وَإِنْ وَطِئَ فِي نِكَاحٍ مُجْمَعٍ عَلَى بُطْلَانِهِ كَنِكَاحِ الْمُزَوَّجَةِ وَالْمُعْتَدَّةِ وَالْخَامِسَةِ وَذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مِنَ النَّسَبِ وَالرِّضَاعِ أَوِ اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِلزِّنَا أَوْ لِغَيْرِهِ، وَزَنَى بِهَا أَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ لَهُ عَلَيْهَا الْقِصَاصُ أَوْ بِصَغِيرَةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ أَوْ بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، أَوْ بِأَمَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا أَوْ أَمْكَنَتِ الْعَاقِلَةُ مِنْ نَفْسِهَا مَجْنُونًا أَوْ صَغِيرًا فَوَطِئَهَا، فَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ
الشروح عليها
مسألة: (وَإِنْ وَطِئَ فِى نِكَاحٍ مُجْمَعٍ عَلَى بُطْلانِهِ، كَنِكَاحِ الْمُزَوَّجَةِ، والْمُعْتَدَّةِ، وَالْخَامِسَةِ، وَذَوَاتِ الْمَحارِمِ مِنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعَ) فعليه الحَدُّ. إذا تَزَوَّجَ ذاتَ مَحْرَمِه، فالنِّكاحُ باطِلٌ بالإِجْماعِ.
فإن وَطِئَها، فعليه الحَدُّ. في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، وجابرُ بنُ زيدٍ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، وإسحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّه وَطْءٌ تَمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ منه، فلم يُوجِبِ الحَدَّ، كما لو اشْتَرَى أُخْتَه مِن الرَّضاعِ ثُمَّ وَطِئَها، وبَيانُ الشُّبْهَةِ أنَّه قد وُجِدَتْ صُورةُ المُبِيحِ، وهو عَقْدُ النِّكاحِ الَّذى هو سَبَبٌ للإِباحَةِ،
فإذا لم يَثْبُتْ حُكْمُه وهو الإِبَاحَةُ، بَقِيَتْ صُورَتُه دَارِئَةً للحَدِّ الَّذى يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ فِى فَرْجِ امرأةٍ، مُجْمَعٌ على تَحْرِيمِه مِن غيرِ مِلْكٍ ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ، والواطِئُ مِن أَهلِ الحَدِّ، عالمٌ بالتَّحْرِيمِ، فلَزِمَه الحَدُّ، كما لو لم يُوجَدِ العَقْدُ، وصُورَة المُبِيحِ إنَّما تكونُ شُبْهَةً إذا كانت صَحِيحَةً، وِالعَقْدُ ههُنا باطِلٌ مُحَرَّمٌ، وفِعْلُه جِنايَةٌ تَقْتَضِى العُقُوِبَةَ، انْضَمَّتْ إلى الزِّنى، فلم تَكُنْ شُبْهَةً، كما لو أكْرَهَها وعاقَبَها، ثُمَّ زَنى بها، ثُمَّ يَبْطُلُ بالاسْتِيلاءِ عليها،
فإنَّ الاسْتِيلاءَ سَبَبٌ؛ للمِلْكِ في المُباحاتِ، وليس بشُبْهَةٍ.
