فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (وإن نَظَر في بَيتِه من خَصاصِ البابِ، أو نحوه، فحذَفَ عَينَه، ففَقَأهَا، فلا شيءَ عليه) وجملةُ ذلك، أنّ مَن اطَّلَعَ في بيتِ إنسانٍ من ثَقْبٍ، أو شَقِّ بابٍ، أو نحوه، فرَماهُ صاحِبُ الدَّارِ بحَصاةٍ، أو طَعَنَه بعُودٍ، فقَلَع عَينَه، لم يَكُنْ عليه جُناحٌ، ولا يَضْمَنُها. وبه قال الشافعيُّ.

٣٥٬٦٨٢

وقال أبو حنيفةَ: يَضْمَنُها؛ لأنَّه لو دَخَل مَنْزِلَه، ونَظَر فيه، أو نال من امرأتِه ما دُونَ الفَرْجِ، لم يَجُزْ قَلْعُ عَينِه فبمُجَرَّدِ النَّظَرِ أولَى. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال:«لَوْ أنَّ امْرَأَ اطَّلَعَ عَلَيكَ بِغَيرِ إذْنٍ، فحَذَفْتَه بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَينَه، لَمْ يَكُنْ عَلَيكَ جُنَاحٌ». وعن سهلِ بنِ سعدٍ، أنَّ رجلًا اطَّلَعَ في جُحْر مِن بابِ النبيِّ، - صلى الله عليه وسلم -، [ورسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -] يَحكُّ رَأسَه بِمِدْرًى في يَدِه، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ عَلِمْتُ أنَّكَ تَنْظُرُنِي، لَطَمَسْتُ ، أو: لَطَعَنْتُ بِهَا فِي عَينِكَ».

مُتَّفَقٌ عليهما . ويُفارِقُ ما قاسُوا عليه؛ لأنَّ مَن دَخَل المنزلَ يُعْلَمُ به، فيُسْتَتَرُ منه،

٣٥٬٦٨٣

بخِلافِ النَّاظِرِ من ثَقْبٍ، فإنَّه يَرَى من غيرِ عِلْم به، ثم الخبرُ أوْلَى من القِياسِ. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يُعْتَبَرُ في هذا أنَّه لا يُمْكِنُه دَفْعُه إلَّا بذلك، لظاهِرِ الخبرِ.

٣٥٬٦٨٤

وقال ابنُ حامدٍ: يَدْفَعُه بأسْهَلِ ما يُمْكِنُه دَفْعُه به ، يقولُ له أوَّلًا: انْصَرِفْ.

٣٥٬٦٨٥

فإن لم يَفْعَلْ، أشارَ إليه أنَّه يَحْذِفُه،

٣٥٬٦٨٦

فإن لم يَنْصَرِفْ، فله حَذْفُه حينَئذٍ. واتِّباعُ السُّنَّةِ أوْلَى.

٣٥٬٦٨٧

فإن تَرَك الاطِّلاع ومَضَى، لم يَجُزْ رَمْيُه، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَطْعَنِ الذي اطَّلَع ثم انْصَرَف، ولأنَّه تَرَكَ الجنايَةَ، فأشْبَهَ مَن عَضَّ ثم تَرَكَ العَضَّ، لم يَجُزْ قَلْعُ أسْنانِه. وسَواءٌ كان المكانُ المُطَّلَعُ منه صغيرًا، كثَقْبٍ أوْ شَقٍّ، أو واسِعًا، كنَقْبٍ كبيرٍ. وذَكَر بعضُ أصحابِنا أنَّ البابَ المفتوحَ كذلك، والأوْلَى أنَّه لا يجوزُ حَذْف مَن نَظَرَ من بابٍ مفتوح؛ لأنَّ التَّفْرِيطَ من تارِكِ الباب مَفْتُوحًا، والظَّاهِرُ أنَّ من تَرَكَ بابَه مفتوحًا، أنَّه يَسْتَتِرُ، لعِلْمِه أنَّ النَّاسَ يَنْظُرونَ منه، ويَعْلَمُ بالنَّاظِرِ فيه، والواقِفِ عليه، فلم يَجُزْ رَمْيُه، كدَاخِلِ الدَّارِ.

