وَلَا يَجُوزُ فِيهَا إِلَّا مَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ وَالضَّرَرُ الْمَانِعُ مِنَ الْقِسْمَةِ هُوَ نَقْصُ الْقِيمَةِ بِالْقَسْمِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ أَوْ لَا يَنْتَفِعَانِ بِهِ مَقْسُومًا، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ
الشروح عليها
مسألة: (وهذه) القِسْمَةُ (جَارِيَةٌ مَجْرَى البَيْعِ) لِما فيها مِن الرَّدُّ، وبهذا تَصِيرُ بَيْعًا؛ لأنَّ صاحبَ الرَّدِّ بَذل المالَ عِوَضًا عمّا حَصَل له مِن حقِّ شَرِيكِه، وهذا هو البيعُ. ولا يُجْبَرُ عليها المُمْتَنِعُ منها؛ لِما رَوَى مالكٌ، في «مُوَطَّئِه» عن عمرِو بنِ يحيى المازِنِىِّ، عن أبيه، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ». ولأنَّه لا يُجْبَرُ على بَيْعِ مِلْكِه، فلا يُجْبَرُ على قِسْمَتِه؛
لأنَّها بَيْعٌ، ولايجوزُ فيها إلَّا ما يجوزُ في البَيْعِ كذلك.
فصل: وهل تَلْزَمُ قِسْمةُ التَّراضِى بالقُرْعَةِ إذا قَسَمَها الحاكمُ، أو رَضِيا بقاسِم يَقْسِمُ بينَهم؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَلْزَمُ، كقِسْمَةِ الإِجْبارِ؛ ولأنَّ القاسِمَ كالحاكمِ، وقُرْعَتَه كحُكْمِه.
والثاني، لا تَلْزَمُ؛ [لأنَّها بَيْعٌ]، والبَيْعُ لا يَلْزَمُ إلَّا بالتَّراضِى، لا بالقُرْعَةِ، وإنَّما القُرْعَةُ فيه لتَعْريفِ البائِع مِن المشْتَرِى.
فأمَّا إن تَراضَيا على أنْ يَأْخُذَ كلُّ واحدٍ منهما مِن السَّهْمَيْن بغيرِ قُرْعَةٍ، فإنَّه يجوزُ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما،
وكذلك لو خَيَّرَ أحدُهما صاحِبَه فاخْتارَ،
ويَلْزَمُ ههُنا. بالتَّراضِى والتَّفَرُّقِ، كما يَلْزَمُ البيعُ.
٤٩٤٠ - مسألة: (والضَّرَرُ المانِعُ مِن القِسْمَةِ، هو نَقْصُ القِيمَةِ بالقَسْمِ، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ. أو لا يَنْتَفِعان به مَقْسُومًا، في ظاهِرِ كَلامِ الخِرَقِىِّ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ في الضَّرَرِ المانِعِ مِن القِسْمَةِ، ففي قولِ الخِرَقِىِّ، هو ما لا يُمْكِنُ أحدَهما معه الانْتِفاعُ بنصيبِه مُفْرَدًا، فيما كان يَنْتَفِعُ به مع الشَّرِكَةِ، مثلَ أن تكونَ بينَهما دارٌ صغيرةٌ، إذا قُسِمَتْ أصاب كلُّ واحدٍ منهما مَوْضِعًا ضَيِّقًا لا يَنْتَفِعُ به.
ولو أمْكَنَ أن يَنْتَفِعَ به في شيءٍ غيرِ الدَّارِ، [ولا يُمْكِنُ أن يَنْتَفِعَ به دارًا]، لم يُجْبَرْ على القِسْمَةِ أيضًا؛ لأنَّه ضَرَرٌ يَجْرِى مَجْرَى الإِتْلافِ. والرِّوايةُ الأُخْرَى، أنَّ المانِعَ مِن القِسْمَةِ هو أن تَنْقُصَ قِيمَة نصيبِ أحدِهما بالقِسْمَةِ عن حالِ الشركةِ، وسَواءٌ انْتَفَعُوا به مَقْسُومًا أو لم يَنْتَفِعُوا. قال القاضي: هذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّه
قال في رِوايَةِ المَيْمُونِىِّ: إذا قال بعضُهم: يَقْسِمُ.
وقال بعضُهم: لا يَقْسِمُ. فإن كان فيه نُقْصانٌ عن ثَمنِه، بِيعَ، وأُعْطِىَ الثَّمَنَ. فاعْتَبَرَ نُقْصانَ الثَّمَنِ. وهذا ظاهِرُ كلامِ الشافعىِّ؛ لأنَّ نَقْصَ قِيمتِه ضَرَرٌ، والضَّرَرُ مَنْفِىٌّ شَرْعًا.