وأمَّا إذا اشْتَرَى أُخْتَه مِن الرَّضَاعِ، فهو مَمْنُوعٌ،
وإن سَلَّمْناه، فإنَّ المِلْكَ المُقْتَضِىَ للإِباحَةِ صَحِيحٌ ثابتٌ، وإنَّما تخَلَّفَتِ الإِباحَةُ لمُعَارِضٍ،
بخِلافِ مَسْألتِنا، فإنَّ المُبِيحَ غيرُ موجودٍ،
فإنَّ عَقْدَ النِّكاحِ باطِلٌ، والملكَ به غيرُ ثابتٍ، فالمُقْتَضِى معدومٌ، فهو كما لو اشْتَرَى خمرًا فشَرِبَه. إذا ثَبَت هذا، فاخْتُلِفَ في الحَدِّ، فرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه يُقْتَلُ على كل حالٍ. وبهذا قال جابِرُ بنُ زيدٍ، وإسحاقُ، وأبو أَيُّوبَ ، وابنُ أبى خَيْثَمَةَ . ورَوَى إسماعيلُ بنُ سعيدٍ، عن أحمدَ، في رجلٍ تَزَوَّجَ امرأةَ أبِيه، فقال: يُقْتَلُ ويُؤْخَذُ مالُه إلى بيتِ المالِ. والرِّوايةُ الثانية، حَدُّه حَدُّ الزِّنَى. وبه قال الحسنُ، ومالكٌ، والشافعىُّ؛
لعُمُومِ الدِّيَةِ والخَبَرِ. ووَجْهُ الأُولَى، ما رَوَى البَرَاءُ، قال: لَقِيتُ عَمِّى ومعه الرَّايَةُ، فقلْتُ: إلى أينَ تُرِيدُ؟ فقال: بَعَثَنِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى رجلٍ نَكَح امرأةَ أبيه مِن بَعْدِه أن أضْرِبَ عُنُقَه، وآخُذَ مالَه. رَواه أبو داودَ، والجُوزْجَانِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ ،
وقال: حديثٌ حسنٌ. وسَمَّى الجُوزْجَانِىُّ عمَّه الحارِثَ ابنَ عمرو. وروَى الجُوزْجَانِىُّ، وابنُ ماجَه ، بإسْنادِهِما إلى ابنِ عباس، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَن وَقَع عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ، فَاقْتُلُوه». ورُفِعَ إلى الحَجَّاجِ رجلٌ اغْتَصَبَ أُخْتَه على نَفْسِها، فقال: احْبِسُوه، وسَلُوا مَن ههُنا مِن أصحابِ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسأَلُوا عبدَ اللَّهِ بنَ أبى مُطَرِّفٍ، فقال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «مَنْ تَخَطَّى المُؤْمِنِينَ، فَخُطُّوا وَسَطَه بالسَّيْفِ» .
وهذه الأحاديث [أخَصُّ] ممَّا وَرَد في الزِّنَى، فتُقَدَّمُ. والقَوْلُ في مَن زَنَى بذاتِ مَحْرَمِه مِن غيرِ عَقْدٍ، كالقولِ في مَن وَطِئَها بعدَ العَقْدِ.
فصل: وكلُّ عَقْدٍ أُجْمِعَ على بُطْلانِه، كنِكاحِ الخَامسةِ، أو مُزَوَّجَةٍ، أو مُعْتَدَّةٍ، أو نِكاحِ المُطَلَّقَةِ ثلاثًا، إذا وَطِئَ فيه عالمًا بالتَّحْريمِ، فهو زِنًى، مُوجِبٌ للحَدِّ المشْرُوعِ فيه قبلَ العَقْدِ. وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ، وصاحِباه: لا حَدَّ فيه؛ لِما ذَكَرُوه فيما إذا عَقَد على ذَواتِ مَحارِمِه.
وقال النَّخَعِىُّ: يُجْلَدُ مِائَةً، ولا يُنْفَى. ولَنا، ما ذَكَرْناه فيما مَضَى، ورَوَى أبو نَصْرٍ المَرُّوذِىُّ، [بإسْنادِه، عن عُبَيْدِ] بنِ نُضَيْلَةَ ، قال: رُفِعَ إلى عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، امرأةٌ تَزَوَّجَتْ في عِدَّتِها، فقال: هل عَلِمْتُمَا؟ قالا: لا. قال: لو عَلِمْتُما لَرَجَمْتُكُمَا. فجَلَدَه أسْواطًا، ثم فرَّقَ بينَهما . ورَوَى أبو بكرٍ بإسْنادِه قال: رُفِعَ إلى علىٍّ، عليه السلامُ، امرأةٌ تَزَوَّجَتْ ولها زَوْجٌ كَتَمَتْه، فرَجَمَها، وجَلَد زَوْجَها الآخرَ مِائَةَ جَلْدَةٍ .