٣٥٬٦٨٨

وإن اطَّلَع، فرَماه صاحِبُ الدَّارِ، فقال المُطَّلِعُ: ما تَعَمَّدْتُه. لم يَضْمَنْه، على ظاهرِ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّ الاطِّلاعَ قد وُجِدَ، والرَّامِي لا يَعْلَمُ ما في قَلْبِه . وعلى قولِ ابنِ حامدٍ، يَضْمَنُه؛ لأنَّه لم يَدْفَعْه بما هو أسْهَلُ.

٣٥٬٦٨٩

وكذلك لو قال: لم أرَ شيئًا حينَ اطَّلَعْتُ.

٣٥٬٦٩٠

وإن كان المُطَّلِعُ أعْمَى، لم يَجُزْ رَمْيُه؛ لأنَّه لا يَرَى شَيئًا،

٣٥٬٦٩١

ولو كان إنْسانٌ عُرْيانًا في طَرِيقٍ، لم يَكُنْ له رَمْيُ مَن نَظَر إليه؛ لأنَّه المُفَرِّطُ.

٣٥٬٦٩٢

وإن كان المُطَّلِعُ في الدَّارِ من مَحارِم النِّساءِ اللَّائي فيها، فقال بعضُ أصحابِنا: ليس لصاحِبِ الدَّارِ رَمْيُه، إلَّا أَن يَكُنَّ مُتَجَرِّدَاتٍ، فيَصِرْنَ كالأجانِبِ. وظاهِرُ الخبرِ أنَّ لصاحِبِ الدَّارِ رَمْيَه، سَواءٌ كان فيها نِساءٌ أو لم يَكُنْ؛ لأنَّه لم يَذْكُرْ أنَّه كان في الدَّارِ التي اطَّلَع فيها على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - نِساءٌ. وقولُه: «لَوْ أنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيكَ بِغَيرِ إذْنٍ، فحَذَفْتَهُ [ففَقَأْتَ عَينَهُ]». عامٌّ في الدَّارِ التي فيها نِساءٌ وغيرِها.

فصل: وليس لصاحبِ الدَّارِ رَمْيُ النَّاظِرِ بما يَقْتُلُه ابْتِداءً،

٣٥٬٦٩٣

فإن رَمَاهُ بحَجَرٍ يَقْتُلُه، أو حَدِيدَةٍ تَقْتُلُه، ضَمِنَه بالقِصَاصِ؛ لأنَّه إنَّما له ما يَقْلَعُ به العَينَ المُبْصِرَةَ، التي حَصَل الأذَى منها، دُونَ ما يَتَعَدَّى إلى غيرِها،

٣٥٬٦٩٤

فإن لم يَنْدَفِعِ المُطَّلِعُ برَمْيِه بالشَّيءِ اليَسِيرِ، جازَ رَمْيُه بأكْبَرَ منه، حتى يَأْتِيَ ذلك على نفْسِه، وسَواءٌ كان النَّاظِرُ في الطرَّيقِ، أو مِلْكِ نَفسِه، أو غيرِ ذلك. واللهُ أعلمُ. بابُ قِتالِ أهْلِ البَغْي والأصلُ في هذا قولُ اللهِ تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} إلى قولِه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَينَ أَخَوَيكُمْ}. ففيها خمسُ فَوائِدَ؛

أحدُها، أنَّهم لم يَخْرُجُوا بالبَغْي عن الإِيمانِ، فإنَّه سَمَّاهم مُؤْمِنين. الثَّانيةُ، أنَّه أوْجَبَ قِتالهم. الثالثةُ، أنَّه أسْقَطَ قِتالهم إذا فَاءُوا إلى أمْرِ اللهِ. الرَّابِعةُ، أنَّه أسْقَطَ عنهم التَّبِعَةَ فيما أتْلَفُوه في قِتالِهم [إذا فاءُوا إلى أمْرِ الله]. الخامِسَةُ، أنَّ الآيَةَ أفادَتْ جَوازَ قِتالِ كلِّ مَن مَنَع حَقًّا عليه. وروَى عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو، قال: سَمِعْ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ:«مَنْ أعْطَى إمَامًا صَفْقَةَ يَدِهِ، وثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْه مَا اسْتَطَاعَ، فَإنْ جَاءَ أحَدٌ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ» رَوَاه مسلمٌ .

