعليهما، يكون وَقْفًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نص عليه. وقطَع به القاضي، وأبو الخَطابِ، والمَجْدُ، وغيرُهم. وقدَّمه في «النظْمِ»، و «الفُروعِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. .

و «الفائقِ»، وغيرِهم. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنفِ هنا.

٢٥٬٦٤٥

قال في «المُغْنِي»: نصَّ عليه. قال الحارِثِيُّ: وإنما حذَف ذِكْرَ الوَقْفِ في الرِّوايةِ الثانيةِ، اخْتِصارًا واكْتِفاءً بذِكْرِه المُتقَدِّمِ في رِوايَةِ العَوْدِ إلى الوَرَثَةِ. انتهى.

٢٥٬٦٤٦

وقال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: مفْهومُ قوْلِه: في الوَرَثَةِ. يكونُ وَقْفًا عليهم، على أنَّه إذا انْصَرفَ إلى أقْرَبِ العصَبَةِ، لا يكونُ وَقْفًا. وردَّه الحارِثِيُّ، فقال: مِنَ النَّاسِ مَن حمَل رِوايةَ العَوْدِ إلى أقْرَبِ العَصَبَةِ، في كلامِ المُصَنِّفِ، على العَوْد مِلْكًا. قال: لأنه قيَّد رِوايَةَ العَوْدِ إلى الوَرَثَةِ بالوَقْفِ، وأطْلَقَ هنا، وأثْبَتَ بذلك وَجْهًا. قال: وليس كذلك؛

٢٥٬٦٤٧

فإن العَوْدَ إلى الأقْرَبِ مِلْكًا إنَما يكونُ بسَبَبِ الإرْثِ، ومَعْلوم أن الارِثَ لا يخْتَصُّ بأقْرَبِ العَصَبَةِ. وأيضًا فقد حكَى خِلافًا في اخْتِصاصِ العَوْدِ بالفُقَراءِ بهم،

٢٥٬٦٤٨

ولو كان إرْثًا لمَا اخْتُصَّ بالفُقَراءِ، مع أنَّ المُصَنِّفَ صرَّح بالوَقْفِ في ذلك في «كِتابَيه»،

٢٥٬٦٤٩

وكذلك الذين نقَل مِن كُتُبِهم، كالقاضي، وأبي الخَطَّابِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

انتهى. وعنه، يكونُ مِلْكًا.

٢٥٬٦٥٠

قال في «الفائقِ»: وقيل: يكونُ مِلْكًا. اخْتارَه الخِرَقِي.

٢٥٬٦٥١

قال في «المُغْنِي»: ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ.

٢٥٬٦٥٢

قال في «الفائقِ»: وقال ابنُ أبي مُوسى: إنْ رجَع إلى الوَرَثَةِ، كان مِلْكًا،

٢٥٬٦٥٣

بخلافِ العَصَبَةِ. قال الشيخُ تَقِي الدِّينِ: وهذا أصحُّ وأشْبَهُ بكلامِ أحمدَ، وعلى الرِّوايتَين أيضًا، هل يَخْتَصُّ به فُقَراؤهم؟ على وَجْهَين. وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، وغيرِهم؛ أحدُهما، عدَمُ الاخْتِصاصِ. وهو المذهبُ. قال الحارِثِي: هذا الأصحُّ في المذهبِ. قال النَّاظِمُ: هذا الأقْوَى. وجزَم به في «المُحَرَّرِ» وغيرِه. قال الزَّرْكَشِيُّ: هو ظاهِرُ كلامِ الإمام أحمدَ، والخِرَقِيِّ. وقدَّمه في «الخُلاصَةِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».

والوَجْهُ الثَّاني، يخْتَصُّ به فُقَراؤهم. اخْتارَه القاضي في كتابِ «الرِّوايتَين». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

٢٥٬٦٥٤

فائدة: متى قُلْنا برُجوعِه إلى أقارِب الواقِفِ، وكان الواقِفُ حيا، ففي رُجوعِه إليه أو إلى عصَبَتِه وذُرِّيَّته رِوايتَان. حَكاهما ابنُ الزَّاغُونِي في «الإقْناعِ» رِوايَة؛ إحْداهما، يدْخُلُ. قطَع به ابنُ عَقِيل في «مُفْرَداتِه». قاله في «القاعِدَةِ السَّبْعِين».

