وَيَجُوزُ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ، وَالْكُحْلِيُّ وَالْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ وَالنَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ لَهُمَا جَمِيعًا لَهُمَا
الشروح عليها
مسألة: (ويَجُوزُ لُبْسُ المُعَصْفَرِ والكُحْلِيِّ، والخِضابُ بالحِنّاءِ، والنَّظَرُ في المِرْآةِ لهما جَمِيعًا) لا بَأسَ بما صُبغَ بالعُصْفُرِ؛ لأنَّه ليس بطِيبٍ، ولِا بَأسَ باسْتِعْمالِه وشَمِّه. هذا قولُ جابِرٍ، وابنِ عُمَرَ، وعبدِ اللهِ بنِ جَعْفرٍ، وعَقِيلِ بنِ أبِى طالِبٍ، رَضِىَ اللهُ عنهم. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ. وكَرِهَه مالكٌ، إذا كان يَنْتَفِضُ في جَسَدِه، ولم يُوجِبْ فيه فِدْيَةً. ومَنَع منه الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدٌ، وشَبَّهُوه بالمُوَرَّسِ والمُزَعْفَرِ؛ لأنَّه صِبْغٌ طيِّبُ الرّائِحَةِ. ولَنا، أنَّ في حديثِ ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -
قال في المُحْرِمَةِ:«وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أحَبَّتْ مِنْ ألْوَانِ الثِّيابِ؛ مِن مُعَصْفرٍ، أوْ خَزٍّ، أوْ حَلْىٍ». رَواه أبو داودَ . وعن عائِشَةَ، وأَسماءَ، وأزْواجِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَهُنَّ كُنَّ يُحْرِمْنَ في المُعَصْفَراتِ . ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِف لهم مُخالِفًا، ولأنَّه ليس بطِيبٍ، فلم يُكْرَهِ المَصْبُوغُ به، كالسَّوادِ.
وأمّا الوَرْسُ والزَّعْفرانُ، فإنَّه طِيبٌ. ولا بَأسَ بالمُمَشَّقِ، وهو المصْبُوغُ بالمَغْرَة ؛ لأنَّه مَصْبُوغٌ بطِينٍ،
وكذلك سائِرُ الأصْباغِ، سِوَى ما ذَكرْنا؛ لأنَّ الأصْلَ الإباحَةُ إلَّا ما وَرَد الشَّرْعُ بتَحْرِيمِه، أو ما كان في مَعْناه. وليس هذا كذلك.
فأمّا المصْبُوغُ بالرَّياحِينِ، فهو مَبْنىٌّ على الرَّياحِينِ في نَفْسِها، فما مُنِعَ المُحْرِمُ مِن اسْتِعْمالِه مُنِعَ لُبْسَ المصْبُوغِ به، إذا ظَهَرَتْ رائِحَتُه، وإلَّا فلا. إلَّا أنَّه يُكْرَهُ للرجلِ لُبْسُ المُعَصْفَرِ في غيرِ الإحْرامِ، فكذلك فيه، وقد ذَكَرْنا ذلك في الصلاةِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ للمَرْأةِ أن تَخْتَضِبَ بالحِنّاءِ عندَ الإحْرامِ؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه قال: مِن السُّنَّةِ أن تَدْلُكَ المَرْأةُ يَدَيْها في حِنّاءٍ . ولأنَّه مِن الزِّينَةِ، فاسْتُحِبَّ عندَ الإِحْرامِ، كالطِّيبِ، ولا بَأْسَ بالخِضابِ في حالِ إحْرامِها.
وقال القاضى: يُكْرَهُ؛ لكَوْنِه مِن الزِّينَةِ، فأشْبَهَ الكُحْلَ بالإثْمِدِ.
فإن فَعَلَتْ، ولم تَشُدَّ يَدَيْها بالخِرَقِ، فلا فِدْيَةَ عليها. وبه قال الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وكان مالكٌ، ومحمدُ بنُ الحسنِ يَكْرهان الخِضابَ للمُحْرِمَةِ، وألْزَماها الفِدْيَةَ. ولَنا، ما روَى عِكْرِمَةُ، أنَّه قال: كانَتْ عائِشَةُ، وأزْواجُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، يَخْتَضِبْن بالحِنّاءِ، وهُنَّ حُرُمٌ. ولا بَأْسَ بذلك للرجلِ فيما لا تَشَبُّهَ فيه بالنِّساءِ؛ لأنَّ الأصْلَ الإباحَةُ، وليس ههُنا دَلِيلق يَمْنَعُ، مِن نَصٍّ، ولا إجْماعٍ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ.
