فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٦٬٧٧٤المقنعالحنابلةج ٨ ص ١٥٣ج ٨ ص ١٥٣

وَيُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي عَشْرُ صِفَاتٍ: أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا ذَكَرًا حُرًّا مُسْلِمًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا مُجْتَهِدًا وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ كَاتِبًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ويُشْتَرَطُ في القاضي عَشْرُ صِفاتٍ؛ أنَّ يكونَ بالِغًا، عاقِلًا، حُرًّا، ذَكَرًا، مُسْلِمًا، عَدْلًا، سَمِيعًا، بَصِيرًا، مُتَكَلِّمًا، مُجْتَهِدًا. وهل يُشْتَرَطُ كونُه كاتِبًا؟ على وَجْهَين) وجملةُ ذلك، أنَّه يُشْتَرَطُ للقاضي أنَّ يكونَ بالِغًا عاقِلا مسلمًا؛ لأنَّ هذه شُرُوطُ العَدالةِ، فأَولَى أنَّ تُشْتَرَطَ للقَضاءِ. الرابعُ، الذُّكُورِيَّةُ، فلا تَصِحُّ تَوْلِيَةُ المرأةِ. وحُكِيَ عنٍ ابنِ جَرِير أنَّ الذُّكُوريَّةَ لا تُشْتَرَطُ؛ لأنَّ المرأةَ يَجُوزُ أنَّ تكونَ مُفْتِيَة، فيجوزُ أنَّ تكونَ قاضية.

٣٧٬٥٧٩

وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ أنَّ تكونَ قاضيةً في غيرِ الحُدُودِ؛ لأنَّه يجوزُ أنَّ تكونَ شاهِدَةً فيه . ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أفْلَحَ قَوْم وَلَّوْا أمْرَهُمُ امْرَأةً». ولأنَّ القاضيَ يَحْضُرُه محافِلُ الخُصُومِ والرِّجالِ، ويحْتاجُ فيه إلى كَمالِ الرَّأْي وتمامِ العَقْلِ والفِطْنَةِ، والمرأةُ ناقِصَةُ العقلِ، ضَعِيفَةُ الرَّأْي، ليستْ [أهلًا للحُضُورِ] في محافلِ الرِّجالِ، ولا تُقْبَلُ شَهادَتُها ولو كان معها ألفُ امرأةٍ مثلِها، ما لم يكنْ مَعَهُنَّ رجلٍ، وقد نَثهَ اللهُ تعالى على ضَلالِهنَّ ونِسْيانِهِنَّ بقولِه سبحانه: (أَنْ تَضِل إِحْدَهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الأُخْرَى) .

ولا تَصْلُحُ للامامَةِ العُظْمَى، ولا لتَوْلِيَةِ البُلْدانِ، ولهذا لم يُوَلِّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا أحدٌ مِن خُلَفائِه، ولا مَن بعدَهم، امرأةً قَضاءً ولا ولايةَ بَلَدٍ، فيما بَلَغَنا،

٣٧٬٥٨٠

ولو جاز ذلك لم يَخْلُ منه جميعُ الزَّمانِ غالِبًا. الخامسُ، الحُرِّيَّةُ، فلا تَصِحُّ تَوْلِيَةُ العَبْدِ؛ لأنَّه مَنْقُوصٌ برِقِّه، مَشْغُولٌ بحُقوقِ سَيِّدِه، لا تُقْبَلُ شَهادَتُه في جميعِ الأشْياءِ، فلم يكنْ أهْلًا للقضاءِ، كالمرأةِ. السادسُ، أنْ يكونَ سَمِيعًا. السَّابعُ، أنَّ يكونَ بَصِيرًا. الثامِنُ، أنَّ يكونَ مُتَكَلِّمًا؛ لأنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ قولَ الخَصْمَين، والأعْمَى لا يَعْرِفُ المُدَّعِيَ مِن المُدَّعَى عليه، والمُقِرَّ مِن المُقَرِّ له، والأخْرَسُ لا يُمْكِنُه النُّطْقُ بالحُكْمِ، ولا يَفْهَمُ [جَمِيعُ الناسِ] إشارَتَه.

٣٧٬٥٨١

وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يجُوزُ أنَّ يكونَ أعْمَى ؛ لأنَّ شُعَيبًا - عليه السلام -، كان أعْمَى. ولهم في الأخْرسِ الذي تُفهَمُ إشارتُه وَجْهان. ولنا، أنَّ هذه الحَواسَّ تُؤَثِّرُ في الشَّهادةِ، فيَمْنَعُ فَقْدُها ولايةَ القَضاءِ كالسَّمْعِ؛ وهذا لأنَّ مَنْصِبَ الشَّهادةِ دُونَ مَنْصِبِ القَضاءِ، والشاهدَ يَشْهَدُ في أشْياءَ يَسِيرَةٍ يُحْتاجُ إليه فيها، وربَّما أحاط بحَقِيقَةِ عِلْمِها، والقاضيَ ولايتُه عامَّة، فيَحْكُمُ في قَضايا الناسِ عامَّةً،

٣٧٬٥٨٢

فإذا لم تُقْبَلْ منه الشَّهادةُ، فالقضاءُ أَوْلَى، وما ذَكَرُوه عن شُعَيبٍ - عليه السلام -، فمَمْنُوعٌ، فإنه لم يَثْبُتْ أنَّه كان أعْمَى ،

