فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٢٬٥٣٩المقنعالحنابلةج ٤ ص ٣٠٣ج ٤ ص ٣٠٣

وَمَتَى عَقَلَ الْمَجْنُونُ وَبَلَغَ الصَّبِيُّ وَرَشَدَا انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُمَا بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ وَدُفِعَ إِلَيْهِمَا مَالُهُمَا

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (ومتى عَقَل المَجْنُونُ، وبَلَغ الصَّبِيُّ، ورَشَدا، انْفَكَّ الحَجْرُ عنهما بغيرِ حُكْمِ حاكِمٍ، ودُفِع إليهما مالُهما، ولا يَنْفَكُّ قبلَ ذلك بحالٍ) إذا عَقَل المَجْنُونُ ورَشَد انْفَكَّ الحَجْرُ عنه، ولا يَحْتاجُ إلى حُكْمِ حاكِمٍ، بغيرِ خِلافٍ،

١٥٬٤٥٢

وكذلك الصَّبِيُّ إذا بَلَغ ورَشَد. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.

١٥٬٤٥٣

وقال مالِكٌ: لا يَزُولُ إلَّا بِحاكِمٍ . وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشّافِعِيِّ، لأنَّه مَوْضِعُ اجْتِهادٍ ونَظَرٍ، فإنَّه يَحْتَاجُ في مَعْرِفَةِ البُلُوغِ والرُّشْدِ إلى اجْتِهادٍ، فيُوقَفُ ذلك على حُكْمِ الحاكِمِ، كزوالِ الحَجْرِ عن السَّفِيهِ. ولَنا، قَوْلُه تعالى:{فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ}. أمَرَ بدَفْعِ أمْوالِهم إليهم عندَ البُلُوغِ وإيناسِ الرُّشْدِ، فاشْتِراطُ حُكْمِ الحاكِمِ زِيادَةٌ تَمْنَعُ الدَّفْعَ عندَ وُجُودِ ذلك، حتى يَحْكُمَ الحاكِمُ، وهذا مُخالِفٌ لظاهِرِ النَّصِّ، ولأنَّه حَجْرٌ ثَبَت بغيرِ حُكْمِ حاكِمٍ، فيَزُولُ بغيرِ حُكْمِه، كالحَجْرِ على المجْنُونِ، ولأنَّ الحَجْرَ عليه إنَّما كان لعَجْزِه عن التَّصَرُّفِ في مالِه على وَجْهِ المَصْلَحَهِ، حِفْظًا لمالِه عليه، فمتى بَلَغ ورَشَد، زال الحَجْرُ، لزَوالِ سَبَبِه، والسَّفِيهُ لنا فيه مَنْعٌ.

فعلى هذا، الحَجْرُ مُنْقَسِمٌ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ؛ قِسْمٌ يَزُولُ بغَيرِ حُكْمِ الحاكِمِ، وهو الحَجْرُ للجُنُونِ. وقِسْمٌ لا يَزُولُ إلَّا بحُكْمِ حاكِم، وهو الحَجْرُ للسَّفَهِ. وقِسْمٌ فيه الخِلاف، وهو الحَجْرُ للصِّبَا .

فصل: ومتى انْفَكَّ الحَجْرُ عنهما، دُفِع إليهما مالُهما؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى:{فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ}. قال ابنُ المُنْذِرِ: اتَّفَقُوا على ذلك. ولأنَّ مَنْعَه مِن التَّصَرُّفِ إنَّما كان لعَجْزِه عن التَّصَرُّفِ، حِفْظًا لمالِه،

١٥٬٤٥٤

فإذا صار أهْلًا للتَّصَرُّفِ، زال الحَجْرُ؛ لزَوالِ سَبَبِه.

فصل: ولا يَنْفَكُّ عنه الحَجْرُ، ولا يُدْفَعُ إليه مالُه قبلَ البُلُوغِ والرُّشْدِ،

١٥٬٤٥٥

ولو صار شيخًا. وهو قولُ الأكْثَرِين. قال ابنُ المُنْذِرِ: أكْثَرُ عُلَماءِ الأمْصار مِن أهلِ العِراقِ، والحِجازِ، والشّامِ، ومِصْرَ، يَرَوْن الحَجْرَ على كلِّ مُضَيِّعٍ لمالِه، صَغِيرًا كان أو كَبِيرًا. وبه قال القاسِمُ بنُ محمدٍ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ. وروَى الجُوزْجانِيُّ، في «كِتابِه» قال: كان القاسِمُ بنُ محمدٍ يَلِي أمْرَ شيخٍ مِن قُرَيش ذي أهْلٍ ومالٍ، فلا يَجُوزُ له أمْرٌ في مالِه دُونَه؛ لضَعْفِ عَقلِه. قال ابنُ إسحاقَ: رَأيتُه شيخًا يَخْضِبُ، وقد جاء إلى القاسِمِ بنِ محمدٍ، فقال: يا أبا محمدٍ ادْفَعْ إليَّ مالِي، فإنَّه لا يُولَّى على مِثْلِي.