فصل: ولا بَأْسَ بالنَّظرَ في المِرْآةِ للحاجَةِ، كمُداواةِ جُرْح، أو إزالةِ شَعَرةٍ نَبَتَتْ في عَيْنِه، ونحوِ ذلك ممّا أباحَ الشَّرْعُ له فِعْلَه. وقد رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، أنَّهما كانا يَنْظران في المِرْآةِ وهما مُحْرِمان.
ويُكْرَهُ أن يَنظرُ فيها لإزالَةِ شَعَثٍ، أو تَسْوِيَةِ شَعَرٍ، أو شئٍ مِن الزِّينَةِ. ذَكَرَه الخِرَقِىُّ. قال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: لا بَأْسَ أن يَنْظُرَ في المِرْآةِ، ولا يُصْلِحُ شَعرًا، ولا يَنْفُضُ عنه غُبارًا.
وقال أيضًا: إذا كان يُرِيدُ زِينَةً، فلا. قِيلَ: فكيف يُرِيدُ زِينَةً؟ قال: يَرَى شَعَرَةً فَيُسَوِّيها. رُوِىَ نحوُ ذلك عن عَطاءٍ؛ لأنَّه قد رُوِىَ في حديثٍ:«إنَّ المُحْرِمَ الأشْعَثَ الأغْبَرَ». وفى آخَرَ:«إنَّ اللهَ يُبَاهِى بِأهْلِ عَرَفَةَ مَلَائِكَتَهُ، فَيَقُولُ: يَا مَلَائِكَتِى، انْظُرُوا إلَى عِبَادِى، قَدْ اتُوْنِى شُعْثًا غُبْرًا، ضَاحِينَ». أو كما جاء. ولا فِدْيَةَ بالنَّظَرَ في المِرْآةِ بحالٍ، وإنَّما ذلك أدَبٌ لا شئَ على فاعِلِه. لا نَعْلَمُ أحَدًا أوْجَبَ في ذلك شيئًا.
فصل: وللمُحْرِمِ أن يَحْتَجِمَ، ولا فِدْيَةَ عليه، إذا لم يَقْطَعْ شَعَرًا، في قولِ الجُمْهُورِ؛ لأنَّه تَداوٍ بإخْراجِ دَمٍ، أشْبَهَ الفَصْدَ، وَبَطَّ الجُرْحِ .
وقال مالكٌ: لا يَحْتَجِمُ إلَّا مِن ضَرُورَةٍ. وكان الحسنُ يَرَى في الحِجامَةِ دَمًا. ولَنا، أنَّ ابنَ عباسٍ روَى أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، احْتَجَمَ وهو مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عليه . ولم يَذْكُرْ فِدْيَةً. ولأنَّه لا يَتَرَفَّهُ بذلك، أشْبَهَ شُرْبَ الأدْوِيَةِ.
وكذلك الحُكْمُ في قَطْعِ العُضْوِ عندَ الحاجَةِ، والخِتانِ، كلُّ ذلك مُباحٌ مِن غيرِ فِدْيَةٍ،
فإن احْتَاجَ في الحِجامَةِ إلى قَطْع شَعَرٍ، فله قَطْعُه؛ لِما روَى عَبْدُ اللهِ اينُ بُحَيْنَةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - احْتَجَمَ بِلَحْىِ جَمَلٍ ، في طَرِيقِ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَسَطَ رَأسِه. مُتَّفَقٌ عليه .
ومِن ضَرُورَةِ ذلك قَطْعُ الشَّعَرِ. ولأنَّه يُباحُ حَلْقُ الشَّعَرِ لِإزَالَةِ أذَى القَمْلِ، فكذلك هذا، وعليه الفِدْيَةُ. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَتَصَدَّقُ بشَئٍ. ولَنا، قَوْلُه تعالى:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ} الآية. ولأنَّه حَلَق شَعَرًا لإِزالَةِ ضَرَرٍ غيرِه، فَلَزِمَتْه الفِدْيَةُ، كما لو حَلَقَه لإِزالَةِ قَمْلِهِ.
