وَإِنْ عُتِقَتِ الْأَمَةُ وَزَوْجُهَا حُرٌّ
الشروح عليها
فصل: فإن غَرَّها بنَسَبٍ فبانَ دُونَه، وكان ذلك مُخِلًّا بالكَفاءَةِ، وقُلْنا بصِحَّةِ النِّكاحِ، فلها الخِيارُ،
فإنِ اخْتارتِ الإِمْضاءَ، فلأوْلِيائِها الاعْتِراضُ عليها،
وإن لم يُخِلَّ بالكفاءةِ، فلا خِيارَ لها؛ لأنَّ ذلك ليس بمُعْتَبَرٍ في النِّكاحِ، فأشبَهَ ما لو شَرَطَتْه فَقِيهًا فبَانَ بخِلافِه.
وكذلك إنِ اشْتَرَطَتْ غيرَ النَّسَبِ،
فإن كان ممَّا يُعْتَبَرُ في الكَفاءةِ، فهو كما لو تَبَيَّنَ أنَّه غيرُ مُكافِئ، لها في النَّسبِ،
وإن لم يُعْتَبَرْ في الكَفاءةِ، كالفِقْهِ والجَمالِ وأشْباهِ ذلك، فلا خِيارَ لها؛ لأنَّ ذلك ممّا لا يُؤثِّرُ في النِّكاحِ، [فلا يُؤثِّرُ اشْتِرَاطُه. [وذُكِرَ فيما] إذا بان نَسَبُه دونَ ما ذَكَرَه، وَجْهٌ في ثُبُوتِ الخِيارِ لها] وإن لم يُخلَّ بالكَفاءة. والأَوْلَى ما ذَكَرْناه.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ الله عنه: (وإن عَتَقَتِ الأمَةُ وزَوْجُها حُرٌّ، فلا خِيارَ لها في ظاهِرِ المذهبِ) هذا قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وسعيدِ ابنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، وعطاءٍ، وسليمانَ بنِ يسارٍ، وأبي قِلابَةَ، وابنِ أبي لَيلَى، ومالكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ.
وقال طاوُسٌ، وابنُ سِيرِينَ، ومجاهدٌ، والنَّخَعِيُّ، وحَمَّادُ بنُ أبي سليمانَ، والثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأي: لها الخِيارُ؛ لِما روَى الأسْوَدُ عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خَيَّرَ بَرِيرَة، وكان زَوْجُها حرًّا. رَواه النَّسائِيُّ . ولأنَّها كَمَلَتْ بالحُرِّيَّةِ، فكان لها الخِيارُ، كما لو كان زَوْجُها عَبْدًا. ورُوِيَ ذلك عن أحمدَ. ولَنا، أنَّها كافَأَت زَوْجَها في الكَمالِ، فلم يَثْبُتْ لها الخِيارُ، كما لو أسْلَمَتِ الكِتابِيَّةُ تحتَ المُسْلِم.
فأمَّا خبرُ الأسودِ عن عائشةَ، فقد روَى عنها القاسمُ بنُ محمدٍ، وعُرْوَةُ، أنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كان عبدًا . وهما أخَصُّ بها مِن الأسْوَدِ؛ لأنَّهما ابنُ أخِيها وابنُ أُخْتِها. وقد روَى [الأعْمَشُ، عن إبراهيمَ، عن الأسْوَدِ]، عن عائشةَ، أنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كان عبدًا. فتعارضَتْ رِوايتَاه.
وقال ابنُ عباسٍ: كان زَوْجُ بَرِيرَةَ عبدًا أسودَ لبَنِي المُغِيرَةِ، يُقَالُ له: مُغِيثٌ. رَواه البخارِيُّ، وغيرُه . وقالت صَفِيَّةُ بنتُ أبي عُبَيدٍ: كان زَوْجُ بَرِيرَةَ عبدًا . قال أحمدُ: هذا ابنُ عباسٍ وعائشةُ قالا في زَوْجِ بَرِيرَةَ: إنه عبْدٌ. رِوَايَةُ علماءِ المدينةِ وعَمَلُهم،
وإذا روَى أهْلُ المدينةِ حَدِيثًا وعَمِلُوا بِه، فهو أصَحُّ شيءٍ، وإنَّما يَصِحُّ [أنَّه حُرٌّ] عن الأسودِ وَحْدَه،
فأمَّا غيرُه فليس بذاك. قال: والعَقْدُ صحيحٌ، فلا يُفْسَخُ بالمُخْتَلَفِ فيه، والحُرُّ فيه اخْتِلافٌ، والعَبْدُ لا اخْتِلافَ فيه. ويُخالِفُ الحُرُّ العَبْدَ؛ لأنَّ العَبْدَ ناقِصٌ،
فإذْا كَمَلَتْ تحتَه، تَضَرَّرَتْ ببَقائِها عندَه،
بخِلافِ الحُرِّ.