فإن لم يَعْلَمْ تَحْريِمَ ذلك، فلا حَدَّ عليه؛ لعُذْرِ الجَهْلِ، ولذلك دَرَأَ عمرُ عنهما الحَدَّ؛ لجَهْلِهِما.
٤٤١٩ - مسألة: (أَوْ اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِلزِّنَى، أَوْ لِغَيْرِهِ، وَزَنَى بِهَا، أَوْ زَنَى بِامْرأَةٍ لَهُ عَلَيْهَا الْقِصَاصُ، أَوْ بِصَغِيرَةٍ، أَوْ مَجْنُونَةٍ، أَوْ زَنى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، أَوْ بِأَمَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا، أَوْ أمْكَنَتِ الْعَاقِلَةُ) البالِغَةُ (مِن نَفْسِها مَجْنُونًا أَوْ صَغِيرًا فوَطِئَها، فعليهم الحَدُّ) إذا اسْتَأْجَرَ امرأةً لعملِ شئٍ، فزَنَى بها، أَوْ اسْتَأْجَرَها ليَزْنِىَ بِها، وفَعَلَ ذلك، أَوْ زَنَى بامرأةٍ ثم تَزَوَّجَها، أَوْ بأمَةٍ ثم اشْتَرَاها، فعليهما الحَدُّ. وبه قال أكثرُ أهلِ العلمِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليهما في هذه المواضِعِ إلَّا إذا اسْتَأْجَرَها لعملِ شئٍ؛ لأَنَّ مِلْكَه لمَنْفَعَتِها شُبْهَةٌ دَارِئَةٌ للحَدِّ، ولا يُحَدُّ بوَطْءِ امرأةٍ هو مالكٌ لها . ولَنا، عُمُومُ الآيَةِ والأخْبارِ، ووجودُ المَعْنى المُقْتَضِى لوُجوبِ الحَدِّ. وقولُه: إنَّ مِلْكَه لمَنْفَعتِها شُبْهَةٌ. لا يَصِحُّ، فإنَّه إذا لم يَسْقُطْ عنه الحَدُّ ببَذْلِها نَفْسَها له، ومُطاوَعَتِها إيَّاه، فَلأنْ لا يَسْقُطَ بمِلْك مَحَلٍّ آخَرَ أَوْلَى.
وأمَّا إذا اسْتَأْجَرَ امرأةً للزِّنَى، لم تَصِحَّ الإِجارَةُ، فوُجودُ ذلك كعدمِه، فأشبَهَ وَطْءَ مَن لم يَسْتَأْجِرها.
وأمَّا إذا زَنَى بامرأةٍ له عليها قِصاصٌ، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّه وَطْءٌ في غير مِلْكٍ ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ، أشْبَهَ ما لو لم يَكُنْ له عليها قِصاصٌ، وكما لو كان له عليها دَيْنٌ.
وأمَّا إذا زَنىَ بامرأةٍ ثم تزَوَّجَها، أَوْ بأمةٍ ثم اشْتَرَاها، فإنَّه ما وَجَب عليه الحَدُّ بوَطْءِ مَمْلوكَتِه ولا زَوْجَتِه، وإنَّما وَجَب بوَطْءِ أجْنَبِيَّةٍ، فتَغَيُّرُ حالِها لا يُسْقِطُه، كما لو ماتَتْ.
وأمَّا إذا أمْكَنَتِ المُكَلَّفَةُ مِن نَفْسِها صغيرًا أَوْ مَجْنُونًا فوَطِئَها أَوْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ نائمٍ، فعليها الحَدُّ دُونَه.