فصل: ويَجْتَنِبُ المُحْرِمُ ما نَهاه اللهُ تَعالى عنه، بقَوْلِه:{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}. وهذا صِيغَتُه صِيغَةُ النَّفْىِ، والمُرادُ به النَّهْىُ، كقَوْلِه تعالى:{لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا}. والرَّفَثُ الجِمَاعُ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: الرَّفَثُ، غِشْيانُ النِّساءِ، والتَّقْبِيلُ، والغَمْزُ،
وأن يَعْرِضَ لها بالفُحْشِ مِن الكَلامِ.
وقال أبو عُبَيْدَةَ: الرَّفَثُ لَغا الكَلامِ.
وأنْشَدَ قولَ العَجَّاجِ :
* عَنِ اللَّغا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ *
وقِيلَ: الرَّفَثُ هو ما يُكْنَى عنه مِن ذِكْرِ الجِماعِ. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه أنْشَدَ بَيْتًا فيه التَّصرِيحُ بما يُكْنَى عنه مِن الجِماعِ وهو مُحْرِمٌ ، فقِيلَ له في ذلك، فقالَ: إنَّما الرَّفَثُ ما رُوجِعَ به النِّساءُ. وفى لَفْظٍ: ما قِيلَ مِن ذلك عندَ النِّساءِ. وفى الجُمْلَةِ، كلُّ ما فُسَر به الرَّفَثُ يَنْبَغِى للمُحْرِمِ أن يَجْتَنِبَه، إلَّا أنَّه في الجِماعِ أظْهَرُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن تَفْسِيرِ الأئِمَّةِ، ولأنَّه قد جاء في مَوْضعٍ آخَرَ، وأُرِيدَ به الجماعُ، وهو قَوْلُه تعالى:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}.
أمّا الفُسُوقُ: فهو السِّبابُ؛ لقولي النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -. «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ».مُتَّفَقٌ عليه .
وقِيلَ: الفُسُوقُ المعاصِى. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، وعطاءٍ، وإبراهيمَ. وقالوا أيضًا: الجِدالُ المِراءُ. قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ الله عنه: هو أن تُمارِىَ صاحِبَك حتى تُغْضِبَه. والمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِن ذلك كلِّه، قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِه كَيَوْمِ وَلَدتْهُ أُمُّهُ». مُتَّفَقٌ عليه .
وقال مُجاهِدٌ، في قَوْلِه:{وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}. أى: لا مُجادَلَةَ. وقولُ الجُمْهُورِ أوْلَى.
فصل: ويُسْتَحَبُّ له قِلَّةُ الكَلامِ، إلَّا فيما يَنْفَعُ؛ صِيانَةً لنَفْسِه عن اللَّغوِ والوُقُوعِ في الكَذِب وما لا يَحِلُّ،
فإنَّ مَن كَثُرَ كَلامُه كَثُرَ سَقَطُه. وعن أبِي هُرَيْرَةَ، رَضِىَ الله عنه، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:«مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ». مُتَّفَقٌ عليه .
وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ، تَرْكُه مَا لَا يَعْنِيهِ». قال أبو داودَ: أُصُولُ السُّنَنِ أرْبَعَةُ أحاديثَ، هذا أحَدُها. وهذا في حالِ الإحْرام أشَدُّ اسْتِحْبابًا؛ لأنَّه حالُ عِبادَةٍ واسْتِشْعارٍ بطاعَةٍ، فهو يُشْبِهُ الاعْتِكاَفَ. وقد احْتَجَّ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، على ذلك، بأنَّ شُرَيْحًا، رَحِمَه اللهُ، كان إذا أحْرَمَ كأنَّه حَيَّةٌ صَمّاءُ. فيُسْتَحَبُّ للمُحْرِمِ أن يَشْتَغِلَ بالتَّلْبيَةِ، وذِكْرِ اللهِ تعالى، وقِراءةِ القرْآنِ، أو أمْرٍ بمَعْرُوفٍ، أو نَهْى عن مُنْكَرٍ، أو تَعْلِيمِ جاهِلٍ، أو يَأْمُرَ بحاجَتِه، أو يَسْكُتَ،
فإن تَكَلَّم بما لا إثْمَ فيه، أو أنْشَدَ شِعْرًا لا يَقْبُحُ، فهو مُباحٌ، ولا يُكْثِرُ، فقد رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ الله عنه، أنَّه كان على ناقَةٍ له وهو مُحْرِمٌ،
فجَعَلَ يَقُولُ:
كأنَّ راكِبَها غُصْنٌ بِمَرْوَحَةٍ ... إذا تَدَلَّتْ به أو شارِبٌ ثَمِلُ اللهُ أكْبَرُ، الله أكْبَرُ . وهذا يدُل على الإباحَةِ. والفَضِيلَةُ ما ذَكَرْناه أوَّلًا، واللهُ أعْلَمُ.