٣٧٬٥٨٣

ولو ثَبَت فيه ذلك، فلا يَلْزَمُ ههُنا؛

٣٧٬٥٨٤

فإنَّ شُعَيبًا، - عليه السلام -، كان مَن آمَنَ معه مِن الناسِ قليلًا، ورُبَّما لا يَحْتاجُونَ إلى الحُكْمِ بينَهم لقلَّتِهم وتَناصُفِهم، فلا يكونُ حُجَّةً في مسألتِنا. التاسعُ، العدالةُ، فلا يجوزُ تَوْلِيَةُ فاسِقٍ، ولا مَن فيه نَقْصٌ يَمْنَعُ الشَّهادةَ، وسَنذْكُرُ ذلك في الشَّهادةِ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. وحُكِيَ عن الأصَمِّ، أنَّه قال: يجوزُ أنَّ يكونَ القاضي فاسِقًا، لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«سَيَكُونُ بَعْدِي أمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ أوْقَاتِهَا، فَصَلُّوهَا لِوَقْتِهَا، واجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً».

ولَنا، قولُ اللهِ تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}. فأمَرَ بالتَّبَيُّنِ عندَ قول الفاسِقِ،

٣٧٬٥٨٥

ولا يجوزُ أنَّ يكونَ الحاكِمُ ممَّن لا يُقْبَلُ قولُه،

٣٧٬٥٨٦

ويَجِبُ التَّبَيُّنُ عندَ حُكْمِه، ولأنَّ الفاسِقَ لا يجوزُ أنَّ يكونَ شاهدًا، فلَأن لا يكونَ قاضِيًا أوْلَى.

٣٧٬٥٨٧

فأمَّا الخبرُ فأخْبَر بوُقُوعِ ذلك مع كونِهم أُمَراءَ، لا بمَشْرُوعِيَّته، والنِّزاعُ في صِحَّةِ تَوْلِيَته لا في وُجُودِها. العاشرُ، أنَّ يكونَ مُجْتَهِدًا. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وبعضُ الحنفيَّة.

٣٧٬٥٨٨

وقال بعضُهم: يجوزُ أنْ يكونَ عامِّيًّا فيَحْكُمَ بالتَّقْلِيدِ؛ لأنَّ الغَرَضَ منه فَصْلُ الخُصوماتِ،

٣٧٬٥٨٩

فَإِذا أمْكَنَه ذلك بالتَّقْلِيدِ جاز، كما يُحْكَمُ بقولِ المُقَوِّمِينَ. ولَنا،

٣٧٬٥٩٠

قولُه تعالى: (وَأنِ احْكُم بَينَهُم بِمَا أنزَلَ اللهُ) . [ولم يَقُلْ: بالتَّقْلِيدِ.

٣٧٬٥٩١

وقال: (لِتَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ بِمَا أَراكَ اللهُ) ] .

٣٧٬٥٩٢

وقال: (فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ) . ورَوَى بُرَيدَةُ، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ؛ اثْنَانِ فِي النَّارِ، ووَاحِدٌ فِي الْجَنةِ، رَجُل عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، فَهوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْل، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ جَارَ فِي الحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ». رَواه ابنُ ماجه . والعامِّيُّ يَقضِي على جَهْلٍ، ولأنَّ الحُكْمَ آكَدُ مِن الفُتْيا؛ لأنَّه فُتْيا وإلزامٌ، ثم المُفْتِي لا يجوزُ أنَّ يكونَ عامِّيًّا مُقَلِّدًا، فالحُكْمُ أوْلَى.

٣٧٬٥٩٣

فإنْ قيل: فالمُفْتِي يجوزُ أنْ يُخْبِرَ بما سَمِع. قُلْنا: نعم، إلَّا أنَّه لا يكونُ مُفْتِيًا في تلك الحالِ، وإنَّما هو مُخْبِرٌ، فيَحْتاجُ أنْ يُخْبِرَ عن رجلٍ بعَينه مِن أهلِ الاجْتِهادِ، فيكونُ مَعْمُولًا بخَبَرِه لا بفُتْياه. ويُخالِفُ قولَ المُقَوِّمِين؛ لأنَّ ذلك لا يُمْكِنُ الحاكمَ مَعْرفَتُه بنَفْسِه،

٣٧٬٥٩٤

بخلافِ الحُكْمِ. ٤٨٣٧ - مسألة: وليس مِن شَرْطِ الحاكِمِ أنَّ يكونَ كاتِبًا. وفيه وَجْهٌ آخَر، أنَّه يُشْتَرَطُ ذلك؛ ليَعْلَمَ ما يَكْتُبُه كاتِبُه، ولا يَتَمَكَّنَ مِن إخْفائِه عنه. ولَنا، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان أُمِّيًّا، وهو سَيِّدُ الحُكّامِ، وليس مِن ضرورةِ الحُكْمِ الكِتابةُ، فلا تُعْتَبَر شَرْطًا .