وقال أبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليها، لأَنَّ فِعْلَ الصَّبِىِّ والمجنونِ ليس بزِنًى، فلم يجبْ عليها الحَدُّ إذا أمْكَنَتْه منه ، كما لو أمْكَنَتْه من إدْخالِ إصْبَعِه في فَرْجِها. ولَنا، أنَّ سُقُوطَ الحَدِّ عن أحدِ الواطِئَيْن لمَعْنًى يَخُصُّه، لا يُوجبُ سُقُوطَه عن الآخَرِ، كما لو زَنَى المُسْتَأْمِنُ بمسلمةٍ، أَوْ زَنَى بمَجْنُونَةٍ أَو نائمةٍ. وقولُهم: ليس بِزِنًى. لا يَصِحُّ، لأنَّه لا يَلْحَقُ به النَّسَبُ، وإنَّما لم يَجِبِ الحَدُّ عليه لعُذْرِه، وزَوالِ تَكْلِيفِه.
وكذلك الحُكْمُ في الرجُلِ يَظُنُّ أنَّ المرأةَ زَوْجَتُه، فيَطَؤُها، وهى تعلمُ أنَّه أجْنَبِىٌّ، وفى المرأةِ تَظُنُّه زَوْجَها، وهو يعلمُ أنَّها أجْنَبِيَّةٌ.
(وَإِنْ وَطِئَ فِي نِكَاحٍ مُجْمَعٍ عَلَى بُطْلَانِهِ) وَالْمَنْصُوصُ مَعَ عِلْمِهِ (كَنِكَاحِ الْمُزَوَّجَةِ) لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكًا وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ، فَأَوْجَبَ الْحَدَّ عَمَلًا بِالْمُقْتَضَى، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رُفِعَ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا، فَقَالَ: هَلْ عَلِمْتُمَا؟ فَقَالَا: لَا، فَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُمَا لَرَجَمْتُكُمَا. رَوَاهُ أَبُو نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ. وَلِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَ الْحَدُّ بِوَطْءِ الْمُعْتَدَّةِ، فَلَأَنْ يَجِبُ بِوَطْءِ الْمُزَوَّجَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (وَالْمُعْتَدَّةِ)
فَلَوْ قَالَ: جَهِلْتُ فَرَاغَ الْمُعْتَدَّةِ، وَأَمْكَنَ صِدْقُهُ، صُدِّقَ (وَالْخَامِسَةِ) لِعَدَمِ إِبَاحَتِهَا (وَذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مِنَ النَّسَبِ وَالرِّضَاعِ) لِلْعُمُومِ،
وَعَنْهُ فِيمَنْ وَطِئَ ذَوَاتَ مَحَارِمِهِ: يُقْتَلُ بِكُلِّ حَالٍ، رَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ لِأَخْبَارٍ،
وَعَنْهُ: وَيُؤْخَذُ مَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، لِمَا «رَوَى الْبَرَاءُ، قَالَ: لَقِيتُ عَمِّي وَمَعَهُ الرَّايَةُ، فَقُلْتُ: إِلَى أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ، أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَآخُذَ مَالَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْجَوْزَجَانِيُّ.
مَسْأَلَةٌ: حُكْمُ مَنْ زَنَى بِحَرْبِيَّةٍ مُسْتَأْمَنَةٍ، أَوْ نَكَحَ بِنْتَهُ مِنَ الزِّنَا كَذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْخِلَافُ (أَوِ اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِلزِّنَا أَوْ لِغَيْرِهِ، وَزَنَى بِهَا) لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ، وَوُجُودِ الْإِجَارَةِ كَعَدَمِهَا، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ مِلْكٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهَا دَيْنٌ وَتَغَيَّرَ الْحَالُ، لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ كَمَا لَوْ مَاتَ (أَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ لَهُ عَلَيْهَا الْقِصَاصُ) لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ قَتْلِهَا لَا يُوجِبُ إِبَاحَةَ وَطْئِهَا، فَلَا تُؤَثِّرُ فِيهِ شُبْهَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ عَمَلًا بِالنُّصُوصِ،
وَقِيلَ: مَنْ وَطِئَ أَمَةً لَهُ عَلَيْهَا قَوَدٌ لَمْ يُحَدَّ، إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ يَمْلِكُهَا بِهِ، وَسُئِلَ أَحْمَدُ: هَلْ عَلَيْهِ عَقْرُهَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، هِيَ لَهُ (أَوْ بِصَغِيرَةٍ) يُوطَأُ مِثْلُهَا، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، لِأَنَّهَا كَالْكَبِيرَةِ فِي ذَلِكَ،
وَقِيلَ: أَوْ لَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا،
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ صَغِيرَةً لَمْ تَبْلُغْ تِسْعًا، لِأَنَّهُ لَا يُشْتَهَى مِثْلُهَا، وَكَمَا لَوِ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ صَبِيٍّ لَمْ يَبْلُغْ عَشْرًا، وَرَدَّهُ الْمُؤَلِّفُ لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ فِيهِ (أَوْ مَجْنُونَةٍ) لِأَنَّ الْوَاطِئَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الْحَدِّ، وَقَدْ فَعَلَ مَا يُوجِبُهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ (أَوْ بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، أَوْ بِأَمَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا) لِأَنَّ النِّكَاحَ وَالْمِلْكَ وُجِدَا بَعْدَ وُجُوبِ الْحَدِّ، فَلَمْ يَسْقُطْ، كَمَا لَوْ سَرَقَ نِصَابًا ثُمَّ مَلَكَهُ، أَوْ أَقَرَّ عَلَيْهَا، فَجَحَدَتْ كَسُكُوتِهَا (أَوْ أَمْكَنَتِ الْعَاقِلَةُ) أَيِ: الْمُكَلَّفَةُ (مِنْ نَفْسِهَا مَجْنُونًا أَوْ صَغِيرًا)
وَقِيلَ: ابْنُ عَشْرٍ (فَوَطِئَهَا، فَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ) أَيْ: عَلَيْهَا الْحَدُّ، لِأَنَّ سُقُوطَهُ عَنْ أَحَدِ الْمُتَوَاطِئَيْنِ لِمَعْنًى يَخُصُّهُ لَا يُوجِبُ سُقُوطُهُ عَنِ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ زَنَى الْمُسْتَأْمَنُ بِمُسْلِمَةٍ.
[الشَّرْطُ الثَّالِثُ ثُبُوتُ الزِّنَا] [بِمَ يَثْبُتُ الزِّنَا] فَصْلٌ
أَوْ زَنَى بامْرَأَة له عليها القِصَاصُ، فعليه الحدُّ. وهو المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وقطَع به أكثرُهم؛ منهم المُصَنِّفُ، والمَجْدُ، وصاحبُ «الوَجيزِ»، وغيرُهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: لا حدَّ عليه، بل يُعَزَّرُ. أَوْ زَنَى بصَغِيرَةٍ -إنْ كانَ يُوطَأُ مِثْلُها- فعليه الحدُّ، بلا نِزاعٍ. ونقَلَه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجماعَةُ عنِ الإِمامَ أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وإنْ كان لا يُوطَأُ مِثْلُها، فظاهرُ كلامِه هنا، أنَّه يُحَدُّ. وهو أحدُ الوُجوهِ.
وقيل: لا يُحَدُّ. وهو المذهبُ. جزَم به فى «الوَجيزِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ». وأطْلَقهما فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ».
وقال القاضى: لا حَدَّ على مَن وَطِئَ صغيرةً لم تبْلُغْ تِسْعًا.
وكذلك لوِ اسْتَدْخَلَتِ المرْأَةُ ذكَرَ صَبِىٍّ لم يبْلُغْ عَشْرًا، فلا حدَّ عليها.