٢٥٬٦٥٥

وكذا لو وقَف على أولادِه وأنْسالِهم، على أنَّ مَن تُوفِّيَ منهم عن غيرِ وَلَدٍ، رجَع نَصِيبُه إلى أقْرَبِ النَّاسِ إليه، فتُوفِّيَ أحدُ أوْلادِ الواقِفِ عن غيرِ وَلَدٍ، والأبُ الواقِف حَيٌّ، فهل يعودُ نَصِيبُه إليه، لكَوْنِه أقْرَبَ النَّاسِ إليه، أم لا؟ تُخَرَّجُ على ما قبلَها. قاله ابنُ رَجَبٍ. والمَسْألةُ مُلْتَفِتَة إلى دُخولِ المُخاطَبِ في خِطابِه. . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . .

٢٥٬٦٥٦

تنبيه: لو لم يكُنْ للواقِفِ أقارِبُ، رجَع على الفُقَراءِ والمَساكِينِ. على الصَّحيحِ. جزَم به ابنُ عَقِيل في «التَّذْكِرَةِ»، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، وغيرُهم. وقدَّمه في «الفائقِ».

٢٥٬٦٥٧

وقال ابنُ أبي مُوسى: يُباعُ، ويُجْعَلُ ثمَنُه في المَساكِينِ.

٢٥٬٦٥٨

وقيل: يُصْرَفُ إلى بَيتِ المالِ لمَصالحِ المُسْلمِين. نصَّ عليه في رِوايةِ ابنِ إبْراهِيمَ، وأبي طالِبٍ، وغيرِهما. وقطَع به [أبو الخَطَّابِ، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ»، وغيرُهما] . وقدَّمه الزرْكَشِيُّ.

٢٥٬٦٥٩

وفي أصْلِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المَسْألةِ، ما قاله القاضي في مَوْضِع مِن كلامِه، أنّه يكونُ وَقْفًا على المَساكِينِ، والموْضِعُ الذي قاله القاضي فيه، هو في كِتابه «الجامعِ الصغِيرِ»، قاله الحارِثِي، وهو رِوايَة ثالثة عن أحمدَ. اخْتارَها جماعةٌ مِنَ الأصحابِ؛ منهم الشَّرِيفَان؛ أبو جَعْفَر، والزَّيدِيُّ، والقاضي أبو الحُسَينِ. قاله الحارِثِيُّ. واخْتاره المُصَنِّفُ أيضًا. وصحَّحه في «التَّصْحيحِ». قال النَّاظِمُ: هي أوْلَى الرِّواياتِ. قال الحارِثِيُّ: وهذا لا أعْلَمُه نصًّا عن أحمدَ. قال المُصَنفُ: إنْ كان في أقارِبِ الواقِفِ فُقَراءُ، فهم أوْلَى به، لا على الوُجوبِ.

٢٥٬٦٦٠

وعنه رِوايَة رابعة، يُصْرَفُ في المَصالحِ. جزَم به في «المُنَوِّرِ». وقدَّمه في «المُحَررِ»، و «الفائقِ»،

٢٥٬٦٦١

وقال: نص عليه. قال: ونصَرَه القاضي، وأبو جَعْفَر. قال الزرْكَشِيُّ: أنصُّ الرِّواياتِ أنْ يكونَ في بَيتِ المالِ؛ يُصْرَفُ في مَصالِحِهم. فعلى هاتَين الرِّوايتَين، يكونُ وَقْفًا أيضًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «الفُروعِ».

٢٥٬٦٦٢

وعنه، يرْجِعُ إلى مِلْكِ واقِفِه الحَيِّ. ونقَل حَرْبٌ، أنه، قِبَلَ ورَثَتِه، لوَرَثَةِ المَوْقُوفِ عليه. ونقَل المَرُّوذِي، إنْ وقَف على عَبيدِه، لم يسْتقمْ.

٢٥٬٦٦٣

قلتُ: فيَعْتِقُهم؟ قال: جائزٌ. فإن ماتُوا ولهم أولادٌ، فهو لهم، وإلا فللعَصَبَةِ،

٢٥٬٦٦٤

فإنْ لم يكنْ عصَبَةٌ، بِيعَ وفُرقَ على الفُقَراءِ.