فقال: إنَّك فاسِدٌ. فقال،: امْرَأَتُه طالِقٌ ألْبَتَّةَ، وكلُّ مَمْلُوكٍ له حُرٌّ، إن لم تَدْفَعْ إلَيَّ مالِي. فقال القاسِمُ بنُ محمدٍ: وما يَحِلُّ لَنا أن نَدْفع إليك مالك على حالِك هذه. فبَعَثَ إلى امْرَأتِه،

١٥٬٤٥٦

وقال: هي حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ، وما كُنْتُ لأحْبِسَها عَلَيكَ وقد فُهْتَ بطَلاقِها. فأرْسَلَ إليها فأخبَرَها ذلك،

١٥٬٤٥٧

وقال: أمّا رَقِيقُكَ فلا عِتْقَ لك ولا كَرَامَةَ. فَحَبَسَ رَقِيقَه. قال ابنُ إسحاقَ: ما كان يُعابُ على الرجلِ إلَّا سَفَهُه.

١٥٬٤٥٨

وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يُدْفَعُ مالُه إليه قبلَ خَمْسٍ وعِشْرِين سَنَةً،

١٥٬٤٥٩

وإن تَصَرَّفَ نَفَذ تَصَرُّفُه، فإذا بَلَغ خَمْسًا وعِشْرِين سَنَة، فُكَّ الحَجْرُ عنه ودُفِعَ إليه مالُه؛ لقولِ اللهِ تعالى:{وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}. وهذا قد بَلَغ أشُدَّه، ويَصْلُحُ أن يكونَ جَدًّا، ولأنَّه حُرٌّ بالِغٌ عاقِلٌ مُكَلَّفٌ، فلا يُحْجَرُ عليه، كالرَّشِيدِ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى:{وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ}. أي أمْوالهم. وقَوْلُه تعالى:{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ}. عَلَّقَ الدَّفْعَ على شَرْطَين، والحُكْمُ المُعَلَّقُ على شَرْطَين لا يَثْبُتُ بدُونِهما.

١٥٬٤٦٠

وقال تعالى:{فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ}. فأثْبَتَ الولايةَ على السَّفِيهِ، ولأنَّه مُبَذِّرٌ، فلم يَجُزْ دَفْعُ مالِه إليه، كمَن له دُونَ ذلك.

١٥٬٤٦١

وأمّا الآيَةُ التي احْتَجَّ بها، فإنَّما تَدُلُّ بدَلِيلِ خِطابِها، وهو [لا يَقولُ] به، ثم هي مُخَصَّصَةٌ فيما قبلَ خَمْسٍ وعِشْرِين بالإجْماعِ؛ لعِلَّةِ السَّفَهِ، وهو مَوْجُود بعدَ خَمْسٍ وعِشْرِين، فيَجِبُ أن يُخَصَّ به أيضًا،؛ أنَّها لَمّا خُصِّصَتْ في حَقِّ المَجْنُونِ لجُنُونِه فيما قبلَ خَمْسٍ وعِشْرِين خُصِّصَتْ بعدَها. وما ذَكَرْنا من المَنْطُوق أوْلَى ممّا اسْتَدَلَّ به مِن المَفْهُومِ المُخَصَّصِ. وقَوْلُه: إنَّه صار يَصْلُحُ جَدًّا لا مَعْنًى تحتَه يَقْتَضِي الحُكْمَ، ولا له أصْلٌ يَشْهَدُ له في الشَّرْعِ، فهو إثْباتٌ للحُكْمِ بالتَّحَكُّمِ، ثم هو مُتَصَوَّرٌ ممَّن له دُونَ هذا السِّنِّ،

١٥٬٤٦٢

فإنَّ المرأةَ تكونُ جَدَّةً لإِحْدَى وعِشْرِين سَنَةً. وقِياسُهم مُنْتَقِضٌ بمَن له دُونَ خَمْسٍ وعِشْرِين سَنَةً، فما أوْجَبَ الحَجْرَ قبلَها يُوجِبُه بعدَها. إذا ثَبَت هذا، فإَّنه لا يَصِحُّ تَصَرُّفُه ولا إقْرارُه.

١٥٬٤٦٣

وقال أبو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ بَيعُه وإقْرارُه؛ لأنَّ البالِغَ عندَه لا يُحْجَرُ عليه، وإنَّما لم يُسَلَّمْ إليه مالُه ، للآيَةِ. ولَنا، أنَّه لا يُدْفَعُ إليه مالُه، لعَدَمِ رُشْدِه، فلم يَصِحَّ تَصَرُّفُه وإقْرارُه، كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، ولأنَّه إذا نَفَذ تَصَرُّفُه وإقْرارُه تَلِف مالُه، ولم يُفِدْ مَنْعُه مِن مالِه شيئًا، ولأنَّ تَصَرُّفَه لو كان نافِذًا، لسُلِّمَ إليه مالُه، كالرَّشِيدِ، فإنَّه إنَّما مُنِع ماله حِفْظًا له،

١٥٬٤٦٤

فإذا لم يُحْفَظْ بالمَنْعِ، وَجَب تَسْلِيمُه إليه بحُكْمِ الأصْلِ.