وروَى عَرْفَجَةُ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «سَتَكُونُ هَنَاتٌ وهَنَاتٌ». ورَفَع صوتَه «ألَا مَن خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي وَهُمْ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيفِ، كَائِنًا مَنْ كَانَ». فكلُّ مَن ثَبَتَتْ إمامَتُه، وَجَبَتْ طاعَتُه، وحَرُمَ الخُرُوجُ عليه وقِتالُه، لقَوْلِ اللهِ تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}. وروَى عُبادةُ بنُ الصَّامِتِ، قال: بايَعْنا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على السَّمْعِ والطَّاعَةِ، في المَنْشَطِ والمَكْرَهِ،

٣٥٬٦٩٥

وأنْ لا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَه . ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:«مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وفَارَقَ الجَمَاعَةَ، فَمَاتَ، فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ». رَواه ابنُ عبدِ البَرِّ من حديثِ أبي هُرَيرَةَ وأبي ذَرٍّ وابنِ عباس، كلُّها بمعْنًى واحدٍ . وأجْمَعَتِ الصحابةُ، رَضِيَ اللهُ عنهم، على قِتالِ البُغَاةِ،

٣٥٬٦٩٦

فإنَّ أبا بكر، رَضِيَ اللهُ عنه، قاتلَ مانِعِي الزَّكاةِ، وعليٌّ، رَضِيَ اللهُ عنه، قاتَلَ أهْلَ الجَمَلِ وأهلَ صِفِّينَ وأهلَ النَّهْرَوانِ. ٤٥٥١ - مسألة: (وهم القَوْمُ الذينَ يَخْرُجُونَ على الإِمامِ بتَأْويل سائِغٍ، ولهم مَنَعَةٌ وشَوْكَةٌ) الخارِجونَ عن قَبْضَةِ الإِمامِ، أصْنافٌ أرْبَعَةٌ، أحدُها، قَوْمٌ امْتَنَعُوا من طاعَتِه، وخَرَجُوا عن قَبْضَتِه بِغيرِ تَأْويل، فهؤلاءِ قُطَّاعُ الطَّريق، ساعُونَ في الأرْضِ بالفَسادِ، وقد ذَكَرْنا حُكْمَهم. الثاني، قوْمٌ لهم تَأْويل، إلَّا أنَّهم نَفَر يَسِيرٌ، لا مَنَعَةَ لهم، كالعَشِيرةِ ونحوهم، فهؤلاءِ حُكْمُهم حُكْمُ الصِّنْفِ الذي قبلَهم، في قولِ أكثرِ الأصحابِ، ومذهبِ الشافعيِّ؛

لأنَّ ابنَ مُلْجَم لَمَّا جَرَح عليًّا، قال للحسنِ: إنْ بَرِئْتُ رَأَيتُ رَأْييِ،

٣٥٬٦٩٧

وإنْ مِتُّ فَلا تُمَثِّلُوا به . فلم يُثْبِتْ لفِعْلِه حُكمَ البُغاةِ. ولأنَّنا لو أثْبَتْنا للعَدَدِ اليَسِيرِ حُكْمَ البُغاةِ، في سُقُوطِ ضَمانِ ما أتْلَفُوه، أفْضَى إلى إتْلافِ أمْوالِ النَّاسِ.