٣٧٬٥٩٥

فإنِ احْتاجَ إلى ذلك، جاز تَوْلِيَتُه لمَن يَعْرِفُه، كما أنَّه قد يَحْتاجُ إلى القِسْمَةِ بينَ الناسِ، وليس مِن شَرْطِه مَعْرِفَةُ المِساحَةِ، ويَحْتاجُ إلى التَّقْويِمِ، وليس مِن شُروطِ القَضاءِ أن يكونَ عالِمًا بقِيَمِ الأشْياءِ، [ولا مَعْرِفتُه بعُيُوبِ كلِّ شيءٍ]. ٤٨٣٨ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَيُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي عَشْرُ صِفَاتٍ: أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا) لِأَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يَنْعَقِدُ قَوْلُهُمَا فِي أَنْفُسِهِمَا، فَلَأَنْ لَا يُنَفَّذَ فِي غَيْرِهِمَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَهُمَا يَسْتَحِقَّانِ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا، وَالْقَاضِي يَسْتَحِقُّهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَبَيْنَ الْحَالَيْنِ مُنَافَاةٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو الْفَرَجِ فِي كُتُبِهِ: بَالِغًا.

٢٣٬٩٩٥

وَفِي الِانْتِصَارِ فِي صِحَّةِ أَشُدِّهِ لَا يُعْرَفُ فِيهِ رِوَايَةٌ. (ذَكَرًا) وَقَالَهُ الْجُمْهُورُ،

٢٣٬٩٩٦

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَا تُشْتَرَطُ الذُّكُورِيَّةُ. وَجَوَابُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ نَاقِصَةُ الْعَقْلِ، وَقَلِيلَةُ الرَّأْيِ، لَيْسَتْ أَهْلًا لِحُضُورِ الرِّجَالِ. (حُرًّا) لِأَنَّ الْعَبْدَ مَنْقُوصٌ بِرِقِّهِ، مَشْغُولٌ بِحُقُوقِ سَيِّدِهِ، كَالْإِمَامَةِ الْعُظْمَى، لَكِنْ تَصِحُّ وِلَايَةُ عَبْدٍ إِمَارَةً سِرِّيَّةً، وَقَسْمُ صَدَقَةٍ وَفَيْءٍ، وَإِمَامَةُ صَلَاةٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يَجُوزُ مُطْلَقًا، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ،

٢٣٬٩٩٧

وَقَالَ فِيهِ: بِإِذْنِ سَيِّدٍ. (مُسْلِمًا) لِأَنَّ الْكُفْرَ يَقْتَضِي إِذْلَالَ صَاحِبِهِ، وَالْقَضَاءُ يَقْتَضِي احْتِرَامَهُ، وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ، وَهُوَ شَرْطٌ فِي الشَّهَادَةِ، فَكَذَا هُنَا، عَدْلًا؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا فَهَذَا أَوْلَى،

٢٣٬٩٩٨

وَلَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ مَنْ فِيهِ نَقْصٌ يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ.

٢٣٬٩٩٩

وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ تَائِبًا مِنْ قَذْفٍ، نَصَّ عَلَيْهِ،

٢٤٬٠٠٠

وَقِيلَ: أَوْ فِسْقٍ بِشُبْهَةٍ، فَوَجْهَانِ. (سَمِيعًا) لِأَنَّ الْأَصَمَّ لَا يَسْمَعُ كَلَامَ الْخَصْمَيْنِ. (بَصِيرًا) لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يَعْرِفُ الْمُدَّعِيَ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا الْمُقِرَّ مِنَ الْمُقَرِّ لَهُ. (مُتَكَلِّمًا) لِأَنَّ الْأَخْرَسَ لَا يُمْكِنُهُ النُّطْقُ بِالْحُكْمِ، وَلَا يَفْهَمُ جَمِيعُ النَّاسِ إِشَارَتَهُ. (مُجْتَهِدًا) إِجْمَاعًا، ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِحَاكِمٍ وَلَا لِمُفْتٍ تَقْلِيدُ رَجُلٍ لَا يَحْكُمُ وَلَا يُفْتِي إِلَّا بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ فَاقِدُ الِاجْتِهَادِ، إِنَّمَا يَحْكُمُ بِالتَّقْلِيدِ! وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.

وَلِأَنَّ الْمُفْتِيَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامِّيًّا مُقَلِّدًا، فَالْحَاكِمُ أَوْلَى.

وَلَكِنْ فِي الْإِفْصَاحِ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى تَقْلِيدِ كُلٍّ مِنَ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ،

تعليق

ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا تَوْلِيَةُ مُجْتَهِدٍ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا عنى بِهِ مَا كَانَتِ الْحَالُ عَلَيْهِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ مَا اسْتَقَرَّ مِنَ هذه الْمَذَاهِبِ.

وَاخْتَارَ فِي التَّرْغِيبِ وَمُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ لِلضَّرُورَةِ. وَاخْتَارَ فِي الْإِفْصَاحِ وَالرِّعَايَةِ: أَوْ مُقَلِّدًا.

٢٤٬٠٠١

وَقِيلَ: يُفْتِي بِهِ ضَرُورَةً. قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: مَا أَعِيبُ عَلَى مَنْ يَحْفَظُ خَمْسَ مَسَائِلَ لِأَحْمَدَ يُفْتِي بِهَا.