فصل: ويَجُوزُ للمُحْرِمِ أن يَتَّجِرَ، ويَصْنَعَ الصنَّائِعَ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه. قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما: كان ذُو المَجازِ وعُكاظٌ مَتْجَرَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، فلَمّا جاء الإسْلامُ كأنَّهم كَرِهُوا ذلك، حتى نَزَلَتْ:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ}. يَعْنِى في مَواسِمِ الحَجِّ .
(وَيَجُوزُ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ، وَالْكُحْلِيُّ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي حَقِّ الْمُحْرِمَةِ:«وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ مُعَصْفَرٍ أَوْ خَزٍّ أَوَحَلْيٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعَنْ عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ: أَنَّهُمَا كَانَا يُحْرِمَانِ فِي الْمُعَصْفَرَاتِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ فَلَمْ يُكْرَهِ الْمَصْبُوغُ بِهِ كَالسَّوَادِ فَإِنْ كَانَ مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ، أَوْ زَعْفَرَانٍ، فَلَا؛ لِأَنَّهُ طِيبٌ،
وَأَمَّا الْمَصْبُوغُ بِالرَّيَاحِينِ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَيْهَا فِي نَفْسِهَا، لَكِنْ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ لِكَرَاهَتِهِ لَهُ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ (وَالْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ) لِمَا رَوَى عِكْرِمَةُ قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ، وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْتَضِبْنَ بِالْحِنَّاءِ، وَهُنَّ حُرُمٌ. رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ كَالْكُحْلِ بِالْإِثْمِدِ فَإِذَا اخْتَضَبَتْ وَشَدَّتْ يَدَيْهَا بِخِرْقَةٍ فَدَتْ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ لَوْنُهُ لَا رِيحُهُ عَادَةً كَخِضَابٍ بِسَوَادٍ، وَلَا بَأْسَ بِهِ لِلرَّجُلِ فِيمَا لَا يَتَشَبَّهُ فِيهِ بِالنِّسَاءِ.
ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، وَلَا دَلِيلَ لِلْمَنْعِ. وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَنَّهُ كَالْمَرْأَةِ فِي الْحِنَّاءِ، وَأَطْلَقَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " لَهُ الْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ،
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كَرِهَهُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ،
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ هُوَ بِلَا حَاجَةٍ مُخْتَصٌّ بِالنِّسَاءِ، وَاحْتَجَّ بِلَعْنِ الْمُتَشَبِّهِينَ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ
فَأَمَّا خِضَابُهَا بِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَمُسْتَحَبٌّ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ فَاسْتُحِبَّ عِنْدَ الْإِحْرَامِ كَالطِّيبِ.
فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ لِلْمُزَوَّجَةِ أَنْ تَخْتَضِبَ بِالْحِنَّاءِ لِمَا فِيهِ مِنَ الزِّينَةِ، وَالتَّحَبُّبِ لِلزَّوْجِ كَالطِّيبِ،
وَيُكْرَهُ لِلْأَيِّمِ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، مَعَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ،
وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " لَا يُسْتَحَبُّ لَهَا، وَقَدْ رَوَى أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا:«يَا مَعَاشِرَ النِّسَاءِ اخْتَضِبْنَ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَخْتَضِبُ لِزَوْجِهَا، وَإِنَّ الْأَيِّمَ تَخْتَضِبُ تَعَرَّضُ لِلرِّزْقِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -» (وَالنَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ لَهُمَا جَمِيعًا) رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُمَا كَانَا يَنْظُرَانِ فِي الْمِرْآةِ، وَهُمَا مُحْرِمَانِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْهُ،
ثُمَّ إِنْ كَانَ الْقَصْدُ مِنْهُ إِزَالَةَ شَعَثٍ أَوْ تَسْوِيَةَ شَعْرٍ أَوْ شَيْءٍ مِنَ الزِّينَةِ، كُرِهَ. ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ، وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَدَبٌ،
وَفِي قَوْلٍ: يَحْرُمُ، وَقَوْلُهُ: (لَهُمَا) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ متعلق بالنظر لِقُرْبِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ " يَجُوزُ " وَهُوَ الظَّاهِرُ.