٣٥٬٦٩٨

وقال أبو بكرٍ: لا فَرْقَ بينَ الكثيرِ والقليلِ، وحُكْمُهم حُكْمُ البُغاةِ إذا خَرَجُوا عن قَبْضَةِ الإِمامِ. الثالثُ، الخوارجُ الذين يُكَفِّرُونَ بالذَّنْبِ، ويُكَفِّرُونَ عليًّا وعُثمانَ وطَلْحَةَ والزُّبَيرَ، وكثيرًا من الصحابةِ، ويَسْتَحِلُّونَ دِماءَ المسلِمينَ، وأمْوالهُم، إلَّا مَن خَرَج معهم، فظاهِر قولِ الفُقَهاءِ المُتَأخِّرينَ من أصحابِنا، أنَّهم بُغَاةٌ، لهم حُكْمُهُم. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وجُمْهورِ الفُقَهاءِ، وكثيرٍ من أهلِ الحديثِ.

٣٥٬٦٩٩

وأمَّا مالكٌ فيَرَى اسْتِتَابَتَهُم، فإن تابُوا، وإلَّا قُتِلُوا على إفْسادِهم، لا على كُفْرِهم. وذَهَبَتْ طائِفَةٌ من أهلِ الحديثِ إلى أنَّهم كفَّارٌ مُرْتَدُّونَ، حُكْمُهم حُكْمُ المُرْتَدِّينَ، تُباحُ دِماوهم وأمْوالُهم،

٣٥٬٧٠٠

فإن تَحَيَّزُوا في مكانٍ، وكانتْ لهم مَنَعَةٌ وشَوْكَةٌ، صارُوا أهْلَ حَرْبٍ، كسائرِ الكُفَّارِ،

٣٥٬٧٠١

وإن كانوا في قَبْضَةِ الإِمامِ، اسْتَتابَهم، كاسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ،

٣٥٬٧٠٢

فإن تابُوا، وإلَّا قُتِلُوا، وكانت أمْوالُهم فَيئًا، لا يَرِثُهم ورَثَتُهم المسلمونَ؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: سَمِعْت رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وصِيَامَكُمْ مَعَ صِيامِهِمْ، وأعْمَالكُمْ مَعَ أعْمَالِهِمْ، يَقْرأُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَنْظُر في النَّصْلِ فَلا يَرَى شَيئًا، [وَيَنْظُرُ فِي القِدْحِ فَلَا يَرَى شَيئًا]، ويَنْظُرُ في الرَّيشِ فَلَا يَرَى شَيئًا، وَيَتمَارَى في الْفُوقِ ».

وهو حديثٌ صحِيحٌ ثابتُ الإِسْنادِ، رَواه البخارِيُّ، ومالكٌ، في «المُوَطَّأ».

٣٥٬٧٠٣

وفي لَفْظٍ قال: «يَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، أحْدَاثُ الأسْنَانِ، سُفَهاءُ الأحْلَامِ، يَقولونَ مِن خَيرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، يَقْرأُونَ القُرْآنَ لَا يُجاوزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَينَما [لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ]، فَإنَّ في قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ». رَواه البخارِيُّ . ورُوِيَ مَعْناه من وُجُوهٍ. يقولُ: فكما خَرَج هذا السَّهْمُ نَقِيًّا خاليًا من الدَّمِ والفَرْثِ، لم يَتَعَلَّقْ منهما بشَيْءٍ، كذلك خُرُوجُ هؤلاءِ من الدِّينِ، يَعْنِي الخَوارِجَ. وعن أبي أُمَامَةَ، أنَّه رَأَى رُءُوسًا مَنْصُوبَة على دَرَجِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فقال:«كِلَابُ النَّارِ، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أدِيمِ السَّماءِ، خيرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوه»، ثم قَرأ:{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} إلى آخِرِ الآيةِ.

