وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا تَحْتَهُ، أَوْ مَطْرُوحًا قَرِيبًا مِنْهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ وَأَوْلَى النَّاسِ بِحَضَانَتِهِ وَاجِدُهُ إِنْ كَانَ أَمِينًا وَلَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِمَّا وَجَدَ مَعَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى إِذْنِ حَاكِمٍ
الشروح عليها
مسألة: (وأوْلَى النّاسِ بحَضانَتِه واجِدُه إن كان أمِينًا) لأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أقَرَّ اللَّقِيطَ في يَدِ أبي جَمِيلَةَ، حين قال عَرِيفُه: إنَّه رَجُلٌ صالِحٌ. ولأنَّه سَبَق إليه، فكان أوْلَى به؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» . وهل يَجِبُ الاشْهادُ عليه؟ فيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَجِبُ، كما لا يَجبُ الإِشْهادُ في اللُّقَطَةِ.
والثّاني، يَجبُ؛ لأنَّ القَصْدَ بالإِشْهادِ حِفْظُ النَّسَبِ والحُرِّيَّةِ، فاخْتَصَّ بوُجُوبِ الشَّهادَةِ، كالنِّكاحِ. وفارَقَ اللُّقَطَةَ؛
فإنَّ المَقْصُودَ منها حِفْظُ المالِ، فلم يَجِبِ الإشْهادُ فيها، كالبَيعِ.
٢٥٢٥ - مسألة: (وله الإِنْفاقُ. عليه ممّا وُجِدَ معه بغيرِ إذْنِ حاكِم. وعنه، ما يَدُلُّ على أنَّه لا يُنْفِقُ عليه إلَّا بإذْنِه) وجُمْلةُ ذلك، أنَّه يُنْفِقُ على اللَّقِيطِ ممّا وُجدَ معه وما حُكِمَ له به،
فإن كان فيه كِفايَتُه، لم تَجِبْ نَفَقَتُه على أحَدٍ؛ لأَنَّه ذو مالٍ، فأشْبَهَ غيرَه مِن النّاسِ. ولمُلْتَقِطِه الإِنْفاقُ عليه منه بغيرِ إذْنِ الحاكِمِ. ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّه وَلِيُّه، فلم يُعْتَبَرْ في الإِنْفاقِ عليه إذْنُ الحاكِمِ، كوَلِيِّ اليَتِيمِ. ولأنَّ هذا مِن الأمْرِ بالمَعْرُوفِ، فاسْتَوَى فيه الإمامُ وغيرُه، كتَبْدِيدِ الخَمْرِ. وروَى أبو الحارِثِ، عن أحمدَ، في رَجُل أوْدَعَ رَجُلًا مالًا، وغابَ وطالتْ غَيبَتُه، وله وَلَدٌ، ولا نَفَقةَ له، هل يُنْفِقُ عليهم هذا المُسْتَوْدَعُ مِن مالِ الغائِبِ؟
فقال: تقُومُ امْرأتُه إلى الحاكِمِ، حتى يَأْمُرَه بالإِنْفاقِ عليهم. فلم يَجْعَلْ له الإنْفاقَ مِن غيرِ إذْنِ الحاكِمِ، فقال بعضُ أصحابِنا: هذا مِثْلُه.
والصَّحِيحُ أنَّ هذا مُخالِفٌ له مِن وَجْهَينِ؛ أحدُهما، أنَّ المُلْتَقِطَ له ولايَةٌ على اللَّقِيطِ وعلى مالِه؛
فإنَّ له ولايةَ أخْذِه وحِفْظِه.
والثّانِي، أنَّه يُنْفِقُ على اللَّقِيطِ مِن مالِه، وهذا بخِلافِه، ولأنَّ الإِنْفاقَ على الصَّبِيِّ مِن مالِ أبيه مَشْرُوطٌ بكَوْنِ الصَّبِيِّ مُحْتاجًا إلى ذلك؛ لعَدَمِ مالِه، وعَدَمِ نَفَقةٍ تَرَكَها أبُوه برَسْمِه، وذلك لا يُقْبَلُ فيه قولُ المُودَعِ، فاحْتِيجَ إلى إثْباتِ ذلك عند الحاكِمِ، ولا كذلك في مسألتِنا، فلا يَلْزَمُ مِن وُجُوبِ اسْتِئْذانِ الحاكِمِ ثَمَّ وُجُوبُهْ في اللَّقِيطِ.
ومتى لم يَجِدْ حاكِمًا، فله الإنْفاقُ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه حالُ ضَرُورَةٍ.
وقال الشافعيُّ: ليس له أن يُنْفِقَ بغيرِ إذْنِ حاكِمٍ في مَوْضِعٍ يَجِدُ حاكِمًا،
وإن أنْفَقَ ضَمِنَ، بمَنْزِلَةِ ما لو كان لأبي الصَّغِيرِ وَدِيعةٌ عند إنْسانٍ فأنْفَقَ عليه منها، وذلك لأنَّه لا ولايةَ له على مالِه، وإنَّما له حَقُّ الحَضانةِ.