تَنْبِيهٌ: يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَّجِرَ، وَيَصْنَعَ الصَّنَائِعَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ مَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ وَاجِبٍ أَوْ مُسْتَحَبٍّ،
وَقَالَ الْآجُرِّيُّ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ: وَيَلْبَسُ الْخَاتَمَ، لَكِنْ يُكْرَهُ إِنْ كَانَ لِزِينَةٍ كَحَلْيٍ وَنَظَرٍ فِي مِرْآةٍ [بَابُ الْفِدْيَةِ][أَنْوَاعُ الفدية في الحج] ِ قَالَ: الْجَوْهَرِيُّ فَدَاهُ، وَفَادَاهُ: إِذَا أَعْطَى فَدَاءَهُ، وَفَدَاهُ بِنَفْسِهِ، وَفَدَّاهُ: إِذَا قَالَ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ. انْتَهَى.
وَهِيَ مَا تَجِبُ بِسَبَبِ نُسُكٍ أَوْ حُرُمٍ،
ويَجُوزُ لُبْسُ المُعَصْفَرِ والكُحْلِىِّ. يجوزُ لُبْسُ المُعَصْفَرِ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نقَلَه الجماعةُ، وعليه الأصحابُ، سَواءٌ كان اللَّابِسُ رجُلًا أو امرأةً. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال فى «الوَاضِحِ»: يجوزُ لُبْسُه ما لم يَنْفُضْ عليه. وسبَق فى آخرِ بابِ سَتْرِ العَوْرَةِ، أنَّه يُكْرَهُ للرَّجُلِ فى غيرِ الإِحْرامِ، ففيه أوْلَى.
وأما الكُحْلِىُّ وغيرُه مِنَ الصِّباغِ، فالصَّحيحُ مِن المذهبِ، أنَّه يجوزُ لُبْسُه مِن غيرِ اسْتِحْبابٍ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به المُصَنِّفُ وغيرُه. وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال فى «الرِّعايَةِ» وغيرِها: يُسَنُّ لُبْسُ ذلك. قال فى «الفُروعَ»: وهو أظْهَرُ. والخِضابُ بالحِنَّاء. يعْنِى، لا بأسَ به للمَرْأةِ فى إحْرامِها. وهو اخْتِيارُ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ، فإنَّهَما قالَا: لا بأْسَ به.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُكْرَهُ. ذكَرَه القاضى وجماعَةٌ، وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. فعليه، إنْ فعَلَتْ،
فإنْ شدَّتْ يَدَيْها بخِرْقَةٍ، فدَتْ، وإلَّا فلا.
فائدة: يُسْتَحَبُّ لها الخِضَابُ بالحِنَّاءِ عندَ الإحْرامِ. قالَه الأصحابُ،
ويُسْتَحَبُّ فى غيرِ الإحْرامِ لمُزَوَّجَةٍ؛ لأنَّ فيه زِينَةً وتحْبِيبًا للزَّوْجِ، كالطِّيبِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال فى «الرِّعايَةِ» وغيرِها: ويُكْرَهُ لأيِّمٍ؛ لعدَم الحاجَةِ مع خَوْفِ الفِتْنَةِ. [وفى «المُسْتَوْعِبِ»، لا يُسْتَحَبُّ لها.
وقال فى مَكانٍ آَخَرَ: كَرِهَه أحمدُ.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: هو بلا حاجَةٍ.
فأمَّا الخِضَابُ للرَّجُلِ، فقال المُصَنِّف، والشَّارِحُ، وجماعةٌ: لا بأْسَ به فيما لا تشَبُّهَ فيه بالنِّسَاءِ. وأطْلَقَ فى «المُسْتَوْعِبِ»، لها الخِضَابُ بالحِنَّاءِ. يَخْتَصُّ النِّساءَ] . وظاهِرُ ما ذكَرَه القاضى، أنَّه كالمرْأةِ فى الحِنَّاءِ؛ لأنَّه ذكَر المسْألَةَ واحِدَةً. انتهى.
ويُباحُ لحاجَةٍ. والنَّظَرُ فى المِرْآةِ لهما جَميعًا. يعْنِى، يجوزُ للرجُلِ والمرأةِ النَّظرُ فى المِرْآةِ لحَاجَةٍ؛ كمُداوَاةِ جُرْحٍ، وإزَالَةِ شَعَرٍ يَنْبُتُ فى عَيْنِه، ونحوِ ذلك. وهو مُرادُ المُصَنِّفِ.