فقِيلَ له: أنتَ سَمِعْتَه من رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: لو لم أسْمَعْه إلَّا مَرَّةً، أو مَرَّتَين، أو ثَلاثًا، أو أرْبَعًا -حتى عَدَّ سَبْعًا- ما حَدَّثْتُكُمُوه . قال التِّرْمِذِيّ: هذا حديثٌ حسنٌ. ورَواه ابنُ ماجه ، عن سَهْل، [عن ابنَ] عُيَينَةَ، عن أبي غالِبٍ، أنَّه سَمِع أبا أُمَامَةَ يقولُ: «شَرُّ قَتْلَى قُتِلُوا تَحْتَ أَديمِ السَّماءِ، وخَيرُ قَتْلَى مَن قَتَلُوه، كِلَابُ أهْلِ النَّارِ، كِلابُ أهْلِ النَّارِ، كِلابُ أهْلِ النَّارِ، قد كانُوا مُسْلِمينَ فَصارُوا كُفَّارًا»

٣٥٬٧٠٤

قلتُ: يا أبا أُمَامَةَ، هذا شيءٌ تقولُه؟ قال: بل سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وعن عليٍّ في قولِه تعالى:{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا}. قال: هم أهْلُ النَّهْرَوانِ . وعن أبي سعيدٍ، في حديثٍ آخَرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ والخَلِيقَةِ، لَئِنْ أَدرَكْتُهُمْ لأقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ».

٣٥٬٧٠٥

وقال : «لا يُجاوزُ إِيمانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ». وأكثرُ الفُقَهاءِ على أنَّهم بُغَاةٌ، ولا يَرَوْنَ تَكْفِيرَهم. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعلمُ أحدًا وافَقَ أهْلَ الحديثِ على تَكْفِيرِهم وجَعْلِهم كالمُرْتَدِّينَ.

٣٥٬٧٠٦

وقال ابنُ عبدِ البَرِّ ، في الحديثِ الذي رَوَيناهُ: قولُه عليه السَّلامُ: «يَتَمارَى فِي الفُوقِ». يَدُلُّ على أنَّه لم يُكَفِّرْهُم؛ لأنَّهم عَلِقُوا مِن الإِسْلامِ بشيءٍ، بحيثُ يُشَكُّ في خُرُوجِهم منه ورُوِيَ أنَّ عليًّا لَمَّا قاتَلَ أهْلَ النَّهْرِ، قال لأصحابِه: لا تَبْدَأُوهُمْ بالقِتالِ. وبَعَث إليهم: أقيدُونَا بِعبدِ اللهِ بنِ خَبَّابٍ. قالوا: كلُّنا قَتَلَه . فحينَئذٍ اسْتَحَلَّ قِتَالهم؛ لإِقْرارِهم على أنْفُسِهم بما يُوجِبُ قَتْلَهم. وذَكَر ابنُ عبدِ البَرِّ ، عن علي، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه سُئِلَ عن أهْلِ النَّهْرِ، أكفَّارٌ هم؟

قال: مِن الْكُفْرِ فَرُّوا. قِيل: فمُنافِقُونَ؟ قال: إنَّ المُنافِقينَ لا يَذْكُرونَ اللهَ إلَّا قَلِيلًا. قيل : فما هم؟ قال: هم قَوْمٌ أصَابَتْهُم فِتْنَةٌ، فعَمُوا فيها وصمُّوا، وبَغَوْا علينا، وقاتَلُونا فقَتَلْناهُم .

تعليق

ولما جَرَحَه ابنُ مُلْجَمٍ، قال للحسنِ: أحْسِنُوا إسَارَه،

٣٥٬٧٠٧

وإن عِشْتُ فأنا وَلِيُّ دَمِي،

٣٥٬٧٠٨

وإن مِتُّ فضَرْبَةٌ كضَرْبَتِي. وهذا رَأْيُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ فيهم، وكثير مِن العُلَماءِ.

