وَلَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ، جَلْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ لِمَا رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ تُقَامَ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ» ، رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أُتِيَ بِرَجُلٍ زَنَى، فَقَالَ: أَخْرِجُوهُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَاضْرِبُوهُ، وَعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ أُتِيَ بِسَارِقٍ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَقَطَعَ يَدَهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ فَيُنَجِّسَهُ وَيُؤْذِيَهُ، وَفِي الْمَذْهَبِ: يَنْبَغِي تَنْزِيهُ الْمَسْجِدِ عَنْهُ، وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى ذَمِّيٍّ فِي الْمَسْجِدِ بِسَوْطٍ لَا جَدِيدٍ وَلَا خَلَقٍ
الشروح عليها
مسألة: (ولا تُقامُ الحُدُودُ في المساجِدِ) لِما روَى حَكِيمُ ابنُ حِزام، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهى أن يُسْتَقادَ في المسجدِ،
وأن تُنْشَدَ فيه الأشْعارُ، وأن تُقامَ فيه الحُدُودُ . ولأنَّه لا يُؤْمَنُ أن يَحْدُثَ مِن المَحْدودِ شئٌ يَتَلَوَّثُ به المسجدُ.
فإن أُقِيمَ فيه، سَقَط الفرضُ؛ لحُصُولِ المقْصُودِ وهو الزَّجْرُ، ولأَنَّ المُرتَكِبَ للنَّهْى غيرُ المَحْدُودِ، فلم يَمْنَعْ ذلك سُقُوطَ الفَرضِ عنه، كما لو اقْتَصَّ في المسْجدِ.
٤٣٨٠ - مسألة: (ويُضْرَبُ الرجلُ قائِمًا) [وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ].
وقال مالكٍ: يُضْرَبُ جالِسًا. قال أبو الخَطَّاب: وقد روَى حَنْبَلٌ أنّه يُضْرَبُ قاعِدًا؛ لأنَّ اللَّه تعالى لم يَأْمُرْ بالقِيام، ولأَنّه مَجْلُودٌ في حَدٍّ، أشْبَهَ المرأةَ. ولَنا، قولُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لكلِّ مَوْضِعٍ مِن الجَسَدِ حَظٌّ إلَّا الوَجْه والفَرْجَ.
وقال للجَلَّادِ: اضْرِبْ، وأوْجِعْ، واتَّقِ الرَّأْسَ والوَجْهَ . ولأنَّ قِيامَه وَسِيلةٌ إلى إعْطاءِ كلِّ عُضْوٍ حَظَّه مِن الضَّرْبِ. وقولُه: إنَّ اللَّه لم يَأْمُرْ بالقِيامِ. قُلْنا: ولم يَأْمُرْ بالجُلُوسِ، ولم يَذْكُرِ الكيْفِيَّةَ، فعَلمناها مِن دَلِيلٍ آخَرَ،
ولا يَصِحُّ قِياسُ الرجُلِ على المرأةِ في هذا؛ لأَنَّ المرأةَ يُقْصَدُ سَتْرُها، ويُخْشَى هَتْكُها. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُضْرَبُ بسَوطٍ. وحُكِىَ عن بعضِهم أن حَدَّ الشُّربِ يُقامُ بالأيْدِى، والنِّعالِ، وأطْرافِ الثِّيابِ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أتِىَ برجلٍ قد شَرِبَ، فقال:«اضْرِبُوهُ». قال أبو هُرَيْرَةَ: فمِنّا الضَّارِبُ بيَدِه، والضَّارِبُ بنَعْلِه، والضَّارِبُ بثَوْبِه. رَواه أبو داودَ . ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«إذا شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدوهُ».
والجَلدُ إنَّما يُفْهمُ مِن إطْلاقِه الضربُ بالسَّوْطِ، والخُلَفاءُ الرّاشِدون ضَرَبوا فيه بالسِّياطِ،
وكذلك غيرُهم، فصار إجْماعًا، ولأنَّه جَلْدٌ في حَدٍّ، فكان بالسَّوْطِ كغيرِه.