وإنْ كانَ النَّظَرُ لإزالَةِ شَعَثٍ، أو تَسْويَةِ شَعَرٍ، أو شئٍ مِنَ الزِّينَةِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كُرِهَ ذلك . ذكَرَه الخِرَقِىُّ وغيرُه. وجزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنْ مُنَجَّى». وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقيل: يَحْرُمُ. وقال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ أنَّه لا يُكْرَهُ، وفى تَرْكِ الأوْلَى نظَرٌ؛ لأنَّه لا يُمْنَعُ أنْ يأتُوا شُعْثًا غُبْرًا. وأطْلَقَ جماعَةٌ مِنَ الأصحابِ، لا بأْسَ به، وبعضُ مَن أطْلَقَ، قيَّد فى مَكانٍ آخَرَ بالحاجَةِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: قال الآجُرىُّ، وابنُ الزَّاغُونِىِّ، وغيرُهما: ويَلْبَسُ الخاتَمَ. وتقدَّم جَوازُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لُبْسِه للزِّينَةِ فيما يُباحُ مِنَ الفِضَّةِ للرِّجالِ.
قال فى «الفُروعِ»: وإذا لم يُكْرَهْ فى غيرِ الإحْرامِ، فيتَوجَّهُ فى كراهَتِه للمُحْرِمِ لزِينَةٍ؛ ما فى كُحْلٍ ونظَر فى مِرْآةٍ.
فائدة: يجْتَنِبُ المُحْرِمُ ما نَهَى اللهُ عنه، ممَّا فُسِّر به الرَّفَثُ والفُسوقُ؛ وهو السِّبابُ.
وقيل: المَعاصِى، والجِدَالُ، والمِراءُ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: المُحْرِمُ ممْنُوعٌ مِن ذلك كلِّه.
وقال فى «الفُصُولِ»: يجِبُ اجْتِنابُ الجِدالِ؛ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو المُمارَاةُ فيما لا يَعْنِى.
[وقال فى «المُسْتَوْعِبِ»: يَحْرُمُ عليه الفُسوقُ؛ وهو السِّبابُ، والجِدالُ؛ وهو المُمارَاةُ فيما لا يَعْنِى] .
وقال فى «الرِّعايَةِ»: يُكْرَهُ كلُّ جِدَالٍ ومِراءٍ فيما لا يَعْنِيه، وكلُّ سِبَابٍ.
وقيلَ: يَحْرُمُ كما يَحْرُمُ على المُحِلِّ، بل أوْلَى. قال فى «الفُروعِ»: كذا قال.
وقال فى «الروضَةِ» وغيرِها: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُسْتَحَبُّ أنْ يَتوَقَّى الكَلامَ فى ما لا ينْفَعُ، والجِدَالَ والمِراءَ واللَّغْوَ وغيرَ ذلك، ممَّا لا حاجَةَ به إليه،
ويُسْتَحَبُّ قِلَّةُ الكلامِ إلَّا فى ما ينْفَعُ،
وقال فى «الرعايَةِ»: يُكْرَهُ له كَثْرَةُ الكلامِ بلا نفْعٍ. انتهى.
ويجوزُ له التِّجارَةُ وعمَلُ الصَّنْعَةِ. قال فى «الفُروعِ»: والمُرادُ ما لم يشْغَلْه عن مُسْتَحَبٍّ أو واجبٍ.
قال: (ويجوز لبس المعصفر والكحلي والخضاب بالحناء والنظر في المرآة لهما جميعاً) .
أما جواز لبس المعصفر والكحلي فلقوله صلى الله عليه وسلم:«ولتلبس إحداكن ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر أو كحلي».
وأما الخضاب بالحناء فلأن عكرمة قال:«كانت عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم يختضبن بالحناء وهن حرم».
وأما النظر في المرآة للرجل والمرأة فإن كان القصد بذلك إزالة شعث أو تسوية شعر أو شيئاً من الزينة كره لأنه زينة وقد روي:«إن المحرم الأشعث الأغبر».
وفي الحديث:«إن الله تعالى يباهي الملائكة بأهل عرفة فيقول: يا ملائكتي! انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً ضاحين».
وإن كان لغير ذلك جاز من غير كراهة.
أما الجواز فلأنه إذا جاز فيما تقدم فلأن يجوز في غيره بطريق الأولى.
وأما عدم الكراهية فلانتفاء موجبها المتقدم ذكره. [
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.