٣٥٬٧٠٩

وقال شيخُنا ، رَحِمَه اللهُ: والصَّحيحُ، إن شاءَ اللهُ تعالى، أنَّ الخَوارِجَ يجوزُ قَتْلُهم [ابْتِداءً، والإِجازَةُ على جَرِيحِهم، لأمرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بقَتْلِهِم، ووَعْدِه بالثَّوابِ مَن قَتَلَهم]؛

٣٥٬٧١٠

فإن عليًّا، رَضِيَ اللهُ عنه، قال: لولا أنَّ تَبْطَرُوا لحَدَّثْتُكُمْ بما وَعَدَ اللهُ الذين يَقْتُلونهم على لسانِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - . ولأنَّ بدْعَتَهم، وسُوءَ فِعْلِهم، يَقْتَضِي حِلَّ دِمَائِهم؛ بدَليلِ ما أخْبَرَ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، مِنْ عِظَمِ ذَنْبِهم، وأنَّهم شَرُّ الخَلْقِ والخَلِيقَةِ، وأنَّهم يَمْرُقونَ من الدِّينَ، وأنَّهم كِلابُ النَّارِ، وحَثِّه على قِتالِهم، وإخْبارِه بأنَّه لو أدْرَكَهم لقَتَلَهم قَتْلَ عادٍ، فلا يجوزُ إلْحاقُهم بمَن أمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالكَفِّ عنهم، وتَوَرَّعَ كثيرٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن قِتالِهم، ولا بِدْعَةَ فيهم.

الصِّنفُ الرابعُ: قَوْمٌ من أهلِ الحَقِّ يَخْرُجونَ عن قَبْضَةِ الإِمامِ، ويَرومُونَ خَلْعَه لَتَأْويل سائِغ، وفيهم مَنَعَةٌ يَحْتاجُ في كَفِّهم إلى جَمْعِ الجيشِ، فهؤلاءِ البُغَاةُ الذين نَذْكرُ في هذا البابِ حُكْمَهم. وجملةُ الأمْرِ، أنَّ مَن اتَّفَقَ المسلمونَ على إمامَتِه وبَيعَتِه، ثَبَتَتْ إمامَتُه، ووَجَبَتْ مَعُونَتُه؛ لِما ذَكَرْنا مِن النَّصِّ في أوَّلِ الباب مع الإِجْماعِ على ذلك.

٣٥٬٧١١

وفي مَعْناه، مَن ثَبَتَتْ إمامَتُه بعَهْدٍ مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أو بعَهْدِ إمام قبلَه إليه،

٣٥٬٧١٢

فإنَّ أبا بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، ثَبَتَتْ إمامَتُه بإجْماعِ الصحابةِ على بَيعَتِه، وعِمرَ ثَبَتَت إمامَتُه بعَهْدِ أبي بكرٍ إليه، وإجْماعِ الصحابةِ على قَبولِه.

٣٥٬٧١٣

ولو خرَج رجلٌ على إمام، فقَهَرَه، وغَلَب الناسَ بسَيفِه حتى أقَرُّوا له، وأذْعَنُوا بطاعَتِه، وبَايَعُوه صارَ إمامًا يَحْرُمُ قِتالُه، والخرُوجُ عليه؛

٣٥٬٧١٤

فإنَّ عبدَ الملكِ بنَ مَرْوانَ، خرَج على ابنِ الزُّبَيرِ، وقَتَلَه، واسْتَوْلَى على البلادِ وأهْلِها، حتى بايَعُوه طَوْعًا وكَرْهًا، وصارَ إمامًا يَحْرُمُ الخُرُوجُ عليه؛ وذلك لِما في الخُروجِ عليه من شَقِّ عَصَا المسلمين، وإراقَةِ دِمائِهم، وذَهابِ أمْوالِهم، ويَدْخل الخارجُ عليه في عُمُومِ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ:«مَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، وهُمْ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بالسَّيفِ، كَائِنًا مَنْ كَانَ».

٣٥٬٧١٥

فَمَن خَرَج على مَن ثَبَتَتْ إمامَتُه بأحدِ هذه الوُجُوهِ باغِيًا، وَجَبَ قِتالُه.