فإن لم يَجِدْ حاكِمًا، ففي جَوازِ الإِنْفاقِ وَجْهان. ولَنا، ما ذَكَرْناه ابْتِداءً، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا ولايةَ له على مالِه، فإنّا قد بَيَّنّا أنَّ له أخْذَه وحِفْظَه، وهو أوْلَى النّاسِ به، وذَكَرْنا الفَرْقَ بينَ اللَّقِيطِ وبينَ ما قاسُوا عليه. إذا ثَبَت هذا، فالمُسْتَحَبُّ أن يَسْتَأْذِنَ الحاكِمَ في مَوْضِعٍ يَجِدُ حاكِمًا؛ لأنَّه أْبعَدُ مِن التُّهْمَةِ، وأقْطَعُ للظِّنَّةِ، وفيه خُرُوجٌ مِن الخِلافِ وحِفظٌ لمالِه مِن أن يَرْجِعَ عليه بما أنْفَقَ. ويَنْبَغِي أن يُنْفِقَ عليه بالمَعْرُوفِ، كما ذَكَرْنا في وَلِيِّ اليَتِيمِ.
فإن بَلَغ اللَّقِيطُ، واخْتَلَفا في قَدْرِ ما أنْفَقَ،
وفي التَّفْرِيطِ في الإِنْفاقِ، فالقولُ قولُ المُنْفِقِ؛ لأنَّه أمِينٌ، فكان القولُ قولَه في ذلك، كوَلِيِّ اليَتِيمِ.
٢٥٢٦ -
(وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا تَحْتَهُ، أَوْ مَطْرُوحًا قَرِيبًا مِنْهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) ،
أَمَّا الْمَدْفُونُ تَحْتَهُ فَهُوَ لَهُ كَالْمُتَّصِلِ؛ وَلِأَنَّهُ يُحْكَمُ بِهِ لِلْبَالِغِ، فَكَذَا لِلطِّفْلِ،
وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لَا يَسْتَحِقُّهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ لَشَدَّهُ وَاضِعُهُ فِي ثِيَابِهِ لِيُعَلَّمَ بِهِ، وَتَوَسَّطَ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْمَجْدُ فَجَعَلَاهُ لَهُ بِشَرْطِ طَرَاوَةِ الدَّفْنِ؛ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ،
وَأَمَا الْمَطْرُوحُ قَرِيبًا مِنْهُ فَقَطَعَ الْمَجْدُ وَالْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي "، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَهُ؛ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَالثَّانِي، وَأَوْرَدَهُ أَبُو الْخَطَّابِ مَذْهَبًا: لَا يَكُونُ لَهُ كَالْبَعِيدِ، وَيَرْجِعُ بِهِ إِلَى الْعُرْفِ، وَحَيْثُ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِهِ فَهُوَ لُقَطَةٌ أَوْ رِكَازٌ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "،
وَفِي ثَالِثٍ: إِنْ وَجَدَ رُقْعَةً فِيهَا أَنَّهُ لَهُ فَهُوَ لَهُ (وَأَوْلَى النَّاسِ بِحَضَانَتِهِ وَاجِدُهُ إِنْ كَانَ أَمِينًا) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَقَرَّ اللَّقِيطَ فِي يَدِ أَبِي جَمِيلَةَ حِينَ قَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ؛ وَلِأَنَّهُ سَبَقَ إِلَيْهِ فَكَانَ أَوْلَى بِهِ؛ لِلْخَبَرِ، (وَلَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِمَّا وَجَدَ مَعَهُ) مِنْ عَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ (بِغَيْرِ إِذْنِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى إِذْنِ حَاكِمٍ) كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ،
وإنْ كان مَدْفُونًا تحتَه -يعْنِي، إذا كان الدِّفْنُ طَرِيًّا- أو مَطْرُوحًا قَرِيبًا منه، فعلى وَجْهَين. ذكَر المُصَنِّفُ هنا مَسْألَتَين؛ إحْداهما، إذا كان مدْفُونًا تحتَه، والدِّفْنُ طَرِيًّا، فأطْلَقَ فيه وَجْهَين، وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الشَّرْحِ»؛ أحدُهما، يكونُ له. وهو المذهبُ، صحَّحه في «التَّصْحيحِ». وقطَع به ابنُ عَقِيلٍ، وصاحِبُ «الخُلاصةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيز»، و «المُنَوِّرِ»، و «تذكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ».