وَظَاهِرُ نَقْلِ عَبْدِ اللَّهِ: يُفْتِي غَيْرَ مُجْتَهِدٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَحَمَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى الْحَاجَةِ. فَعَلَى هذا يُرَاعِي أَلْفَاظَ إِمَامِهِ وَمُتَأَخِّرَهَا وَتَقْلِيدَ كِبَارِ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ،

٢٤٬٠٠٢

وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَحْكُمُ وَلَوِ اعْتَقَدَ خِلَافَهُ؛ لِأَنَّهُ مُقَلِّدٌ، وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنِ الظَّاهِرِ.

٢٤٬٠٠٣

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ مَعَ الِاسْتِوَاءِ الْخِلَافُ فِي مُجْتَهِدٍ. (وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ كَاتِبًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) .

أَحَدُهُمَا: لَا يُشْتَرَطُ، نَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَهُوَ ظَاهِرُ الْوَجِيزِ وَالْفُرُوعِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ أُمِّيًّا وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْحُكْمِ مَعْرِفَةُ الْكِتَابَةِ.

٢٤٬٠٠٤

وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ لِيَعْلَمَ مَا يَكْتُبُهُ كَاتِبُهُ فَيَأْمَنَ تَحْرِيفَهُ.

٢٤٬٠٠٥

وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ غَيْرُ ذَلِكَ. وَشَرَطَ الْخِرَقِيُّ وَالْحَلَوَانِيَّةُ وَابْنُ رَزِينٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنْ يَكُونَ وَرِعًا،

٢٤٬٠٠٦

وَقِيلَ: وَزَاهِدًا. وَأَطْلَقَ فِيهِمَا فِي التَّرْغِيبِ وَجْهَيْنِ.

٢٤٬٠٠٧

وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا مُغَفَّلًا، وَهُوَ مُرَادٌ.

٢٤٬٠٠٨

وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: لَا يَكُونُ بَلِيدًا، وَلَا نَافِيًا لِلْقِيَاسِ.

٢٤٬٠٠٩

وَقَالَ الشَّيْخُ تُقِيُّ الدِّينِ: الْوِلَايَةُ لَهَا رُكْنَانِ: الْقُوَّةُ وَالْأَمَانَةُ، فَالْقُوَّةُ فِي الْحُكْمِ تَرْجِعُ إِلَى الْعِلْمِ بِالْعَدْلِ وَتَنْفِيذِ الْحُكْمِ. وَالْأَمَانَةُ تَرْجِعُ إِلَى خَشْيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى.

٢٤٬٠١٠

وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ يَجِبُ تَوْلِيَةُ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ، فَالشَّابُّ بِالصِّفَاتِ كَغَيْرِهِ، لَكِنَّ الْأَسَنَّ أَوْلَى، مَعَ التَّسَاوِي يُرَجَّحُ بِحُسْنِ الْخُلُقِ أَيْضًا.

الإنصافالمرداوي

فَصْلٌ: وَيُشْتَرَط في الْقَاضِي عَشْرُ صِفَاتٍ؛ أنْ يَكُونَ فهو خَلِيفَتِي. أو: قَدْ وَلَّيتُه. لم تَنْعَقِدِ الْولايةُ لِمَن يَنْظُرُ. وهو المذهبُ. وعليه الأصحابُ. وذلك لجَهالةِ المُوَلَّى منهما. ذكَرَه القاضي وغيرُه. وعلَّلَه المُصَنِّفُ، وتَبعَه الشَّارِحُ بأنَّه علَّق الولايةَ بشَرْطٍ،

تعليق

ثم ذكَر احْتِمالًا بالجَوازِ؛ للخَبَرِ : «أمِيرُكُمْ زَيدٌ».

٣٩٬٨٠٣

قال في «الفُروعِ»: والمَعْروفُ صِحَّةُ الولايَةِ بشَرْطٍ. وهو كما قال، وعليه الأصحابُ.

٣٩٬٨٠٤

قال في «المُحَرَّرِ» وغيرِه: ويصِحُّ تعْليقُ القَضاءِ والإمارَةِ بالشَّرْطِ.

٣٩٬٨٠٥

وأمَّا إذا وُجِدَ الشرْطُ بعدَ مَوْتِه، فسبَق ذلك في بابِ المُوصَى إليه.

٣٩٬٨٠٦

تنبيه: قوْلُه: وإنْ قال: وَلَّيتُ فُلانًا وفلانًا،

٣٩٬٨٠٧

فَمَن نَظَرَ منهما، فهو خَلِيفَتِي. انْعَقَدَتِ الولايَةُ. لأنَّه وَلَّاهما، ثم عيَّن مَنْ سَبَقَ، فَتَعَيَّنَ. ويُشْتَرَطُ في القاضِي عَشْرُ صِفاتٍ؛ أَنْ يَكُونَ بالِغًا. وهو المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وقطَع به أكثرُهم، وقدَّمه في «الفُروعِ». ولم يذْكُرْ بَالِغًا، عَاقِلًا، ذَكَرًا، حُرًّا، مُسْلِمًا، عَدْلًا، سَمِيعًا، بَصِيرًا، مُتَكَلِّمًا، مُجْتَهِدًا. وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ كَاتِبًا؟ عَلَى وَجْهَينِ.

أبو الفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ في كتُبِه «بالِغًا». فظَاهِرُه عدَمُ اشْتِراطِه. حُرًّا. هذا المذهبُ بلا رَيبٍ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به أكثرُهم.