فأمَّا حديثُ أبى هُرَيْرَةَ، فكان في بَدْءِ الإِسلامِ، ثم جَلَد النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، واسْتَقَرَّتِ الأمُورُ، فقد صَحَّ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَلَد أرْبَعِين، وجَلَد أبو بكرٍ أربعِين، وجَلَد عمر ثمانين . وفى حديثِ عمرَ قال: أئْتُونِى بسَوْطٍ. فجاءَة أسْلَمُ مَوْلاه بسَوْطٍ دَقِيقٍ، فأخذَه عمرُ، فمَسَحَه بيَدِه، ثم قال لأسْلَمَ: ائْتِنِى بسَوْطٍ غيرِ هذا. فأتاه به تامًّا، فأمرَ عُمرُ بقُدامَةَ فجُلِدَ إذا ثَبَت هذا،
فإنَّ السَّوْطَ يكون وَسَطًا لا جديدًا فيَجْرَحَ، ولا خَلَقًا فلا يُؤْلِمَ؛ لِما رُوِىَ أنَّ رجلًا اعتَرَفَ عندَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأُتِىَ بسَوْطٍ مكْسورٍ، فقال:«فَوْقَ هذا». فأتِىَ بسَوْطٍ جَدِيدٍ لم تُكْسَرْ ثَمَرتُه، فقال:«بَينَ هذَيْن». رَواه مالكٌ ، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ مُرْسَلًا. ورُوِىَ عن أبى هرَيْرَةَ مُسْنَدًا . وقد رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنه قال: ضَربٌ بينَ ضَرْبَيْن، وسَوْطٌ بينَ سَوْطَيْن . يَعْنى وسَطًا، لا شَدِيدًا فيَقْتُلَ، ولا ضَعِيفًا فلا يَرْدَعَ.
٤٣٨١ -
(وَلَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ، جَلْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ لِمَا رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ تُقَامَ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ» ، رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أُتِيَ بِرَجُلٍ زَنَى، فَقَالَ: أَخْرِجُوهُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَاضْرِبُوهُ، وَعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ أُتِيَ بِسَارِقٍ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَقَطَعَ يَدَهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ فَيُنَجِّسَهُ وَيُؤْذِيَهُ، وَفِي الْمَذْهَبِ: يَنْبَغِي تَنْزِيهُ الْمَسْجِدِ عَنْهُ، وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى ذَمِّيٍّ فِي الْمَسْجِدِ [كَيْفِيَّةُ الْجَلْدِ] (وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي الْحَدِّ قَائِمًا) فِي الْأَشْهَرِ، وَقَالَهُ عَلِيٌّ، وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، لِأَنَّ قِيَامَهُ وَسِيلَةٌ إِلَى إِعْطَاءِ كُلِّ عُضْوٍ حَظَّهُ مِنَ الضَّرْبِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ قَاعِدًا: لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهُ (بِسَوْطٍ)
قَالَ فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ لِلْحَنَفِيَّةِ: السَّوْطُ فَوْقَ الْقَضِيبِ وَدُونَ الْعَصَا،
وَفِي الْمُخْتَارِ لَهُمْ: بِسَوْطٍ لَا ثَمَرَةَ لَهُ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْجَلْدِ (لَا جَدِيدٍ وَلَا خَلَقٍ) نَصَّ عَلَيْهِ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَهُوَ الْبَالِي، لِخَبَرٍ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلًا، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ الْإِيلَامُ دُونَ الْجُرْحِ، إِذِ الْجَدِيدُ يَجْرَحُ، وَالْبَالِي لَا يُؤْلِمُ،
فَلَوْ كَانَ السَّوْطُ مَغْصُوبًا أَجْزَأَ، عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى النَّهْيِ، لِلْإِجْمَاعِ، ذَكَرَهُ فِي التَّمْهِيدِ
ولا تُقَامُ الحُدُودُ فى المَساجِدِ. يَحْتَمِلُ أنّه أرادَ التَّحريمَ.
قلتُ: وهو وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِى الْحَدِّ قَائِمًا، الصَّوابُ. وجزَم به ابنُ تَمِيمٍ وغيرُه. [وقالَه ابنُ عَقِيلٍ فى «الفُصولِ» وغيرُه] .