٣١٨٥ -
(وَإِنْ عُتِقَتِ الْأَمَةُ وَزَوْجُهَا حُرٌّ) أَوْ بَعْضُهُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
وإنْ عَتَقَتِ الأَمَةُ وَزَوْجُها حُرٌّ، فلا خِيارَ لها في ظاهِرِ المذهبِ. وهو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو المذهبُ المَنْصوصُ
والمُختارُ بلا رَيبٍ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وصحَّحه المَجْدُ، والنَّاظِمُ، وغيرُهما. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الهِدايَةِ»، وغيرِهم.
وعنه، لها الخِيارُ. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ». وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «المُنَوِّرِ». وهما . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَجْهان مُطْلَقان في «الخُلاصَةِ». واخْتارَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، وغيرُه، أنَّ لها الخِيارَ في الفَسْخِ تحتَ حُرٍّ.
وإنْ كان زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا؛ لأنَّها مَلَكَتْ رقَبَتَها، فلا يُمَلَّكُ عليها إلَّا باخْتِيارِها. ويأْتِي قريبًا. إذا عَتَقَ بعضُها أو بعضُه، هل يثْبُتُ لها الخِيارُ، أم لا؟
فائدة: لو عَتَقَ العَبْدُ وتحتَه أَمَةٌ، فلا خِيارَ له. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
وفي «الانْتِصارِ» احْتِمالٌ بأنَّ له الخِيارَ. وحَكاه عنِ الإمامِ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَه اللهُ.
وفي «الواضِحِ» احْتِمالٌ، ينْفَسِخُ؛ بِناءً على غِناه عن أَمَةٍ بحُرَّةٍ. وذكَر غيرُه وَجْهًا ، إِنْ وجَد طَوْلًا.
وفي «الواضِحِ» أيضًا احْتِمالٌ؛ بِناءً على الرِّوايَةِ فيما إذا اسْتَغْنَى عن نِكاحِ الأَمَةِ بحُرَّةٍ، فإنَّه يَبْطُلُ. وتقدَّم ذلك في الكَفاءَةِ، قبلَ قوْلِه: والعَرَبُ بعضُهم لبعضٍ أكْفاءُ. فعلى المذهبِ، قال وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَلَهَا الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ، المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: لا خِيارَ له؛ لأنَّ الكَفاءَةَ تُعْتَبَرُ فيه لا فيها،
فلو تَزَوَّجَ امْرأَةً مُطْلَقًا، فبانَتْ أَمَةً، فلا خِيارَ له،
ولو تَزَوَّجَتْ رجُلًا مُطْلَقًا، فبانَ عَبْدًا، فلها الخِيارُ، فكذلك في الاسْتِدامَةِ.
قال في «الفُروعِ»: كذا قال.
قوله: وإنْ كان عَبْدًا، فلها الخِيارُ -بلا نِزاعٍ في المذهبِ. وحَكاه ابنُ وَلَهَا الْفَسْخُ بِغَيرِ حُكْمِ حَاكِمٍ.
المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ، وغيرُهما إجْماعًا- ولها الفَسْخُ بغيرِ حُكْمِ حاكِمٍ. بلا نِزاعٍ.
فَإِنْ أُعْتِقَ قَبْلَ فَسْخِهَا، أَوْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ وَطْئِهَا، بَطَلَ خِيَارُهَا.
فصل [إذا عتقت الأمة وزحها حر] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن عتقت الأمة وزوجها حر فلا خيار لها في ظاهر المذهب. وإن كان عبداً فلها الخيار في فسخ النكاح، ولها الفسخ بغير حكم حاكم) .
أما كون الأمة لا خيار لها إذا عتقت وزوجها حر في ظاهر المذهب؛ فلأنها كافأت زوجها في الكمال. فلم يثبت لها الخيار؛ كما لو أسلمت الكتابية تحت مسلم.
وعن الإمام أحمد رضي الله عنه: لها الخيار؛ لما روت عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم خيّر بريرةَ، وكان زوجها حرًّا». رواه النسائي.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وأما خبر عائشة رضي الله عنها فيرويه عنها الأسود، وروى عنها القاسم بن محمد وعروة «أن زوج بريرة كان عبدًا». وهما أخص بها من الأسود؛ لأنهما ابن أخيها وابن أختها.
وروى الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها «أن زوج بريرة كان عبدًا». فتتعارض روايتاه وتبقى رواية غيره سالمة عن المعارض.
وقال ابن عباس:«كان زوجُ بريرةَ عبدًا أسود لبني المغيرة يقال له مُغيث». رواه البخاري وغيره.
وأما كونها لها الخيار إذا كان عبداً؛ فلما روت عائشة رضي الله عنها قالت:«كاتبتْ بريرة فخيّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في زوجها، وكان عبداً فاختارتْ نفسَها». رواه مالك في الموطأ وأبو داود والنسائي.
ولأن عليها ضرراً في كونها حرة تحت العبد. فكان لها الخيار؛ كما لو تزوجت حرة شخصاً على أنه حر فبان عبداً.
وأما كونها لها الفسخ بغير حكم حاكم؛ فلأنه مجمع عليه غير مجتهد فيه. فلم يفتقر إلى حكم حاكم؛ كالرد بالعيب في المبيع.
بخلاف خيار العيب في النكاح فإنه مجتهد فيه. فافتقر إلى حكم حاكم؛ كالفسخ للإعسار.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.