٣٩٬٨٠٨

وقيل: لا تُشْتَرَطُ الحُرِّيّةُ، فيَجوزُ أنْ يكونَ عَبْدًا. قاله ابنُ عَقِيلٍ، وأبو الخَطَّابِ.

٣٩٬٨٠٩

وقال أيضًا: يجوزُ بإذْنِ السَّيِّدِ.

٣٩٬٨١٠

فائدة: تصِحُّ ولايةُ العَبْدِ إمارةَ السَّرايا، وقَسْمَ الصَّدَقاتِ والفَىْءِ، وإمامَةَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الصَّلاةِ. ذكَرَه القاضي محَلَّ وفاقٍ. مُسْلِمًا. هذا المذهبُ بلا رَيبٍ. وعليه الأصحابُ. وقطَعُوا به.

٣٩٬٨١١

وقال في «الانْتِصارِ» في صِحَّةِ إسْلامِه: لا نعْرِفُ فيه رِوايَةَ: فإن سَلِمَ.

٣٩٬٨١٢

وقال في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

«عُيونِ المَسائلِ»: يَحْتَمِلُ المَنْعَ وإنْ سَلِمَ. عَدْلًا. هذا المذهبُ،

٣٩٬٨١٣

ولو كان تائِبًا مِن قَذْفٍ. نصَّ عليه. وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.

٣٩٬٨١٤

وقيل: إن فُسِّقَ بشُبْهَةٍ، فوَجْهان. ويأْتي بَيانُ العَدالةِ في بابِ شُروطِ مَن تُقْبَلُ شهادَتُه. وقد قال الزَّرْكَشِيُّ: العَدالةُ المُشْتَرَطَةُ هنا؛ هل هي العَدالةُ ظاهِرًا وباطِنًا، كما في الحُدودِ، أو ظاهِرًا فقطْ، كما في إمامَةِ الصَّلاةِ والحاضِنِ ووَلِيِّ اليَتِيمِ ونحو ذلك؟ وفيها الخِلافُ، كما في العَدالةِ في الأمْوالِ، ظاهِرُ إطْلاقاتِ الأصحابِ، أنَّها كالذي في الأَمْوالِ. وقد يُقال: إنَّها كالذي في الحُدودِ. انتهى. سَمِيعًا، بَصِيرًا. هذا المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.

وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وقيلَ: لا يُشْتَرَطان. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مُجْتَهِدًا. هذا المذهبُ المَشْهورُ. وعليه مُعْظَمُ الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. قال ابنُ حَزْم: يُشْتَرَطُ كوْنُه مُجْتَهِدًا إجْماعًا.

٣٩٬٨١٥

وقال: أجْمَعُوا أنَّه لا يحِلُّ لحاكم ولا لمُفْتٍ تقْليدُ رجُل، فلا يحْكُمُ ولا يُفْتِي إلَّا بقَوْلِه.

٣٩٬٨١٦

وقال في «الإِفْصاحِ»: الإِجْماعُ انْعَقَدَ على تقْليدِ كل مِن المذاهبِ الأرْبَعَةِ،

٣٩٬٨١٧

وأنَّ الحقَّ لا يخْرُجُ عنهم. قال المُصَنِّفُ في خُطبةِ «المُغْنِي»: النِّسْبَةُ إلي إمامٍ في الفُروعِ، كالأئمَّةِ الأرْبعَةِ ليستْ بمَذْمُومَةٍ،

٣٩٬٨١٨

فإنَّ اخْتلافَهم رَحْمَة، واتِّفاقَهم حُجَّةٌ قاطِعَةٌ. قال بعْضُ الحَنَفِيَّةِ: وفيه نَظَر؛

٣٩٬٨١٩

فإنَّ الإجْماعَ ليسَ عِبارَةً عنِ الأئمَّةِ الأرْبَعَةِ وأصحابِهم.

٣٩٬٨٢٠

قال في «الفُروعِ»: وليسَ في كلامِ الشَّيخِ ما فَهِمَه هذا الحَنَفِيُّ. انتهى. واخْتارَ في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

«التَّرْغيبِ»: ومُجْتَهِدًا في مذهبِ إمامِه للضَّرُورَةِ. واخْتارَ في «الإفْصاحِ»، و «الرِّعايةِ»: أو مُقَلِّدًا.

٣٩٬٨٢١

قلتُ: وعليه العَمَلُ مِن مُدَّةٍ طويلةٍ، وإلَّا تعَطَّلَتْ أحْكامُ النَّاسِ.

٣٩٬٨٢٢

وقيلَ في المُقَلِّدِ: يُفْتِي ضَرُورَةً. وذكَر القاضي، أنَّ ابنَ شَاقْلا اعْتَرَضَ عليه بقولِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ: لا يكونُ فَقِيهًا حتى يَحْفَظَ أرْبَعَمِائَةِ ألْفِ حديثٍ. فقال: إنْ كنتُ لا أحْفَظُه، فإنِّي أُفْتِي بقولِ مَن يَحْفَظ أكثرَ منه. قال القاضي: لا يقْتَضِي هذا أنَّه كان يُقَلِّدُ الإمامَ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، لمَنْعِه الفُتْيَا بلا عِلْمٍ. قال بعْضُ الأصحابِ: ظاهِرُه تقْلِيدُه، إلَّا أنْ يُحْمَلَ على أخْذِه طُرُقَ العِلْمِ عنه .