٢٥٬٦٦٥

فائدة: للوَقْفِ صِفاتٌ؛ إحْداها، مُتصِلُ الابتِداءِ والوَسَطِ والانْتِهاءِ. الثانيةُ، مُنْقَطِعُ الابتِداءِ، مُتَّصِلُ الانْتِهاءِ. الثَّالثةُ، مُتصِلُ الايتداءِ، مُنْقَطِعُ الانْتِهاءِ، عكْسُ الذي قبلَه. الرابعَةُ، مُتصِلُ الايتداءِ والانْتِهاءِ، مُنْقَطِعُ الوَسَطِ. الخامسةُ، عَكْسُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الذي قبلَه، مُنْقَطِعُ الطرفَين، صحيحُ الوَسَطِ. وأمْثِلتها واضِحَةٌ، وكلُّها صحيحةٌ على الصَّحيحِ منَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ. وخُرِّجَ وَجْهٌ بالبُطْلانِ في الوَقْفِ المُنْقَطِعِ مِن تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، على ما تقدَّم، ورِوايَة بأنه يُصْرَفُ في المَصالحِ.

٢٥٬٦٦٦

[قال في «الرِّعايَةِ»، في مُنْقَطِعِ الآخِرِ: صحَّ في الأصحِّ] . السَّادِسَةُ، مُنْقَطِعُ الأولِ والوَسَطِ. والأخيرِ؛ مِثْلَ أنْ يَقِفَ على مَن لا يصِحُّ الوَقْفُ عليه، ويسْكُتَ، أو يذْكُرَ ما لا يصِحُّ الوَقْفُ عليه أيضًا، فهذا باطِلٌ، بلا نِزاع بينَ الأصحابِ. فالصِّفَةُ الأولَى، هي الأصْلُ في كلامِ المُصَنِّف وغيرِه، والصِّفَةُ الثَّانيةُ، تُوخَذُ من كلام المُصَنِّفِ، حيثُ قال: وكان كما لو وقَف على مَن لا يجوزُ، ثُم على مَن يجوزُ. والصِّفَةُ الثَّالثَةُ، تؤخَذُ مِن كلامِه أيضًا؛

حيثُ قال: وإنْ وقَف على جِهَةٍ تَنْقَطِعُ، ولم يذكُرْ له مآلًا، أو على مَن يجوزُ، ثم على مَن لا يجوزُ. والرَّابعَةُ، والخامِسَةُ، لم يذْكرهما المُصَنِّفُ، لكنَّ الحُكْمَ واحِدٌ.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (وإن وقف على جهةٍ تنقطع ولم يذكر له مآلاً، أو على من يجوز ثم على من لا يجوز، أو قال: وقفتُ وسكتَ: انصرف بعد انقراض من يجوز الوقف عليه إلى ورثةِ الواقفِ وقفاً عليهم في إحدى الروايتين. والأخرى إلى أقرب عصبته. وهل يختص به فقراؤهم؟ على وجهين. وقال القاضي في موضعٍ: يكون وقفاً على المساكين) .

٩٬٢١٢

أما كون الوقف ينصرف في المواضع المذكورة بعد انقراض من يجوز الوقف عليه إلى ورثة الواقف على روايةٍ؛ فلأنهم هم الذين صرفَ الله إليهم ماله بعد موته واستغنائه عنه. فكذلك تُصرف إليهم صدقتُه التي لم يُعين لها مصرفاً.

٩٬٢١٣

وأما كونه ينصرف إلى أقرب عصبته على روايةٍ؛ فلأن أقرب عصبته خُص بالعقل عنه وبالميراث بالولاء. فكذلك بهذا.

فعلى هذا لا يدخل في ذلك الزوجات ولا البنات المنفردات ولا ولدُ الأم؛ لأنهم ليسوا بعصبةٍ. ولا من بعدَ من العصبة؛ لأنه ليس بأقرب.

٩٬٢١٤

وأما كون ذلك يختص به فقراؤهم على وجهٍ؛ فلأنهم أكمل. والظاهرُ أن الواقف يقصد ذلك.

٩٬٢١٥

وأما كونه لا يختص به فقراؤهم على وجهٍ؛ فلأنه مُسْتَحَقٌّ بالقرابة. فلم يختص به الفقراء؛ كسهم ذوي القربى.

٩٬٢١٦

وأما كونه وقفاً على المساكين على قول القاضي؛ فلأنهم هم المصرف غالباً. فكذا هاهنا.

وكلام المصنف رحمه الله مشعرٌ بأشياء:

أحدها: أن الوقف في الصور المذكورة صحيح. وتحقيق الكلام فيه: أن الوقف متصلٌ ومنقطع. فالمتصل: أن يقف على جهةٍ يجوز الوقف عليها كزيدٍ أو عمروٍ أو ما أشبه ذلك، ثم على جهةٍ لا يجوز انقراضها بحكم العادة كالمساكين والفقراء والعلماء وما أشبه ذلك، أو وقف ابتداءً على الجهة المذكورة . فهذا لا خلاف في صحته؛ لأنه متصلٌ، ويتناوله حديث عمر رضي الله عنه .