وقيل: لا يَحرُمُ، بل يُكْرَهُ. [قطَع به فى «الرِّعايتَيْن»، فى بابِ مَواضِعِ الصَّلاةِ] . وأطْلَقَهما فى «الفُروعِ» فى آخِرِ الوَقْفِ. ويُضْرَبُ الرَّجُلُ فى الحَدِّ قائمًا. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. بِسَوْطٍ لَا جَدِيدٍ وَلَا خَلَقٍ.
وعنه، قاعِدًا. فعليها، يُضْرَبُ الظَّهْرُ وما قارَبَه. بسَوْطٍ لا جَدِيدٍ ولا خَلَقٍ. هذا المذهبُ مُطْلَقًا، نصَّ عليه. وهو ظاهرُ ما جزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الهادِى»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. وعندَ الخِرَقِىِّ، سَوْطُ العَبْدِ دُونَ سَوْطِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . .
الحُرِّ. وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ»، وجعَلُوا الأوَّلَ احْتِمالًا، ونسَبَه الزَّرْكَشِىُّ إلى المُصَنِّفِ فقطْ. قال فى «البُلْغَةِ»: وَلْتَكُنِ الحِجارَةُ مُتَوَسِّطَةً كالكَفِّيَّةِ.
وقال فى «الرِّعايَةِ» مِن عندِه: حَجمُ السَّوْطِ بينَ وَلَا يُمَدُّ، وَلَا يُرْبَطُ، وَلَا يُجَرَّدُ، بَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ الْقَمِيصُ والْقَمِيصَانِ.
القَضِيبِ والعَصا، أو بقَضِيبٍ بينَ اليابِسِ والرَّطْبِ.
قال: (ويُضرب الرجل في الحد قائماً بسوط لا جديد ولا خَلَق. ولا يُمدّ ولا يربط ولا يجرد بل يكون عليه القميص والقميصان. ولا يبالغ في ضربه بحيث يشق الجلد. ويُفَرّقُ الضربُ على أعضائه؛ إلا الرأس والوجه والفرج وموضع المقتل) .
أما كون الرجل يضرب في الحد قائماً؛ فـ «لأن علياً أمرَ بضربِ الرجلِ قائماً» .
ولأن قيامه وسيلة إلى إعطاء كل عضو حظه من الضرب، وذلك مطلوب شرعاً؛ لما يأتي في قول المصنف رحمه الله: ويفرق الضرب على أعضائه.
وأما كون السوط لا جديد ولا خلق؛ فلأنه يروى «أن رجلاً اعترفَ عندَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزنى. فدعى له بسوطٍ. فأُتي به مكسوراً. فقال: فوقَ هذا. فأتي بسوطٍ جديد لم يُكسر. فقال: بين هذين».
ولأن الغرض الإيلام دون الجرح، والجديد يجرح، والخَلَق لا يؤلم.
وأما كونه لا يمد ولا يربط ولا يجرد؛ فلأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مدّ يد أحد ولا ربطها ولا جرّدها في الحد، وعن ابن مسعود:«ليس في ديننا مدٌ ولا قيدٌ ولا تجريد».
وأما كونه عليه القميص والقميصان؛ فلأن ذلك صيانة له عن التجريد. مع أن ذلك لا يرد ألم الضرب، ولا يضر بقاؤهما عليه.
وأما كونه لا يبالغ في ضربه بحيث يشق الجلد؛ فلأن الغرض تأديبه وزجره عن المعصية لا قتله، والمبالغة تؤدي إليه.
وأما كونه يفرّق الضربُ على أعضائه سوى الوجه والفرج وموضع المقتل؛ فلأن توالي الضرب على عضو واحد مما يؤدي إلى القتل.
وأما كونه لا يضرب رأسه ولا وجهه؛ فلأنه روي عن علي رضي الله عنه: «أنه قال للجلاّد: اضرب وأوجِع. واتَّقِ الرأسَ والوجه».
ولأنهما أجمل ما في الإنسان،
وفي إصابة الضرب لهما خطر؛ لأنه ربما عمي، أو ذهب عقله.
وأما كونه لا يضرب فرجه وموضع مقتله؛ فلأن الضرب في ذلك الموضع يؤدي إلى القتل وهو غير مأمور به بل مأمور بعدمه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.