٤٥٥٢ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَإِنْ نَظَرَ فِي بَيْتِهِ مِنْ خِصَاصِ الْبَابِ) وَهُوَ الْفُرُوجُ الَّذِي فِيهِ (وَنَحْوِهِ)

٢٢٬٦٧٦

وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ لَكِنْ ظَنَّهُ مُتَعَمِّدًا،

٢٢٬٦٧٧

قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ ": أَوْ صَادَفَ عَوْرَةً مِنْ مَحَارِمِهِ وَأَصَرَّ،

٢٢٬٦٧٨

وَفِي " الْمُغْنِي ": وَلَوْ خَلَتْ مِنْ نِسَاءٍ (فَخَذَفَ عَيْنَهُ فَفَقَأَهَا) وَفِي " الْفُرُوعِ ": فَتَلِفَتْ

الإنصافالمرداوي

وإنْ نظَر في بَيتِه من خَصَاصِ البابِ، أو نحوه، فحذَف عَينَه ففقَأَها] ، فَفَقَأَهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيهِ.

[فلا شيْءَ عليه. هذا المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وقطَع به كثيرٌ منهم.

٣٧٬٧٥٢

وقال ابنُ حامِدٍ: يدْفَعُه بالأسْهَلِ فالأسْهَلِ، كالصَّائلِ]، فيُنْذِرُه أوَّلًا، كمَنِ اسْتَرقَ السَّمْعَ، لا يقْصِدُ أُذُنَه بلا إنْذارٍ. قاله في «التَّرغيبِ».

تنبيهان؛ الأوَّلُ، ظاهِرُ كلامِه، أنَّه سواءٌ تعَمَّدَ النَّاظِرُ، أوْ لا. وهو صحيحٌ، إذا ظنَّه صاحبُ البَيتِ مُتعَمِّدًا.

٣٧٬٧٥٣

وقال في «التَّرْغيبِ»: أو صادَفَ النَّاظِرُ عَوْرَة مِن مَحارِمِه.

٣٧٬٧٥٤

وقال في «المُغْنِي» في هذه الصُّورَةِ: ولو خلَتْ مِن نِساءٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الثَّانِي، مفْهومُ كلامِه، أنَّ البابَ لو كان مفْتوحًا، ونظَر إلى مَن فيه، ليسَ له . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

رَمْيُه. وهو صحيح. وهو المذهبُ. وعليه أكثرُ الأصحابِ. وقاله في «القَواعِدِ الأصُولِيَّةِ». وقدَّمه في «الفُروعِ».

٣٧٬٧٥٥

وقيل: هو كالنَّظَرِ مِن خَصاصِ البابِ. جزَم به بعضُهم.

٣٧٬٧٥٦

فائدة: لو تسَمَّعَ الأعْمَى على مَن في البَيتِ، لم يَجُزْ طَعْنُ أُذُنِه. على الصحيحِ مِنَ المذهبِ. وعليه أكثرُ الأصحابِ. وقدَّمه في «القَواعِدِ الأصُوليَّةِ». وهو ظاهِرُ ما قدَّمه في «الفُروعِ». واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ طَعْنَ أُذُنِه،

٣٧٬٧٥٧

وقال: لا ضَمانَ عليه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

٣٧٬٧٥٨

تنبيه: قال في «القَواعِدِ الأصُوليَّةِ»: هكذا ذكَرَه الأصحابُ، الأعْمَى إذا تسَمَّعَ، وحَكَوا فيه القَوْلَين. قال: والذي يظْهَرُ أنَّ تَسَمُّعَ البصيرِ يلْحَقُ بالأعْمَى، على قولِ ابنِ عَقِيلٍ؛ سواءٌ كان أعْمَى، أو بَصيرًا. انتهى.

٣٧٬٧٥٩

قلتُ: وهو الصَّوابُ. والذي يظْهَرُ، أنَّه مُرادُهم، وإنَّما لم يذْكُرُوه حَمْلًا على الغالبِ؛ لأنَّ الغالِبَ مِنَ البَصيرِ ينْظُرُ لا يتَسَمَّعُ، [والعِلَّةُ جامِعَة لهما]. واللهُ أعلمُ.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

كلامه على هذه المسألة مع المسألة ٦٬٣٣١ قبلها

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.