والمنقطع على أربعة أضرب:

أحدها: منقطعُ الابتداءِ والوسطِ والانتهاءِ؛ كالوقف على أم ولده ثم على رجلٍ. فهذا لا يصح؛ لأن الأول والثاني لا يصح الوقف عليه، ولم يذكر مآلاً يرجع الوقف إليه.

٩٬٢١٧

فإن قيل: هلاّ صح وكان لورثته أو لأقرب عصبته؛ كما لو وقف على من يجوز الوقف عليه ولم يذكر له مآلاً؟

قيل: لأن الصحة فيما ذكر وُجدت في جهة من جهات الوقف، وسومح في ذكر المآل نظراً إلى كونه معلوماً بالعُرف.

٩٬٢١٨

بخلاف هذه الصورة. فإنه لم يوجد فيها شيءٌ حكم بالصحة فيه.

وثانيها: منقطعُ الابتداء دون الانتهاء؛ كالوقف على من لا يجوز الوقف عليه ثم على المساكين. فهذا يصح؛ لأنه جمع في الوقف بين من لا يجوز وبين من يجوز. فصح؛ كما لو وقف على من يجوز ثم على من لا يجوز. ومصرفه ما تقدم ذكره.

وثالثها: منقطعُ الوسطِ؛ كالوقف على من يجوز الوقف عليه ثم على من لا يجوز ثم على المساكين. فهذا أيضاً يصح؛ لأنه إذا صح منقطع الأول فلأن يصح متصله بطريق الأولى. ومصرفه بعد موت من يجوز ما تقدم ذكره؛ لأن الوسط هنا كالأول هناك.

ورابعها: منقطعُ الانتهاء؛ كالوقف على من يجوز الوقف عليه كزيدٍ وعمروٍ وما أشبههما، ولم يذكر مآلاً، أو على من ذُكر ثم على جهةٍ يُعلم بحكم العادة انقراضها كبني فلان وليسوا بقبيلة. فهذا أيضاً يصح؛ لأنه وقفٌ معلومُ المصرِف في الجملة. فصح؛ كما لو كان متصل الانتهاء.

ولأن الإطلاق إذا كان له عرفٌ حمل عليه؛ كنقد البلد. وعُرْف المصرف هاهنا أولى الجهات به، وهم من ذكر. فكأنه عنى ذلك.

وثانيها: أن قوله: بعد انقراض من يجوز الوقف عليه يخرج الحكم المذكور فيما إذا قال: وقفتُ وسكتَ؛ لأنه ليس فيه من يجوز الوقف عليه حتى يُصرف بعد انقراضه إلى من تقدم ذكره. والحكم فيهما واحدٌ؛ لاشتراكهما في عدم تعيين جهة الصرف.

وثالثها: أن قوله بعد ذكر الورثة: وقفاً عليهم: يدل بمنطوقه على أنه إذا انصرف الوقف إلى الورثة يكون ذلك وقفاً، وبمفهومه على أنه إذا انصرف إلى أقرب العصبة لا يكون وقفاً؛ لأنه ذكر ذلك في إحدى الروايتين دون الأخرى.

قال المصنف في المغني بعد الحكم بالوقف للورثة: قال القاضي: ويكون وقفاً عليهم. ثم قال: وظاهر كلام الخرقي خلافه؛ لأنه ترك ذكر الوقف هاهنا.

٩٬٢١٩

وقال في الرواية الأخرى: يكون وقفاً على أقرب العصبة. فتخصيصه إحدى الروايتين بذكر الوقف يدل على أنه لا يكون وقفاً على الأخرى.

٩٬٢٢٠

فإذاً الحاصل من كلام المصنف رحمه الله هنا: تخصيص الورثة بكونه وقفاً عليهم،

٩٬٢٢١

وفي المغني حاكياً عن الخرقي تخصيص العصبة بكونه وقفاً عليهم.

فيخرج في المسألة فيها وجهان:

أحدهما : يكون وقفاً؛ لأنه إنما صرف إليهم بوقف مالكه له، والوقف يقتضي التأبيد.

وثانيهما: لا يكون وقفاً؛ لأنهم صرف إليهم لكونهم أولى، وذلك لا يستلزم الوقف.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.