٣٩٬٨٢٣

وقال ابنُ بَشَّارٍ، مِن الأصحابِ: ما أعِيبُ على مَن يَحْفَظُ خَمْسَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مَسائِلَ للإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، يُفْتِي بها. قال القاضي: هذا مِنْه مُبالغَةٌ في فَضْلِه. وظاهرُ نَقْلِ عَبْدِ اللهِ، يُفْتِي غيرُ مُجْتَهِدٍ. ذكَرَه القاضي. وحَمَله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، على الحاجَةِ. فعلى هذا، يُراعِي أَلْفاظَ إمامِه ومُتَأخِّرَها، ويُقَلِّدُ كِبارَ مذهَبِه في ذلك.

٣٩٬٨٢٤

قال في «الفُروعِ»: وظاهِرُه أنَّه يحْكُمُ ولو اعْتَقَدَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

خِلافَه؛ لأنَّه مُقَلِّدٌ، وأنَّه لا يخْرُجُ عن الظَّاهرِ عنه، فيَتَوَجَّهُ، مع الاسْتِواءِ، الخِلافُ في مُجْتَهِدٍ. انتهى.

٣٩٬٨٢٥

وقال في «أُصُولِه»: قال بعْضُ أصحابِنا: مُخالفَةُ المُفْتِي نصَّ إمامِه الذي قلَّدَه كمُخالفَةِ المُفْتِي نصَّ الشَّارِعِ.

٣٩٬٨٢٦

فائدة: يَحْرُمُ الحُكْمُ والفُتْيَا بالهَوَى إجْماعًا، وبقَوْلٍ أو وَجْهٍ مِن غيرِ نظَر في التَّرْجيحِ إجْماعًا،

٣٩٬٨٢٧

ويجِبُ أنْ يعملَ بمُوجِبِ اعْتِقادِه فيما له أو عليه إجْماعًا. قاله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه الله. ويأْتِي قريبًا شيءٌ مِن أحْكامِ المُفْتِي. وهل يُشْتَرَطُ كَوْنُه كاتِبًا؟ على وَجْهَينِ. وأطْلَقَهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الهادِي»، و «المُحَررِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «تَجْريدِ العِنايةِ»، و «الزَّرْكَشِىيِّ»، وغيرِهم؛ أحدُهما، لا يُشْتَرَطُ ذلك. وهو المذهبُ؛ صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «تَصْحيحِ المُحَرِّرِ»، وغيرِهم. وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»؛

لكَوْنِهم لم يذْكُروه في الشووطِ. قال ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»: والكاتِبُ أوْلَى. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، [و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ»] ، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. والوَجْهُ الثَّاني، يُشْتَرَطُ. قدَّمه في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

«الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، لكِنْ صحَّحَ الأوَّلَ.

٣٩٬٨٢٨

تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنفِ، أنَّه لا يُشْتَرَطُ فيه غيرُ ما تقدَّم. وهو المذهبُ. وعليه أكثرُ الأصحابِ. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى». وهو ظاهِرُ كلامِ كثيرٍ مِن الأصحابِ؛ لكَوْنِهم لم يذْكُرُوه.

٣٩٬٨٢٩

وقال الْخِرَقِيُّ، وصاحِبُ «الرَّوْضَةِ»، والحَلْوانِيُّ، وابنُ رَزِينٍ، والشَّيخُ تَقِيُّ الذينِ، رَحِمَهُم اللهُ: يُشْتَرَطُ كوْنُه وَرِعًا. وهو الصَّوابُ. قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رحِمَه اللهُ، على ما حَكاه أبو بَكْرٍ في «التنبِيهِ».

٣٩٬٨٣٠

وقيل: يُشْتَرَطُ كوْنُه وَرِعًا زاهِدًا. وأطلَقَ في «التَّرْغيبِ»، و «تَجْرِيدِ العِنايةِ» فيهما وَجْهَين.

٣٩٬٨٣١

وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا مُغَفَّلًا. قال مَشايخِنا: الذي يظْهَرُ الجَزْمُ به. وهو كما قال. والذي يظْهَرُ، أنَّه مُرادُ الأصحابِ، وأنه يُخَرجُ مِن كلامِهم.

٣٩٬٨٣٢

وقال القاضي في مَوْضِعٍ: لا بَلِيدًا.

٣٩٬٨٣٣

قلتُ: وهو الصَّوابُ. وقال القاضي أيضًا: لا نافِيًا للقِياسِ. وجعَله ظاهِرَ كلامِ الإمامِ أحمدَ.

٣٩٬٨٣٤

وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الولايةُ لها رُكْنان؛ القُوَّةُ، والأمانَةُ؛ فالقُوَّةُ في الحُكْمِ ترْجِعُ إلى العِلْمِ بالعَدْلِ وتَنْفيذِ الحُكْمِ، والأمانَةُ ترْجِعُ إلى خَشْيَةِ اللهِ عز وجَلَّ. قال: وهذه الشروطُ تُعْتبَرُ حسَبَ الإمْكانِ، وتَجِبُ توْلِيَةُ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ.

