وَلَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ وَلَا لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا يَحِلُّ للحُرِّ أن يَجْمَعَ بينَ أكثرَ مِن أربَعٍ، ولا للعَبْدِ أن يَتَزَوَّجَ أكثرَ مِن اثْنَتَين، فإن طَلَّقَ إحدَاهُنَّ، لم يَتَزَوَّجْ أخرَى حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الحُرَّ لا يَحِلُّ له أن يَجْمَعَ بينَ أكثرَ مِن أربَعِ زوجاتٍ. لا نَعلَمُ أحدًا منهم خالفَ في ذلك، إلَّا شيئًا يُحكَى عن القاسمِ بنِ إبراهيمَ ، أنَّه أباحَ تِسْعًا؛ لقولِ اللهِ تعالى:{مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ}. والواوُ للجَمعِ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ماتَ عن تِسْع.
وهذا خَرقٌ للإِجْماعِ وتركٌ للسُّنَّةِ،
فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لغَيلَانَ بنِ سَلَمَةَ، حينَ أسْلَمَ وتَحتَه عَشْرُ نِسْوةٍ:«أمسِكْ أربَعًا وفَارِقْ سَائِرَهُنَّ».
وقال نَوْفَلُ بنُ مُعاويةَ: أسْلَمتُ وتَحتِي خَمسُ نِسْوَةٍ، فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فَارِقْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ». رَواهما الشافعيُّ في «مُسْنَدِه».
وإذا مُنِعَ مِن اسْتِدامَةِ زِيادَةٍ على أربَعٍ، فالابتِداءُ أوْلَى، والآيةُ أرِيدَ بها التَّخْيِيرُ بينَ اثْنَتَين وثلاثٍ وأربَع، كما قال:{أوْلِي أجْنِحَةٍ مثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ}. ولم يُرد أنَّ لكلِّ مَلَكٍ تِسْعَةَ أجْنِحَةٍ،
ولو أراد ذلك لقال: تِسْعَة. ولم يَكُنْ للتَّطْويلِ معنًى،
ومَن قال غيرَ ذلك فقد جَهِل اللُّغَةَ العربيةَ.
وأمَّا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فمَخْصُوص بذلك، ألا تَرَى أنَّه جَمَع بينَ أكثر مِن تِسْع.
(وَلَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ أَبَاحَ تِسْعًا لِقَوْلِهِ:{مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} وَالْوَاوُ لِلْجَمْعِ ; وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَاتَ عَنْ تِسْعٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ وَتَرْكٌ لِلسُّنَّةِ، فَإِنَّهُ «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ: أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» وَأَمَرَ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ حِينَ أَسْلَمَ عَلَى خَمْسٍ أَنْ يُفَارِقَ وَاحِدَةً مِنْهَن، رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ.
فَإِذَا مُنِعَ مِنَ الِاسْتِدَامَةِ زِيَادَةً عَلَى أَرْبَعٍ فَالِابْتِدَاءُ أَوْلَى، وَالْوَاوُ أُرِيدَ بِهَا التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{أُولِي أَجْنِحَةٍ} الْآيَةَ، لَيْسَ لِكُلِّ مَلَكٍ مِنْهُمْ تِسْعَةٌ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَيِّ عَدَدٍ شَاءَ، ذَكَرَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ كَانَ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى جَوَازُ التَّزْوِيجِ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ،
وَفِي شَرِيعَةِ عِيسَى لَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ ; لِمَصْلَحَةِ النِّسَاءِ، فَرَاعَتْ شَرِيعَتُنَا مَصْلَحَةَ النَّوْعَيْنِ (وَلَا لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ) إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ قَالَ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْكِحُ إِلَّا اثْنَتَيْنِ،
وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَبِهِ يَتَخَصَّصُ عُمُومُ الْآيَةِ، أَوْ يُقَالُ: الْآيَةُ إِنَّمَا تَنَاوَلَتِ الْحُرَّ ; لِأَنَّ فِيهَا {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ،
وَلَوْ مَلَكَ فَنَفْسُ مِلْكِهِ لَا يُبِيحُ التَّسَرِّي.
فَرْعٌ: مَنْ عُتِقَ نِصْفُهُ أَوْ أَكْثَرُ، لَهُ جَمْعُ ثَلَاثٍ، نَصَّ عَلَيْهِ كَالْحَدِّ،
وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُ سِوَى اثْنَتَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا قَدْ ثَبَتَا لَهُ وَهُوَ عَبْدٌ، فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ مِنْ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَلَمْ يُوجَدْ
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (ولا يحل للحر أن يجمع بين أكثر من أربع، ولا للعبد أن يتزوج أكثر من اثنتين. وإن طلق إحداهن لم يجز أن يتزوج أخرى حتى تنقضي عدتها) .
أما كون الحر لا يحل له أن يجمع بين أكثر من أربع؛ فلأن الله تعالى قال:{فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع}. يعني اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن سلمة حين أسلم وتحته عشر نسوة: أَمسِكْ أربعًا وفارِقْ سائِرهُن». رواه الترمذي.
وأما كون العبد لا يحل له أن يتزوج أكثر من اثنتين؛ فلأن الحكم بن قتيبة قال:«أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن العبد لا ينكح إلا اثنتين».
وروي «أن عمرُ سألَ الناس عن ذلك. فقال عبدالرحمن بن عوف: لا يتزوجُ إلا اثنتين». رواه الإمام أحمد.
وهذا قول صحابي لشخص من الصحابة ولم ينكر أحد من الصحابة فكان إجماعاً.
وأما كون الحر أو العبد إذا طلق إحدى من تقدم ذكرهن لا يجوز أن يتزوج أخرى حتى تنقضي عدتها:
أما مع الطلاق الرجعي فظاهر لأن الرجعية زوجة
فلو جاز له تزويج أخرى لكان الحر جامعاً بين خمس والعبد جامعاً بين ثلاث.
وأما مع الطلاق البائن؛ فلأن بعض أحكام النكاح باق. فمنعَ الحر من تزوج خامسة والعبد من تزوج ثالثة؛ كما لو كان الطلاق رجعياً.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.