١٩٣٨ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَمَتَى عَقَلَ الْمَجْنُونُ وَبَلَغَ الصَّبِيُّ وَرَشَدَا انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُمَا)

١١٬٢٥٤

فَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَبِالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِجُنُونِهِ،

١١٬٢٥٥

فَإِذَا زَالَ وَجَبَ زَوَالُ الْحَجْرِ لِزَوَالِ عِلَّتِهِ،

١١٬٢٥٦

وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} (بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ) ،

١١٬٢٥٧

وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَجْنُونِ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ كَالسَّفِيهِ، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ فَاحْتِيجَ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إِلَيْهِ،

١١٬٢٥٨

وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ، وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ فَيَزُولُ بِغَيْرِ حُكْمِهِ كَالْحَجْرِ عَلَى الْمَجْنُونِ، وَفِيهِ وَجْهٌ. وَسَوَاءٌ رَشَّدَهُ الْوَلِيُّ أَوْ لَا.

قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَلَوْ نُوزِعَ فِي الرُّشْدِ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ قُبِلَ، لِأَنَّهُ قَدْ يَعْلَمُ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَمَعَ عَدَمِهَا لَهُ الْيَمِينُ عَلَى وَلِيِّهِ: أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ رُشْدَهُ،

١١٬٢٥٩

وَلَوْ تَبَرَّعَ وَهُوَ تَحْتَ الْحَجْرِ فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ بِرُشْدِهِ، نَفَذَ (وَدُفِعَ إِلَيْهِمَا مَالُهُمَا) ، لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الدَّفْعِ هُوَ الْحَجْرُ، وَقَدْ زَالَ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ اتِّفَاقًا، لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ إِنَّمَا كَانَ لِعَجْزِهِ عَنْهُ، وَحِفْظًا لِمَالِهِ،

١١٬٢٦٠

فَإِذَا صَارَ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ زَالَ الْحَجْرُ لِزَوَالِ سَبَبِهِ

الإنصافالمرداوي

ومتى عقَل المَجْنونُ، وبلَغ الصَّبِيُّ، ورشَدا، انْفَكَّ الحَجْرُ عنهما بغيرِ حُكْمِ حاكِمٍ. وهو المذهبُ، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ، ونصَّ عليه.

٢٠٬٥٢٨

وقيل: لا يَنْفَكُّ إلَّا بحُكْمِ حاكِمٍ. اخْتارَه القاضي.

٢٠٬٥٢٩

وقيل: لا يَنْفَكُّ في الصَّبِيِّ إلَّا بحُكْمِ حاكِم، ويَنْفَكُّ في غيرِه بمُجَرَّدِ رُشْدِه. وَالْبُلُوغُ يَحْصُلُ بِالاحْتِلَامِ، أوْ بُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَوْ نَبَاتِ الشَّعَرِ الْخَشِنِ حَوْلَ الْقُبُلِ، وَتَزِيدُ الْجَارِيَةُ بِالْحَيضِ وَالْحَمْلِ.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (ومتى عقل المجنون وبلغ الصبي ورشدا انفك الحجر عنهما بغير حكم حاكم ودفع إليهما مالهما. ولا ينفك قبل ذلك بحال) .

٧٬٢٥٥

أما كون المجنون ينفك الحجر عنه إذا عقل ورشد فبالاتفاق لأنه حجر عليه لجنونه فإذا زال وجب زوال الحجر لزوال علته.

٧٬٢٥٦

وأما كون الصبي ينفك الحجر عنه إذا بلغ ورشد؛ فلأن الله تعالى قال:{وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} أمر بدفع أموالهم إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد.

٧٬٢٥٧

وأما كون الحجر عليهم ينفك عنهما بغير حكم حاكم: أما في المجنون فبالاتفاق.

قال صاحب المغني فيه: لا خلاف في أن المجنون يدفع إليه ماله إذا زال جنونه وهو رشيد.

٧٬٢٥٨

وأما في الصبي؛ فلأن اشتراط ذلك فيما ذكر زيادة على قوله:{فإن ءانستم منهم رشداً فادفعوا ... الآية}.

ولأنه حجر عليه بغير حكم حاكم فيزول بغير حكمه كالحجر على المجنون.

٧٬٢٥٩

وأما كونه يُدفع مالهما إليهما إذا انفك الحجر عنهما؛ فلأن المانع من الدفع الحجر وقد زال.

٧٬٢٦٠

وأما كونه لا ينفك الحجر عنهما قبل زوال ما ذكر: أما في المجنون؛ فلأن الحجر عليه لجنونه فما دام كذلك يجب ثبوته عليه عملاً بالعلة.

٧٬٢٦١

وأما في الصبي؛ فلأن الله تعالى علق الدفع على شرطين، والحكم المعلق على شرطين لا يثبت بدونهما.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.