٣٩٬٨٣٥

وقال: على هذا يدُلُّ كلامُ الإمامِ أحمدَ، رحِمَه اللهُ، وغيرِه؛ فيُوَلَّى للعَدَمِ أنْفَعُ الفاسِقَين، وأَقلُّهما شرًّا، وأعْدَلُ المُقَلِّدَين وأعْرَفُهما بالتَّقْليدِ.

٣٩٬٨٣٦

قال في «الفُروعِ»: وهو كما قال؛

٣٩٬٨٣٧

فإن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المَرُّوذِيَّ نقَل في مَن قال: لا أسْتَطِيعُ الحُكْمَ بالعَدْلِ. يصِيرُ الحُكْمُ إلى أعْدَلَ منه. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: قال بعْضُ العُلَماءِ: إذا لم يُوجَدْ إلَّا فاسِقٌ عالِمٌ و جاهِلٌ دَيِّنٌ، قُدِّمَ ما الحاجَةُ إليه أكثرُ إذَنْ. انتهى.

٣٩٬٨٣٨

تنبيه: لا يُشْتَرَطُ غيرُ ما تقدَّم، ولا كراهَةَ فيه، فالشَّابُّ المُتَّصِفُ بالصِّفاتِ المُعْتَبَرَةِ كغيرِه، لكِنَّ الأَسَنَّ أوْلَى مع التَّساوي، ويُرَجَّحُ أيضًا بحُسْنِ الخُلُقِ وغيرِ ذلك،

٣٩٬٨٣٩

ومَن كانَ أكمَلَ في الصفاتِ، ويوَلَّى المُوَلى مع أهْلِيَّته.

فائدتان؛ إحْداهما، كل ما يمنعُ مِن توْليَةِ القَضاءِ ابْتِداءً يَمْنَعُها دَوامًا. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. فيَنْعَزِلُ إذا طَرَأ ذلك عليه مُطْلَقًا. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وجزَم به في «الرِّعايةِ» وغيرِه.

٣٩٬٨٤٠

وقال في «المُحَرَّرِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، و «الوَجيزِ»،

٣٩٬٨٤١

ومَن تابعَهم: ما فُقِدَ مِن الشُّروطِ في الدَّوامِ أزال الولايةَ، إلَّا فَقْدَ السَّمْعِ والبَصَرِ فيما يثْبُتُ عندَه ولم يحْكُمْ به؛

٣٩٬٨٤٢

فإنَّ ولايةَ حُكْمِه باقِيَةٌ فيه. وقاله في «الانْتِصارِ» في فَقْدِ البَصَرِ فقطْ.

٣٩٬٨٤٣

وقيل: إنْ تابَ فاسِقٌ، أو أفاقَ مَن جُنَّ أو أُغْمِيَ عليه، وقُلْنا: يَنْعَزِلُ بالإِغْماءِ، فولايَتُه باقِيَةٌ.

٣٩٬٨٤٤

وقال في «التَّرْغيبِ»: إنْ جُنَّ، ثم أفاقَ، احْتَمَلَ وَجْهَين.

٣٩٬٨٤٥

وقال في «المُعْتَمَدِ»: إنْ طرَأ جُنون، فقيل: إنْ لم يكُنْ مُطْبقًا، لم يُعْزَلْ، كالإغْماء،

٣٩٬٨٤٦

وإنْ أطْبَقَ به، وَجَبَ عَزْلُه.

٣٩٬٨٤٧

وقال: الأثْمبَهُ بقوْلِنا: يُعْزَلُ. إنْ أطْبَقَ شَهْرًا؛ لَأنَّ الإِمامَ أحمدَ، رحِمَه اللهُ تعالى، أجازَ شهادَةَ مَن يُخْنَقُ في الأحْيانِ،

٣٩٬٨٤٨

وقال: في الشهْرِ مَرَّةً. قال في «الفُروعِ»: كذا قال. وَالْمُجْتَهِدُ مَنْ يَعْرِفُ مِنْ كِتَابِ الله تِعَالى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ عَلَيهِ السَّلَامُ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ، وَالأمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْمُجْمَلَ وَالْمُبَيَّنَ، وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ، وَالْخَاصَّ وَالْعَامَّ، وَالْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ، وَالنَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، وَالْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَيَعْرِفُ مِنَ السُّنَّةِ صَحِيحَهَا مِنْ سَقِيمِهَا، وَتَوَاتُرَهَا مِنْ آحَادِهَا، وَمُرْسَلَهَا وَمُتَّصِلَهَا، وَمُسْنَدَهَا وَمُنْقَطِعَهَا، مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالأحْكَامِ خَاصَّةً، الثَّانيةُ، لو مَرِضَ مرَضا يَمْنَعُ القَضاءَ، تعيَّن عزْلُه. قدَّمه في «الفُروعِ».

٣٩٬٨٤٩

وقال المُصَنِّفُ، والشُّارِحُ: ينْعَزِلُ.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

فصل [في شروط القاضي] قال المصنف رحمه الله: (ويشترطُ في القاضي عشرُ صفاتٍ: أن يكونَ بالغاً، عاقلاً، ذكراً، حراً، مسلماً، عدلاً، سميعاً، بصيراً، مُتكلّماً، مجتهداً. وهل يشترط كونه كاتباً؟ على وجهين) .