قلتُ: وهو الصَّوابُ. والوَجْهُ الثَّاني، لا يكونُ له. قدَّمه في «الهِدايَةِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الكافِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «النَّظْمِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ». وهو المذهبُ، على المُصْطَلَحِ في الخُطةِ. وحكَى في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ» وَجْهًا، أنَّه له،
ولو لم يكُن الدِّفْنُ طَرِيًّا. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا. وهو بعيدٌ جِدًّا. ولم يذْكُره في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ». الثَّانيةُ ، إذا كان مَطْرُوحًا قريبًا منه، فأطْلَقَ المُصَنِّفُ فيه الوَجْهَين، وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِي»، و «ابنِ مُنَجَّى»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وَأوْلَى النَّاسِ بِحَضَانَتِهِ وَاجِدُهُ إِنْ كَانَ أمِينًا.
و «الفائقِ»، و «النَّظْمِ»؛ أحدُهما، يكونُ له. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. صحَّحه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، و «التَّصْحيحِ». وجزَم به في «الخُلاصةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ». والوَجْهُ الثَّاني، لا يكونُ له. قدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ». واخْتارَه ابنُ البَنَّا. ولنا قَوْلٌ ثالثٌ في أصْلِ المَسْألتَين بالفَرْقِ بين المُلْقَى قريبًا منه وبينَ المَدْفُونِ تحتَه، فيكونُ المُلْقَى القريبُ له دُونَ المَدْفُونِ تحتَه.
قاله في «المُجَردِ»، وقطَع به. قال الحارِثِيُّ: ويقْتَضِيه إيرادُه في «المُغْنِي».
قلتُ: قدم في «الكافِي»، و «النَّظْمِ»، أنَّه لا يمْلِكُ المَدْفُونَ. وأطْلَقا في المُلْقَى القريبِ الوَجْهَين، كما تقدَّم. وَلَهُ الإنفَاقُ عَلَيهِ مِمَّا وُجدَ مَعَهُ بِغَيرِ إِذْنِ حَاكِمٍ.
وَعَنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْفِقُ عَلَيهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وله الإِنفْاقُ عليه مما وُجِدَ معه بغيرِ إذْنِ حاكِمٍ. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. وقطَع به ابنُ حامِدٍ، والمُصَنفُ في «الكافِي»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه ما يدُلُّ على أنَّهُ لا ينفِقُ إلَّا بإذْنِه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو وَجْهٌ في «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، ورَدَّ هذه الرِّوايَةَ المَجْدُ في «شرْحِه». ذكَرَه في «القَواعِدِ»،
وكذا المُصَنِّفُ، نقَلَه الزَّرْكَشِيُّ. وتقدَّم قريبًا، إذا أنْفَقَ عليه مِن مالِه، ونوَى الرُّجوعَ.
وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا، فوائد؛ منها،
وكذا الحُكْمُ في حِفْظِ مالِه. قطَع به في «المُغْنِي» وغيرِه.
وقال في «التَّلْخيصِ»: يحْتَمِلُ اعْتِبارَ إذْنِ الحاكِمِ فيه. ومنها، قَبُولُ الهِبَةِ، والوَصِيَّةِ. قال الحارِثِيُّ: مُقْتَضَى قَوْلِه في «المُغْنِي»، أنَّه للملتقِطِ، ومُقْتَضَى كلامِ صاحِبِ «التَّلْخيصِ»، أنَّه للحاكِمِ.
قلتُ: كلامُ صاحِبِ «المُغْنِي» مُوافِقٌ لقَواعِدِ المذهبِ في ذلك.
قال: (وأولى الناس بحضانته واجده إن كان أميناً. وله الإنفاق عليه مما وجد معه بغير إذن حاكم. وعنه: ما يدل على أنه لا ينفق عليه إلا بإذنه) .
أما كون أولى الناس بحضانة اللقيط واجده إن كان أميناً؛ فلأن عمر رضي الله عنه أقرّ اللقيط في يد واجده .
ولأنه سبق إليه فكان أولى به؛ لقوله عليه السلام:«من سبق إلى ما لم يسبقْ إليه أحدٌ فهو أحق به».
واشترط المصنف الأمانة في الواجد؛ لأن عمر أقرّ اللقيط في يد واجده بعد أن علم أنه رجلٌ صالح.
ولأن ذلك ولاية. فلا يجوز أن يليها غير عدلٍ، كسائر الولايات.
وأما كونه له الإنفاق عليه مما وجد معه بغير إذن حاكمٍ على المذهب؛ فلأنه جُعل أميناً على اللقيط. فكان له الإنفاق عليه من ماله بغير إذن الحاكم، كالوصي .
وأما كونه لا يُنفق عليه إلا بإذنه على روايةٍ؛ فلأنه إنفاقٌ على صبي. فلم يجز بغير إذن الحاكم، كما لو أنفق على صغيرٍ مودَعٍ عندَه.
قال صاحب النهاية فيها: والصحيح قولنا يعني الأول؛ لأن الظاهر أن اللقيط لا ولي له. فجاز أن يُجعل الملتقط ولياً له. وبهذا فارق الصبيُّ المودَعَ.
فإن الولاية عليه لغير المستودَع ثابتة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.