قال المُصَنِّفُ: والصَّحيحُ أنَّه متى وَطِئَ مَن أمْكَنَ وطْؤُها، أَوْ أمْكَنَتِ المرأةُ مَن يُمْكِنُه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوَطْءُ، فوَطِئَها، أنَّ الحدَّ يَجِبُ على المُكَلَّفِ منهما،
ولا يصِحُّ تحْديدُ ذلك بتِسْعٍ ولا بعَشْرٍ، لأَنَّ التَّحْديدَ إنَّما يكونُ بالتَّوْقيفِ، ولا تَوْقيفَ فى هذا، وكَونُ التِّسْعِ وَقْتًا لإمْكانِ الاسْتِمْتاعِ غالبًا، لا يَمْنَعُ وُجودَه قبلَه، كما أنَّ البُلوغَ يُوجَدُ فى خَمْسَةَ عَشَرَ عامًا غالِبًا، ولا يمْنَعُ مِن وُجودِه قبلَه. انتهى. أَوْ أَمْكَنَتِ العَاقِلَةُ مِن نَفْسِها مَجْنُونًا أَوْ صَغِيرًا فَوَطِئَها، فعليها الحَدُّ.
قال: (وإن وطئ في نكاح مجمع على بطلانه؛ كنكاح المزوجة والمعتدة والخامسة وذوات المحارم من النسب والرضاع، أو استأجر امرأة للزنى أو لغيره وزنى (١) بها، أو زنى بامرأة له عليها القصاص، أو بصغيرة أو مجنونة أو بامرأة ثم تزوجها، أو بأمة ثم اشتراها، أو أمكنت العاقلة من نفسها مجنوناً أو صغيراً فوطئها: فعليهم الحد).
أما كون من وطئ في نكاح مجمع على بطلانه عليه الحد؛ فلأنه وطء لم يصادف ملكاً ولا شبهة ملك فأوجب الحد عملاً بالنصوص المقتضية له السالمة عن معارضة الملك والشبهة.
وفي الأثر «أن عمرَ رضي الله عنه رُفع إليه امرأة تزوجت في عدتِها. فقال: هل علمتُما؟ فقالا: لا. فقال: لو علمتُما لرجمتُكُما»، ونكاح غير المعتدة من الأنكحة المجمع على بطلانها في معنى نكاح المعتدة؛ لاشتراك الكل في الإجماع على بطلانه.
ولأنه إذا وجب الحد بوطء المعتدة في نكاح. فلأن يجب الحد بوطء المزوجة في النكاح بطريق الأولى.
وأما قول المصنف رحمه الله: كنكاح المعتدة والمزوجة والخامسة وذوات المحارم من النسب والرضاع؛ فبيان لصور من صور النكاح المجمع على بطلانها وتعداد لها.
وأما كون من استأجر امرأة للزنى أو لغيره عليه الحد إذا زنى بها؛ فلعموم قوله تعالى:{الزانيةُ والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة}. وعموم سائر الأخبار.
ولأن المعنى الذي وجب عليه الحد موجود هاهنا. فوجب أن يجب عملاً بالمقتضي لذلك.
وأما كون من زنى بامرأةٍ له عليها القصاص عليه الحد؛ فلأن استحقاق قتلها لا يوجب إباحة وطئها ولا يؤثر فيه شبهة. فوجب أن يجب الحد عملاً بالنصوص الدالة على وجوبه على الزاني.
وأما كون من زنى بصغيرة أو مجنونة عليه الحد؛ فلأن الواطئ من أهل وجوب الحد وقد فعل ما يوجبه. فوجب أن يترتب عليه موجبه عملاً لمقتضي ذلك.
وأما كون من زنى بامرأة ثم تزوجها أو أمة ثم اشتراها عليه الحد؛ فلأن الملك وُجد بعد وجوب الحد. فلم يسقط؛ كما لو سرق نصاباً ثم ملكه لم يسقط عنه القطع. فكذا هاهنا.
وأما كون العاقلة إذا أمكنت منها مجنوناً أو صغيراً فوطئها عليها الحد؛ فلأن سقوط الحد عن أحد الواطئين لمعنى يخصه. فلا يوجب سقوطه عن الآخر؛ كما لو زنى المستأمن بمسلمة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.