١٦٬٠٠٥

أما كون القاضي يشترطُ فيه عشرُ صفاتٍ؛ فلما يأتي ذكره في مواضعه.

١٦٬٠٠٦

وأما كونها أن يكون بالغاً ... إلى آخره: أما بلُوغه وعقلُه؛ فلأن الصبي والمجنون لا ينفذ قولهما في أنفسهما. فلأن لا ينفذ قولهما في غيرهما بطريق الأولى.

ولأن الصبي والمجنون يستحقان الحجر عليهما، والقاضي يستحق الحجر على غيره؛ فبين حاليهما وبين حاله منافاة.

١٦٬٠٠٧

وأما ذكوريته؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«ما أفلحَ قومٌ ولّوا أمرهمُ امرأة».

ولأن المرأة ناقصة العقل وقليلة الرأي ليست أهلاً لحضور الرجال وشهود محافل الخصوم.

١٦٬٠٠٨

وأما حريته؛ فلأن القضاء منصبٌ شريفٌ. فلا يجوز أن يتولاه عبدٌ؛ كالإمامة العُظمى.

ولأن العبد في أعين الناس ممتهن، والقاضي موضوعٌ للفصل بين الخصوم. فحاله يُنافي حال الولاية.

١٦٬٠٠٩

وأما إسلامه؛ فلأن الكفر يقتضي إذلال صاحبه، والقاضي يقتضي احترامه وبينهما منافاة.

ولأن الإسلام شرطٌ في الشهادة. فلأن يكون شرطاً في القضاء بطريق الأولى.

١٦٬٠١٠

وأما عدالته؛ فلأن الله تعالى قال:{إن جاءكم فاسقٌ بنبإ فتبينوا}. والحاكم يجيء بقول. فلا يجوز قبوله مع فسقه كذلك.

ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهداً. فلأن لا يجوز أن يكون قاضياً بطريق الأولى.

١٦٬٠١١

وأما سَمعُهُ وبَصرُهُ وتكلّمُهُ؛ فلأنه لا يتمكن مع فقد هذه الحواس من الفصل بين المتخاصمين؛ لأن سماع القول لا يتمكن منه إلا بسمعه. ومعرفة المدعِي من المدعَى عليه، والمقر من المقرِّ له، والشاهد من المشهود عليه: لا يتمكن منه إلا ببصره. والحكمُ بين الخصومِ لا يتمكن منه إلا بالنطق.

١٦٬٠١٢

وأما اجتهاده؛ فلأن فاقد الاجتهاد إنما يحكم بالتقليد، والقاضي مأمور بالحكم بما أنزل الله.

ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«القضاةُ ثلاثة: اثنان في النار وواحدٌ في الجنة: رجلٌ علمَ الحق فقضى به فهوَ في الجنة، ورجلٌ قضى للناس على جهلٍ فهو في النار، ورجلٌ جارَ في الحكمِ فهوَ في النار». رواه ابن ماجة.

ولأن الحكم آكد من الفتيا؛ لأنه فُتيا وإلزام، والمفتي لا يجوزُ أن يكون عامياً مقلداً فالحاكم أولى.

١٦٬٠١٣

وأما كون القاضي يشترطُ فيه أن يكون كاتباً على وجه؛ فلأن القاضي من أهل الكمال، والكتابة منه.

ولأنه يحتاج إلى الكتابة على ما ثبت عنده، وعلى خطوط الشهود.

١٦٬٠١٤

وأما كونه لا يشترطُ أن يكون كاتباً على وجه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان حاكم الحكام ولم يكن كاتباً.

وأجيب عنه بأن عدم الكتابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لمعنى كان مفقوداً في غيره، وذلك يقتضي قطع الإلحاق.

قال: (والمجتهدُ: من يعرفُ من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله عليه السلام الحقيقة والمجاز، والأمر والنهي، والمجمل والمبين، والمحكم والمتشابه، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والمستثنى والمستثنى منه. ويعرفُ من السنةِ صحيحها من سقيمها، وتواترها من آحادها، ومرسلها ومتصلها، ومسندها ومنقطعها، مما له تعلقٌ بالأحكام خاصة. ويعرف ما أُجمع عليه مما اختُلف فيه، والقياس وحدوده وشروطه وكيفية استنباطه، والعربيةُ المتداولةُ بالحجازِ والشامِ والعراقِ وما يواليهم، وكل ذلك مذكورٌ في أصولِ الفقهِ وفروعهِ،

١٦٬٠١٥

فمن وقَفَ عليه ورُزق فهمُه صَلُحَ للفُتيا والقضاء وبالله التوفيق).

١٦٬٠١٦

أما كون المجتهد من يعرفُ ما ذكره المصنف رحمه الله؛ فلأن العالم لا يتمكن من الاجتهاد بدون ذلك.

١٦٬٠١٧

وأما كون ذلك مذكوراً في أصولِ الفقهِ وفروعهِ؛ فلأنهما محلُ ذلك كله. وفيه

١٦٬٠١٨

تنبيه على المواضع لتُقصَدَ فيحصُل لطالبها ما قصَدَه.

١٦٬٠١٩

وأما كون من وقَفَ على ذلك ورُزق فهمُه صلُح للفُتيا والقضاء؛ فلأن العالم بذلك متمكنٌ من التصرفِ في العلومِ الشرعية ووضعها في مواضعها.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.