وقال مالكٌ: يُجْبَرُ المُمْتَنِعُ وإن اسْتَضَرَّ، قياسًا على ما لا ضَرَرَ فيه.
ولا يَصِحُّ؛ لقولِه عليه السلامُ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ». مِن «المُسْنَدِ». ولأنَّ في قِسْمَتِه ضَرَرًا، فلم يُجْبَرْ عليه، كقِسْمَةِ الجَوهَرَةِ بكَسْرِها، ولأنَّ في قِسْمَتِه إضاعَةَ المالِ، وقد نَهَى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عن إضَاعةِ المالِ .
ولا يَصِحُّ القِياسُ على ما لاضَرَرَ فيه؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ.
٤٩٤١ -
(وَالضَّرَرُ الْمَانِعُ مِنَ الْقِسْمَةِ) أَيْ: قِسْمَةِ الْإِجْبَارِ. (هُوَ نَقْصُ الْقِيمَةِ بِالْقَسْمِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; لِأَنَّ نَقْصَ قِيمَتِهِ ضَرَرٌ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا.
وَظَاهِرُهُ: سَوَاءٌ، انْتَفَعُوا بِهِ مَقْسُومًا أو لا. (أَوْ لَا يَنْتَفِعَانِ بِهِ مَقْسُومًا، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ) وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَذَكَرَ فِي الْكَافِي: أَنَّهُ الْقِيَاسُ. وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا دَارٌ صَغِيرَةٌ، إِذَا قُسِّمَتْ أَصَابَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَوْضِعًا ضَيِّقًا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ،
وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ فِي شَيْءٍ غَيْرِ الدَّارِ، أَوْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ دَارًا، فَلَا إِجْبَارَ ; لِأَنَّهُ ضَرَرٌ يَجْرِي مَجْرَى الْإِتْلَافِ،
بِخِلَافِ نُقْصَانِ الْقِيمَةِ. فَإِنَّ اعْتِبَارَهُ يُؤَدِّي إِلَى بُطْلَانِ الْقِسْمَةِ غَالِبًا، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ. وَلِأَنَّ ضَرَرَ نَقْصِ الْقِيمَةِ يَنْجَبِرُ بِزَوَالِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ، فَيَصِيرُ كَالْمَعْدُومِ.
والضَّرَرُ المانِعُ مِن الْقِسْمَةِ - يعْنِى قِسْمَةَ الإجْبارِ - هو نَقْصُ القِيمَةِ بِالْقَسْمِ، في ظَاهِرِ كَلَامِهِ. أَوْ لَا يَنْتَفِعَانِ بِهِ مَقْسُومًا، فِي ظَاهِرِ كَلَامَ الخِرَقِىِّ.
بالقِسْمَةِ في ظاهِرِ كلامِه. يعْنِى ، في رِوايَةِ المَيْمُونِيِّ.
وكذا قال في «الهِدايةِ»، و «المُحَرِّرِ»، وغيرِهما. وهو المذهبُ. جزَم به في «الوَجيزِ».
وقدَّمه فى «الخُلاصةِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
أو لا يَنْتَفِعان به مَقْسُومًا في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِيِّ. وهو رِوايَةٌ عن الإمام أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، اخْتارَه المُصَنِّفُ. وجزَم به في «العُمْدَةِ». وأطْلَقَهُما في «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ».
وقال: ظاهرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في رِوايَةِ حَنْبَلٍ، اعْتِبارُ النَّفْعِ، وعدَمُ نَقْصِ قِيمَتِه ولو انْتَفَعَ فَإنْ كَانَ الضَّرَرُ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ، كَرَجُلَيْنِ لِأحَدِهِمَا الثُّلُثَانِ، وَلِلآخَرِ الثُّلُثُ، يَنْتَفِعُ صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ به. وتقدَّم التَّنْبِيهُ على بعْضِ ذلك، في بابِ الشُّفْعَةِ.
قال: (والضرر المانع من القسمة هو: نقص القيمة بالقسم في ظاهر كلامه، أو لا ينتفعان به مقسوماً في ظاهر كلام الخرقي) .
أما كون المانع من القسمة نقص القيمة في ظاهر كلام الإمام؛ فلأن نقصان القيمة ضرر فينتفي بقوله عليه السلام:«لا ضَررَ ولا إضرار».
وأما كونه لا ينتفعان به مقسوماً في ظاهر كلام الخرقي؛ فلأن ذلك ضرر شديد مفضٍ إلى إضاعة المال فيكون منهياً عنه.
بخلاف نقصان القيمة فإن اعتباره يؤدي إلى بطلان القسمة غالباً. فوجب أن لا يعتبر.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.